jump to navigation

الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي

8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي

عدنا الى شيكاغو نحمل ثلاث بطاقات إقامة أو ما يسمى "غرين كارد" وكذلك بطاقات الضمان الاجتماعي، وعلى الفور تقدمنا للحصول على جوازي سفر لنضال ونادين عبر البريد في ضواحي شيكاغو.
 دققت موظفة البريد في كل الأوراق الرسمية وطلبت جواز سفر زوجتي للتأكد من تطابق الاسم في معاملات الأولاد، دفعنا رسوماً مضاعفة لضمان استلام سريع لجوازات السفر، وعند موعد الاستلام تلقينا بدل جوازات السفر رسالة تعلمنا أن معاملاتنا غير مكتملة وينقصها وثيقة الجنسية الخاصة بزوجتي، وهي شهادة رسمية تسلم عادة في احتفال جماعي عند الحصول على الجنسية وهي بمثابة شهادة ميلاد أميركية تسّهل الحصول على جواز السفر. وللعلم فان أول إصدار لجواز سفر اميركي يحتاج إلى شهادة الجنسية الأصلية أو شهادة ميلاد أصلية ودون هذه الوثيقة الأصلية يستحيل الحصول على جواز السفر.
 اضطررنا للاستعانة بالأهل والأصدقاء لتأمين وثيقة الجنسية من منزلنا في رام الله .. لم يمر سوى ثلاثة أيام حتى تسلمنا الوثيقة عبر البريد السريع، حملناها واتجهنا إلى المركز الرئيسي لمكتب جوازات السفر في مركز مدينة شيكاغو، وهو مبنى ضخم لا يقل عن ثلاثين طابقاً، ويحتل الدور السابع عشر فيه مكتب خاص بجوازات السفر.
حجزنا دورنا بين عدد كبير من المراجعين، وعندما حان موعدنا  استقبلتنا الموظفة التي تناولت ملفنا حسب رقم الضمان الاجتماعي وموعد المقابلة وحولتنا  مع الملف الى موظف آخر أشار لنا أن المعاملات ينقصها وثيقة الجنسية الخاصة بالأم، سلمناه الوثيقة وسألنا:
    * متى تريدون وثائقكم ؟
- نحتاجها اليوم لأننا على موعد سفر غداً.
• إذاً عودوا خلال ساعة وسيكون كل شيء جاهزاً.
هل يعقل أن نتسلم جوازي سفر خلال ساعة، تجولنا في مركز مدينة شيكاغو وارتحنا قليلاً في مطعم مجاور للمركز الاسلامي بقلب المدينة، وعندما حان الموعد صعدنا الى الدور السابع عشر، سلمنا وصل الجوازات إلى الموظف المسؤول فاستلمنا جوازي سفر نضال ونادين وجميع الوثائق الأصلية التي تطلبتها المعاملة، لم نصدق الأمر في البداية وبدا كأنه مزحة حتى أن نضال شكك في جواز سفره وقال ساخراً: يبدو أنه مزور !!
هذا هو نمط الايقاع السريع للحياة الاميركية، لكل وقت ثمن ونحن دفعنا ثمن سرعة إنجاز جوازات السفر وإلا كنا سننتظر ستة أسابيع أخرى حتى تصلنا عبر البريد.
مآسي الحدود !ا
بعد ظهر يوم الجمعة الخامس من آب، أدار حسن محرك سيارته وانطلق باتجاه الشرق قليلا ليتجاوز نهايات بحيرة ميتشغن نحو الشمال باتجاه الحدود الكندية قاطعاً ولايتي إلينوي وميتشغن في غضون خمس ساعات، كانت سيارته تطارد الأشباح على الطرق السريعة وعندما هبط الليل اصطدمنا بسيارة مسرعة كانت تعبر الى الخط الرئيسي من معبر فرعي، ترنحت سيارتنا يميناً وشمالاً قبل السيطرة جيداً على مقودها ثم استقرت بعد اصطدامها بعدد من اشارات الأشغال على الطريق، اعتذر السائق الاميركي بهدوء وأخبرنا أن تأمينه شامل وبامكانه تغطية كل الأضرار، كانت الضربة بسيطة في نهايات السيارة التي نستقلها بينما حطمت الزاوية اليسرى من السيارة الأخرى. تبادل السائقان أرقام هواتفهما ووثائق التامين وتابعنا سيرنا نحو جسر "وينزرد" مروراً بأطراف مدينة ديترويت الشهيرة التي استقرت بها جالية عربية كبيرة منذ 120 سنة.
 في نقطة العبور الحدودية، التزم حسن بسيارته صفا طويلاً للحافلات تقطع الحدود إلى كندا، جمع جوازات السفر قبل وصول شرطي الحدود الذي لم يتسلم الوثائق قطعياً، وطلب معتذراً دولارين رسوم عبور إلى كندا لم تختم جوازات السفر بل لم تفتح على الاطلاق.
 هل هذه نقطة حدود فعلاً؟ أنا أعرف أن الحدود ليست على هذه الشاكلة ولم أصادف هذا النموذج إلا في دول اوروبا قبل إعلان وحدتها. على الجسر الطويل المعلق بين كندا والولايات المتحدة لاحت بذاكرتي سريعاً أربع قصص للمعابر والحدود العربية:
في قاعة المحاضرات وخلال سنتي الدراسية الثالثة بدائرة الاعلام - جامعة بغداد عام 1978 حدثنا البروفيسور عبد المنعم عبد الوهاب أستاذ مادة الجيوبولتيكس _ الجغرافيا السياسية _ عن أسباب منعه عدة ساعات من دخول مصر عبر مطار القاهرة: "صيف 1976 توجهت برفقة زوجتي الاميركية وبناتي الصغيرات لزيارة سياحية، أوقفني أمن المطار ومنعني من الدخول بحجة جواز سفري العراقي وسمح لزوجتي وبناتي بالمرور بجواز السفر الامريكي، انتظرت زوجتي ساعات طويلة حتى نفذ صبرها فاتجهت إلى الضابط المسؤول وأخبرته أن بحوزتي جواز سفر اميركي، فما كان منه إلا أن اتجه نحوي طالباً ابراز وثيقتي، حاولت اقناعه بأنني أرغب دخول مصر ببطاقتي العربية لكنه انتزع جواز سفري الاجنبي معطياً الإذن بعبور المطار، وعندما سألته عن سّر حظر دخولي للجمهورية العربية، اعترف مسؤول الأمن بان المعلومات التي بين يديه تؤكد تهمتي بالمشاركة بمظاهرة طلابية ضد النظام الملكي عام 1949 أثناء دراستي في جامعة الاسكندرية. قلت له لكنكم يا سيدي قبرتم النظام الملكي بثورة يوليو عام 1952 بزعامة جمال عبد الناصر، لم يعلق ضابط الأمن بل اكتفى بالقول أن هذا شأن مصري وأشار بحركة من يده لدخولي". صمد الدكتور عبد المنعم عبد الوهاب، القومي العربي، في بغداد كل سنوات الحصار رافضاً مغادرة بلده إلى أن مات قهراً قبل احتلال بغداد بفترة وجيزة.
 سنة 1998 تمكنت بصعوبة بالغة من الحصول على تصريح عبور للوصول إلى نقطة رفح متوجها إلى مصر، وبرغم كثافة أعداد المغادرين اجتزنا النقطة الفلسطينية باتجاه المصرية وانتظرت ساعات طويلة على أمل السماح لي بمتابعة سفري، قبيل منتصف الليل أخبرني أكرم بيه، السيّد الأوحد المطلق على نقطة الحدود، بان تأشيرة دخولي ستصل في الصباح وعلي قضاء ما تبقى من ساعات الليل على المعبر، اعترضت على ذلك رافضاً الأجراء باعتباره يمس كرامتي، توجه للجندي آمراً: أعطه جواز سفره وأعده من حيث أتى، فيما أعطي تعليماته بمرور عذب لأربع شابات روسيات جميلات كن يعاملن بدلال على المعبر. مّر بيّسر مئات الأجانب والاسرائيليين دون أن تلمس حقائبهم الأرض.. كان "العتالة" يحملونهم مع حقائبهم مكرمين إلى السيارات التي تنتظرهم بالخارج. أذكر سيدة افريقية واحدة كانت تتلوى ألماً على المقاعد الخشبية للانتظار، كان الأمر يقضي بعدم دخولها لمصر مع نجلها الصغير.في نهاية الأمر عُدت مع شاب فلسطيني كان ينتظر وحيداً في الحافلة التي أقلتنا إلى الجانب الفلسطيني وقضيت ما تبقى من الليل بمنزله في غزة ثم حجزت في فندق وقضيت ثلاثة أيام حتى تمكنت من الحصول على إذن بمغادرة غزة عائداً إلى رام الله. كانت رغبتي اجتياز أطراف صحراء سيناء باتجاه السويس ثم القاهرة كنت أحاول تخيّل المشهد وطول الطريق هل يتطابق كل شيء مع قراءاتي التاريخية والجغرافية؟ لكن سيّد المعبر أفسد كل شيء، ماذا تفعل رغبة "مواطن" عربي أمام جبروت سلطة تنفيذية بكل قوتها وهيبة أجهزتها، كان بالامكان ضمان مرور آمن لو "كنت" الروسية الخامسة في مجموعة الشابات اليافعات اللواتي نُقلن كفراشات طائرة إلى القاهرة !!
عام 1977 وقّع العراق مع سوريا ما أطلق عليه اسم "الميثاق القومي" وانفتح البلدان على بعضهما لشهر عسل قصير، في تلك الفترة قررت إدارة كلية الاعلام تنظيم جولة صحفية لطلابها في سوريا، جمعت تكاليف الرحلة وجهزت عددا من الحافلات وانطلقت غرباً، وعلى الحدود أصر الضابط السوري منع دخول مجموعة من طلبة فلسطين رغم كل توسلات الأستاذ العراقي المشرف على الرحلة. اعتذر أستاذنا وهو يتعرق خجلاً من محاضراته الأكاديمية حول الوحدة العربية فيما احتجزنا ضابط الحدود السوري ساعات طويلة تحت ضغط أسئلته عن نشاط اتحاد طلبة فلسطين في بغداد، توقفت أسئلته عندما لاحت سيارة مغادرة إلى العراق، قذفونا في صندوقها وعدنا منكسرين إلى بغداد لنقرأ في صحف الصباح "وثائق مشروع الميثاق القومي الهادف إلى تلاحم الأمة وتحطيم الحدود ودحر العدو".. ولكن لم أعرف في تلك اللحظة التي وصلت فيها قعر الانهاك مَنْ هو العدو المقصود في مشروع وحدة الأنظمة!!
 عام 1996 تمكنت لأول مرة من اجتياز نهر الأردن بعد مرور 16 سنة على عودتي إلى الضفة الغربية، ولم يكن بالامكان مروري لولا انضمامي لوفد اعلامي برئاسة ياسر عبد ربه وزير الاعلام الأسبق عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان الوفد متوجهاً إلى دمشق لحضور مؤتمر اعلامي، وصلت النقطة الأردنية لم يكن بحوزتي بطاقة جسور خضراء فتوقفت مرغماً على الجسر، فيما تابع الوفد طريقه إلى الشام بعد وعد بحل سريع للمشكلة، بعد ساعات تسلمت ورقة مراجعة لدائرة المخابرات العامة وقضيت طوال اليوم الثاني تحت أسئلة لا نهاية لها حول نشاطي الطلابي قبل أكثر من عشرين عاماً !! وانتهت المقابلة بتعليمات تقضي بمروري على "الدائرة" كلما دخلت إلى الأردن، وطوال عشر سنوات مررت من الأردن أربع مرات، وكان آخرها هذه الرحلة، وفي كل مرة أتسلم ورقة لمراجعة "الدائرة" أنتظر ساعات طويلة قبل أن أحظي "بمقابلة" خاطفة ليسمح لي بعدها بالمغادرة.
 قد تكون هذه القصص الشخصية التي عشتها وسمعتها وسجلت بعضها خطفاً دون توثيق أو تفاصيل هي التي دفعتني للتفكير بالفرصة المتاحة لضمان جواز سفر أميركي لنضال ونادين عسى أن يخفف عنهم قسوة حدود "الوحدة" العربية وحرب الأنظمة على معظم "مواطنيها" حيث تستبدل "المواطنة" بوثيقة سفر جاهزة للمصادرة دون أسباب في كل وقت وعند كل معبر حدودي وفق رغبة مندوب الجهاز التنفيذي حتى باتت وثيقة السفر العربية "قيد سفر".

جولة كندية
اقترب الجسر المعلق الطويل بين كندا وامريكا من نهايته: أنتم الآن في كندا هل تصدقون؟ سأل حسن، فيما كان شقيقه نضال وزوجته وأنجاله الثلاثة ينتظرون عند العاشرة ليلاً في مقهى كندي، تناولنا القهوة الكندية المميزة "تيم هورتنز" وتبادلنا الأحاديث المختلفة، وتذكر نضال المكان جيداً على مدار 18 سنة عاشها في كندا: "هنا استقبلت المرحومة والدتي قبل سنوات عدة واستقبلت كذلك والدي، وفي هذا المكان أيضاً التقيت بشقيقي حازم القادم من السويد عبر اميركا واستقبلت وودعت عدداً من الأصدقاء".
المكان هادىء لا يشي بأنه يجاور نقطة حدودية، فيه يتجمع الأهالي والأصدقاء للوداع والاستقبال، وعلى مقربة منا كانت اللهجة العراقية المحببة تكشف سر لقاء أفراد عائلة وصلت من امريكا أو في طريق عودتها إلى كندا، كانت العواطف والمشاعر العربية الصادقة تعصف بالمقهى الكندي، تبادلنا التحيات سريعاً ثم انطلق كل إلى مسربه.. ودعنا حسن عائداً إلى شيكاغو فيما حرك نضال سيارته باتجاه الشمال الكندي.
 كانت الطريق مستقيمة طويلة ومعتمه باتجاه تورنتو، وكان نضال، وهو سائق شاحنات تجارية محترف بين كندا وامريكا يقود سيارته بهدوء. المدينة الأولى التي شاهدنا أضواءها عن بعد تدعى لندن، ضحك نضال عندما قال أنها النسخة الكندية للعاصمة البريطانية، وبعد  اجتيازها توالى ظهور البلدات الصغيرة بالتدريج، ومع اقتراب الفجر كنا على مدخل "ميسيساغا" المدينة التي يعيش فيها، وهو اسم قديم لم ألتقط معناه أطلقه الهنود الحمر على المكان الذي يبعد نحو ثلاثين كيلومترا عن تورنتو العاصمة الاقتصادية لكندا.
عندما وصلنا شقته اكتشفنا ضخامة العمارة السكنية التي يعيش فيها، فغالبية القاطنين من مهاجري جمايكا، ويتميزون بأطوالهم وسواد بشرتهم وأحياناً عنفهم، فيما تسكن قلة من العرب والافغان والصوماليين في العمارة، ويسكن نضال خوف حقيقي على فقدان أحد أولاده في العمارة أثناء استخدامه للمصعد الكهربائي ولهذا يحرص على أن يصعد ويهبط معهم.. ربما لم يحدث ذلك ولكن هذه هي هواجس المهاجرين الذين يعيشون في عمارات سكنية كبيرة ولا يعرفون أحداً من سكانها.
 أقمنا في مدينة ميسيساغا ستة أيام تجولنا خلالها في أماكن عديدة:  شلالات نياغرا التي تقع في الأراضي الاميركية وتصب مياهها في كندا، استغرقت طريقها باتجاه الشمال الغربي نحو ساعتين، قبل وصول الشلالات اخترقنا مدينة سكنية كبيرة يتجاوز سكانها نصف المليون نسمة تحمل الاسم نفسه: شلالات نياغرا.
تشكلت الشلالات من مجموعتين بزاويتين متجاورتين تظهران وكأنهما شبه متقابلتين، ويبدو مشهدها من الأراضي الكندية أجمل كثيراً من حدود الولايات المتحدة التي اجتهدت في بناء جسر طويل للزائرين لضمان رؤية مشهد يليق بالشلالات وروعتها وتدفق مياهها الوفيرة التي يبتلعها نهر يصب في الأراضي الكندية.
المياه تجري في مكان منبسط بالأراضي الاميركية ثم تسقط بكثافة شديدة وغزارة هائلة عند انكسار صخري كندي لا يزيد عن ارتفاع مائة متر، بدت الشلالات للوهلة الأولى بأنها ذات قامة قصيرة، أقصر مما كنت أتخيّل ولكنها أيضاً أكثر عرضة واتساعاً مما كنت أظن، كان رذاذها يتطاير على آلاف السائحين في الجانب الكندي الذين يسيرون ببطء على رصيف طويل يبعد عنها مسافة مائتي متر.
 عند ساعات المساء أخذ السائحون يجلسون منتظرين على أرصفة شارع ممتد يصل الشلالات بأطراف المركز الحيوي للمدينة، ومع العاشرة ليلاً أضاءت كشافات كبيرة ملونة المياه بدا مشهد مثير تضاعفت روعته بغطاء من الألعاب النارية احتلت السماء على مدار ساعة كاملة فانعكست الإضاءة على سطح النهر والمياه المتدفقة لتشكل مع ضوء الكشافات مشهداً جميلاً أثار فرح المتواجدين بالمكان.
وقبيل انطلاق الألعاب النارية التقينا صدفة بالشاب عامر عثمان الذي هاجر إلى كندا مع زوجته وثلاثة من أطفاله تاركاً عمله كمهندس مدني في الضفة الغربية بناء على نصيحة شقيقه بضمان عمل في مجال تخصصه بمبلغ لا يقل عن 60 ألف دولار سنويا، استسلم للنصيحة ووصل كندا فاكتشف حقيقة وهم فرص العمل المتوفرة للمهاجرين، واضطر للعمل سائقاً في مطبعة يمتلكها رجل أعمال لبناني وبراتب يكاد يغطي احتياجات أفراد أسرته. شرح مطولا ظروف الهجرة القاسية وحذرنا من الوقوع في الشرك، وأكد انه سيعود إلى الضفة ريثما يضمن أوراق اقامته وربما يتأخر قليلا إذا ضمن بعثة دراسية لاكمال تحصيله العالي في الهندسة.. روى عامر قصص زملائه المهندسين الذين يعملون في ظروف قاهرة وبمجالات بعيدة عن تخصصهم وأكد أن غالبية مهاجري كندا يعيشون أوضاعاً قاسية نسبياً لتدني مدخولاتهم وتواضع أعمالهم.
عدنا من رحلة الشلالات منهكين إلى البيت بعد منتصف الليل وخلدنا إلى نوم اجباري استعداداً لزيارة أعلى برج في العالم:"سي أن تاور" في تورنتو برج أعلى كثيراً من شلالات نياغرا يبلغ ارتفاعه 553 متراً وهو أعلى برج حتى الآن في العالم، ومن خلاله يمكن مشاهدة الشلالات في يوم صاف رغم المسافة البعيدة.
انطلق بنا مصعد كهربائي زجاجي مثبت على جدار البرج الخارجي مسافة 500 متر بسرعة قياسية، كان المصعد يشق السماء عمودياً فيما تدقق أبصارنا من خلال الزجاج في السيارات والشوارع والمحلات التي تتآكل حجماً تحت أقدامنا كلما صعدنا قليلاً إلى الأعلى. في الطابق الأول على ارتفاع 500 متر انضممنا لعشرات الزوار الذين يتنقلون بشكل دائري لمشاهدة أحياء تورنتو ليلاً. اجتاز المصعد الداخلي الذي يربط بين الطابقين الأول والثاني مسافة قصيرة قبل أن يتوقف في أعلى نقطة لنهبط قرب مجموعة ألواح زجاجية متلاصقة ترى من خلالها وعند الوقوف عليها ملعب "البيسبول" الذي يحيط أسفل قاعدة البرج.
 أعترف أنني كنت مرتبكاً عندما مشيت على الألواح الزجاجية، تساءلت في داخلي هل يصمد الزجاج الذي يبدو هشاً تحت أقدامي حتى لا أهوي عن ارتفاع 553 متراً ؟
 لاحظتُ شاباً هندياً ضخم البُنية ملقى على أرضية الطابق العلوي بجوار الألواح الزجاجية مقاوماً بشدة محاولات بناته الصغيرات دفعه إلى الأرضية الزجاجية، أظنه كان يعتقد أن الزجاج لن يتحمل ضخامة جسده.. كان مشهداً صاخباً عندما نجحت الصغيرات في دفع رجل من مجموعتهن بقوة إلى سطح زجاج الطابق العلوي، فجأة اكتشف الرجل أن زجاجاً شفافاً يبدو هشاً يفصل جسده المعلق فوق الشوارع والبنايات والملعب التي تظهر بوضوح تحت قدميه، أغلق على الفور عينيه بكفيه، ولم تنجح الصغيرات اللواتي كن في منتهى الفرح من تحريك قيد أُنملة الأصابع الملتصقة بقوة في الوجه المرتبك.. ربما يحق للرجل اغلاق عينيه والثبات دون نفس على الزجاج لأن المشهد حقاً مرعب برغم تألق التقنيات الهندسية في أوج إبداعها العلمي ممزوجاً بالفني لتقدم جمالاً يفيض أمناً.
 هبطنا إلى الأرض ونظرنا للبناء الأسمنتي الشاهق نحو السماء، وتساءلت في سري هل تتحمل عنق هذه المسلة الطويلة وثب الدرجات التسع بأعلى سلم "ريختر" عندما تهتز من تحتها الأرض بقوة؟ أتمنى لها صمودا أُسطورياً في مواجهة كوارث "ريختر" ولزوار قمته أمنا وسلاما.
في طريق العودة إلى البيت توقفنا قليلاً على جانب الطريق السريعة المجاورة لمطار تورنتو وشاهدنا الطائرة الفرنسية التي تحطمت أواخر شهر تموز أثناء هبوطها على مدرج المطار وتمكن جميع ركابها من النجاة.. كانت ترقد محترقة محطمة الجناحين على حافة   حفرة في نهاية المدرج يطغى عليها اللون الرمادي بعد أن ضربت عاصفة رعدية محركاتها فاشتعلت النيران فيها وانزلقت على أرض المطار، لم يتمكن قائدها من السيطرة على مكابحها فاجتازت كل المدرج إلى تلة منحدرة قليلاً خارج حدود المطار فتحطمت على أطرافها وانقسمت نصفين أثناء احتراقها.
في غضون أسبوعين من انزلاق الطائرة الفرنسية في تورنتو تحطمت عدة طائرات مدنية في فنزويلا والعقبة واليونان وايطاليا موقعة مئات القتلى حتى أن الصحافة العالمية أطلقت على هذه الحوادث مسلسل تحطم الطائرات.. ومع اقتراب العودة بات هاجس وميض الخلل الفني للطائرات أثناء تحليقها يسيطر علينا، هل نسبق الخلل الفني إلى الأرض قبل أن يفتك بنا في السماء ؟
في اليوم الأخير لزيارتنا دعت مجموعة من الأسر الفلسطينية للاحتفال تكريماً لأحد المهاجرين الذي قرر المغادرة إلى الخليج العربي، وحضر الاحتفال نحو عشر أُسّر مع أطفالها، وقد اختارت حديقة عامة للمناسبة.
 أحضرت كل أسرة ما تيّسر من طعام وشراب وبعد تناول الوجبة، جرى حوار طويل.  تحدث أبو باسم، رجل من قرى غرب رام الله وهو في أواخر الستينات من العمر، عن هجرته إلى كندا منذ أربعين عاما وأبرز قصص معاناة المهاجرين العرب وتحديات ثقافة مغايرة، وأسس في السنوات العشر الأخيرة مؤسسة خيرية من أجل متابعة قضايا المهاجرين الفلسطينيين وتوفير احتياجاتهم وتواصلهم مع ذويهم، بدا أبو باسم أثناء حواره وقوراً يبعث على الارتياح ويكشف عمق خبرته في الحياة، ومع ذلك أبدى غضباً كبيراً على قرار نجله الوحيد في الانتقال للعيش منفرداً وفق الحياة الكندية..هذا جانب من تحيات الأسرة العربية المهاجرة.
  أنهينا زيارتنا إلى كندا، وقبيل الظهر غادرنا براً باتجاه الجنوب الغربي نحو الحدود المعلقة على جسر طويل بين البلدين، كان الخروج سهلاً ولم يستغرق سوى دقائق معدودة بتدقيق خاطف للوثائق وسؤال عن الأغراض التي نحملها، أعاد الشرطي وثائقنا وباشارة من يده سمح بمرور آمن.  قطعنا نحو خمس ساعات في الأراضي الكندية ومثلها داخل الولايات المتحدة حتى وصلنا شيكاغو مع اقتراب منتصف الليل. كانت الحافلات التجارية الضخمة مصدر القلق الوحيد على الطرق السريعة، خاصة وان السائقين يقطعون منهكين أثناء الليل مسافات طويلة جداً في القارة الواسعة الممتدة آلاف الأميال بين محيطين في الشرق والغرب، ورغم أن قوانين السير لا تسمح لهذه الحافلات باجتياز أكثر من الخط الأول والثاني في أربعة خطوط متلاصقة للسيارات في الشارع الواحد، إلا أنها أحياناً تجتاز مسارها وسرعتها لتشكل خطراً قاتلاً على الطرق السريعة التي تربط الولايات المتحدة ببعضها وتربطها مع كندا.
عودة مرهقة
مساء السبت في الثالث عشر من آب أقلعت الطائرة فوق بحيرة ميتشيغن باتجاه الشرق قاطعة المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وبعد ثلاث عشرة ساعة فوق السحاب حطت في عمان عصر يوم الأحد.. تنفسنا الصعداء وغادرنا مقاعدنا الضيقة بحثاً عن حقائبنا التي كانت ملقاة بفوضى على أرض المطار، أنهيّنا اجراءات المغادرة وقضينا ليلتنا في عمان ثم اتجهنا صباحاً إلى الجسر.
سّلمنا حقائبنا للتفتيش الروتيني وجوازات سفرنا للفحص الأمني، ثم انتظرنا سماع أسمائنا للصعود إلى الباص.. كانت أعداد المغادرين تتكدس على المقاعد انتظاراً للمغادرة فيما يحاول البعض تجاوز دوره رغم رقابة الشرطة الأردنية وتعليماتها الصارمة.
 انتظرنا مطولاً حركة الحافلات القليلة والبطيئة بين طرفي الجسر، وتحت إنهاك السفر المتواصل ودرجة مرتفعة من الحرارة وصراخ الأطفال واحتجاج المسافرين شعرت بدوار وصداع.. في تلك اللحظة اقترب صحافي تناول بحركة استعراضية قلماً من جيب قميصه وفتح أوراقه وسألني عن اسمي ورأيي في الاجراءات الادارية على الجسر أجبت على سؤاله بحس مهني ربما:" سأهديك "مانشيت" صحفي لتقريرك الإخباري، لقد نسيت اسمي منذ ساعات بامكانك صياغة عنوان رئيسي لتقريرك: مغادر إلى الضفة فقد اسمه على جسر الكرامه لسهولة اجراءات السفر!! هل يكفي هذا التعليق على سؤالك، بامكانك أيها الزميل تقمص دور مسافر وتدوين كل معاناته ونشرها وفق ما تختاره من لون للكتابة".
صمت الصحافي الشاب وأعاد قلمه إلى جيبه وأغلق أوراقه وأدرك بفطرته تقاسمنا سر مهنة المتاعب، وانتقل يبحث عن مسافر آخر لعله يهمس له بأن اجراءات السفر سهلة وفي غاية الراحة والهدوء وعندها قد ينتزع التقرير صباح اليوم التالي مكاناً في صحيفته ليعزز تصريحات المسؤولين بشأن مرور خاطف خلال نصف ساعة للقادمين والمغادرين !
انتظر الباص نصف ساعة تقريباً على الجسر فوق النهر بالضبط، نزلت من الباص رغم الحرارة المرتفعة لأراقب مياهه الضحلة الرمادية تجري بجنازة موتها التدريجي من تحت الجسر الاسمنتي الذي شيدته اليابان حسب لوحة مثبتة عليه، فيما بدا الجسر الحديدي القديم الذي شهد نزوح آلاف الفلسطينيين بعد حرب حزيران 1967 محطماً على مسافة قريبة وتحت بصرنا .. تذكرت عبارات فارغة للاستهلاك الاعلامي عن تاريخ نهر الاردن ومياهه العذبة، وهناك من أختصر كل ذلك "بحكمة": قليل من المياه كثير من التاريخ !! أين ذهبت مياهه وكيف تمت سرقتها إلى الحد الذي غابت عنه كل مواصفات اسمه وظل يسمى سخرية نهر الأردن..تعرض النهر للاغتيال وهو عاجز الآن عن توفير احتياجات مياه الشرب لمنطقة تعاني من قلة المياه واختلال توزيعها بعدل بين المواطنين "والقادمين" الجدد.
بمحاذاة الطرف الغربي للجسر، تصدمنا سلسلة متواصلة من الانتظار في كل نقطة على مدار ساعتين كاد الأطفال فيها ينفجرون من شدة البكاء والعطش، لا أحد يسأل ولا تفسيرات لهذا الانتظار الطويل الذي لا يمكن فهمه سوى بمحاولات النيّل من معنويات
  شعب متماسك منذ مائة عام.
أخيراً، حملّنا حقائبنا على عربات صغيرة للتفتيش الاشعاعي على الجانب الاسرائيلي وعبرنا بوابات اليكترونية وانتقلنا إلى صفوف مئات المنتظرين المنهكين بصمت لتسليم جوازات السفر وتدقيقها وختمها. على مدخل قاعة الحقائب كانت سيارات القدس بانتظار المغادرين، تفاوضنا لانتزاع سيارة تقلّنا إلى رام الله عبر قلنديا تجاوزاً للاستراحة في أريحا، وبالرغم من الأجرة الباهظة التي طلبها سائق حافلة تحمل لوحات تسجيل مقدسية أرغمنا مندوب شركة الباصات التي تنقل الحقائب والمسافرين إلى "الاستراحة" على دفع الأجرة بحجة أننا من رام الله وليس من القدس ولا نحمل تأشيرات دخول اسرائيلية على جوازات السفر الأجنبية، وهكذا دفعنا ثمناً مزدوجاً لتجنب نقل أمتعتنا إلى "الاستراحة" الاجبارية اختصاراً للتعب والوقت.
لاحت رام الله من بعيد، بدد نسيمها ارهاقنا وساعات سفرنا الطويل، وعلى مقاعد البيت الذي فارقناه 73 يوماً ألقينا بثقلنا واكتشفنا قيمة الأشياء الصغيرة وسر العلاقات المميزة التي تنامت معها على مدار الأيام: قيمة مقعد متواضع حول التلفزيون، كرسي خشبي حول مائدة الطعام، لوحة بسيطة جداً قرب المكتبة، قصاصة ورق مهملة على الرف، علاّقة بسيطة للملابس، رفوف خشبية باهتة في زاوية مهملة لالقاء الحذاء المغبّر.. هذا هو البيت الذي افتقدناه أياماً وعدنا إلى ركن فيه فرحين رغم الغبار الذي تراكم على مقاعده وفي كل زاوية من جنباته، ورغم سقوط أوراق الحديقة وموت عروقها الخضراء.
كانت رحلة رائعة كشفت مساحة ضيقة من اللغز الغامض للحياة الاميركية على مستوياتها المختلفة: قاسية وسهلة في آن واحد، مريحة لمن يملك ما يكفي لتسديد الفواتير الشهرية الباهظة والمتعددة التي تصل بانتظام عبر البريد، مرهقة متعبة لمن لا يملك دخلاً كافياً، يعيش فيها غالبية المهاجرين العرب على هامش الاندماج غير قادرين على التعايش الكامل لأسباب عديدة، يحسدوننا على بقائنا في البلاد ونحسدهم على غربتهم بعيداً عن الحصار الخانق الذي يهبط على صدورنا والفوضى الداخلية التي تعصف بنا.
كان لهذه الانطباعات أن تأتي موثقة بصيغة أفضل وتحمل إجابات على أسئلة كثيرة، لو تمكنت من لقاء مختصين في الشؤون الاميركية أو أكاديميين وإعلاميين واقتصاديين ومؤرخين قادرين على توفير قاعدة من البيانات والمعلومات الموضوعية في جميع الميادين، قادرة على المساهمة في خلق انطباعات أخرى عن البلاد الجميلة الواسعة الممتدة بين محيطين، لكنها القاسية المخيفة للمهاجرين على اختلاف مشاربهم وألوانهم، تمتلك طاقة هائلة على صهرهم في سوق عمل لا يرحم وإنتاج وفير ليس لهم فيه إلا حصة قليلة.. هذه انطباعات محدودة جداً بل خاطفة عن امبراطورية تحلم بسقوط خطوط الجغرافية الوديعة في قبضتها النووية كما سقطت بغداد التي تقاوم ببسالة احتلالها ونهب حقول نفطها.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word