أغسطس
24
التصنيف (Uncategorized) بواسطة alhourriah في 24-08-2009    45 مشاهده
إلى صديقة تسلل إليها فقدان أقرب الناس.. ولا شيء يبقى سوى زهور الذاكرة وصلابة الإرادة!
4

 

كنت أقف في زاوية ما.. لم يشاهدني ، حين راقبت فرحه بأن عرف أخيرا إلى أين قادته كل سنوات الرغبة.. كان مثل الطفل الذي لا تتسع لفرحته رحابة السماء..

تفرست وجوه كثيرة تساءلت مثل البقية: ما الذي يفعله أبله مثله هنا؟..

“البلاهة” مفردة تجامل تعبير الجنون.. حين نريد ممارسة بعض “النفاق” الاجتماعي والتمويه الذي نستر به مصائبنا وخيبتنا.. لكنه على أية حال هنا.. بيننا.. وإن كنا لا ندري ما يدور في صدره وما اختزنته خلايا ذاكرته التي صدمتها مفردات كثيرة أخرى.. كان يتمتم بكلمات.. لصديق أو اثنين.. قبل أن يلوذ بصمت الخيبة.. وقبل أن أجادله فيما أوصله إلى استنتاجاته المتشنجة أحيانا.. والحزينة في أحيان أخرى..
- أنظر حولك.. حدق جيدا.. تأمل المشاهد وتفاصيلها كي تفهم ما يجfinjan-qahwa2ري لنا.. نحن الذين صرنا نٌصنف “مهابيل”.

هل تسلل إليك بعضا من مشاعر ما تسلل إليه وهو يتسلل إلى ” وطن” من ذاكرة رومانسية؟.. لا أعرف.. وإلا لما طرقت خزانات الأسئلة يوم كان يبحث عن زاوية ليحتمي مثلي من كذبة لم يشأ الاعتراف بها.. أتراه أدرك كم كان يكذب على نفسه؟.. كان ينتظر أن يعانق صديقه حين سقطت على دماغه أشرطة الماضي.. عانقته وسرنا.. أشرح له التضاريس وصحة ما اختزنته الذاكرة عن وجه البلاد… كان يتأمل شجرة تين.. وأخرى رمان.. وجذبت أنظاره ثلاث شجرات تفاح متلاصقة وكأنها شجرة واحدة وهي ما زالت تزهر..

هذا المعتوه.. أو الأبله إن أردتم، كان يُعرف عن نفسه بأنه “ابن مخيم”.. قبل أن يكتشف بحسابات التصنيف الآخر للإنتماء بأنه مجرد لاجئ لا أكثر.. تشجعت فاقتربت من ذاكرته محذرا: لا تردد قصة المخيم يا رجل.. وكالمصر على ممارسة عناد متمرس ظل يقدم نفسه كما كان.. كان يستشيط غضبا ويسألني: ما العار؟ أنحن أم من يكذب ويفاخر بتمسكه بحقنا في العودة؟ وإن كنا مجرد وقود فليعترفوا.. على الأقل من يستفزه التعريف… بنصف أو ربع الحقيقة..

لكن أتدرون ما غيره في مقدمة تقديم نفسه للآخرين؟..
” حالم بالعودة أنا.. مجبول بذاكرة من دم ولحم .. وخارطة تتدلى من عنقي يعترف حنظلة بأن كل البلاد بلادي”.. كان يقول قبل أن تنزف ذاكرته ألم الواقع المتحول..

سئمت مرة من هذه الفوضى العارمة التي يُشغل بها نفسه عن وطن تخيله وتذكره من قدميه حتى رأسه وخارطة تصيب جسده المنهك.. دون أن يعترف لأحد بأنه أراد في الحقيقة أن تُغمض عيناه في وطن ظل يحلم به قبل أن تلد بعض الأمهات أولادهن.. وقد أيقن أنه لم يتبقى له سوى سنوات قليلة جدا ليعيشها قبل أن يودعنا..

ذات مرة، وفي المقهى، راقبته، كان يلهث خلف أشياء تذكره برومانسية لم يجدها على صدر محبوبة افتقدها كل سنوات تكوينه.. كان يعتقد أن ذاكرة الآخرين لم تتغير.. لكنه سرعان ما تكور على نفسه وهو يسير بمحاذاة ذاكرة لم يألفها.. كل الشريط مر مكررا مرات ومرات.. كانت أدراج دماغه تفتح وتغلق الصناديق فتصدر صوتا وصريرا مزعجا.. ويا لسذاجته، فقد تخيل أن يقطع كل تلك المعوقات وبأن ثمة من سيعانقه وتحديدا ممن عرف وعرفوا بوصلته وبوصلتهم..
أ
ُكمل إذا بعضا مما وجده في متناقضات الحب والقلق المتسللان إليه بنفس طريقة تسلله.. عائدا.. قبل أن تكشف له بلاهته أن “العائد” ليس كما تصوره.. فهو مثل اللاجئ.. تهمة تطرق كل صناديق عقله.. قبل أن يضمر .. فيختار زاوية تشبه زاويتي التي كنت من خلالها أراقبه..

توقف عند الحاجز متأملا..
“في روتين العائد ثمة طقوس..”، قال وهو ينظر من خلال أناس ليسوا كأي ناس.. ولم يكمل بصوت مسموع ما أردت أن أسمع منه.. لكنه اعترف لي في وقت كان فيه بنصف وعي بأنه يعيش على حافة الخيبة.. بحثت معه عما تعنيه الخيبة فقال: ” الفرق البسيط بين الخيمة والخيبة كبير يا صاحبي”.. فسألت: ” أية خيمة تقصد؟”

- “خيمة الخيبة في ألم الانهزام.. والرؤوس التي كانت تعانق النجوم البعيدة تتخيلها فوق هذه أو تلك من مدن وقرى الوطن.. تراها اليوم وقد تحولت إلى حاشية في صفوف حاشية..”

تكرار من هلوسة.. مارسها هذا الرجل، قبل أن يكتشف أنه مُراقب من داخله وخارجه.. في الليالي الأولى كانت وسادته أحلاما.. ثم ما لبثت أن تبدلت كوابيس الماضي والحاضر، وأرقا يضرج ذاكرته التي أصابها كل شيء إلا النسيان.. لقد باح لي بأشياء لا يمكن أن أقولها لكم.. لأنها ستوجعكم، أو من تبقى لديه بعض ضمير ورومانسية الزمن الثوري الذي حمله صغيرا إلى خنادق كان يحلم فيها تحت حبات الكرز أن الوطن الذي يرى أنواره ليس ببعيد جدا عن خندقه تحت كرز لبنان.. عندها، ربما فقط عندها أدركت كم هي الخيبة وآلامها التي يشرب منها في زاوية تأمله القاتل.. وخصوصا حين يصادفك صمته وهو ما يزال يتأمل روايات المقهى عن بطولات وهمية للبعض الذي يفتل شاربيه بثقافة لعبة الورق ومراقبة مؤخرة أنثى عابرة، هي ليست أكبر من بنات هذا البعض الذي يلوك كلاما عن “الثقافة”..

* * * * * * * * * * *
قابلته ذات صباح.. دعوته لنرتشف قهوة الصباح.. كان متعجلا في شرب قهوته ويندفع بحديثه..
- تمهل.. دعني أفهم ما تقصد.. قلت له وأنا أرى في عيناه بعض الحزن الدفين

- اليوم سمعت أستاذ التاريخ يُلقي ما فهمه من التاريخ.. وبحماسة شديدة خرج بخلطة فهمت منها أننا أكلنا خوازيق كثيرة.. تخيل أن الخازوق الأخير، الذي تلا خازوق “كذبة أن العرب أمة واحدة”، هو “خازوق غزة” وبأن الواقعية تتطلب تجريب ليبرمان..

بسخرية قال جملته، قبل أن يفتح الجريدة وهو يشير إلى خبر.. “تأجيل جلسة حوار القاهرة إلى منتصف الشهر القادم”.. وقلب الصفحة ” عام 2008 الأكثر دموية منذ 60 عاما.. 868 شهيدا برصاص الاحتلال ومقتل 143 فلسطينيا بينهم 25 طفلا و13 امرأة برصاص فلسطينيين”..

ثم راح يسألني: كيف لأستاذ التاريخ أن ينسى كل هذه الخوازيق؟ وكيف لك وأنت ترى رقابنا صارت تحت مقصلة الدول المانحة وفطر المنظمات الدولية حين يتكاثر التزلف والتمسح بها ليلغي دور هؤلاء الذين كنت تراهن عليهم قبل أن تكتشف أنهم من المعجبين بأرداف من ينظرون إليهن أكثر من دورهم المنوط بهم .. ثم تسألني لما أنا مصاب بخيبة من فاجعة أصابت كل جنبات حياتنا؟

صمت.. ثم مزيد من الصمت.. خرجنا من المقهى.. انحنى نحو الأرض.. ثم ناولني بيانا صادرا بمناسبة “يوم العمال العالمي”.. وسألني: ترى كم قدم داست هذا البيان الذي طُبعت منه مطابع البرجوازية الوطنية عشرات آلاف النسخ… تماما مثلما تُداس كل البيانات والصور التي تحمل اسم الوطن.. وأنا الذي كنت، مثل غيري من الحالمين، قبل اجتيازي ترددي، أعيش على رؤية غير هذه التي تراها.. أم تريدني أن أصمت؟

عندها.. وفقط عندها.. فهمت.. أية فاجعة أصابت صاحبي الذي عاش حلم رومانسية الانتماء الجماعي قبل أن يدخل في ذهول الخيبة الفردية!

 
 
Be Sociable, Share!
أضف تعليقك
أسمك:
ايميلك:
موقعك:
تعليقات:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash