الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي انتهت المقابلة وانطلقنا في شوارع المدينة المقدسة التي حرمنا من دخولها سنوات طويلة: هنا قضيت خمس سنوات رائعة عندما التحقت بوظيفتي كمحرر في صحيفتي "الفجر" و"الشعب" المقدسيتين، هاجمتني الأمكنة واشتعلت ذاكرتي بحكايات المدينة المثيرة وقصص زملاء المهنة وشغب الأصدقاء وخَفَر الصديقات متداخلة مع أحياء البلدة العتيقة وساحة المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة المقدسة والبوابات القديمة وحارة النصارى وشارع الأنبياء وشارع صلاح الدين، تجولت غريباً في معظم هذه الأمكنة التي غادرتها منذ سنوات بعيدة ووقفت وحيداً على بوابتين مغلقتين لصحيفتي "الشعب" و"الفجر" لقد أصبحتا رماداً حزيناً من الماضي.. هل باتت مؤسسات المدينة المقدسة غارقة في حصارها وأحزانها إلى هذه الدرجة من التمزق القهري؟ قتلتني الأسئلة المتفجرة أثناء مغادرتي مساءً مدينة التاريخ التي لا أعرف متى سأعود إليها وألتقيها .. هي قريبة جداً للأمكنة وللقلب، لكن الطواف في أماكنها المقدسة بات صعب المنال !!.
لم تمض سوى عشرة أيام حتى تسلّمنا عبر البريد السريع الجوازات الفلسطينية الثلاث تحمل ثنايا أوراقها الزيتية الجميلة ثلاث تأشيرات هجرة صالحة مدة ستة أشهر منذ آذار وحتى أيلول، وقد فرضت على الفور تحدياً: هل نستطيع ترتيب أمورنا ورزم حقائبنا وحجز تذاكرنا مع بداية شهر حزيران؟ انشغلنا على مدار شهرين في ترتيب أمور المغادرة التي ترافقت مع ضغط "تشطيب" بيت جديد رحلنا إليه.
مع نهاية الامتحانات المدرسية كنا جاهزين للانطلاق، قطعنا جسر الكرامة مساء الرابع من حزيران(2005) بعد معاناة شديدة وفرتها الطرق الالتفافية وحواجز الاحتلال مضافاً اليها الاجراءات الادارية لمكاتب سيارات الجسر والمعابر والشرطة والاستراحة وتكلفة المغادرة الباهظة: أجرة المسافر الى مدينة أريحا عشرون شاقلاً، وعند توجهه إلى استراحة الجسر فانه مجبر على دفع خمسين شاقلاً أكثر من نصفها أجرة الأمتار القليلة بين أريحا والاستراحة.
ولحظة دخولنا "الاستراحة"، وهي اسم حركي للمشقة، انهالت علينا التذاكر من كل صوب: دفعنا في المتر الأول رسوم كل طرد ثم دفعنا للعتال الذي لمس الحقيبة فقط، واشترينا تذاكر صعود باص الاستراحة ثم دفعنا رسوم مغادرة قدرها 23 ديناراً، وأخيراً سددنا ثمن الاوكسجين الذي حجزته رئاتنا قبل أن نجتاز أمتاراً قليلة نحو الشرق، وواصلنا عملية الدفع في الجانب الأردني: عشرة دنانير بدل عدم ممانعة وكذلك أجرة الباص من نقطة الجسر وأجرة النقل إلى عمان.. وبحساب بسيط اتضح أن كل مسافر عبر جسر الكرامة يدفع من عمره القصير عشر ساعات قاتلة ومن جيبه المثقوب مائة دولار لضمان اجتياز ثمانين كيلو متراً من المشقة والانهاك بين رام الله وعمان بمعدل دولار وربع للكيلو متر الواحد !! .
هل "الاستراحة" التي لا تحمل شيئا من مواصفات اسمها ضرورية كمحطة للمسافر؟ هل تتلاشى الأعباء المالية والمعنوية عن كاهل المغادرين والقادمين عبر جسر "الكرامة" لينال شرف إسمه ؟ ظلت هذه الأسئلة تطرق على خزان رأسي حتى غلبني النوم، وقبل انتصاف الليل كنا ننفض إرهاقنا على مقاعد فندق غربي العبدلي في عمان .
بعد مراجعة روتينية للأمن الأردني حصلت على إذن بالسفر عبر مطار عمان وإنطلقنا عصر السابع من حزيران إلى المطار الدولي للمغادرة على متن الخطوط الجوية الملكية الأردنية إلى شيكاغو، دقق موظفو المطار بأوراقنا وجوازات سفرنا وحقائبنا ثم دخلنا قاعة الانتظار استعداداً للتحليق جوا.
13 ساعة الى "أُوهير"
اتجهت الايرباص الضخمة بلون ظهرها الرمادي المميز إلى مطار "أُوهير" في شيكاغو، أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى أحد قادة الولايات المتحدة العسكريين في الحرب العالمية الثانية، ذابت الطائرة الأردنية في السماء كانبوبة صغيرة على متنها 250 راكبا تحملهم بين جناحيها على ارتفاع 11 ألف متر وبمعدل سرعة يصل 900 كم في الساعة وبدرجة حرارة خارجية تبلغ نحو الخمسين مئوي تحت الصفر، قطعت أكثر من عشرة آلاف كيلومتر في غضون ثلاث عشرة ساعة من الطيران المتواصل قبل أن تهبط على مدرج "أُوهير" الدولي.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .