الصين:سور عظيم ومعابد وكهوف تكشف عمق التاريخ - بقلم: بسام الكعبي
4 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي
في الثاني عشر من نيسان عام 1961 نظر أول رائد فضاء بشري على وجه الأرض، السوفياتي يوري غاغارين من مركبته "فوستوك" نحو كوكبنا الأزرق سابحاً في الفضاء مرددا بصوت عال لذاته: "منظر مدهش وجميل، يبدو البشر موحدين من خارجه لكنهم يتصارعون على سطحه مع أنهم يستحقون السلام" واعترف غاغارين أنه رأى بعينه المجردة سور الصين العظيم يمتد طويلا في البلاد الواسعة..استعادت ذاكرتي كلمات غاغارين مترابطة مع شريط حادث مقتله بطائرة نفاثة بعد سبع سنوات من هبوطه عن سطح القمر وقبل تجاوزه سن الأربعين. على السور وقفت بجوار مجموعة من زملائي الصحافيين قرب قلعة عملاقة تحتل حيزاً في عرضه الواسع..زميل اعلامي مخضرم استبد به الحنين للبلاد التي يعرفها جيدا في زياراته القديمة المتكررة التي بدأت منذ مطلع الستينات، انتزع قميصه العلوي تحت درجات حرارة متدنية شهدها منتصف آذار مشيراً بالتقاط صور فوتوغرافية لعضلات مرنة فوق صخر صلب صارخاً: "من سور الصين تحيا فلسطين". وعلى مشهد من عدسات الكاميرا التي احتجزت السور العظيم، احتفى كل منا بطقوسه الخاصة وحصدنا سريعاً بعدسات "الديجيتال" المعلقة بأصابعنا صوراً تصيغ احتفالية بإحدى عجائب الدنيا
السبع التي تقترب من المعجزة. قطعتُ مع الزملاء نحو تسعين كيلو مترا شمال بكين، لأشهد مقطعاً صغيرا جدا من السور، لقد تهاوت أبصارنا على مدرجاته الواسعة مكتشفين مدى جبروته..شاهدناه عملاقاً يصعد سلسلة من الجبال الضخمة ويتلوى كثعبان مريع ترتاح على ظهره قلاع وثكنات ضخمة لمرابطة الجنود وصد الغزاة، فيما تصطف القلاع متجاورة تبعد كل واحدة عن الأخرى أقل من مائتي متر. في اللحظة التي هوى فيها نظري تدقيقاً بالمكان اعتراني صمت مقدس يجتاحني في المعابد التاريخية القديمة تقديرا لارادة الانسان الفولاذية في تشييدها واحتراماً لقدرته العجيبة باضافة لمساته الفنية المبدعة ليحولها سحراً من القدسية. في سري حمدتُ الخالق المتسامح العالي أن السور العظيم لم يسقط بقبضة منظمة "طالبان" الأفغانية حتى يتجنب مصير ثماثيل "بوذا" العريقة في مدينة باميان شرق أفغانستان، فقد نالت "شرف" الاعدام بالقذائف منذ سنوات قليلة تحت حجج واهية مع أنها منحوتة في الصخور منذ ثلاثة آلاف عام ..هل يُعقل أن تتم محاسبة الانتاج التاريخي للبشرية وتراكم حضارته الانسانية بأثر رجعي؟ كيف يتسنى لنا رؤية السور هائل العظمة لو جرت محاسبته وفق رؤى بائدة ؟ على سور الصين حاولت جهدي استعارة المشهد الخاص لرائد الفضاء غاغارين وهو ينظر بأول عينين بشريتين نحو كوكب الأرض مدققاً في امتداد السور الهائل ومعلناً: " سور الصين المَعلَم الوحيد الذي التقطته عيني بتجرد". أعاد الزملاء تركيب التعبير الشهير الذي أطلقه رائد الفضاء وتخاطفته وكالات الانباء فعلق أحدهم ضاحكاً: غاغارين كان يمتلك بصراً حاداً والمسألة لا علاقة لها بحجم السور ومدى امتداده في الأرض، لماذا لا نرى الآن سورا في القمر؟..ضحكنا عالياً ثم واصلنا صمتنا مبهورين بالحجارة التاريخية الضخمة تعتلي الجبال المرتفعة. عراقة التاريخ يمتد السور أكثر من خمسة آلاف كيلو متر في الأراضي التي تعبر شمال الصين وبارتفاع لا يتجاوز عشرة أمتار، ويبلغ أوسع عرض له نحو خمسة وسبعين مترا وأضيق عرض لا يقل عن ثمانية أمتار، وقد أنجزه الامبراطور تشين شي هوانغ قبل أكثر من ألفي عام بزمن قياسي لم يتجاوز السنوات العشر عندما أمر بتشغيل نحو ثلاثمائة ألف عامل على مدار الساعة حتى نجح في خلق ترابط لأجزاء السور المقطع في الدويلات الست المتحاربة وقد وحدّها بالقوة تحت زعامته عام 221 قبل الميلاد بعد حروب طويلة بين أمراء العائلات المسيطرة بعد نزاع دموي تواصل على مدى 250 عاما.حكم الامبراطور هوانغ البلاد أقل من أربعين عاما مؤسساً أول دولة اقطاعية مركزية موحدة ومتعددة القوميات في تاريخ الصين، ووحد الامبراطور اللغة المكتوبة والمقاييس والنقد وأقام نظام المحافظات والولايات، وقد صمد هيكل الدولة الاقطاعية الذي أسسه نحو ألفي عام. بدأ وهو على قيد الحياة ببناء المقبرة الضخمة الحجم بحراسة ثمانية آلاف مقاتل من الصلصال الرمادي بكامل عتادهم وسلاحهم وخيولهم، وإهتز العالم عام 1974 في أعقاب كشف النقاب عن تماثيل الجنود والخيول التي كانت مغمورة تحت الرمال وسجلتها مؤسسات الآثار العالمية باعتبارها العجيبة الكونية الثامنة. تمتلك الصين اضافة إلى السور العظيم ثروة هائلة من المواقع العالمية والمعابد والحدائق والجبال التاريخية أبرزها قصر الامبراطور والمعبد السماوي، قصور وقبور الأباطرة وكهوف لونغمن الصخرية التي تضم نحو 2300 كهف وتماثيل عملاقة لبوذا و110 آلاف صورة له و2800 منحوتة من الكهوف تمتد كيلو مترا واحدا على شاطئ نهر بيشوي، والقرى العريقة في جنوب مقاطعة آنهوي، الحي التاريخي في مكاو، معبد كونفوشيوس ومقر اسرته ومقبرة عائلته، تمثال بوذا الحجري العملاق في جبل لهشان، جبال لوشان والمصيف الجبلي الامبراطوري وغيرها الكثير.. وتشكلت كل هذه الثروات الحضارية على مدار خمسة آلاف عام، فقد ظهرت أول أسرة ملكية في تاريخ البلاد قبل ألفي عام من الميلاد، ثم ظهرت أسرة شانغ وأسرة تشو اللتان طورتا نظام العبودية تلاهما عصر الممالك المتحاربة. خلال هذه الفترة تم استخدام الأدوات الحديدية وتطورت صناعة الفخار والنسيج. طورت أسرة هان الزراعة والحرف اليدوية والتجارة وافتتحت طريق الحرير البري الشهير الممتد من قلب الصين عابرا الجسر الخشبي الطويل المعلق إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط ثم إلى أوروبا لنقل المنسوجات الصينية باتجاه الغرب دون انقطاع على مدار العام. توالت الأسر الاقطاعية الحاكمة: تانغ، سونغ، يوان، مينغ وتشينغ على اخضاع البلاد حتى أطاحت ثورة 1911 بالنظام الامبراطوري الذي تواصل ألفي عام، وتم تأسيس جمهورية الصين. في الرابع من مايو عام 1919 شن الطلاب حركة مقاومة احتجاجاً على المعاهدات غير المتكافئة التي فرضت على البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، وبدأت أفكار جديدة تجتاح الصين أبرزها الماركسية- اللينينية التي جذبت قادة الحركة الطلابية.عام 1921 عقد ماو تسي تونغ بمشاركة مندوبين للمجموعات الشيوعية المؤتمر الوطني الأول في مدينة شانغهاي وتم اعلان الحزب الشيوعي الصيني. مرّ كفاح الحزب الشيوعي بأربع مراحل: حرب الحملة الشمالية، حرب الثورة الزراعية، حرب المقاومة ضد اليابان، والحرب الأهلية ضد الكومنتيانغ. انتصر الحزب الشيوعي في جميع حروبه وأعلن في الأول من اكتوبر عام 1949 جمهورية الصين الشعبية وتم تنصيب ماو تسي تونغ أول رئيس للجمهورية. لقاءات قيّمة استغرقتنا الرحلة ساعتين من مطار عمان الدولي حتى المطار الصاخب المكتظ بالحركة في العاصمة القطرية الدوحة، وقطعنا مسافة قدرها نحو 1750 كيلو مترا تمددت بين العاصمتين العربيتين. مطار الدوحة محطة اجبارية للمغادر نحو المشرق، ويبدو مزدحما بحركة طائرات مدنية كثيفة ومسافرين تدمغهم الملامح الاسيوية..قضينا ست ساعات بانتظار طائرتنا نحو بكين التي غادرت مع الساعات الأولى للفجر وقطعت أكثر من ستة آلاف كيلو متر في غضون ثماني ساعات وعلى ارتفاع شاهق تجاوز أحد عشر ألف متر. اهتزت "القطرية" مرارا في السماء ورقصت بدوائر المطبات الهوائية كمن تؤدي رقصة موت سماوية بمواجهة أشباح يطرقون جدرانها الصلبة..هل يجد المسافر قبرا على الأرض إذا انتصرت المطبات على المحركات التقنية؟ قاومت "القطرية" بهدوء مسارات الطرق المعلقة واجتازت متماسكة مسلكها المعتاد إلى مطار بكين الدولي. في مقر الجمعية الصينية للشؤون الخارجية التقينا رئيس الجمعية يانغ ويتشانغ ونائبه لو بلاي ونخبة من قدامى السفراء والأكاديميين، وتبادل المشاركون حديثاً طويلا حول قضايا الشرق الأوسط تتمركز فيها القضية الفلسطينية، فيما أبدعت الصبية اليافعة الصينية "مي" بترجماتها الذكية بين اللغتين العربية والصينية. أكد جميع المتحدثين أن حل القضية الفلسطينية مفتاح الهدوء والاستقرار للشرق الأوسط، وركز المتحدثون الصينيون على أهمية التماسك الداخلي الفلسطيني في مواجهة المحتل معلنين تأييدهم لاتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس ومؤكدين أن علاقتهم السياسية بحكومات اسرائيل ليس على حساب قضية شعب فلسطين. في غضون يومين جرت لقاءات رسمية عديدة أبرزها حوار خاطف لنائب وزير الخارجية تشاي جيون الذي عبر عن سعادته لقيامه بالترجمة الفورية أكثر من عشر مرات للرئيس الراحل ياسر عرفات لدى قيامه بزيارته الصين نحو خمس عشرة مرة، وأبدى استعداد بلاده للمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. مدير مكتب الاعلام الحكومي جيانغ ويغيانغ فتح النار بشدة على الاعلام الغربي واتهمه بالتحيز ومعاداة النموذج الديمقراطي في الصين قائلا: أن الديمقراطية التي لا تتطابق مع المواصفات الغربية ليست موقع ترحيب غربي! وشرح باسهاب دور مكتبه الحكومي في متابعة القضايا الدولية وبذل جهد كبير لشرح السياسات الصينية للقراء والمشاهدين والمستمعين في العالم. وعرض أيضا مجموعة من الخبراء الصينيين وجهات نظرهم في قضايا الشرق الأوسط والصراع الذي يهدد المنطقة. في السفارة الفلسطينية كانت خاتمة لقاءات بكين، فقد نظم السفير دياب اللوح حفل عشاء على شرف الوفد بحضور عميد السلك الدبلوماسي العربي السفير السوري محمد الوادي وكذلك مجموعة من أنصار فلسطين، وتبادل المدعون قضايا الساعة مشددين على أهمية حل عادل للقضية الفلسطينية لضمان الأمن والسلام في المشرق..وتناول الحضور وجبة عشاء بمذاق فلسطيني. شانغهاي..طريق العودة غادرنا بكين على متن الخطوط الجوية الصينية في طريقنا إلى شانغهاي شرق البلاد، وصلنا المدينة الضخمة بعد ساعتين من الطيران.تتمدد المدينة على نهر اليانغتسي الشهير الذي شهد حرب الأفيون في أعقاب قيام القوات البريطانية بنقل كميات ضخمة منه إلى البلاد منذ العام 1840 في فترة سيطرة أسرة تشينغ منذ بداية القرن التاسع عشر على البلاد رغم محاولاتها حظر انتشار المخدر القاتل بين صفوف الشعب الصيني، لكن الحكومة البريطانية شنت حرباً عدوانية ضد الصين من أجل حماية تجارة الأفيون، واضطرت أسرة تشينغ في النهاية توقيع معاهدة "نانجينغ" التي مسّت بسيادة الصين وجرحت كرامة الأمة، ثم توالت معاهدات غير متكافئة فرضتها بريطانيا وروسيا وفرنسا واليابان حتى تحولت الصين تدريجياً إلى مجتمع شبه مستعمر وشبه اقطاعي.وفر هذا المناخ الطريق لاندلاع ثورة صن يان صن عام 1911. شانغهاي تعني باللغة الصينية: فوق البحر وهي أكبر مدينة في البلاد من حيث عدد السكان وتتشكل من ثلاث مدن متداخلة: المدينة الغربية الطراز والمدينة الصينية والضواحي ويعيش فيها نحو 17 مليون نسمة، وتعتبر العاصمة الاقتصادية بامتياز، تعج بالحركة والأسواق والسياحة وناطحات السحب، وللمدينة مكانتها التاريخية في الصين..غادرنا مطار المدينة على عجل باتجاه الدوحة، وقطعنا احدى عشرة ساعة من الطيران المنهك..انتظرنا قليلا في مطار الدوحة وتابعت اجبارياً الطريق من عمان إلى معبر الكرامة..في طريق العودة استعادت ذاكرتي بيّسر وهدوء الحديث النبوي المأثور عن النبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام "اطلب العلم ولو بالصين"..صدق الرسول العربي. * كاتب وصحفي يقيم في مدينة رام الله.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .