الشاعر …عمران الياسيني …وديوانه الأخير ” دَرَج الياسمين “

يونيو 5th, 2010 بواسطة nasser

 

                        بقلم فتح الله الدخيل / اريحا

 

لم يكد الشاعر عمران الياسيني ينتهي من إصدار ديوانه الأول عام 1988 حتى غذ ّ الخطا على طريق الشعر فأصدر ديوانا إثر ديوان الى ان كان ” درج الياسمين ” عام 2008 …ديوانه الأخير في مجموعته الشعريه .

ويبدو ان شاعرنا قد اختط لنفسه نهجا في التقديم لدواوينه , فهو يختار لها مقدمة دالّة من كلام غيره من الشعر او النثر , وقد جاء ذلك في جميع دواوينه باستثناء ديوانه الأول ..النزيف رقم 1.

ففي مدخل ” درج الياسمين ” الديوان الذي نحن بصدده أبيات مختارة للشاعر اليمني ” عبد الله البردوني ” يقول فيها :

قيثارتي صوت أعماقي …عصرت بها

روحي ..وأفرغت في أوتارها ذاتي 

وهبت للشعر إحساسي وعاطفتي

وذكرياتي وترنيمي وأنّاتي 

فهو ابتسامي ودمعي ..وهو تسليتي

وفرحتي ..وهو آلامي ..ولذاّتي

لقد اختار  شاعرنا ” درج الياسمين ” عنوانا للديوان الذي بين ايدينا ولا يستطيع من أوتي أقل حظ من الحس الفني إلاّ ان يلمح دلالة هذا  العنوان  مضمونا وموسيقى :  فالدرج فيه الصعود …والدرج فيه النزول …وفي الدرج كذلك امتاع ..وحركة.

واما الياسمين فاسمه يُغني ! ومن لا يعرف الياسمين وما فيه من جمال المشهد وطهر البياض وعطر الشذى ؟

وفي كلا اللفظين درج الياسمين من الموسيقى ما يزيد المستمع لهما شعورا بالرقة واحساسا بالطلاوة .

وبالعودة الى  دواوين الشاعر السابقه  ومراجعتها وجدت ان ” درج الياسمين “  كان عنوانا لقصيدة في ديوانه السابق ” النزيف رقم 5 ” وفيها يقول :

 على درج الياسمين

وقفت وكانت امامي

تبادلني قبلة العاشقين

وفي مقلتيها هيام

يترجم كل الذي ..

في حشاها دفين  “

وعنوان ” درج الياسمين ” هو تحول حادّ في تسمية دواوين الشاعر وعناوينها  التي تتابعت ..” النزيف رقم 1..ورقم 2..ورقم 3…ورقم 4…ورقم 5 “  حتى ظن قراء الشعر انه  سائر على خط واحد , الى ان رأينا الانعطاف  الى عنوان جديد فوضع حدا للنزيف .

وربما كان ذلك استجابة من الشاعر نفسه لأمر يراه ..او انه استجابة لملاحظات من الاصدقاء والقراء لتغيير العنوان ..فكان ما كان .

ولدى اطلاعي على عناوين قصائد ” درج الياسمين ” ومضامينها تبين لي ان مجموعه ثلاثون قصيدة وان القصائد الاربعة والعشرين الاولى منها في الغزل , واما الباقيات ..فواحدة في مخاطبة الأسير الفلسطيني “  ناصر الشاويش ” واخرى في الرثاء وثالثه في شجرة التين ورابعه في الوطن بعنوان ” هذي بلادي ” ثم خامسة عودا الى اريحا وآخر القصائد كان ” سلفيت ” مسقط رأس الشاعر .

ونخلص من هذا الى ان ثمانية اعشار الديوان كانت في الغزل ..ولكن أيّ غزل ؟ ..لا استطيع وانا من قرأ الغزل وخبره …كما لا يستطيع غيري ممن عرفوا الغزل كذلك الاّ  يقروا بمقدرة الشاعر اللامحدوده من الغزل : …فهو غزل تتلاقى فيه الأرواح والأجساد وعناصر الطبيعة الخلابه التي جعلها  الله لنا مسرحا ومراحا.

ففي احدى غزلياته يقول بقصيدة عنوانها ” أنوثه ” :

قالت ..

اكلت …اكلت ..لي شفتيا

لم تبق شهدا ..

فيهما او فيا

فاجبتها لما رأيتك ..

فجأة اصبحت نارا ..

لا توفر شيا

فتكسّري .. والقي  المزيد عليا

شبعي انا لا ينتهي

وجمالك الأخّاذ ..

يبقى دائما أبديا

 

 

 

ان قراءة المزيد من قصائد الغزل في هذا الديوان يجعلنا ندرك  المكان الذي يمكن لعمران الياسيني ان يتبوأه بين شعراء الغزل امثال امريء القيس من شعراء العصر الجاهلي وعمر بن ابي ربيعه من عصر الاسلام والشاعرين ابراهيم طوقان ونزار قباني من شعراء العصر الحديث .

 

وحين تنتقل بنا قراءة ” درج الياسمين ” الى القصائد الأخرى نجد في ” لا بد للظلمات من آخر “  قصيدة تفيض بالحس الصادق بعذابات شعبنا المتمثله بسلب حرية الآلاف وفيها يقول “

 

“    أخي ..” ناصر “

 

بكت أختي وفي يدها

 

رسالتك الحزينة …

 

مثلما تبكي القصيدة في فم الشاعر

 

ونحن دموعنا جفت

 

امام دموعها

 

فسألتها : لِمَ هذه الدمعات يا أختاه ؟

 

قالت : كيف يقضي عمره …

 

في سجنه الثائر “

 

اما قصيدة الرثاء ..” حبيبي أحمد “  فيعتصر قلب قارئها أسى ,   ” وشجرة التين ” هي المكمله لعنوان فريد لفلسطين يُتمه الزيتون والبرتقال ….” وهذي بلادي “  انما هي حال كل فلسطيني لا يرضى بارضه بديلا وفيها يقول :

 

” فالطود فوق جبينها متربع

 

 وشموخها أقوى من الأطواد ِ

 

هذي بلادي …لست أقبل غيرها

 

أبدا …وليس هناك مثل بلادي “

 

 

وفي القصيدة قبل الأخيره يعتذر الشاعر عن تقصير الشعر عن الاحاطه بوصف جمال مدينة اريحا , وينهي ” درج الياسمين ” بقصيدة ” سلفيت “  التي تحمل دلالة كبيرة على مدى تعلق المرء بمسقط رأسه وحبه له .

 

ويبدو على ما اسلفنا وبعد الاطلاع على  دواوين الشاعر السابقه ان موضوعات  ” درج الياسمين ” مختلفه اختلافا تاما عن موضوعات تلك الدواوين التي زخرت بالكثير من النقد الاجتماعي والسياسي  فكانت صدى لهموم عرت قلوب الناس ولذلك فقد كان جمهور مستمعي الشاعر ينتظرون منه القصيدة التي تروي ظمأهم وتشفي غليلهم وتخفف ما بهم من ضيق ومعاناة , كانوا يستمعون الى تلك القصائد فيصفقون ويصفقون مكبرين في الشاعر عظيم الحس بالقضايا الاجتماعيه والوطنيه .

 

ولست ادري سببا لتحول الشاعر هذا وانتقاله الى وجهة اخرى ..فقد يكون  ذلك من باب …” حفي اللسان وجفت الأقلام ” …او من باب ” لقد أسمعت لو ناديت حيا ” …او من باب ..” أنت تنفخ في رماد ” ..او ان ذلك كان استعدادا لجولة اخرى .

 

ومهما يكن فان من يتأمل  قصائد ” درج الياسمين ” ويتفحصها يجد فيها من الامتاع ما يدل على ما أوتيه الشاعر من قدرة وابداع في الصياغة والطلاقة والانسياب الشعري والتصوير المتكامل في اللغة والعاطفة والفكرة والموسيقى , فأصبحت بها كل قصيدة اغنية متكاملة …ولا غرو  فعمران الياسيني على ما اعلم وعلى ما يعلم المقربون منه ذو حس موسيقي واذن مرهفة وصوت غنائي جميل وتجاوب مع الايقاع الى جانب انه عازف على آلة العود الموسيقيه .

 

كل ذلك اهله الى ان يغني شعرا ويطرب ايقاعا وقافية , ومن الغريب ان شاعرنا قد أوتي كل هذا وهو متخصص بموضوع بعيد كل البعد عن اللغة العربية وآدابها ويعمل في ميدان لا علاقة له بالشعر والأدب ومع ذلك فقد بذّ الكثيرين من المتخصصين ..” ببنت عدنان “

 

 

واخيرا فاننا ونحن نضع ” درج الياسمين “  بين ايدينا نرى ان مما يجذبه الى القراء اخراجه الذي جاء بغلاف بهيج , وورق مصقول , وطباعة دقيقة  تجعله يتبوأ مكانا يليق بكل أنيق في حديقة الأدب الرفيع .

 

 

Be Sociable, Share!

تحت التصنيف Uncategorized | أضف تعليقك »

اترك تعليقك

Please note: Comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.