أغسطس
24
التصنيف (Uncategorized) بواسطة alhourriah في 24-08-2009    62 مشاهده

 

سؤال بسيط: هل نام أحدكم ومات واستيقظ فجأة، كالخارج من غيبوبة لا يدري أين هو أو ما يفعله؟.. الخميس كنت واحدا من هؤلاء الذين أطبقت عليهم غيبوبة 12 ساعة.. والطبيب يطلب فحصا لدم يغلي من مشهد مخز..
———————————————

مساءا قادني قدري إلى المقهى.. لم يكن خياري أن أكون حيث وجدت نفسي.. لكن التباسا حصل حين تلقيت اتصالا هاتفيا من صديق فغادرت في العاشرة مساءا..

حين دخلت كان أبو إلياس يضع نظارته كالعادة ويجلس خلف طاولة متواضعة ينتشر عليها “دفتر الحساب” وعسل طبيعي.. كان يقلب الجريدة.. جلست ملاصقا لتلك الطاولة، كان مهيب ينفث دخان نرجيلته.. وتوفيق يسألني عن سبب اختفائي.. قلت: مشغول!

d8b9d984d989-d8a8d8b9d8af-d8a3d985d8aad8a7d8b1-d985d986-d8a7d984d8acd8afd8a7d8b1-d983d8a7d986d8aa-d8a7d984d982d98ad8a7d8afd8a7d8aa-d981

حمل حاتم الغزي كرسيا وانضم لجلسة غير مرتبة.. فحين رن جرس الهاتف، كنت أستحضر النوم بعد أن أنهكني يوم طويل.. سرت قاطعا ظلمة المساء ورأسي جهة اليمين.. عيناي تحدق في أفق الساحل وقد بدا لي كأني أكثر اشتياقا للقفز نحو أحبتي الذين أجد فلسطينيتهم لم تلوث بما تلوثت به عقول كثيرة..

في مربع الكيلومترات وكتل الإسمنت الخانقة يضيع جمال الزعتر والزيتون وكل شتلة أو نبتة بسيطة.. هناك.. حيث أحبة ورفاق يجثو الواحد منهم على ركبتيه ليشرح لي الأسماء، ويحفظ عن ظهر قلب تاريخ كل شتلة وشجرة.. ” هذه النخلة التي تراها هناك.. من فم أمي نبتت حين ألقت بالنوى في تراب من هذه الأرض.. وتلك الدالية لها تاريخ.. وهذه البرتقالة والليمونة.. وهنا كنا نشوي سنابل القمح ونحن صغار، وأمنا تحضر خبز الطابون”.. كان يقول لي صديق يعيش عبق التاريخ.. الذي تحيطه جبال شاهقة..
أعود إلى حيث أسير.. متثاقلا.. لا أدري إلى أين كان يقودني اختناقي..

ببساطة، اعترفت حين انضم حاتم بأني لا أحضر بسبب حالة من القرف التي تنتابني من نقاش البعض وصراخ يريد من خلاله أصحابنا أن يؤكدوا وجهات نظرهم السياسية..

دائما ما كنت منصتا.. لا شأن لي بنقاشات العقم السياسي التي ينام في منتصفها أحد المنظرين.. ربما كان يعاني صاحبنا من مرض دون أن يدري.. لكنه دائما يعتني بالطريقة التي يركن بها سيارته التي تحمل الأرقام الحمراء.. فهو يريد أن يلفت نظر الجميع إلى أهمية “الموقع”.. ثم بمحض الصدفة اكتشف أن قرارا “تنظيميا” منعه من “لعب الشدة”.. كما قال لي عصفور طائر..

مرة واحدة خرجت عن صمتي.. ولم تكن ليلة أمس.. سألت:
- لماذا من المفترض أن يبقى كل هؤلاء في مواقعهم.. إلى أبد الآبدين.. ألم يحن الوقت ليستريحوا ويريحوا؟
كأني رميت بسؤال ” حرام”.. وسؤال يستحق أن ينبري الجمع في إفهامي ألف باء “الولاء” و أهمية “القيادة التاريخية!” في حياتنا الماضية واللاحقة..

- هؤلاء هم الذين فجروا الثورة.. هؤلاء هم الذين قادوا شعبنا إلى الاستقلال.. كيف لك أن تنكر ذلك.. ولم يتوقف صاحبنا عن تقريعي والتنظير، وسط مؤيديه ومريديه.. فهو صاحب سيارة تحمل لوحة حمراء..

سألته وبهدوء:
- لما كل هذا الانفعال؟ أتجدون أن هذا الشعب لا يستحق سوى الصمت؟ سؤالي هو الذي أسمعه هنا وفي كل مكان.. ثم عن أي استقلال تتحدث، خاطب عقلي.. فأنا جيبي نظيفة لم تمتلئ.. ولست أنتظر منك ولا من الآخرين أن تقولوا غير ما تمليه عليكم الوظيفة.. أين هي الثورة يا صاحبي.. أم يجب أن نبقى أسرى “الطلقة الأولى” وقد جمعتم كل الفشك.. وجعلتم لمفهوم الثورة والمقاومة شيئا تسمونه “مقاولة”.. معيب جدا أن لا ننتبه لما صرنا إليه.. والبارحة كان الحاجز الطيار عند سردا.. فدعنا من هذا الخطاب.. أنت لا تجلس مقابل كاميرا ولا جماهير تدغدغ مشاعرها..

بالطيع لم يكن سؤالي بهذا الانسياب.. فقد قوطعت عشرات المرات.. ولكني واصلت دون أن تؤثر كل الشعارات فيما أريد أن أقول للمرة الأولى..

لم نتفق.. وبالتأكيد لا مجال للتوافق بين من تكون عينه على الكرسي والمنصب وبين من يمد يده في جيبه ليتحسس إن كان فيها ما يكفي لدفع ثمن الطلبات..

غيرت جلستي.. ولا أقصد مساء أمس.. فجاءني شخص.. جلس دون استئذان.. راح يقول لي كلاما عن اقتناعه بما أقول.. ولكنه أردف “نصيحة لا تتحدث بالسياسة هنا..”.. ثم أشار إلى طاولة يتحلق حولها كتاب وموظفي وزارات.. قائلا: أنظر هل تراهم يتحدثون.. إنهم منشغلون بلعب الورق..”.. قلت: ربما بسبب عناء النضال في النهار.. قبل أن أنتبه إلى أننا في منتصف النهار..

ليلة أمس كان الأمر مختلفا..
لم تعد قريحة هؤلاء تتفتق سوى عن صمت مطبق.. وربما خجل أنتجته صورة أخرى من صور مخزية.. فجأة سألت مبادرا:
- هل خلال أقل من ثلاثة أشهر صارت القيادة “التاريخية” مخرفة؟
بالطبع كنت أتحدث عن القدومي.. فلست الوحيد الذي يفعل.. وطالما أن الكل مشغول بما قاله الرجل، فلما لا أقول أن مأساة وملهاة قضية بحجم ما يجري هي سخرية من كل التاريخ والقضية..

لم يجبني سوى هذا الصمت المطبق على وجوه واجمة لا تعرف كيف تتصرف حين يصبح الولاء للقضية والفكرة ولاءا لـ” الزعيم.. الفرد”.. وحين تحتضر الفكرة يقفز مثل الفئران من على ظهر سفينة دوخ قبطانها هذا الجمع المنتظر آخر أو بعد آخر الشهر بقليل..

توقفت عند زاوية ليودعني حاتم بعد منتصف الليل.. واستدرت نحو اليسار هذه المرة.. أحدق في أفق مرحلة تحتضر.. وبالتأكيد لم أنته.. سأعود لأقص عليكم حكاية “الأبطال” الذين صاروا يحملون عصا المارشية ليهشوا بعضهم.. في الطريق نحو همروجة بيت لحم..

 
Be Sociable, Share!
أضف تعليقك
أسمك:
ايميلك:
موقعك:
تعليقات:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash