أغسطس
24
التصنيف (Uncategorized) بواسطة alhourriah في 24-08-2009    214 مشاهده

 

تركت صحن فنجان القهوة يجف.. بصمة أناملها على أطرافه، احتفظت به كتعويذة في زمن آخر.. كلما اقتربت من غسل الأواني، وأمامي الفنجان وصحنه تعود بي الذكريات.. ترتعش يدي كلما أردت غسله.. أنا المتنقل في داخلي قلق على قلق.. أجلس قرب نافذة تطل على ساحات الفراغ، أعد أيامي.. أرتبها في فوضى الذكريات..وتزاحم الكلمات في تعبيرات الأصدقاء لمرحلة السقوط التي تتدلى على صفائحها تواريخنا..

finjan-qahwa

تمر بي لحظات السؤال الذي يخترق سهمه جسدي المترقب لكل هذا الجمع الذي يمارس حياته في فوضى اختيار وتحديد الانتماء، قرب النافذة أرض واسعة تطل على مساحة متروكة لهديل الحمام.. يتكاثر في دورة الزمن.. يرتفع والزغب يدخل غرفتي.. أسأل نفسي:
ما الذي تفعله هنا هنا؟

وفي لحظة انهيار المساحيق وانكشاف اللغة الحقيقية تصيبني رعشة كل الهراء الذي آمنت به.. وكيف لمثلي أن يكشف لهؤلاء الذي يعيشون خلف الحدود ووراء البحار كذبة “رومانسيتنا” الفردية والجماعية، نحن الذين نُفجع لتبدلات الأحلام السائرة صباحا ومساءا في يقظة “الأنا” المتورمة حتى ذابت الـ”نحن” على طرقات ودروب إغراق العقل بجشع كنا نعتقد أنه وصفة تتحكم بالعقل الغربي.. وإذ بها شاخصة أمامك.. يرددها عليك سائق التاكسي كفرض يومي من فروض اكتشاف الخديعة الكبرى!

قبل أكثر من ربع قرن بقليل قالت لي أم حمزة، التي رحلت في المخيم: طريقك طويل.. طويل.. كنت أجلس على حصيرة أمام المنزل.. وهي تصر أن أشرب فنجان قهوة.. تقلبه سواء قبلت أم لم أقبل، تعيد سرد طريقي أنا.. بعد أعوام قليلة وجدتها عند الغروب في بلد مجاور، تبحث عن ابنها.. الذي تأبط بندقية.. جاء صغيرها وعاد معها.. وحتى في تلك اللحظات كررت علي رغبة قراءة مستقبلي.. أضحك سرا.. وأبتسم علنا.. علها كانت تريده ورديا لي أنا تحديدا..
سنوات تمر.. وفي عقلي الباطني بحث عن طريق ما لعودة ما..

ما تركت المخيم يغادرني.. إلا بعض الأسماء والتفاصيل التي سلبتها ذاكرة الوقت في شمال كئيب.. يسألني الآن بعض هؤلاء من رومانسية الصورة التي ما عادت تتضح رتوشها: ما لذي جاء بك هنا.. 250 يوما والسؤال يتكرر.. 250 يوما ولا إجابة عندي غير أن هذا اختياري الذي لا دخل لكائن فيه.. أطير فاردا جناحي وإن لم أجد ما أحط عليه سوى التلال التي أراقب فيه هذه التحولات.. أراقب فأختزن.. أختزن المزيد.. 250 قصة.. ونصا أجمعها مخبئا نصفها في أدراج عقلي.. ونصفها في قلبي الذي ظل كما هو.. الانتماء ليست فكرة سخيفة.. أم ماذا؟

كلما كتبت نصا، أقول لصديقي في “الداخل”: مشتاق لكم..
أعرف أنه مدرك عن أي اشتياق أتحدث.. لكنني أنا الذي أسحب نفسي بعيدا.. مثل طائر يفرد جناحه فلا يجد ما يحط عليه كل القلق.. رأسي يتحرك مثل رأس العصفور تماما.. أحاذر.. فكم يدهشني صديقي في “الداخل”.. وكم أدهشني أبا أمجد.. ولم تصدمني أي من تصرفاتهما..

قارئة فنجاني قرأت لي ما رغبته، عن سفر وعن حالتي التي أعيش بقايا صدماتها لواقع مُتخيل.. هبت واقفة أمامي.. أخذت معها نصف كلماتي.. ودعتها.. فراحت تصير جزءا من هذا الجمع الذي أراقب خطواته في تورم “الأنا”.. ويا لفاجعة أن تعيش أناك في كذبة البشر..

******************
• صحيح ” ما لذي أفعله هنا “؟
سألت مرة مجموعة من البشر.. هل كان الوضع هكذا قبل سنوات؟

بشر من كل المستويات.. كان دائما جواب النفي عند الأغلبية.. أحتار وأنا أبحث عن جواب التحول إلى كل هذه “الأنا”.. وكم تكون مفجعة اكتشافات الباحث المتشائل في محاولاته لترجيح التفاؤل.. لا ليس لليأس ولا التشاؤم دخلا فيما أقول.. لكن مشهدا مقززا يجعل من لغة الاستهبال توقفك عند تخوم كذبات وأكاذيب كثيرة..

الأكاديمية أيها الأصدقاء ليست كأية أكاديميا.. إنها تجربة مريرة جدا.. جدا.. فيها تكتشف بأن كارثة/ كوارث ما تعيشه البشر ينابيعه تكمن في لغة تحويل أكاديميا العلم إلى ممارسات تجار الخليل ونابلس وسوق الحميدية.. وهؤلاء هذه مهنتهم.. لغة من الأرقام.. ولكن لغة من التشاطر وعصر الإنسان كما تُعصر الليمونة على طبق من السمك الفاخر.. لا يمكن أن تكون لغة أكاديمية تبحث عن مبررات لانتفاء العدالة والمساواة باسم الأرقام..

قال لي صديقي الذي يشعر بقرف أكثر من آخرين في موقعه:
- لا توجع رأسك وقلبك.. ولا تترك ضغط دمك يسيطر عليك.. ” أربط الجحش أينما أراد صاحبه ربطه”!

أعترف لصديقي بأني لم أستطع.. فالمسألة ليست متعلقة بـ”بجحش” بقدر ما هي مرتبطة بالعقل.. من الصحيح جدا أني أتحمل مسؤولية صمت 250 يوما من تعليقات ” لما أنت هنا” و”هل أنت مجنون لتترك تلك البلاد وتدخل هنا.. لتغادر كل 3 أشهر على نفقتك”.. ولم يُدرك سوى قارئة فنجاني وصديق نصراوي معنى أن أكون حيث حلمت أن تكون..

سأبوح للصديقين:
بعد 250 يوما في “بلادي”.. أشعر مع البنغالي الآتي إلى “دولـ”نا” ” الخليجية.. أشعر معه ليس من حيث طأطأة الرأس والقول: نعم مدام ونعم سيدي.. ففلسطين التي لم أرها قبلا بالملموس لم تعلمني العبودية ولا طأطأة الرأس لا في دنيا العرب ولا في دنيا الغرب.. فكيف لي أن أقبل بمقولة “ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس”.. ولست أسير خلف مرياع صنعته ذاكرة الأرقام.. لكنني أشعر، ورغم ذلك كم هو قاس ومؤلم أن تتشكل بيننا طبقة من المراييع التي تريدك أن تكون جزءا.. أو على هامش القطيع.. مأساة أن ترى ولا تدلي بما تراه.. والمأساة الأكبر أن تغلفك الرومانسية الحالمة بقبول التحول إلى ما تريده سياسة “الأنا” المنتفخة.. واللغة التي تتحول إلى لغة “أسياد” في زمن انتفت فيه العبودية..

قالت قارئة فنجاني: هذا طريقك فحاذر..
سخافة أن أؤمن بما تقوله الفناجين.. لكنني كنت أحاذر قبلا.. وربما رددت علي هذه الجملة لأنها عرفت حذري.. وقرفي.. قبل أن تودعني.. لتختفي بين الجموع.. فأعود أنا إلى جدارنا بناها أبو أمجد بساعديه.. متذكرا ” أيمن”.. الذي حثكم عنه مارسيل خليفة طربا وعذوبة لحن..
———————-

Be Sociable, Share!
أضف تعليقك
أسمك:
ايميلك:
موقعك:
تعليقات:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash