الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي بعد ثلاثة أيام على وجودنا في بلدة "فانكوفر"، اتجهنا للجنوب الشرقي لمدينة بورتلاند لنشاهد الجبل الثلجي الضخم عن قرب.. المنطقة سلسلة جبلية تكسوها الغابات الكثيفة والمياه الوفيرة، تعد من المواقع السياحية الهامة في غرب اميركا ويشكل "ماوتن هود"، أحد معالمها البارزة، كانت أعداد القادمين تتزايد باستمرار للصعود باتجاه أطراف الجبل الثلجي، لكن مَنْ يتمكن صعود ثلاثة كيلومترات ونصف في ظل درجة حرارة متدنية في المكان؟ كان المشهد رائعاً: هرم ثلجي ضخم يتربع وحيداً على مساحة واسعة من الأرض المنبسطة يقاوم صيفاً في منتصف شهر تموز قرص شمس ملتهب يكاد يلامس قمته الشاهقة دون أن تهتز كتله الثلجية الضخمة قيد أنملة، وعند أطرافه السفلى يتزلج بفرح عدد كبير من الهواة يلفحهم برده القارص.
في طريق عودتنا للبيت توقفنا عند ناد للتزلج، وأصرت ابنتي نادين على التجربة، ارتدت حذاءً خاصاً وباشرت المحاولة ولكنها فشلت في الاداء، لاحظتُ شابة هندية تبدع بحركاتها الفنية الرياضية الراقصة على جليد صلب بدت كأنها محترفة، وعندما اقتَرَبَت من بوابة مغادرة ساحة التزلج طلبتُ منها مساعدة نادين، رفضت على الفور واعتذرت مباشرة بأدب قائلة: هذا النوع من الرياضة تنافسي بالدرجة الأولى واتركها تتدبر شأنها. فاجأني ردها الحازم المهذب، وكنت أظن أن قواسمنا المشتركة في كوننا ملونين ومن العالم الثالث قد يساعد قليلاً على شيء من التضامن !! ولكن هذه اميركا كل شيء خاضع للمنافسة وما عليك إلا أن تركض طويلاً قبل نيّل مبتغاك .. هذا إذا تمكنت من تحقيق هدفك في نهاية المطاف.
استقبلنا في بلدة فانكوفر كيرن وعلي وحسام صالح، وبذلوا جهداً خلال مراجعتنا للدوائر الرسمية لضمان الحصول على وثائقنا. وفرت كيرن الكفالة المالية التي اعتبرت شرطاً حاسماً في قبول معاملة الهجرة، وكانت، كغيرها من الأنسباء والأصدقاء، كريمة في توفير احتياجاتنا وتعبئة اوقات فراغنا برحلات داخلية وزيارة متاحف وحضور أفلام سينما.
تعيش كيرن (59 سنه) وحيدة في منزلها الجميل الهادىء بضاحية خضراء قرب نهر كولومبيا المتدفق الذي يخترق بعض الولايات الغربية ويسير بمحاذاة سفوحها الجبلية، فيما يعيش نجلها الوحيد شاهر حسام (30 سنه) وحيداً في مدينة لوس انجلوس ويبعد عنها سفر ساعتين بالطائرة، وتعيش أيضاً والدتها الاميركية من أصول بريطانية (89 سنه) في بلدة صغيرة تدعى موسكو بالولايات الشمالية الشرقية على بعد تسع ساعات من السفر البري .. ثلاثة أفراد يشكلون ثلاثة أجيال من عائلة واحدة يعيش كل منهم منفرداً وبعيداً عن الآخر؟ هذا هو النمط الاجتماعي السائد للحياة الاميركية التي تعبد حرية الفرد واستقلاله، وتوفر هامشاً للقاء أفراد الأسرة البالغين مرات قليلة وفي مناسبات محدودة على مدار العام.
امتياز للكلاب
كان سؤال كيرن، وهي سيدة مثقفة وحساسة، واضحاً صريحاً منذ اللحظة الأولى لدخولنا منزلها عندما لاحظت سلوكنا تجاه كلبتها "جيجي" : هل تخافون الكلبة أم تعتبرونها نجسة؟.
ارتبكنا في الاجابة الصريحة، لكن سلوك الخوف طغى في البداية على نضال ونادين ثم أصبح التعايش معها اجباريا لانها تنتقل بسهولة في كل مكان وتحجز مكانها بسرعة على المقاعد الواسعة، ولا يليق طردها!! يبدو أن ثقافتنا تبلورت نهائياً تجاه الحيوانات الأليفة، وبرغم أُلفتها فليس لها مكان في منزلنا.. للأسف.
اعترفت كيرن أن الكلبة تكسر أحياناً وحدتها، وتزيد كلفتها المالية على ثلاثمائة دولار شهرياً من أكل خاص ورعاية وتنظيف وطبابه، وأوضحت أنها تشعر بالذنب حينما تدفع هذه المبالغ المالية وهي تعلم أن أطفالاً في العالم الثالث يموتون جوعاً وان موازنة الكلاب المدللة في ثمانية بلدان صناعية تفوق موازنات نصف دول العالم الثالث.
صمدنا اسبوعين مع الكلبة "جيجي" التي كانت تتجاهل الأكل عندما يقذف به الى أرضية المطبخ. وترى كيرن امكانية إطعام الكلبة مباشرة من اليد دون إلقاء الطعام، وتعتقد وهي الممرضة المختصة والمحاضرة في التمريض أن لعاب الكلاب السليمة يحمل جراثيم وبكتيريا أقل من لعاب الانسان، ودللت على ذلك بقولها أن الانسان الذي يتعرض للعض الجارح المؤذي من انسان آخر ربما يحتاج الى علاج بالابر ولكن لا يحتاجها الانسان الذي يتعرض لعضّ جارح من كلب سليم غير مصاب بداء.
وتنتمي كيرن لطائفة مسيحية صغيرة في اميركا تتمسك برؤية عقلانية وتحاول تغليب المنطق على الاسطورة في تفسير التاريخ وتفسير التعاليم الدينية، تهتم الطائفة في الأحداث التي تعصف بالعالم الثالث وتنشط في مجال جمع التبرعات للمتضررين والمحتاجين.
ومع تدّينها النسبي غابت الرموز الدينية عن جدران منزلها، فيما حجزت المكان لوحات فنية رائعة للتشكيلي الفلسطيني كامل المغني، وتركت مساحة للوحة الفنان سليمان منصور "جمل المحامل" وهي تنتظر بفارغ صبر منذ سنين طويلة العثور عليها لتطريزها على جدران المنزل، تُصوّر اللوحة الابداعية عتالاً مقدسياً مسناً بسواعد صلبة متفجرة العضلات والشرايين يرفع فيهما بقوة وحنان المسجد الأقصى المبارك على ظهره لتطل قبته الذهبية من فوق عصبة جبينه، وقد تخاطف الناس التحفة الفنية مطلع الثمانينات لدلالاتها الرمزية وباتت الآن نادرة الوجود. تركت اللوحة انفعالا كبيراً في روح كيرن منذ شاهدتها في القدس قبل سنوات طويلة وندمت على عدم إقتنائها ورزمها معها إلى الولايات المتحدة .. ولا زالت تتابع بشغف محاولات اقتنائها.
احتفالات تموز
الرابع من تموز هو اليوم الوطني للولايات المتحدة فيه تشهد البلاد موجة عارمة من الاحتفالات الواسعة، عند المساء توجهنا إلى متنزه يطل على جسر بورتلاند فوق نهر كولومبيا لمشاهدة الألعاب النارية باعتبارها خاتمة الاحتفالات.
كنا نسير مع أعداد هائلة من البشر مندفعين باتجاه المتنزه الواسع، وعلى المدخل تعرضنا كغيرنا لتفتيش أمني سريع وخاطف، جلسنا جميعاً على بساط من الحشيش الأخضر، ومع دقات الحادية عشرة ليلاً أضاءت الألعاب النارية السماء، كانت أصوات الطلقات المتواصلة كالمدافع الثقيلة تحمل أشكالاً نارية متعددة في الفضاء الواسع فوق مجرى النهر.. إذا كان صوت مدافع الألعاب بهذه القوة فوق مجرى نهر كولومبيا، كيف كان صوتها المدوي فوق نهر دجلة؟ في خضم هذه الأسئلة خيّم الحزن على المشهد وارتسمت صورة بغداد تحت قصف لا يرحم.
كان العراق يحتفل بعيده الوطني في السابع عشر من تموز، تاريخ سيطرة حزب البعث على السلطة في العراق، بفارق 13 يوماً في الحساب السنوي، عن اليوم الوطني للولايات المتحدة.. لم أذكر طوال سنوات دراستي أنني شاهدت احتفالات مؤسسات الدولة، ذلك أنها كانت تنطلق في منتصف شهر ملتهب أثناء العطلة الصيفية للجامعات، حيث يغادر معظم الطلبة العرب العراق عائدين إلى أقطارهم، وعند عودتنا كنا نسمع من زملائنا العراقيين طقوس احتفالاتهم في تموز .
في السابع من نيسان كان العراق ينظم أسبوعاً من الاحتفالات بمناسبة تأسيس حزب البعث عام 1947 بزعامة السوري ميشيل عفلق.. كان نصف الطلبة العرب في الجامعات يشهدون هذه الاحتفالات ولا يشاركون بها، وكانت الكليات الجامعية تضج على ايقاع الخطب القومية والوحدة العربية في وقت يتزايد فيه العداء والتنافس بين نظامي سوريا والعراق اللذين يوحدهما ايديولوجية حزب قومي شمولي واحد ويفرقهما بوصلة التحالفات والمواقف السياسية .
سقطت بغداد في قبضة المحتل الاميركي في التاسع من نيسان عام 2003 متزامناً مع احتفالات حزب البعث في ذكرى تأسيسه ومع السنوية الخامسة والخمسين لمجزرة قرية دير ياسين عام 1948 في فلسطين.. ولعل التزامن في توقيت المجازر يفتح شهية الغزاة ويؤجج المقاومة، وفي تموز وبأطراف مدينة بورتلاند تداعت حكايات المجازر في فلسطين والعراق مع اشتداد الألعاب النارية فوق جسر بورتلاند الشهير على مجرى نهر كولومبيا.
صباح اليوم التالي انطلقنا من ضاحية "كامس" المترفة إلى حديقة للحيوانات في ضواحي بورتلاند، قضّينا فيها وقتاً طويلاً وممتعاً شاهدنا خلاله معظم أصناف الحيوانات: فاجأنا الدب الأبيض الضخم عندما كنا بانتظاره أسفل بركة مياه تحتجزها قواطع زجاجية صلبة، وعندما وصل سابحاً بدا كأنه يهبط علينا بضخامة جسده، فتراجعنا عن اللوح الزجاجي السميك الذي كان يفصلنا عن الوزن المريع. تميزت الحديقة بمساحات واسعة وتنظيم مثير، ثبّت القائمون في مدخلها خارطة تفصيلية دقيقة لتصنيفات جميع الحيوانات والزواحف ومواقعها المختلفة، من الأسود الى النمور والفيلة والتماسيح مروراً بالزرافات والكلاب والأفاعي والقردة وانتهاء بالفراشات والطيور والعصافير الملونة الجميلة.
في مكان محكم الاغلاق كان الزوار يدخلون بشكل فردي من بوابة صغيرة لمشاهدة الطيور الملونة الجميلة التي تمد مناقيرها في الأوعية الخاصة للشرب حيث يسدد الزوار ثمنها. كانت تقف بهدوء على أذرع الزائرين وأكتافهم فيما كانت أجهزة التصوير توثق هذه اللحظات الممتعة.
على مدار خمس ساعات تجولنا في كل زاوية وركن في الحديقة، وعندما وقفنا في مواجهة الأسد ذكرّني ابني نضال بزيارتنا في أحد الأعياد منذ سنوات خلت لحديقة الحيوانات في شمال الضفة: كان ثمة أسد وحيد منهك ظهر كفأر وهو يتعرض للضرب واللكز والنخز المتواصل، كان مثيرا للشفقة وهو منكسر مخدر لا يقوى على الحركة، وللحظة كدت لا أصدق أنه "أسطورة" ملك الغابة العنيف لولا شكل رأسه الذي أعرفه جيدا ومواصفات جسده المتميز، ومن المؤكد أن فرق الامكانيات المتوفرة للحديقتين في بورتلاند والضفة أضفت شروطها على سلوك ملوك الغابة في الموقعين.
أنهينا زيارة ممتعة للحديقة وعلى مقربة منها استرحنا في مطعم مكسيكي شهير لتناول وجبة "الفخيته": دجاج ينثر قطعاً صغيرة على خبز رقيق يختلط مع تركيبة عجيبة من السلطات الحارة الشهية. وحقيقة أن الطعام المكسيكي ينافس بقوة لوائح الطعام المختلفة من صينية وايطالية وفرنسية ويابانية وعربية وغيرها، والمطبخ الأميركي بالمعنى الحرفي للكلمة غير موجود فعلياً ، وباستثناء الهمبورغر والبطاطا المقلية ، فانه تجميع لكل لوائح الطعام المهاجر اليها، أنهينا جولتنا الرائعة وعدنا منهكين إلى المنزل .
أتحفتنا الصغيرة شيراز (9سنوات) في ليلتنا الأخيرة بمنزل والدها حسام بمقطوعات موسيقية أدتها على البيانو، كان عزفها مميزاً منحت أمسيتنا دفئاً وبهجة،فيما كان يرتفع صوت والدتها عليا مغربية الأصل على ايقاع الموسيقى ، بمقطع طربي غنائي ليكشف عن حنجرة متمكنة وخامة صوت جيد، وعند الصباح غادر حسام ليلتحق بوظيفته بشركة "اليونايتد" للطيران استعداداً لرحلته الطويلة الى استراليا.. وهو الذي قضى أكثر من نصف عمره في الجو مشرفاً على الطواقم الادارية في الطائرات المدنية، فيما أقلتنا زوجته عليّا إلى بيت كيرن لتجهيز حقائبنا استعداداً للعودة إلى شيكاغو.
جوازات خاطفة !!

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .