مدونة الشذى الفلسطيني

الكاتبة : شذى " أحمد رأفت " غضية



يا سارق الاحلام ..!

يونيو 19, 2012
2 views
يا سارق الاحلام
 
( شذى غضية)

كان هذا اليوم من اجمل ايام حياتي , حين دخلت معلمة اللغة العربية الصف , و أخبرتنا بوجود مسابقة لكتابة قصة قصيرة رقص قلبي فرحا , فأنا ممن يعشقون فن الكتابة .
عدت الى البيت و جلست بين اوراقي , ركبت قارب التفكير و سبحت عبر الواقع علّني اجد قطرة اجسد منها فكرة فلم اجد , فتهت في عالم الخيال و بحثت بين طيات الذكريات فلم اجد , حينها ظننت ان مداد قلمي قد جف , و خيوط الافكار قد تلاشت , خلت انني من يتحكم بذاك القلم , لكنني اكتشفت بأن الكتابة ليست بالأمر الهين , انتابني شعور باليأس و الاحباط .
فجأة ! و انا في قمة حيرتي , سمعت اصواتا من خارج نافذة غرفتي , بعضها مألوفٌ و الآخر لم اسمعه من قبل , قفزت من مكاني و توجهت لكي اتفحص ماذا يحدث , فاذا بها العمة حنان جارتنا و رفيقة درب امي تصرخ و تطلب العون وحولها مجموعة من اهالي الحيّ , اخذت الافكار تتصارع في ذهني كأمواج البحر الهائجة , هل هذا العم حسن ؟ هل حدث ما نخشاه ؟
كان جارنا يعمل كسائق لسيارة اسعاف وخلال احدى المواجهات مع قوات الاحتلال الصهيوني منذ عشر سنوات اصيب برصاصة في ظهره – حيث كان يحاول نقل بعض الجرحى الى المشفى- مما ادى الى اصابته بشلل نصفي , و منذ ذاك اليوم و هو حبيس كرسيه المتحرك , و العمة حنان تدور في فلكه دون كلل او ملل , تحنو عليه و ترعاه , تلبي كل طلباته , و كل ما تتمناه ان يعود لها كما كان , ولكن تدهورت صحة العم حسن في الآونة الاخيرة – ما يقرب الثلاث سنوات – و لم يعد يستجب للعلاج , وكأنه رافضٌ لهذه الحياه لولا وجود ابنته وقود حياته , كم كان طيبا العم حسن , اذكره عندما كنت صغيرة وهو يلاعبني و الحلوى تملأ جيوبه , اتمنى له الشفاء .
استيقظت من تفكيري على صوت سيارة الاسعاف التي طلبتها امي , و العم حسن على النقالة مغشيا عليه وجارتنا المخلصة تجهش بالبكاء , ثم انطلقوا الى المستشفى .
جلست على مقعدي بين اوراقي مرة اخرى و مازال في نفسي حزن ورجاء ان يعود جارنا بصحة واحسن حال , و انا بغمرة هذه المشاعر , تذكرت القصة القصيرة و المسابقة الموعودة , فانتابني الكدر من جديد و اخذت افكر ماذا سأكتب ؟ .
و ضعت قلمي على الورقة و حاولت ان استجمع فكري مرة اخرى و ان اخط حرفا او كلمة لكن دون جدوى , فصورة جارنا الطيب مازالت عالقة في ذهني فأخذت افكر فيه من جديد , تذكرت احدى عباراته المؤلمة التي كان يرددها امامي دائما
” اعداؤنا لم يسرقوا فقط ارضنا بل سرقوا احلامنا و حلم اطفالنا و حولوها الى كابوس مفزع , لقد سرقوا سعادتنا , حسبنا الله و نعم الوكيل”

كان يقولها بمرارة خاصة عندما يرى سياراتهم العسكرية تتجول في احياء مدينتنا لاعتقال و اغتيال احد الشبان و المناضلين .
و بعد اقل من ساعة على غياب امي رن جرس الهاتف , اسرعت لكي اجيب , فسمعت صوت امي يكاد يختنق و قالت بنبرة حزينة البقاء لله يا ابنتي لقد توفي عمك حسن , احسست بغصة في حلقي و شعرت بأن قلبي قد توقف عن الخفقان , و أخذت ابكي بشدة و ذهول , اتصلت بأبي و طلبت منه اصطحابي الى المشفى عند امي , و عند وصولنا اذا بابنته الوحيدة تنتحب باكية عليه , بدت اشبه بوردة ذابلة قُطِفَت لتوها او ورقة تطير في مهب الريح دون معين او مساند , فهي مازالت في الثالثة عشرة من العمر, كان والدها يحلم بيوم تخرجها من الجامعة و ان يراها بثوبها الابيض ولكن قطار الموت قد سبقه .
ذهبت الى الغرفة التي كان بها العم حسن في المستشفى فوجدتها فارغة حزنت جدا لفقدانه فقد كان عزيزا جدا .
احتضنت صديقتي الصغيرة و اصطحبنا والدي الى بيتنا فطلبت مني ان تزور غرفة والدها فاخذتها ودخلنا غرفته التي اعتاد البقاء بها فوجدناها ايضا فارغة و مازال كرسيه المتحرك ينتظر رفيقه في الزاوية.
مسحت دموعي و عدت الى بيتي و دخلت حجرتي و حملت القلم و بدأت من رأس الصفحة فاذا بقلمي يتحرك بسرعة و يكتب ”
يا سارق الاحلام
Be Sociable, Share!

  1. أمـنـيــة Said,

    لم يسرقوا فقط ارضنا بل سرقوا احلامنا و حلم اطفالنا و حولوها الى كابوس مفزع , لقد سرقوا سعادتنا , حسبنا الله و نعم الوكيل”

    كلمآتِكـ أخذتني مع الرّيح إلى ذلك المنفى .. حيث ذكريآت الوطنِ الجريح التّي لآ تنسى ..

    رائعة فعلا .. رحمة الله عليهـ .. ورحم الله كل امرىء مآت وعآش خآلدا فينا

  2. Shaza A.Gh Said,

    واقع مؤلم .. رغم مرارته الا اننا نعتز به ..
    فلولا امثال ابطال هذه القصة الموجودين في حياتنا ..
    لما ظل لدينا امل بإعادة ارضنا من جديد ..

أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash