“الغابة السوداء” تروي قصة الديمقراطية واخفاقاتها وتضئ جوانب حيوية من تاريخ “الدويتش لاند” - بقلم: بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبيازدادت سرعة "اللوفتهانزا"، الطائرة الضخمة، على مدرج مطار اللد، وانطلقت تشق الفضاء الى السماء السابعة تحمل على ذيلها نسراً يمتليء قوة وفي قلبها أرواح بشرية هشة قابلة للانكسار تخفق قلوبهم خوفاً من كبوةٍ لها، فتتناثر الأرواح بين السماء والأرض .. وتتوزع الاجساد على الجغرافية الواسعة من بحار وجبال ووديان وغابات.
تزايدت سرعة الطائرة وتزايد ارتفاعها، 33 ألف قدم فوق سطح الأرض، كانت "اللوفتهانزا" في طريقها مساء الخميس في الثامن من تموز الى فرانكفورت في ألمانيا وعلى متنها مجموعة من الشبان والشابات تلقت دعوة من معهد " فيسنك" الألماني في بلدة "بوخن باخ" المجاورة لمدينة فرايبورغ، بالتنسيق مع المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية للمشاركة في برنامج يتناول تاريخ التجربة الديمقراطية في ألمانيا وهزيمتها بصعود هتلر الى السلطة ووقوع الجمهورية الألمانية في قبضة يده، وتحويل تاريخها الى رماد، فيما قاوم الالمان لاستمرار فاعلية مؤسساتهم المدنية.
في الطائرة اشتدت سرعة الطاقم الصغير لتقديم الخدمات لمئات المسافرين في سباق مع عقارب الساعة وقبل انتهاء الرحلة المقررة في أربع ساعات، ضمن الطاقم الطائر تناول الركاب وجباتهم الساخنة وألحقوها بما يحلو لهم من شراب .. وقبل أن تبدأ عيونهم بالذبول، كانت شاشات أجهزة التلفزيون المعلقة في سقف الطائرة تهبط على المسافرين ليطل عليهم فيلم أمريكي "غادزيلا" يحكي قصة غوريلا ضخمة تدخل المدينة فتحطمها وترعب سكانها وتهدد مبانيها، فتنطلق أجهزة الشرطة المختلفة لتضع حداً لحياتها، وفي اللحظة التي كانت فيها فُوّهات البنادق تُسدّد اليها، تسمع الغوريلا "المتوحشة" بكاء طفل علق وحيداً في مقعد دولاب بطاحونة بمدينة الألعاب، تترك "المتوحشة" خصومها على الأرض وتصعد الى الطاحونة الضخمة لتضع الطفل في يدها وتنزل الى الأرض، في حين كانت والدة الطفل تبكي رعباً على صغيرها الذي علق في كف "المتوحشة"، وقبل أن ينزل الصغير على الأرض أُصيبت الغوريلا في عملية الانقاذ إلاّ أنها تمكنت من تأمين الصغير ليعود سالماً الى حضن والدته، فيما هوى جسد "المتوحشة" على الأرض منهكاً من المواجهة في حالة بين الموت والحياة، لكنها تتمكن أخيراً من النجاة بفضل مشاعر إنسانة تمكنت من نسج علاقة خاصة مع الغوريلا، أيقظت فيها روح الحياة، وفي اللحظات الأخيرة للفيلم الأمريكي كانت "الغوريلا" تركض فَرِحةً سعيدة في غابة مجاورة للمدينة التي سحقتها وأنقذت أحد صغارها الأبرياء.
في اللحظات الأخيرة للمشهد السينمائي الرائع، عدت الى أعماق نفسي، وتمنّيت أن يكون للوحش الذي ينهب أرضنا ويصادر مياهنا ويطوّق ريفنا، قلباً مثل قلب الغوريلا تعطف على طفل يبكي والده خلف قضبان السجن وشجرة زيتون تسحقها أسنان جرافة ومنزل صغير تدمره أصابع ديناميت وحاجز عسكري ينتزع الطلبة من مدارسهم وجامعاتهم .. ويحظر سفر شعب ويقيد حركة تنقلات أفراده ومواطنيه رجالاً ونساء، شبّاناً وشيبا، مرضى وأصحاء.. !!
اقتربت الرحلة من نهايتها، وبدت "اللوفتهانزا" العملاقة تنزل قليلاً من السماء العالية، فيما عادت ذاكرتي الى الساعات الطويلة الماضية التي عشتها قبل أن أتسلم "الإذن"" بالسماح لي بالدخول الى مطار اللد خلال أربع ساعات ارتبطت بموعد إقلاع الطائرة، واختلطت أحداث الفيلم الأمريكي بالسيناريو الذي عايشته قبل أن أتسلم تصريح مروري الى المطار داخل اسرائيل.
إحتراق الأعصاب .. ثمن "التصريح" !!
تقدمت للحصول على "تصريح مرور" للمطار لمدة خمس ساعات قبل عشرة أيام من الموعد المقرر للسفر، هذه الاجراءات ضرورية لمن يسجلهم "حاسوب الادارة المدنية" بحظر دخولهم الى اسرائيل لأسباب "أمنية". انتظرت أسبوعاً، وعدت للمراجعة باحثاً عن تصريح الدخول الى المطار، كان المراجعون يتدفقون على مكتب الارتباط المدني: أب يبحث في القوائم المعلقة الخاصة بجمع الشمل عن اسم نجله، زوجة تسأل عن تصريح مرور لزوجها الى غزة، فتاة في عمر الورد تنتظر بفارغ صبر إذناً لدخول خطيبها الى الضفة للاحتفال بالزواج، رجل إسعاف من الهلال الأحمر ينتظر إكتمال أوراق مريضه المخطر ليتمكن من نقله الى مستشفى يقع خارج الحواجز العسكرية التي وضعتها اسرائيل على ما يسمى ب "الخط الأخضر" .. مئات من قصص المعاناة التي تحولت الى قهر يومي يدفع ثمنه شعب بكامله من أعصابه وتمزق شرايين قلبه، آلاف من قصص العذاب التي تروي حكاية شعب يتمزق في التنقل بين شطري الوطن في غياب "الممر الآمن" وتغيب إجراءات تسهيل حركته من والى الوطن في ظل تغييب فعلي لطرح قضية حق المواطنين بالتنقل على طاولة المفاوضات مع الطرف الاسرائيلي والاعتراض العلني على الموقف الرسمي الاسرائيلي بتكبيل حركة تنقل شعب باستثناء المحظوظين.
على الشباك الخشبي الصغير الذي يفصل موظفي مكتب الارتباط المدني عن المراجعين، أطل شاب في مقتبل العمر، وأخبرني أنني ممنوع "امنياً" من دخول اسرائيل، وعليّ الانتظار قليلاً حتى أتسلم إذناً بالمرور الى الطائرة .. عُدت في اليوم التالي وانتظرت دون أية إجابة أيضاً، وتابعت مع مكتب الارتباط الفلسطيني قضية "الاذن" بالمغادرة، وصباح يوم الأربعاء، السابع من تموز، وعندما لم يتبق على إقلاع الطائرة سوى ثلاثين ساعة، راجعت المكتب من أجل استلام تصريح المغادرة، وفوجئت أن "الاذن" ليس جاهزاً بعد، أبديت احتجاجاً على ذلك وأخبرني المسؤول الاداري أن الأمر يتعلق ب "حاسوب الادارة المدنية" ووعد أن يبذل جهداً في "انتزاع" إذناً لمروري الى "اللوفتهانزا" عبر مطار اللد. وعند ساعات المساء لم أكن قد تسلمت "الاذن" بعد، وبدأ ينتابني إحساس غريب بأن السفر مع المجموعة الفلسطينية أصبح أمراً متعذراً، وشعرت بأن جلاداً، يشبه الى حد كبير غوريلا الفيلم الأمريكي، يتلذذ بمشاهدتك متألماً تشتعل أعصابك احتراقاً فيما يتعلق عنق تصريحك على عود مشنقة.
في هذه اللحظات الحاسمة، اتخذ مدير المركز الفلسطيني في رام الله ناصيف معلم قراراً بضرورة مشاركتي مع الفريق، وبادر الى حجز مقعدين على طائرة "اللوفتهانزا" المغادرة فجر الخميس (8/7) من عمان، مقعد لي وآخر للزميل هلال صوالحه من جنين حيث حُرم هو الآخر من تصريحه حتى الساعات الأخيرة، علمت من الأخ ناصيف أن هلال غادر الى الاردن، وطلب مني المغادرة الفورية مساءً الأربعاء عبر جسر اللنبي لالتحق بالطائرة قبل إقلاعها، ترددت كثيراً خلال محادثتي الهاتفية مع ناصيف الذي تركز همه على متابعة تصاريح المرور الى المطار. وصل الأخ ناصيف الى منزلي في البيرة لإقناعي بضرورة السفر الفوري الى عمان، وأثناء تبادل الحديث معي قال لي: منذ فترة ليست قصيرة توفيت شقيقتي في حيفا، واضطررنا للتقدم الى الارتباط من أجل الحصول على إذن بدخول اسرائيل للمشاركة في مراسيم الدفن، تأخرنا في الوصول الى الكنيسة حيث يرقد الجثمان وتم تأخير عملية الدفن لحضور الأشقاء الذين انتظروا بفارغ صبر إذناً بالدخول .. ولكن لم نتسلم هذا الاذن بالرغم من كل الأوراق التي تثبت وفاة شقيقتنا، تقدم إلينا ضابط الارتباط الاسرائيلي معزياً بفقدان شقيقتنا ومعتذراً عن عدم توفير حقنا في "تصريح مرور" الى اسرائيل للمشاركة في جنازة شقيقتنا الغالية التي رحلت دون أن نلقي عليها النظرة الأخيرة، وحمدنا الله أن دفنها لم يكن بحاجة الى تصريح "الادارة المدنية".
كادت الدمعة تدفق من عيني ناصيف وهو يروي تلك الحادثة الأليمة، ضغط على يدي، وقال أنصحك بالسفر الآن الى عمان لتلحق الطائرة، وغادر ناصيف منزلي تاركاً القرار لي ورقم هاتف هلال في عمان الذي ينتظرني للمغادرة معاً الى فرانكفورت. لحظة مغادرة ناصيف كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً أعدت الاتصال الهاتفي مع مكتب الارتباط، وكانت المفاجئة: التصريح جاهز بإمكانك الحصول عليه. وعلى الفور انطلقت مسرعاً للمكتب، وانتابني إحساس بأن خطأً فنياً في طباعة "تصريح المطار" سيكون بانتظاري ومن الصعب تقديم علاج فوري له، تناولت "التصريح" ودققت في الاسم ورقم الهوية والمدة الزمنية والتاريخ … الخ. وعندما تيقنت أنه بدون "أخطاء فنية" حسمت أمري بعدم المغادرة الى الأردن حتى لو فقدت مقعدي على اللوفتهانزا" الجاثمة في مطار اللد.
أخبرت ناصيف بالأمر، وترك الحرية لي باتخاذ القرار الشخصي الذي يناسبني، ووعد بأن يبذل جهوداً في الحفاظ على مقعدي في الطائرة الألمانية المنطلقة من اللد، وأجرى اتصالات هاتفية عديدة طوال الليل لنقل حجز مقعدي من مطار عمان الى اللد، وعند ساعات الصباح الأولى من يوم الخميس، يوم إقلاع الطائرة، اتصل هاتفياً وأخبرني بأن أجهز حقيبتي للسفر والحضور الى مقر المركز في الرام للانطلاق من هناك مع الفريق الى المطار.
تجمعنا ظهيرة يوم الخميس، مجموعة قَدِمت من طولكرم وجنين وأخرى من نابلس وثالثة من بيت لحم والقدس ورابعة من رام الله والبيرة وخامسة من غزة تم الاتفاق معها على الانتظار في مدخل مطار اللد … وسبق للمجموعة أ، التقت مع بعضها واستمعت لمداخلة جيدة حول تاريخ ألمانيا وظروفها الراهنة عرضها سليمان أبو دية المتخصص بالشؤون الألمانية، وجرى حوار مفتوح بشأن القضايا التي تؤرق الشعب الألماني في الفترة الحالية.
سيارتا "فورد" أقلّت الشبان والشابات، معظمهم دون سنوات الثلاثين باستثناء ثلاثة منهم تجاوزت أعمارهم الأربعين عاماً .. ومع ذلك اعتبروا في عداد الفئات العمرية العاملة مع قطاع الشباب، انطلقت السيارتان وتوقفت قليلاً عند مفترق الرام، كان الأمر يبدو مفاجئاً، مجموعة من سيارات الإسعاف كانت تأتي مسرعة من رام الله تطلق صفيرها باتجاه القدس، تساءل جميع الركاب عن هذا السر، ولم نتمكن من معرفة أشياء دقيقة، وعلمنا أن حادثاً عرضياً وقع في رام الله فأصيب به عدد من المواطنين، استنجدنا بالسائق ليشغل راديو السيار فاعتذر عن غياب الجهاز في سيارته، طلبت منه "خلوياً" لإجراء مكالمة سريعة، لاستيضاح الأمر، فكرر اعتذاره، ودخلنا في لحظة صمت مريرة أثناء اجتياز السيارة لطريق اللطرون الذي يصلنا بالمطار، وكلما كانت عجلات السيارة تقطع الطريق الى الغرب كلما ازددنا تأكداً بأن ما حدث في رام الله يزداد غموضاً .. إلا أن علمنا في اليوم التالي، وعبر الإنترنت، بانهيار مبنى في طور الإنشاء أدى الى مقتل ثلاثة من العاملين وإصابة سبعة بجراح.
إجراءات التفتيش ..
على مدخل المطار، أطفأ سائق السيارة محركها الذي كاد يحترق، نزلنا منها وعرضنا أمتعتنا الشخصية على الحاجز الأمني .. وكنت بين الفينة والأخرى أتفقد "التصريح" لوحده دون أي اكتراث بباقي الأوراق .. كنت خائفاً من ضياعه .. كنت خائفاً من يد سحرية تمتد إليه فتحوله الى رماد، قدمنا أوراقنا الى الجندي الاسرائيلي، دقق فيها وقارنها مع صورنا الشخصية المثبتة فوقها .. وفي حركة تقليدية من كتفه عدل السلاح على ظهره، وفي اليد الأخرى أشار لنا بلغة عبرية: ساع، تحركوا باتجاه صالة المطار.
على هذا الحاجز، التقينا بزميلتين لنا قادمتين من غزة، وانطلقنا معاً الى صالة المطار، قذف السائق بأمتعتنا على الأرض، وأدار محرك سيارته متجهاً الى الشرق، كانت في داخلي رغبة جامحة بأن أطلب منه الانتظار قليلاً حتى أتأكد بأن تصريح سفري لا زال ساري المفعول وأنه يحق لي بموجبه الدخول الى حدود ألمانيا عبر وضع قدمي الأولى على درج "اللوفتهانزا".
السائق كان في عجلة من أمره، وحتى لم يسمع خفقات قلبي ورغبتي الجامحة، ضغطت على حقيبتي ونقلتها بعنف الى عربة مجاورة، تجمعنا معاً وانطلقنا عبر البوابة الزجاجية المتحركة، وعند الأمتار الأولى من مدخلها، سلمنا وثائقنا لأجهزة الأمن الإسرائيلية وأعلنا أننا فريق واحد مدعو الى ألمانيا ولدينا ما يثبت ذلك. على الفور تم عزل الفريق في زاوية خاصة، وتبادل موظف الأمن مكالمته الهاتفية، جمع جوازات سفرنا وتذاكرنا وتصاريح المرور الى المطار، وانتظرنا قليلاً، ثم عاد موظف الأمن برفقته فريق أمني لمساعدته في إنهاء إجراءات التفتيش.
بدأ موظفو الأمن بالعمل بسرعة كبيرة، نقل الأسماء وأرقام جوازات السفر الى جهاز حاسوب عبر جهاز يدوي، فيما انشغل آخرون بتمرير الحقائب على أجهزة تصوير أخرى, وقام آخرون أيضاً باختيار عدد من الفريق لتفتيش الحقائب وطرح الأسئلة التقليدية: هل لديكم سلاح؟ هل تلقيت هدية من أحد؟ من آخر شخص أغلق الحقيبة؟ أنت المسؤول الوحيد على موجودات الحقيبة، هل توافق على ذلك؟ ثم بدأت عملية تفتيش عدد من الحقائب والأمتعة الشخصية.
وعلى غير المعتاد جرت عملية التفتيش بسرعة نسبياً، فيما عادت موظفة الأمن لتسلمني أوراقي مشيرة الى نقل حقيبتي الى حاجز "اللوفتهانزا" لشحنها الى ألمانيا .. كدت لا أصدق ذلك خاصة وأنني كنت قلقاً بأن مروري الى الطابق العلوي في المطار "ديوتي فري" سيكون أمراً صعباً .. أسرعت في تسليم حقيبتي ولم أهتم كثيراً في موقع المقعد الذي تم حجزه على الطائرة، حملت تذكرتي وجواز سفري وانطلقت الى الطابق الثاني لأعبر ألـ "ديوتي فري" بعد ختم جوازي بالمغادرة.
لم يتبق سوى وقت قصير على الإقلاع، وأصبح ضرورياً المرور على المحلات التجارية التي تبيع بسعر أقل لغياب الضريبة، وكانت المفاجئة بارتفاع الأسعار بشكل لا يصدق، فاقتصر شرائي على هدايا بسيطة لأطفالي الصغار .. وقبل التدقيق في أسعار بضائع أخرى كانت سماعات المطار تعلن عن قيام رحلة الطائرة الألمانية وضرورة توجه المسافرين الى البوابة المحددة.
واصلت "اللوفتهانزا" هبوطها التدريجي في سماء ألمانيا، واقتربنا أكثر من الأراضي المغطاة بالغابات، وحطّت الطائرة في "فرانكفورت" منهيةً بالنسبة لي أياماً حافلة بالمشقة والعذاب.
خلف شباك زجاجي، سلمنا جوازات سفرنا الى شرطي ألماني، دقق في تأشيرة الدخول وقارن بين الصورة الشخصية والوجه الذي يقف خلف الزجاج، وراقب أوراقاً مثبتة على جانبيه، وقبل أن يختم جواز سفري ويعيده إليّ، مرّ في خيالي وبلحظة برق سريعة محمد عودة "أبو داود"، وتخيلت إسمه وصورته مثبتة أمام الشرطي بعد قيامه بنشر مذكرات يعترف فيها بمسؤوليته عن عملية "ميونيخ" عام 1972 وقيام حكومة ألمانيا بمطاردته عبر إصدار مذكرة اعتقال، فاستغلت حكومة اسرائيل هذا الوضع وقررت إلغاء عودته الى رام الله حيث يقيم منذ العام 1995، وغادر "أبو داود" العاصمة الأردنية الى جهة مجهولة، ودخل مرة أخرى في عالم التشتت والتشريد كملايين الفلسطينيين المشردين خارج وطنهم ينتظرون إقرار حقهم بالعودة.
حملت جواز سفري، وانتقلت الى صالات واسعة جداً وأدراج كهربائية باحثاً عن حقيبتي، وعندما تجمعنا عند موقع الحقائب القادمة من تل أبيب، عثرنا على جميع حقائبنا وأضعنا لمدة ساعتين زميلاً لنا يزور أوروبا لأول مرة .. ضاع موقتاً في المطار الضخم وتمكن من وصولنا بمساعدة الشرطة الألمانية، التي بدأت تبحث أيضاً عن هلال صوالحه القادم من الأردن والذي وصل فرانكفورت قبلنا بأربع ساعات .. لكنه تبين أنه "استفاد" من التشرد الفلسطيني خارج الوطن وقضى يومين مع ابن خالته في فرانكفورت.
في المساء، وقبل غياب الشمس في موعدها الصيفي عند العاشرة ليلاً، انطلقت الحافلة الألمانية الى الجنوب باتجاه مدينة فرايبورغ حيث يقع معهد "فسنيك" في بلدة صغيرة مجاورة يطلق عليها اسم "بوخن باخ"، اقتطعت الحافلة في مسيرتها نحو الجنوب أربع ساعات من الزمن، نام معظم ركاب الحافلة باستثاء السائق والشاب الصغير اللامع دانييل الذي استقبلنا وانتظرنا طويلاً على مخرج المطار. كانت الحافلة الألمانية تقلل من سرعتها وهي تدخل الأحياء السكنية المجاورة لمدينة فرايبورغ، وبعد منتصف الليل، أطفأ السائق محرك الحافلة، وأخبرنا أن غرف النوم في معهد "فسنيك" تنتظرنا وجاهزة لتخطف منا ما تبقى من ساعات الليل قبل أن يبزغ فجر يوم الجمعة.
القلعة القديمة تروي التاريخ
في الثامنة والنصف من صباح يوم الجمعة وبفارق ساعة عن توقيت فلسطين، قرع جرس الإفطار، نزلنا جميعاً وكان يبدو على معظمنا إرهاق يوم السفر الطويل، وفي صالة أنيقة وبسيطة تناولنا وجبة الصباح: ثلاثة أنواع من الأجبان المميزة ومرتديلا وزبدة ونوعين من المربى ومشروبات ساخنة.
وبعد تناول الوجبة الصباحية مباشرة، انتقلنا الى قاعة للمحاضرات مجاورة لصالة الطعام، وقف الدكتور ديترفان شرويتر مدير معهد "فيسنك" وأستاذ العلوم السياسية في جامعة فرايبورغ يعرف نفسه بتواضع، وقدم الفريق الذي سيشارك معنا النقاش، السيد ألفرد ألسنر محاضر في المعهد منذ 27 سنة، سلكا باور متخصصة في العلوم السياسية والشؤون النسوية ومحاضرة في المعهد أيضا إضافة الى المترجمين الدكتور صادق حسن والسيدة لوما الألوسي وهما من العراق.
بدأ الدكتور شرويتر محاضرته بتعريف موجز للمعهد: اكتسب المعهد اسمه "فيسنك" من قلعة قديمة مهدمة يتجاوز عمرها الألف عام تهدمت معظمها منذ ثلاثمائة عام باستثناء جدار يدل على مكان وجودها، وتقع القلعة على مقربة من المعهد في الغابة السوداء حيث تسترخي بلدة "بوخن باخ" وتم تأسيس المعهد منذ أربعين سنة وأقيم على الموقع الخاص بطاحونة القلعة وبجانب جدول غزير للمياه حيث تطل قاعة المحاضرات، وبمحاذاة الجدول طريق ضيقة كان المسافرون في الزمن القديم المغادرين الى منطقة "الراين" يضطرون الى المرور منها حيث يقام المعهد الآن، وزار "فيسنك" منذ تأسيسه مجموعات من جميع أنحاء العالم، باستثناء استراليا، واكثر الزوار هم من فرنسا جارة ألمانيا وصديقتها المتميزة برغم الخصومات الكبيرة التي جمعتهما، وجاء تأسيس المعهد في أعقاب مخلفات السياسة الفاشية الهتلرية التي فرضت ضرورة قيام هذا المعهد الذي يعني بالتثقيف السياسي وهو الاسم الرسمي للمعهد في حين يفضل الطاقم الاداري للمعهد أن يكون اسمه معهد دراسة الديمقراطية وتعلمها، وتأسس المعهد بمبادرة طوعية وبمساندة مالية من الدولة، واندمج المعهد في شبكة تجمع معاهد مشابهة مركزها بون، بحيث يقوم "فيسنك" بإدارة الحلقات الدراسية، فيما ينظم المركز في بون العلاقات بين المراكز في معظم أنحاء العالم، ولهذا تزايد الاهتمام بمراكز فلسطينية تعني بقضية الديمقراطية في الآونة الأخيرة، برغم انه جاء متأخراً قليلاً لوجود علاقة قديمة مع مراكز في اسرائيل، وطاقم المعهد صغير نسبياً، يعمل فيه بشكل منتظم أربعة من كبار الموظفين الدائمين ومجموعة من المتخصصين غير المتفرغين وبراتب جزئي، ويركز "فيسنك" اهتمامه في مجال الشباب (15 - 25 سنة) وكذلك يبدي اهتماماً في زيادة التثقيف لدى الفئات العاملة مع الشباب.
وفي نهاية مداخلة الدكتور شرويتر أثار المشاركون الفلسطينيون مجموعة من الأسئلة حول الديمقراطية والتثقيف السياسي والعلاقات الألمانية الفلسطينية في هذا المجال وتبادل الخبرات بين الطرفين. بعد المحاضرة، رافقنا الدكتور شرويتر في جولة حول المعهد في الغابة التي تحتل مساحات واسعة من الأراضي المجاورة، وعند خروجنا كانت السماء تتلبد في الغيوم وبدأت حبات المطر تتساقط في اللحظة التي غادرنا فيها بوابة المعهد، صعدنا في شارع إسفلتي ضيق نسبياً يقتصر استخدامه على الدراجات الهوائية، وعندما أصبحنا في منتصف التلة التي تتربع فيها قلعة "فيسنك" توقف شرويتر دون أن يكون مجهدا برغم سنوات عمره الطويلة في حين كان أغلبنا يقاوم ساقيه المنهكتين في الصعود، أشار المرافق الى التلال الجبلية الخضراء على امتداد النظر وقال: هذه جزء من الغابة السوداء التي تمتد بطول 130 كم وعمق 30 كم، وتبدأ من الحدود السويسرية متجهة الى الشمال ومخترقة حدود ألمانيا ويخترق الغابة وادٍ كبير يعرف باسم "دراي صم" فيما يبلغ أعلى قمة جبل في الغابة السوداء نحو 1500 متر، وسميت الغابة بهذا الاسم لأن أشجاراً إبرية كثيفة كانت تغطي المساحات الواسعة وتحجب أشعة الشمس من الدخول الى قلب الغابة، لدرجة أنها تشتد ظلمة في داخل الغابة وبين الأشجار، والغابة موقع سياحي واقتصادي حيوي لألمانيا، وهي آمنة للسياحة لعدم وجود حيوانات مفترسة في داخلها، بينما تستخدم أشجارها الضخمة في صناعات متعددة على أن يتم قطعها ضمن برامج محددة وقوانين صارمة للحفاظ على حياة هذه الغابة التي تعرضت للتدمير الجزئي في الفترات الحرجة التي مرت فيها ألمانيا، وتتوزع ملكية الغابة بالتساوي بين المزارعين والكنيسة والحكومة بحيث يمتلك كل منهم ثلث المساحة.
وقبل النزول من إحدى تلال الغابة السوداء في بلدة "بوخن باخ" أشار شرويتر الى مستشفى للأمراض النفسية يستلقي بين أشجار كثيفة، وقال أن هذا المنتجع يستخدم لعلاج الحالات النفسية والأمراض العصبية التي بدأت تتزايد بشكل ملحوظ في ألمانيا.
في وادٍ سحيق، ومن على حافة الشارع الإسفلتي شاهدنا عشرات من الأبقار، ضخمة الحجم، أشار لها شرويتر وقال أنها ملك للمزارعين في هذه المنطقة، وعند زيارتكم لبيت ريفي في المنطقة بالإمكان طرح جميع أسئلتكم المتعلقة بالحياة الريفية، وما أرغب في قوله أن هذه الأبقار تلقت تدريباً في العودة وحيدة الى أكواخها عند المساء والخروج مجدداً في ساعات الصباح الأولى.
عدنا الى "فيسنك" مشياً على الأقدام، ولم نتمكن من زيارة القلعة في ذلك اليوم لتزايد شدة الأمطار وصعوبة المرور في الطرق الفرعية الترابية، عدت وأنا شارد الذهن في الأبقار التي تقدس مواعيدها وتعرف متى تخرج وكيف تعود الى اسطبلاتها ..
قلعة للحرية تحت سطح البحر
بعد وجبة الغداء التي امتدت ساعتين تقريباً، عاد شرويتر مرة أخرى لقاعة المحاضرات حيث عرض تاريخ مدينة فرايبورغ المقرر زيارتها يوم غد السبت. فرايبورغ كلمة مؤلفة من مقطعين "فراي بورغ" وتعني "قلعة الحرية"، وتقع المدينة تحت سطح البحر على مستوى 300 متر، ونتيجة هذا الموقع إمتازت بدرجات حرارة مرتفعة ورطوبة كثيفة، وفرايبورغ أقصى مدينة كبيرة جنوبية في ألمانيا ولكنها وسط أوروبا، ومع ذلك يعتبر البحر المتوسط أقرب اليها من بحر الشمال الألماني، وهي مدينة حدودية تقع تقريباً عند تقاطع الحدود الألمانية – السويسرية – الفرنسية، وقد سبب لها هذا الموقع مشاكل عديدة، وتأسست المدينة عام 1120م وتعتبر من مدن القرون الوسطى لكنها ليست من المدن القديمة التي تأسست على يد الرومان منذ ألفي سنة، ومنذ القرن الرابع عشر كان التوجه العام لدى السكان الاندماج مع النمسا، وهذا يفسر أن التاريخ النمساوي-الألماني كان موحداً، والحقيقة أن فرايبورغ لها أصل نمساوي حيث كانت النمسا تشكل إحدى الدول الكبرى في القرون الوسطى، وكانت تصارع فرنسا حول النفوذ على أوروبا، وهكذا كانت المدينة تقع على جبهة الصراع بين فرنسا والنمسا، وكانت بكل معنى الكلمة مدينة حدودية نمساوية في مواجهة فرنسا، وهكذا لم تتطور المدينة منذ القرن الثالث عشر وحتى الثامن عشر باستثناء جامعتها العريقة التي افتتحت في العام 1457م.
يعيش في فرايبورغ الآن نحو 200 ألف نسمة، في حين كان عدد سكانها عام 1800 حوالي 8 آلاف شخص وارتفع عام 1880 الى 24 ألف شخص ثم أصبح عام 1920 نحو 110 آلاف نسمة، وخلال الحرب العالمية الثانية وتحديداً عام 1944 تم تدمير معظم المدينة باستثناء كنيسة العذراء التي تحتل قلب فرايبورغ، وقد بنيت على مرحلتين خلال 300 سنة ولهذا يبدو اختلاف فن العمارة واضحاً بين الجزئين اللذين يشكلان الكنيسة.
استقطبت المدينة في السنوات الأخيرة آلاف المهاجرين ولهذا تجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة الأمر الذي سُجِّل على أنه طفرة سكانية، في حين سجلت نسبة الشباب في فرايبورغ الأعلى قياساً للمدن الألمانية بسبب وجود جامعتها العريقة واهتمام الطلبة للدراسة فيها، والمدينة كبيرة وصغيرة في نفس الوقت وهي تعتبر بحق عاصمة الغابة السوداء ومدينة الثقافة والفنون وإحدى المراكز التجارية والسياحية الهامة في ألمانيا.
حان موعد العشاء، ولم ينته الحوار الشيق حول تاريخ المدينة الساحرة التي تتربع على عرش الغابة السوداء، اضطر شرويتر لقطع محاضرته على أن نلتقي صباحاً والسفر معاً الى "قلعة الحرية" والتجول في شوارعها والاستماع لنبضات تاريخها.
صباح يوم السبت، كنا في المحطة المركزية لمدينة فرايبورغ بانتظار زميلنا هلال صوالحه القادم من فرانكفورت، وصل في موعده متقدماً ثلاث ثواني على موعد قطاره الذي واصل انطلاقه جنوباً باتجاه سويسرا، تلقينا هلال بفرح غامر مطمئنين لانضمامه إلينا، حرك شرويتر يده نحو الاتجاه الذي نسلكه، قطعنا درجات عديدة وأنفاق صغيرة تحت الأرض، وتجمعنا في ساحة واسعة لمحطة القطار، وقف مدير "فسنيك" بيننا وكان أطولنا وأنحفنا وأكثرنا هدوءاً وقال: هذه المحطة الجديدة، تم افتتاحها منذ ثلاثة أيام فقط، والمحطة القديمة تم تدميرها في الحرب الكونية الثانية إلاّ أنه تم بناؤها فيما بعد، بينما تم افتتاح هذه المحطة لاستيعاب الأعداد المتزايدة للمسافرين .. كانت المحطة هادئة تتوزع في أطرافها المحلات الصغيرة الجميلة التي تزود المسافر باحتياجاته قبل صعوده للقطارات السريعة.
خرجنا من المحطة المركزية باتجاه مركز المدينة، كانت حركة السيارات هادئة والشوارع بدون ضجيج، فيما انعدمت تماماً أصوات أبواق السيارات، وعلى مقربة من مكتب الاستعلامات السياحية في المدينة وقف شرويتر يشرح لنا: على هذه التلة كانت القوات الفرنسية تقيم معسكرها الذي اضطرت لتفكيكه منذ تسع سنوات فقط، وعلى أطراف الشوارع تلاحظون القنوات التي شقت قديماً لمرور المياه تعزيزاً للسياحة ودرعاً لمواجهة الحرائق حال اندلاعها في المنازل الخشبية التي كانت تنتشر بكثرة في المدينة.
تجولنا معاً في البلدة القديمة، التي وصفها شرويتر بأنها شبيهة بمدينة القدس "التي أحرص على زيارتها بانتظام"، ثم جاملنا وأضاف لكن القدس أجمل من فرايبورغ، تنقلنا من مكان الى آخر مسحورين بجمال المدينة وروعتها وحُسن تنظيمها. كانت الطرق الداخلية فسيحة واسعة مخصصة للمشاة فقط دون أن تزاحمهم السيارات، توقف شرويتر قليلاً قرب مدخل بلدية فرايبورغ وقال: أكبر منطقة من حيث المساحة محجوزة للمشاة في ألمانيا موجودة هنا، في هذه المدينة، انطلاقاً من الحفاظ على حركة سياحية نشطة واهتماماً بمسألة البيئة.
على مدخل البلدية، كانت حجارة نهر الراين الجميلة تصطف بانسجام وتزيّن المكان وتحمل على ظهرها أسماء مدن عالمية أقامت علاقات توأمة مع فرايبورغ، ندور في الموقع ونبحث عن الأسماء: غرناطة، أوكرانيا، واشنطن، صوفيا .. والقائمة طويلة، فيما ينتصب قبالة مبنى البلدية تمثال راهب متصوف قيل أنه ساهم في اكتشاف البارود الأسود، أعاد شرويتر تحريك يده باتجاه مبنى البلدية وقال: أنه أقدم مبنى لجامعة فرايبورغ، في هذا المكان قبل 550 عاماً أقيمت الجامعة، ثم انتقلت الى أماكن أخرى الى أن تم إقامة أبنية حديثة لها أوائل القرن الحالي، وقبل مغادرة ساحة البلدية، لفت انتباهنا خيمة، يدخل اليها الأفراد ويطيلون النظر في الخرائط المعلقة على جدران خشبية، وعند الاستفسار قيل لنا أن المعلومات المعروضة تهدف الى تعزيز خيارات المواطن في فرايبورغ بشأن شق مسار حديدي، اختلف المجلس البلدي على اتجاهه، ولذلك تم الاحتكام للسكان من أجل حسم خلاف المجلس البلدي حيث يجري تصويت للجمهور يحسم فيه اتجاه مسار القطار، انتقلنا الى مبنى جامعة فرايبورغ ووقفنا وسط ساحاتها الجميلة وأطلنا النظر الى فن هندستها وروعة عمارها وجمال لون حجارتها الخمري.
في الساعة الثانية عشرة ظهراً، كانت كنيسة العذراء تقرع أجراسها فيما يتساقط الرذاذ من السماء، وتحت شجرة كبيرة على مقربة من ساحة الكنيسة وقفنا نشاهد روعة المشهد: نموذجان من الفن الهندسي للعمارة (الأقواس والقمم) تتصدر واجهة مبنى الكنيسة التي تم بناؤها منذ القرن الثالث عشر وتواصل حتى السادس عشر، وإحدى العجائب التي يتناقلها سكان المدينة أن الكنيسة لم تدمر أثناء الحرب الثانية في حين تم تدمير معظم الشوارع والمنازل المجاورة.
دخلنا الكنيسة الكاثوليكية، وكان مشهداً جميلاً: شموع تقاوم بنورها الظلمة الحالكة في المكان، زخارف فنية ملونة على النوافذ العالية، أعمدة رخامية تحمل على أكتافها سبعة قرون من التاريخ ومقاعد خشبية تستقبل الزوار والمصلين وتودعهم دون كلل، هدوء جميل ينقي النفس ويبعث على الطمأنينة، مئات من الزوار والسياح والمصلين يدخلون ويخرجون بحريتهم وكل على انفراد يطيل النظر للتاريخ الموزع على جزئيات الكنيسة: صورها ومجسماتها، وأروقتها الواسعة، أعمدتها وأسقفها ..
نخرج من الكنيسة تزكم أنوفنا عبق المكان السرمدي، وتشتعل ذاكرتنا بالقراءة المدرسية القسرية للقرون الوسطى، وعلى إحدى البوابات الكبيرة للكنيسة يودعنا شرويتر ويترك لنا حرية البحث عن مكان هاديء في المدينة الوادعة لتناول وجبة غداء وشراء احتياجاتنا قبل عودتنا مساء الى "فيسنك"، وهكذا توزع الفريق الى مجموعات صغيرة في البلدة القديمة الجميلة كلٌ يبحث عن هدايا تذكارية للأحبة الذين ينتظرون في فلسطين.
هتلر نمساوي .. والمأزق ألماني
يوم الأحد الحادي عشر من تموز، قدم الدكتور شرويتر محاضرته حول الثقافة والديمقراطية استناداً الى خلفية التاريخ الألماني: 15 سنة تركت بصمات واضحة في التاريخ الألماني، في السنوات الممتدة بين العام 1930 –1945 سيطرت الفاشية في ألمانيا، وخلال هذه الفترة الزمنية سقطت الدولة الألمانية بكل مؤسساتها وهيئاتها باشتعال الحرب العالمية الثانية ومقتل ستة ملايين ألماني ونحو عشرين مليون سوفياتي وتبلور مناخ ساهم في ارتكاب جرائم إبادة ضد اليهود في أوروبا بينما شهد الانقسام بين الألمانيتين صراعاً حاداً عكس الصراع القائم لسنوات طويلة بين الرأسمالية والشيوعية.
توقف شرويتر قليلاً عن الحديث، وغابت عيناه في الماضي وهو أستاذ العلوم السياسية الذي إطّلع على أبعاد التجربة الألمانية، تقدم من شبابيك قاعة المحاضرات وأسدل ستائرها وأطفأ الضوء، وشغّل جهازاً لعرض الأفلام: فيلم قديم يعود للعام 1934 يوثق مؤتمر الحزب النازي الألماني، يبدأ الفيلم بآلاف الشبان وهم يقرعون طبول الحرب، ثم يعتلي المنصة رئيس منظمة الشباب الألماني ليقدم لهم زعيمهم هتلر .. نتابع جميعنا الفيلم القديم بعيون مشدودة الى الأداء الانفعالي لهتلر وحركات يديه دون أن ندرك فحوى خطابه العنيف.
استفاد هتلر من تبعات التخلص من اتفاقية الحرب العالمية الأولى، وتمكن من استقطاب الشعب الألماني بذريعة الوحدة مشدداً على أن المدخل اليها لن يتم بدون حرب، وبالفعل استلم السلطة في العام 1933، وفي العام 1934 فتح المعتقلات للمعارضة الألمانية الديمقراطية التي كانت تصر على ضرورة التوصل لاتفاق وحل سلمي ديمقراطي مع حكومة بريطانيا، وواصل تجميع قواه في داخل ألمانيا الى أن أشعل شرارة الحرب الثانية في العام 1939 التي امتدت ست سنوات .. واصل المحاضر شرويتر العرض السريع للتاريخ الألماني في هذه الحقبة ثم تساءل: من هو هتلر؟ وصمت قليلاً قبل إجابته: هتلر ليس ألمانياً، وفي الحقيقة هو نمساوي وُلد على الحدود الألمانية، فشل في امتحان الدراسة الجامعية واعتبر أن سبب فشله هم اليهود، وخلال إقامته في فِينّا تزايد وضعه الاقتصادي تدهوراً، وعاش فترة طويلة في بيوت المشردين، وخلال تلك الفترة لاحظ سطوة اليهود وقوتهم في النمسا، فرفض الخدمة العسكرية في قوات الجيش النمساوي وهرب الى ألمانيا، وفي الحرب العالمية الأولى تطوع كجندي في الجيش الألماني على الجبهة الفرنسية حيث كانت من أشد الجبهات عنفاً، وأبدى هتلر شجاعة متميزة في الحرب فحصل على وسام الشجاعة، وبعد انتهاء الحرب نقل للعلاج في مستشفى ألماني بالمنطقة الشرقية لتضرُر عينيه جراء إصابته بالغاز، وبقي في ألمانيا بعد الحرب رغم قناعته المطلقة بأن ألمانيا لم تخسر الحرب الأولى لوجود وحدات عسكرية من الجيش الألماني على الأراضي الفرنسية.
الدكتور شرويتر أضاف: بلور هتلر أفكاره البسيطة على قاعدة يتيمة: مصدر الشر في العالم اليهود، والنظام الاشتراكي والنظرية الشيوعية يقف خلفهما اليهود، وتبنى أسطورة القرن الخامس عشر بأن اليهود سمّموا مياه الشرب في أوروبا الأمر الذي أدى الى انتشار مرض الطاعون حيث حفرت أوروبا مقابر لثلث سكانها، وفي أعقاب انتشار هذه الفكرة تعرض اليهود لموجة تهجير في كل أوروبا، ملك بولونيا الوحيد في أوروبا أبدى استعداداً لاستقبال موجات المهاجرين من اليهود الأوروبيين.
وبذل شرويتر جهداً في محاولة تفسير انسحاب اليهود باتجاه الشرق حين قال: ارتباط تاريخ اليهود بالهجرة والتشرد في أوروبا، دفع قادة الحركة الصهيونية لصياغة خطة انسحاب من أوروبا الى فلسطين بمساندة أوروبية، في حين رفض المثقفون والأثرياء اليهود، حسب شرويتر، فكرة الخروج من مركز اقتصادي كبير الى الصحراء، لكن في النتيجة تم قيام دولة اسرائيل في المشرق وأصبحت عنواناً لانتقال اليهود من الغرب الى الشرق.
الفيلم الوثائقي الثاني الذي تم عرضه، يتناول معارك "ستالينغراد" بين القوات السوفياتية والألمانية، والخسارة الفادحة التي تعرضت لها القوات الألمانية، وكانت المعركة نقطة تحول رئيسية في هزيمة ألمانيا في الحرب الثانية، سجلت الكاميرا لقطات مثيرة للجنود الألمان القتلى ولقطات أكثر إثارة لحظة استسلامهم للقوات السوفياتية، ولخص شرويتر نتيجة معارك ستالينغراد بقوله: 350 ألف جندي ألماني شاركوا في هذه المعارك، قتل منهم 250 ألف واعتقل 100 ألف وتمكن فقط خمسة آلاف منهم من العودة الى ألمانيا في مطلع الخمسينات.
القرار الذي توصلت إليه ألمانيا بعد هذه الكوارث، حسب شرويتر، أن لا تكون سبباً في أية حروب وأن تقطع الطريق على نهوض ديكتاتورية جديدة تقود الى هذه المصائب، وعلى هذه الأرضية أصبح التثقيف الديمقراطي ضرورة حيوية للأجيال الألمانية وحتى الأوروبية.
أوضح شرويتر: مباديء التثقيف الديمقراطي ترتكز على المشاركة الجماعية وإجراء نقاشات واسعة، وعلى هذا الأساس ينشط معهد "فيسنك" في العمل مع فئات الشباب والعاملين معهم، والمشروع الرئيسي قيد الاعداد الآن هو "الشباب لكل أوروبا" وهو عبارة عن حلقات دراسية لشبان من بولونيا وفرنسا وألمانيا وغيرها يرغبون في تبادل الزيارات، ويهدف البرنامج الى تعميق فهم الشباب لأهمية الوحدة الأوروبية.
اقتربت محاضرة الدكتور شرويتر على نهايتها، وأصبح واضحاً أن ما عرضه خلال ثلاث ساعات فتح ثغرات لعشرات الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها بفعل تسارع وتيرة الزمن، ولكن التساؤل الذي طرحته حول مصير الجالية التركية خصوصاً والمهاجرين عموماً بتعرضهم لاضطهاد في ألمانيا، أصبح يثير جواً من القلق الجدي في حال سيطرة قوى اليمين الألماني على مقاليد السلطة .. إذن، هل يخشى المهاجرون (8 مليون) من تغييب مسألة التثقيف الديمقراطي؟؟
ضيافة كريمة .. في بيت ريفي
في الساعة الثانية من بعد الظهر، كانت الحافلة تخترق طرقات الغابة السوداء بعيداً عن النقاشات النظرية، وكانت الحافلة في طريقها الى بيت ريفي يقع على أطراف بلدة بوخن باخ.
توقفت الحافلة أمام بيت ريفي كبير، كان الشاب الوسيم ابن صاحب المنزل وزوجته بانتظارنا، رحبوا بنا ثم قال الشاب: أعيش في هذا المنزل مع والدي والدتي وزوجتي فيما يعمل ثلاثة من أخوتي في وظائف مختلفة ويعيشون في مدن ألمانية بعيدة من هنا، تمتلك عائلتنا نحو 66 هكتاراً في الغابة السوداء نستخدم جزءاً منها لرعي البقر وأخرى لزراعة خضراوات متنوعة وثالثة لمنتوج الأخشاب وقص الأشجار الضخمة بعد زراعة بديل لها، وتشترك أسرتنا مع مؤسسة لجمع حليب الأبقار في الغابة السوداء من أجل تصنيعه وإعادة إنتاجه فيما يتم الاتفاق مع تجار لشراء لحوم الأبقار، والمشكلة التي تواجه الفلاحين في المنطقة الآن هي انخفاض أسعار الخضروات والحليب واللحوم بحيث لا يغطي المردود الاقتصادي النفقات، ومع تزايد نسبة الضرائب للحكومة الجديدة أصبحت الأمور الاقتصادية أكثر صعوبة ووضعت الفلاحين في مواجهة مع الحكومة الاشتراكية الجديدة.
قبل نهاية زيارتنا للبيت الريفي، اصطحبنا صاحب المنزل في جولة قصيرة لمزرعة أبقار خاصة بأسرته، وقال لدينا 27 بقرة تنتج كل منها سبعة آلاف كيلو حليب سنوياً، وأعترف أنها كميات عالية جداً قياساً بمعدل الإنتاج العام في ألمانيا، وفي مخزن مجاور شاهدنا عدة ماكينات للحصيدة وثلاثة تراكتورات وجرارات زراعية. وفي نهاية الجولة تجمعنا على ثلاث موائد حيث أعدت صاحبة المنزل تشكيلات من أطباق الحلويات الألمانية اللذيذة، ودّعنا العائلة الريفية تاركين بحوزتهم ذكرى من بيت لحم: جِمال عربية من خشب الزيتون، ثم تابعت الحافلة مسيرتها في الطرق الضيقة الجميلة في الغابة باتجاه بلدة "تيتي سي" التي تقع حول بحيرة واسعة هادئة.
نزلنا باتجاه الأسواق السياحية للبلدة، كانت السماء ملبّدة بالغيوم، وأبدى المشاركون رغبة في التجول بالبحيرة الجميلة على ظهر مركب سياحي، كانت المشاهد خلابة تبعث على الطمأنينة، وكانت العائلات العربية الخليجية التي شاركتنا رحلة المركب تطيل النظر طويلاً في الشواطيء الهادئة، وتتساءل بصوت مرتفع عن عذوبة مياه البحيرة .. إشترى معظمنا هدايا تذكارية من البلدة الجميلة، وفي طريق عودتنا لموقع الحافلة كانت السماء تغسلنا بمياهها وتضيف شيئاً غامضاً الى نشوة السياحة فينا .. أمطار تموز التي لم نشهدها في بلادنا، كانت تغسل كل شيء وتعمق فينا الذكريات وتزداد عنفاً كلما اقتربت الحافلة من أطراف الغابة السوداء باتجاه "فيسنك".
خيال بلا حدود
سلكا باور، متخصصة في العلوم السياسية، بدأت مداخلتها باستعراض عام لطرق التثقيف السياسي الشائعة مؤكدة كثرة وسائلها، وعلى الفور أدخلت المجموعة بطرق عملية. طالبت السيدة باور من المشاركين التجمع في حلقة واحدة، ومررت كرة يد الى شخص يقف مقابلها، ومع تمرير الكرة أطلقت مصطلحاً سياسياً، وفي اللحظة التي يتسلم فيها الشخص الكرة يجيب بأول كلمة أو مصطلح رداً على ما سمعه، ويقوم الأخير بتمرير الكرة الى شخص آخر، وهكذا دواليك تدور الكرة وتدور معها المصطلحات السياسية والثقافية الاجتماعية .. الخ لتكشف عن تعددها ومدى ترابطها معها، وغالباً كنا نلاحظ أن مصطلح "الصحافة" مقرونة على الفور ب "الرقابة" و "المجتمع المدني" مترابطة مع الديمقراطية و "الاحتلال" ب "القمع والسجن" ..
الطريقة الثانية كانت أكثر إثارة، وأثارت نقاشاً في صفوف المشاركين، حيث طالبت السيدة باورالجميع بالاسترخاء على المقاعد وإبقاء الرأس على الطاولة، مشددة على فتح المجال أمام الذاكرة للتخيل الى أبعد مدى، وبدأت بصوت خافت هاديء، وعبر مخاطبة العقل بقيادة خيال المشاركين من المعهد الى خارجه الى الحقول والأرياف في ألمانيا، وعندما اطمأنت الى سيطرة صمت مطلق في قاعة المحاضرات، توقفت عن طرح الأسئلة والطلبات، ثم تبين أن مجموعة لا بأس بها من المشاركين قد غطت في نوم عميق.
بعد أن أفاقت المجموعة، روى بعضهم ما شاهده في أحلامه، إحداهن شاهدت نفسها ترتدي ملابس تقليدية ألمانية، آخرون قالوا أنهم ذهبوا الى مواقع لم يشاهدوها سابقاً. السيدة باور أوضحت أن نجاح الطريقة يرتكز على مدى الاستجابة لها، وقالت أنها تهدف الى التمرين على قيام الشخص بوضع نفسه مكان الآخر، وأوضحت أن هذا الأسلوب يطبق على طلبة المدارس في ألمانيا حيث يُطلب منهم وضع أنفسهم مكان الطلاب المهاجرين القادمين مع ذويهم لقياس مدى مشاعرهم نتيجة قسوة حياة اللجوء التي يعانوها .. لكن السؤال التربوي المطروح، هل يتمكن "الجلاد" من تقمص دور "الضحية" ؟؟!! هذا السؤال بالفعل أثار جدلاً في أوساط المشاركين، ربما يجتاح "الضحية" رغبة في تقمص دور "الجلاد" لمواجهة الظلم والقمع، لكن "الجلاد" لا يشعر أنه بحاجة الى تقمص دور الضحية الذي لا يرغب به.
صباح الثلاثاء (13/7) سرنا مشياً الى دار البلدية في بوخن باخ، على مدخل البلدية اشتدت الأمطار قليلاً، دخلنا مسرعين الى إحدى القاعات حيث كان ينتظر رئيس البلدية.
رجل في منتصف الخمسينات، رحب بنا معرفاً أنه رئيس البلدية ثم عرض شرحاً قليلاً عن عدد سكان البلدة (3100) نسمة، وتبلغ مساحة أراضي البلدة نحو أربعة آلاف هكتار، وتشكل الغابات أكثر من ثلثي المساحة، وفي البلدة 80 مركزاً زراعياً، يمتلك كل مركز نحو 30 هكتارا بحيث باتت المحاصيل الزراعية تشكل جزءاً رئيسياً من دخل سكان البلدة إضافة الى قطاع السياحة، وتمتلك البلدة نحو 60 ألف سرير للسائحين لاستقبال القادمين الى "الغابة السوداء" فيما تعمل لجنة مشتركة بين بلدتي فرايبورغ وبوخن باخ لتنظيم أعمال السياحة، وإضافة الى قطاعي الزراعة والسياحة هناك صناعة قطع الأخشاب التي تعتبر أيضاً من القطاعات الهامة التي تمول دخل السكان.
المجلس البلدي في بوخن باخ يتكون من 14 عضواً ويُنتخب مرة كل خمس سنوات، فيما يُنتخب رئيس البلدية أو ما يُعرف باسم المحافظ كل ثماني سنوات مباشرة من المواطنين، ويتشكل التركيب الحزبي للمجلس من: (5) أعضاء من الحزب الديمقراطي المسيحي، (4) مستقلون، (4) أحرار، (1) اشتراكي ديمقراطي، ويشارك في المجلس البلدي امرأتان فقط.
رئيس البلدية قال أن الأحزاب السياسية لا تلعب دوراً كبيراً في إدارة شؤون البلدية، والعملية الإدارية تتم بمهنية فقط وحسب رغبات المواطنين والخدمات التي يرغبون بتوفرها، وخدمة المواطن هي مسألة فوق النشاط الحزبي، وأجاب رئيس البلدية على مجموعة من الأسئلة واستمع الى موجز سريع حول نظام البلديات في فلسطين .
الألمان ينقرضون !!
قبل ظهيرة اليوم عدنا الى المعهد مشياً على الأقدام وقد تزايد سقوط المطر، وبعد الظهر، توزع النقاش على محورين، الأول حول الأطفال والشباب في ألمانيا والثاني حول مساهمة النساء الألمانيات في العملية السياسية.
أبرز المحاضر السيد ألفرد ألسنر في المحور الأول عنواناً لصحيفة ألمانية تقول: "الألمان ينقرضون" وبين أن الولادات في حالة تراجع دائم، فقد سجلت الولادات عام 1968 مليون حالة ولادة في ألمانيا، بينما سجلت عام 1975 نحو 600 ألف حالة ولادة، ومنذ سنوات عديدة تسجل ألمانيا تراجعاً واضحاً في عدد حالات الولادة.
السؤال الذي طرحه المحاضر: ما هو سر تراجع حالات الولادة في ألمانيا؟ الأسباب كثيرة، ولكن أبرزها أن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل الإنفاق على الأطفال يمتص الكثير من دخل الأسرة، وبالتالي سيطرت على الزوج والزوجة فكرة عدم الإنجاب والاستمتاع بالنمط الاستهلاكي للأسرة الأوروبية بضرورة توفير كل الكماليات وتوفير الأموال اللازمة للسياحة داخل وخارج أوروبا بدلاً من إنجاب طفل يحتاج جهداً وعناية ووقتاً ومالاً.
وفي المحور الثاني الخاص بالنساء، بدأت السيدة سلكا باور محاضرتها بالقول: الرجال في ألمانيا الأكثر انتحاراً والأكثر عرضة للأمراض النفسية ويموتون مبكراً قياساً بالنساء الألمانيات، وعند التدقيق في الهرم السكاني للمجتمع الألماني يلاحظ أنه هرم غير طبيعي لا يقف على قاعدة ثابتة ويكاد ينتهي في رأس طبيعي.
في الآونة الأخيرة بدأت تتزايد نسبة النساء المشاركات في البرلمانات الإقليمية، وفي السنوات العشر الأخيرة، قررت القوى السياسية منح حصة للنساء: حزب الخضر قدم 50 بالمائة من مقاعده للنساء، الديمقراطي الاشتراكي 50 بالمائة أيضاً، الديمقراطي المسيحي 33 بالمائة، الاشتراكي الديمقراطي 40 بالمائة، فيما ترك الحزب الليبرالي الباب مفتوحاً أمام حصة النساء في مقاعده البرلمانية.
ووصلت المحاضرة باور الى خلاصة مفادها أن الدور التقليدي للمرأة الألمانية أعاق نشاطها السياسي إضافة الى اشكالات المجتمع وتقسيم العمل القائم فعلاً بين النساء والرجال، وأدى كل ذلك الى تركيز المرأة على الاهتمام بأفراد أسرتها وانحسار الوقت الذي تمنحه للنشاط السياسي .. إنتهى النقاش حول هذين المحورين على أمل تجدده عند لقاء مندوبين للمنظمات الشبابية والنسوية.
تدفق المياه .. مشكلة ألمانية !!
فجر الأربعاء (14 تموز) كان طاقم البلدية جاهزاً لمواجهة فيضان الجدول المحاذي لمعهد "فيسنك"، سمعت حركة الطاقم منذ ساعات الصباح الباكر، فتحت نافذة غرفتي لأشاهد فيضان الجدول باتجاه جدار المعهد، وعندما نزلنا بعد الإفطار الى قاعة المحاضرات أخبرنا طاقم المعهد: منذ 25 سنة لم تشهد المنطقة أمطاراً بهذه الغزارة في فصل الصيف، حتى أن جرس الإنذار قرع في برلين لمواجهة الفيضانات المحتملة، توجه أحد المحاضرين إلينا وخاطبنا: المشكلة لديكم في الشرق الأوسط قلة المياه، لكن المشكلة هنا في كثرتها. اختتم المحاضر حديثه وخرجنا في استراحة قصيرة، فيما أدار أحد الشبان جهاز التسجيل لنسمع صوت نجوى كرم يصدح .. عطشان اسقيني .. ضحكنا معاً وقلنا لدينا فائضاً من أمطار تموز.
النقاش بعد الظهر تركز حول قضايا الشباب (15-24 سنة)، وعرض المحاضر ألسنر رسوم بيانية توضيحية تظهر مواقف الشبان الألمان من القضايا المطروحة، وأظهرت إحدى الرسومات البيانية أن 49% من الذين تم استفتاؤهم يهتمون بجمع المال، في حين أجاب 53% على سؤال يتعلق بفكرته تجاه الحياة أنه ولد في هذا العالم من أجل التمتع بحياته الشخصية فقط، فيما قال 14% أنه يبحث عن الأمان والدفء داخل العائلة، وفي استبيان آخر اعتبر 54% من الشبان أن أهم شيء في حياته هو صحته وأعطى اهتماماً أقل بالصداقة والعائلة والعدالة، فيما أجاب 93% من الشبان في استفتاء آخر على سؤال يتعلق بأهدافه بأن "يكون صريحاً مع نفسه" ومنح 87% الإجابة لقضية الأدب واحترام الآخرين.
وجرت مقارنات عديدة بين الشبان الذين يعيشون في المنطقة الغربية والشرقية، وأظهرت الرسومات الإحصائية تبايناً في مواقفهم تجاه جميع القضايا السياسية والقيمية المطروحة على المجتمع الألماني، وخلص المحاضر ألسنر الى أن النزعة المادية والاستهلاكية تسيطر على الشبان في ألمانيا، بينما يبرز بوضوح التناقض في تفاؤلهم بمستقبلهم الشخصي وتشاؤمهم من مستقبل المجتمع وتبدد الآمال في نفوسهم، والتي أثارتها وحدة ألمانيا عام 1990، في حين غاب الاهتمام لدى الغالبية بالتمسك بالقيم الدينية وطقوسها، بينما أبدى ثلث الشبان رغبتهم في الهجرة من ألمانيا في حين أبدى أكثر من نصفهم عدم اكتراثه بقوميته الألمانية.
الراين .. الحدود الطبيعية
في يوم الخميس التالي، انطلقت الحافلة الى مدينة ستراسبورغ الفرنسية ، شمال غرب فرايبورغ الألمانية، قطعت الحافلة ساعتين من الزمن، وقبل أن تجتاز الحافلة الجسر على نهر الراين الواسع، أشار الدكتور شرويتر الى نقطة الحدود الألمانية للمتجهين الى فرنسا، وقال أنها تحولت الى مركز للشباب، غابت شرطة الحدود وتلاشت معها أجهزة التدقيق بالأوراق "الثبوتية".
لم نتوقف على نقطة الحدود، ولم نبرز وثائقنا بالطبع، فيما تابعت الحافلة الألمانية اجتياز إقليم الالزاس الفرنسي الذي كان ألمانياً في السابق .. كيف جرى ذلك في سياق أحداث التاريخ ؟
احتل الفرنسيون إقليم الالزاس في القرن الثامن عشر وأحرقوا جميع المدن الألمانية، وعندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1798 تأثر سكان الألزاس بأفكارها، وبدأت تطرق آذانهم قضية الهوية: ألمان يتكلمون اللغة الفرنسية، وأصبحت الأمور السياسية أكثر تعقيداً، وعاشت منطقة الألزاس في قلب الصراع الفرنسي-الألماني طوال عقود كثيرة مضت وسط ملايين القتلى بين الطرفين خلال الحروب التي خاضوها، وانتهت الحروب مع نهاية الحرب الكونية الثانية باتفاقية تم الإقرار فيها أن الالزاس إقليم فرنسي .. لكن السؤال، هل النموذج الفرنسي-الألماني في حل اشكالات احتلال الأقاليم قابل للتطبيق في الشرق الأوسط؟؟
على مدخل مبنى ضخم للمجلس الأوروبي، تضعنا الحافلة الألمانية في قلب ستراسبورغ أو شتراسبورغ باللغة الألمانية، نتجمع على بوابة إليكترونية بانتظار إجراءات تفتيش روتينية سريعة قبل الدخول الى المبنى الضخم، نتجول فيه ونجلس في مقاعد المراقبين، ندقق طويلاً في التصميم الهندسي المتميز والديكور الخلاب، فيما نشاهد مجموعات عديدة من الزوار من أقطار شتى تأخذ مواقع لها وتستمع لمعلومات حول البرلمان الأوروبي.
في غرفة مجاورة لقاعة مندوبي أوروبا، نلتقي أحد كبار موظفي المجلس الأوروبي الذي بدأ مداخلته سريعاً بعد ترحيبه بالفريق الفلسطيني: يضم المجلس الأوروبي 41 دولة فيما يقتصر الاتحاد الأوروبي على 15 دولة فقط، ومنذ العام 1990 تبدلت تشكيلة المجلس الأوروبي وأُنيطت به مهمة استقطاب دول شرق أوروبا لبناء أنظمتها على أسس جديدة، هكذا قال المسؤول الأوروبي بلغته الألمانية المترجمة فورياً الى العربية، وأضاف: المشكلة لا زالت قائمة مع هذه الدول، هل نقول لهم عليكم ممارسة حقوق الإنسان لضمان دخولكم الى المجلس الأوروبي أم نجبرهم على تطبيق الديمقراطية، واستعرض المحاضر محطات نجاح المجلس الأوروبي وفشله، وقال فشلنا مع ألبانيا، ومنذ العام 1996 حدثت اضطرابات كثيرة ولم ننجح في إدارة أوضاع ألبانيا، فيما تم بنجاح صياغة اتفاق "ديتين" للعام 1995 وفتح الحدود لثلاث مناطق إدارية في إقليم البوسنة والهرسك، وأصر على القول: رئيس الصرب ميلوسوفيتش ديكتاتور اختار سياسة مغايرة تماماً لسياسة المجلس الأوروبي، فيما ترتكز سياسة المجلس الأوروبي على دعم سياسة الإصلاحات في منطقة البلقان وضمان أسس ثابتة للديمقراطية حتى لا تندلع حروب أخرى في السنوات العشر المقبلة .. لم يتوقف عند هذا الحد في مداخلته التي طالت كثيراً، وطلبنا حقنا في طرح الأسئلة.
طرحت سؤالاً: لماذا تقبل أوروبا أن تقوم أطراف عسكرية من خارجها بتسوية الخلافات الأوروبية وتوجيه ضربة قاسمة للعاصمة اليوغسلافية بلغراد ؟ ألم يكن هناك متسع لحل سياسي بعيداً عن دمار الحرب خاصة وأن سياسة المجلس الأوروبي ترتكز على ما أطلقت عليه دعم سياسة الإصلاحات وضمان أسس الديمقراطية ؟
تردد المحاضر قليلاً في الإجابة على السؤال، لكنه قال: كما ذكرت رئيس الصرب ديكتاتور ولا يحترم حقوق الإنسان في أوروبا، ولم يترك للمجلس الأوروبي خيارات سلمية في حل الإشكالات العالقة في إقليم كوسوفا، وكان لا بد من هذه الضربة العسكرية.
خرجنا من محاضرة المجلس الأوروبي منهكين، عدد قليل تمكن من الإصغاء الجيد لمحاضرة يتداخل فيها الجانب الاقتصادي مع السياسي مع حقوق الإنسان مع مشاكل أوروبا والعالم من حولها، البعض آثر أن يسترخي قليلاً على الطاولة فغالبه النعاس.
تجولنا في الشوارع القديمة لمدينة ستراسبورغ يسكنها الآن نحو 330 ألف فرنسي، وزرنا كنيستها الجميلة وشاهدنا تباين طابع المعمار الهندسي الفرنسي عن الألماني، واختتمنا رحلتنا في المدينة على مركب في نهر الراين، شاهدنا جوانب من المدينة الجميلة وجزءاً من مناظرها الخلابة، فيما تابعت الحافلة التوغل في قرى إقليم الالزاس وتوقفنا لمدة ساعتين في قرية جميلة مشهورة بصناعة النبيذ حيث تحيطها الكرمة من جميع الاتجاهات وعلى امتداد البصر.
قفلنا عائدين في المساء باتجاه الجنوب، وعندما اجتزنا نهر الراين مرة أخرى في طريق العودة، لفت انتباهنا أن مطعم ماكدونالد هو أول محل على نقطة الحدود بعد اجتياز "الراين" باتجاه ألمانيا.
لقاء مع منظمات نسوية
في اليوم التالي تم عقد لقاء مع منظمتين نسويتين ألمانيتين، الأولى تعرف باسم "المرأة والتكنيك" والثانية تسمى "الحلقة النسائية".
السيدة روزا شتاين مديرة منظمة "المرأة والتكنيك" طرحت سؤالاً رئيسياً في مداخلتها: لماذا تهتم منظمتنا بربط المرأة الألمانية بقضايا التقنية والتطور؟ وأجابت قائلة، حقيقة الأمر أن النساء على علاقة خاصة بالأعمال التقنية، وكلما تدربت النساء في هذا المجال كلما كانت الفرصة أكبر أمامهن للمنافسة في سوق العمل، وتهتم المنظمة النسوية كثيراً في إعادة تأهيل العاطلات عن العمل، وتجد نسبة جيدة من المؤهلات استيعابا في أماكن العمل، بينما تتابع إحدى الوزارات المتخصصة هذا الموضوع لضمان استمرار تمويل البرامج حيث يتم تخريج 800 امرأة سنوياً ومائة أخرى في برامج التثقيف ضمن الحلقات الدراسية التي تنتظم مرتين سنوياً.
السيدة فادن بيرنغ من منظمة "الحلقة النسائية" قالت أن المنظمة أُنشئت قبل قيام الحكم النازي في ألمانيا بهدف زيادة مستوى التثقيف السياسي لدى النساء، وهي منظمة فوق الأحزاب وتشارك فيها عضوات من مختلف الأديان، وللمنظمة لجان عديدة أبرزها لجنة التثقيف السياسي ولجنة أوروبا واللجنة القانونية والاقتصادية، وتبدي المنظمة اهتماماً بارزاً في العمل مع الأجنبيات والمهاجرات الى ألمانيا وتعمل جهدها من أجل مساعدتهن، وتعمل المنظمة من أجل جسر الهوة بين الرجال والنساء لضمان مجتمع اكثر إنسانية، وتسيطر ثلاثة أهداف رئيسية على محور نشاط المنظمة: الوصول الى مستوى ديمقراطي عال، خلق حالة من التساوي بين الرجل والمرأة واحترام الإنسان وخاصة المهاجرين والأجانب في ألمانيا.
خرجنا من مكاتب منظمة "المرأة والتكنيك" في فرايبورغ مشياً على الأقدام باتجاه نادي للشباب، تجولنا في طوابق النادي المختلفة الذي يضم أقساما كثيرة من ألعاب رياضية وموسيقى وفنون ورسم وغيرها، وقبل نهاية زيارتنا التقينا أحد الشبان الصغار (17 سنة) الذي أُنتخب عضواً في مجلس شباب فرايبورغ (24 عضوا) وقدم شرحاً موجزاً عن دور المجلس في تفعيل نشاطات الشبان، وعرض دعوة للشبان للمشاركة في أمسية سياسية أطلق عليها اسم "يوم سياسي" يتحدث فيه مندوبون لثماني من القوى السياسية على أن يتخلل اليوم السياسي وجبة من البطاطا والمشروبات والرقص، وعندما تساءلنا عن سر هذه الخلطة: أجاب أنها الطريقة الوحيدة لضمان حضور الشبان للندوات السياسية، لذلك لا بد من هذه الخلطة في ظل تدني اهتمام الشبان بالأمور السياسية.
الليلة الأخيرة … واليوم الأخير
مساء السبت، استقبلنا الدكتور شرويتر وزوجته وابنته في حفل عشاء وداعي، كان الجو جميلاً دافئاً، وكانت الجلسة في حديقة منزله، تناولنا وجبة عشاء لذيذة بصحبة أصدقاء للمعهد وبمرافقة موسيقى شرقية أبدعت فيها نجوى كرم غناءً مسجلاً… وقبل العاشرة مساء كنا في طريقنا لمحطة القطارات المتجهة الى بلدة بوخن باخ.
في اليوم الأخير للبرنامج، عقدنا جلسة تقييم وأُثيرت العديد من القضايا الإيجابية والسلبية، وأبرزها ربما تاريخ الصراع في أوروبا، وهل تصلح نماذج الحلول السياسية في القارة الأوروبية لحل التناقضات القائمة في المشرق العربي وخاصة على جبهة الصراع العربي الاسرائيلي، رافق ذلك نقاش واسع حول مشروعية جمهورية مصر بامتلاك السلاح النووي، الأمر الذي اعتبره معظم المشاركين أمراً مشروعا لخلق ما يسمى بتوازن الردع في الشرق الأوسط…. أثيرت العديد من النقاط الهامة وعقدت المقارنات النسبية بين الشرق والغرب، واشتد النقاش وبرزت خلافات في الرأي لكن الإجماع كان حول أهمية الديمقراطية في خلق المجتمع المدني.
في السابعة من صباح الاثنين، يوم العودة كانت الحافلة الألمانية تنتظر في مدخل معهد "فيسنك" ودعنا الطاقم الاداري وانطلقنا الى مطار فرانكفورت، وعند الحادية عشرة صباحاً كنا في المطار نبحث عن مدخل لنا الى "اللوفتهانزا"، دفعنا ما تبقى معنا من ماركات لمحلات "الديوتي فري" في مطار فرانكفورت، وانطلقنا عائدين على متن "اللوفتهانزا" العملاقة الى مطار اللد .. تجمعنا في مدخل قاعة مطار اللد، وأجبنا على نفس الأسئلة التي وُجِّهت إلينا أثناء المغادرة لم نأخذ شيئاً من أحد، وحقائبنا بدون سلاح، وكنا في ألمانيا لحضور ندوات دراسية… أمن المطار أعطى أوامره بالسماح لنا بالمغادرة الى رام الله.. انتظرنا بفارغ صبر السيارات القادمة لنقلنا من الغرب باتجاه الشرق: واحدة انطلقت الى غزة، ثانية غادرت الى طولكرم وجنين، ثالثة الى القدس وبيت لحم والسيارة الأخيرة الى رام الله .. كانت رحلة مفيدة وجميلة منحت فرصة لخلق المقارنات النسبية، خلقت الأصدقاء وكشفت أحياناً مدى ضحالة البعض وتآكل ثقافتهم وأثبتت مرة اخرى الفارق الكبير بين أن تكون صحفيا ميدانيا تسجل كل ما تلتقطه أو أن تكون مجرد موظف صحافة تنتظر الأحداث على مكتبك؟؟


Comments»
ana 2awel benet akteb ta3le2 bas el mohem en l 2esa kter kter 7elwa btganen merse