تشكيل من دون تحفظ!!ِ
لا شك ان الانحياز المطلق لفلسطين، الارض والانسان، هو ما يبرر التوق العارم الى ترويج ثقافتنا الشعبية الفلسطينية، وفق آلية قريبة من القلب والوجدان والمعاصرة.
ولعل هدفنا الاوحد هو بث قيم الصمود، والثبات، وايضا التبشير لميلاد يوم قادم احلى، ندونه معا، وهذه دعوة للجيل، للتواصل معهم والحوار لاجل ان ننضج نصا واعيا، وسياقا فسيحا نتفاعل في معماره، ونرسم فيه ملامح ثرية للغة متفوقة.
( 1 )
قالت ” الغولة ”
: لولا سلامك سبق كلامك، لخليت اخوي اللي في الجبل هذاك يسمع صرد عظامك.
ضحك الامير الصغير، وحدثها بلسان طلق فصيح قائلا
: من لا يعرف اصلي وفصلي، لا يعلم حجم قوتي.
تخيل ان في الجو مكيدة تدبر، وبدت ” الغولة ” شاردة كأنها تحاكي حلما يراودها منذ مدة، وكانت تحاول ان تسترجع تفاصيل محددة، فجأة تفتح عينيها الحمراوين بطريقة لافتة، وتصرخ بصوتها المجلجل
: ارجع يا يا ابن امي وابي.
اطلق الامير الصغير العنان لقدميه، ومضى الى مكان آمن بعيد، نظر الى الوراء على عجل، لكنه ظل يمشي متقدما الى الامام، غير آبه بصدى الصوت الذي لاحقه حتى تلاشى وانقطع تماما. وبدأ يرقب قيامة الشمس،لكنه ولشدة التعب استغرق في نوم عميق.
( 2 )
شّمرت عن ساقيها الثابتتين، وبدت الجدة في ” شروالها ” العتيق كشجرة باسقة وارفة، وكانت محتشمة. تربعت على الارض، وبدأت تهز ” الغربال “،كأنها تسترجع مواسم الحصاد، فتسطع حبات القمح ذهبية صافية.
تسمّرت الحفيدة في مكانها القصي، تحاول ان تقرأ ايقاع ” الغربال ” في صعود وتحرر حبات القمح او سقوطها الاضطراري، لكن العصافير المرتبكة تغير من جديد وتطير بصخب، فتبرم الجدة شفتيها محتجة، وتكتشف ان الحفيدة تداري ضحكتها الطفولية البريئة.
يزداد ارتباك الطفلة، وتهم بمغادرة المكان، لكن العصافير تعاود الرجوع من جديد، وتعيد المحاولة مرة اخرى!!
( 3 )
الصياد ينصب شباكه، ويكمن خلف جدار قريب، الحمام يعتلي الشجرة المقابلة، كأنه يكتشف بحس مجهول رائحة السقوط في مكيدة!!
قطيع الغزلان يمر، يتجاوز منطقة الافخاخ، وتبدو الحركة واثقة، بينما يتلاشى صدى آخر، يشي بفرحة مكبوتة تتناها من خلف الجدار.
اهتزت الشبكة، والصياد يعدو مسرعا تجاه الهدف، ثمة حمامة بيضاء علقت، جلبة قوية اقتحمت سكون المكان، واسراب كثيفة من الحمام ترف الى بعيد، كأنها تكتشف حيزا آخر لسماء جديدة.
الصياد يعود الى مكانه الاول مشوشا، ويتساءل:
ترى اين ذهبت الحمامة؟!.
( 4 )
المغارة مضاءة، يلتف حولها سياج عال من شجر البلوط والسنديان، وعلى الطرف الآخر وقف شيخ العرب حائرا، كأنه يعيد اكتشاف تضاريس المكان.
الصمت رهيب، لكن ثمة خيالات مريبة لاشباح بدت راقصة التفت حوله باحكام، صاح الشيخ ليخرج من وحشته، لكنها اقتربت منه لدرجة انها تعلقت باهداب ثوبه الفضفاض، مستترة بعتمة الليل الحالك السواد.
اصتكت اسنان الشيخ، وارتجفت فرائسه، وفكر فيما لو تراجع الى الخلف خطوة او خطوتين اثنتين. فجأة عادت اليه انفاسه، عندما خرج عليه ساكن المغارة الانيس، كان يحمل فانوسا عجيبا، اضاء كامل الاتساع الموحش، التقط انفاسه، وتقدم بهدوء صوب مضيفه الصغير، وعاجله بالسؤال:
كيف تعيش في هذه الغابة النائية؟!
الطفل صاحب الفانوس، يميل اليه كأنه يبادله وشوشة حميمية، وعلى حين غرة يطبع على خد الشيخ قبلة، ينتفض الشيخ، ويخرج الطفل سيفه البتار من غمده، يتراجع الشيخ الى الوراء، لكن صاحب المغارة يخفف من روعه قائلا
: خذ سيفك، هذا ما اوصتني به امي ” الغولة ” قبل ان تموت بايام!!
( 5 )
بننقر… بننقر منشان حبة قرنفل
جابت صبي زينة من تحت الاباطينة
غنت العصافير، وبكت البنت المخدوعة على مصير وليدها البكر، لم تكن تعلم كيف ومتى ابتليت بهذا الهم. كل ما تتذكره ان زوجة ابيها اصرّت عليها من غير سابق عادة، ان تقضم تلك التفاحة الهجينة، نصفها احمر، اما النصف الثاني فكان يميل الى الاخضرار.
بكت بحرقة، وكان المكان موحشا، شخصت بعينيها الى بعيد، كأنها تندب حظها العاثر وتتساءل
: كيف لوالدها الحنون ان طاوعه قلبه الكبير ليتركها في هذه الارض البعيدة، وسط الادغال والوحوش الكاسرة!!
باغتها الصوت الطفولي قبل ان تعود الى رشدها ليقول:
انا هنا باقون، ولنكن كما يليق بنا ان نكون وحشين قويين.
تسمرت الام الصغيرة في مكانها، كأنها تسترجع مصدر الصوت الفتي، وعادت بنظرها الى رضيعها الملتصق بحضنها الدافىْ، لتجده يغمز لها بعينين واثقتين فاتنتين.
هالها المشهد الغريب، واعتصرته ليلتصق بها اكثر، وبكيا معا كما يليق بجسدين اثنين ارتبطا بروح واحدة، فقامت لتوها تبني بيتها الجديد ليحميهما وسط هذه الادغال الموحشة.
كبر الرضيع، وذاع صيته فارسا له مشاويره وغدواته، اما جده المضلل، الذي اصبح عاجزا، فقد قادته العصافير الى ساكنة الادغال، واكتشف المكيدة!!
عاد ادراجه بعد لحاح طويل مع ابنته المظلومة، لكنها فضلت بيتها القصي، بعيدا عن القيل والقال. وعند الغروب، هاله الموقف لدى وصوله البيت القديم، ليكتشف ان الجميع قد رحلوا الى مكان مجهول!!
( 6 )
لم تكن على عادتها، وارتفع صوت شخيرها المزعج، كأنه الموت يصارع فتحتي أنفها المكتظ ببقايا ” السعوط “، وربما كانت تعاني من ازمة قديمة اثر تعرضها للكمة قوية، اثر شجار مشهود مع زوجها الاول، وتؤكد الرواية انها امرأة مسترجلة، وعرف انها كانت ترد الصاع صاعين!!
تململ ذات اليمين وذات الشمال، وتناسى الحفيد انه هو وليس غيره من ارهقها هذه الليلة، كان يلح عليها ان تكمل الحكاية، وفي ذات الوقت كان يروح ويجيْْ يحمل اكواب الماء، علّها تصحو ويحظى بسماع الحكاية كاملة.
كانت الغفوة تختطفها من حين الى آخر، لكن وعي الصبي ظل مشدودا لمعرفة مصير الشاطر حسن.
شده الارق من جديد، وتخيل انهما سارا معا، ودخلا ذلك القصر المسحور، لكنه سرعان ما عاد الى وعيه، نظر اليها بعتب لا يخلو من الشقاوة، كانت تستطيب ان تفترش الارض، اما هو فقد شاءت الاقدار ان يكون سريره ملاصقا للحيز الذي تنام فيه.
فجأة قرر ان يرمي بنفسه من علو فوق جسدها الضعيف، صرخت باعلى صوتها متوجعة، لكنه تقمص شخصية الحكاية، اما الجدة التي اسقط بيدها، هالها الوجع جراء “الخبطة” القوية التي المت بها، ولسبب ما تابعت تفاصيل روايتها، وطار الطير وتتمسوا بالخير.
( 7 )
قال لها وهو يضع اخر اللمسات على اللوحة المثبتة امامهما:
تذكري ان هذه آخر لوحة ارسمها.
كانت تبدو كأنها مرآة مسحورة، تمتلك وهجها الخاص، الذي يخطف لباب العقل، وخيم عليهما صمت غريب، جالت نظرها في كل اتجاه، تحركت باتجاه النافذة المقابلة للوحة، تناولت سكين الفواكه من على طبق القش المحمل بما لذ وطاب، تأملته بجلال خاص، تجرعت ريقها وقامت على عجل بقطع وريدها الايمن.
صرخ باعلى ما فيه من هلع، وفقد تماسكه، هب صوبها، لكنها سرعان ما تداعت لتسقط مغشيا عليها.
تمالك نفسه من جديد، نظر الى اللوحة وانقض عليها لينتزعها من اطارها الخشبي الثمين، وبدأ بتمزيقها الى شرائط، مستطيلة لصقها من الوريد الى الوريد!!
تململت من غيبوبتها، ابتسمت بفرح طائش، وجالت بنظرها في ارجاء الغرفة، اكتشفت انهما اتحدا معا في عناق صامت يملاْ الغرفة بالدفء والرغبة المتمردة.
( 8 )
كانا يسيران معا في مدينة مكتظة مترامية الاطراف، زوج وزوجة، وطفل صغير بدت ملامحه غليظة غاضبة، وخيل اليهما ان الفضول يطغى على اهل المدينة.
قالت له معاتبة: الى متى سنظل نعيش في تلك القرية النائية؟
تكوّر على نفسه وانحنى متشاغلا بعقد رباط حذائه الغليظ، غضبت ولم تتمالك نفسها، وتناست انها محاطة ببشر يرقبون كل شاردة وواردة، وصرخت بشطط تقول:
اليس من حقنا ان نعيش كباقي البشر؟!
كانت على الجهة المقابلة فتاة شقية، كأنها تسترق السمع لحديثهما النافر، وتحركت نحوهما بخطوات ثابتة، اذ سرعان ما اصطدمت بالرجل الغاضب، وقبل ان ينبس ببنت شفة عاجلته بالاعتذار قائلة:
آسف يا عموووووو!!.
انفرجت اسارير المرأة المتذمرة، وسارا منفصلين يلفهما الصمت والتوتر، بينما عادت للطفل ملامحه البريئة، وظل يضحك في سره، غير مكترث بما ابتاعه له والديه من العاب وحلوى!!
( 9 )
اغتر ذاك ” الخال ” المتربع على خد الصبية، وبدا مزهوا بتفرده القادر على اكتشاف لهفة العشاق وعبثهم. اصطدمت اصابعه العابثة بازرار قميصها المحكمة الاغلاق، كانا يختليان معا في زاوية قصية من حديقة الطفل السعيد.
تعالت ضحكاتهما، واسترسلا معا، في حديث خافت اقرب الى الوشوشة، اكتمل وجه القمر واشرق،وغرقا في طيش اللهفة، رجل وامرأة، وقمر حائر يعيد مسيرة دورانه من جديد.
ظل ” الخال ” ماثلا في مكانه البارز، وفي العتمة اختزلته الرغبة وذوى احتراقا في لقاء حميم جمع بين اثنين، شكلا معا تاريخ ميلاد قادم لمولود جديد اسمه ” فجر “.
تململ الديك في قنه القصي، وخرج الى الفضاء الواسع، نفض ريشه بغرور، وصاح مبشرا بصباح جديد.
لا شك ان الانحياز المطلق لفلسطين، الارض والانسان، هو ما يبرر التوق العارم الى ترويج ثقافتنا الشعبية الفلسطينية، وفق آلية قريبة من القلب والوجدان والمعاصرة.
ولعل هدفنا الاوحد هو بث قيم الصمود، والثبات، وايضا التبشير لميلاد يوم قادم احلى، ندونه معا، وهذه دعوة للجيل، للتواصل معهم والحوار لاجل ان ننضج نصا واعيا، وسياق نتفاعل في معماره، ونرسم فيه ملامح ثرية للغة متفوقة.
( 1 )
قالت ” الغولة ”
: لولا سلامك سبق كلامك، لخليت اخوي اللي في الجبل هذاك يسمع صرد عظامك.
ضحك الامير الصغير، وحدثها بلسان طلق فصيح قائلا
: من لا يعرف اصلي وفصلي، لا يعلم حجم قوتي.
تخيل ان في الجو مكيدة تدبر، وبدت ” الغولة ” شاردة كأنها تحاكي حلما يراودها منذ مدة، وكانت تحاول ان تسترجع تفاصيل محددة، فجأة تنفتح عينيها الحمراوين بطريقة لافتة، وتصرخ بصوتها المجلجل
: ارجع يا يا ابن امي وابي.
اطلق الامير الصغير العنان لقدميه، ومضى الى مكان آمن بعيد، نظر الى الوراء على عجل، لكنه ظل يمشي متقدما الى الامام، غير آبه بصدى الصوت الذي لاحقه حتى تلاشى وانقطع تماما. وبدأ يرقب قيامة الشمس،لكنه ولشدة التعب استغرق في نوم عميق.
( 2 )
شّمرت عن ساقيها الثابتتين، وبدت الجدة في ” شروالها ” العتيق كشجرة باسقة وارفة، وكانت محتشمة. تربعت على الارض، وبدأت تهز ” الغربال “،كأنها تسترجع مواسم الحصاد، فتسطع حبات القمح ذهبية صافية.
تسمّرت الحفيدة في مكانها القصي، تحاول ان تقرأ ايقاع ” الغربال ” في صعود وتحرر حبات القمح او سقوطها الاضطراري، لكن العصافير المرتبكة تغير من جديد وتطير بصخب، فتبرم الجدة شفتيها محتجة، وتكتشف ان الحفيدة تداري ضحكتها الطفولية البريئة.
يزداد ارتباك الطفلة، وتهم بمغادرة المكان، لكن العصافير تعاود الرجوع من جديد، وتعيد المحاولة مرة اخرى!!
( 3 )
الصياد ينصب شباكه، ويكمن خلف جدار قريب، الحمام يعتلي الشجرة المقابلة، كأنه يكتشف بحس مجهول رائحة السقوط في مكيدة!!
قطيع الغزلان يمر، يتجاوز منطقة الافخاخ، وتبدو الحركة واثقة، بينما يتلاشى صدى آخر، يشي بفرحة مكبوتة تتناها من خلف الجدار.
اهتزت الشبكة، والصياد يعدوا مسرعا تجاه الهدف، ثمة حمامة بيضاء علقت، جلبة قوية اقتحمت سكون المكان، واسراب كثيفة من الحمام ترف الى بعيد، كأنها تكتشف حيزا آخرأ لسماء جديدة.
الصياد يعود الى مكانه الاول مشوشا، ويتساءل:
ترى اين ذهبت الحمامة؟!.
( 4 )
المغارة مضاءة، يلتف حولها سياج عال من شجر البلوط والسنديان، وعلى الطرف الآخر وقف شيخ العرب حائرا، كأنه يعيد اكتشاف تضاريس المكان.
الصمت رهيب، لكن ثمة خيالات مريبة لاشباح بدت راقصة التفت حوله باحكام، صاح الشيخ ليخرج من وحشته، لكنها اقتربت منه لدرجة انها تعلقت باهداب ثوبه الفضفاض، مستترة بعتمة الليل الحالك السواد.
اصتكت اسنان الشيخ، وارتجفت فرائسه، وفكر فيما لو تراجع الى الخلف خطوة او خطوتين اثنتين. فجأة عادت اليه انفاسه، عندما خرج عليه ساكن المغارة الانيس، كان يحمل فانوسا عجيبا، اضاء كامل الاتساع الموحش، التقط انفاسه، وتقدم بهدوء صوب مضيفه الصغير، وعاجله بالسؤال:
كيف تعيش في هذه الغابة النائية؟!
الطفل صاحب الفانوس، يميل اليه كأنه يبادله وشوشة حميمية، وعلى حين غرة يطبع على خد الشيخ قبلة، ينتفض الشيخ، ويخرج الطفل سيفه البتار من غمده، يتراجع الشيخ الى الوراء، لكن صاحب المغارة يخفف من روعه قائلا
: خذ سيفك، هذا ما اوصتني به امي ” الغولة ” قبل ان تموت بايام!!
( 5 )
بننقر… بننقر منشان حبة قرنفل
جابت صبي زينة من تحت الاباطينة
غنت العصافير، وبكت البنت المخدوعة على مصير وليدها البكر، لم تكن تعلم كيف ومتى ابتليت بهذا الهم. كل ما تتذكره ان زوجة ابيها اصرّت عليها من غير سابق عادة، ان تقضم تلك التفاحة الهجينة، نصفها احمر، اما النصف الثاني فكان يميل الى الاخضرار.
بكت بحرقة، وكان المكان موحشا، شخصت بعينيها الى بعيد، كأنها تندب حظها العاثر وتتساءل
: كيف لوالدها الحنون ان طاوعه قلبه الكبير ليتركها في هذه الارض البعيدة، وسط الادغال والوحوش الكاسرة!!
باغتها الصوت الطفولي قبل ان تعود الى رشدها ليقول:
انا هنا باقون، ولنكن كما يليق بنا ان نكون وحشين قويين.
تسمرت الام الصغيرة في مكانها، كأنها تسترجع مصدر الصوت الفتي، وعادت بنظرها الى رضيعها الملتصق بحضنها الدافىْ، لتجده يغمز لها بعينين واثقتين فاتنتين.
هالها المشهد الغريب، واعتصرته ليلتصق بها اكثر، وبكيا معا كما يليق بجسدين اثنين ارتبطا بروح واحدة، فقامت لتوها تبني بيتها الجديد ليحميهما وسط هذه الادغال الموحشة.
كبر الرضيع، وذاع صيته فارسا له مشاويره وغدواته، اما جده المضلل، الذي اصبح عاجزا، فقد قادته العصافير الى ساكنة الادغال، واكتشف المكيدة!!
عاد ادراجه بعد لحاح طويل مع ابنته المظلومة، لكنها فضلت بيتها القصي، بعيدا عن القيل والقال. وعند الغروب، هاله الموقف لدى وصوله البيت القديم، ليكتشف ان الجميع قد رحلوا الى مكان مجهول!!
( 6 )
لم تكن على عادتها، وارتفع صوت شخيرها المزعج، كأنه الموت يصارع فتحتي منخارها المكتظ ببقايا ” السعوط “، وربما كانت تعاني من ازمة قديمة اثر تعرضها للكمة قوية، اثر شجار مشهود مع زوجها الاول، وتؤكد الرواية انها امرأة مسترجلة، وعرف انها كانت ترد الصاع صاعين!!
تململ ذات اليمين وذات الشمال، وتناسى الحفيد انه هو وليس غيره من ارهقها هذه الليلة، كان يلح عليها ان تكمل الحكاية، وفي ذات الوقت كان يروح ويجيْ، يحمل اكواب الماء، علّها تصحو ويحظى بسماع الحكاية كاملة.
كانت الغفوة تختطفها من حين الى آخر، لكن وعي الصبي ظل مشدودا لمعرفة مصير الشاطر حسن.
شده الارق من جديد، وتخيل انهما سارا معا، ودخلا ذلك القصر المسحور، لكنه سرعان ما عاد الى وعيه، نظر اليها بعتب لا يخلو من الشقاوة، كانت تستطيب ان تفترش الارض، اما هو فقد شاءت الاقدار ان يكون سريره ملاصقا للحيز الذي تنام فيه.
فجأة قرر ان يرمي بنفسه من علو فوق جسدها الضعيف، صرخت باعلى صوتها متوجعة، لكنه تقمص شخصية الحكاية، اما الجدة التي اسقط بيدها، هالها الوجع جراء “الخبطة” القوية التي المت بها، ولسبب ما تابعت تفاصيل روايتها، وطار الطير وتتمسوا بالخير.
( 7 )
قال لها وهو يضع اخر اللمسات على اللوحة المثبتة امامهما:
تذكري ان هذه آخر لوحة ارسمها.
كانت تبدو كأنها مرآة مسحورة، تمتلك وهجها الخاص، الذي يخطف لباب العقل، وخيم عليهما صمت غريب، جالت نظرها في كل اتجاه، تحركت باتجاه النافذة المقابلة للوحة، تناولت سكين الفواكه من على طبق القش المحمل بما لذ وطاب، تأملته بجلال خاص، تجرعت ريقها وقامت على عجل بقطع وريدها الايمن.
صرخ باعلى ما فيه من هلع، وفقد تماسكه، هب صوبها، لكنها سرعان ما تداعت لتسقط مغشيا عليها.
تمالك نفسه من جديد، نظر الى اللوحة وانقض عليها لينتزعها من اطارها الخشبي الثمين، وبدأ بتمزيقها الى شرائط، مستطيلة لصقها من الوريد الى الوريد!!
تململت من غيبوبتها، ابتسمت بفرح طائش، وجالت بنظرها في ارجاء الغرفة، اكتشفت انهما اتحدا معا في عناق صامت يملاْ الغرفة بالدفْ والرغبة المتمردة.
( 8 )
كانا يسيران معا في مدينة مكتظة مترامية الاطراف، زوج وزوجة، وطفل صغير بدت ملامحه غليظة غاضبة، وخيل اليهما ان الفضول يطغى على اهل المدينة.
قالت له معاتبة: الى متى سنظل نعيش في تلك القرية النائية؟
تكوّر على نفسه وانحنى متشاغلا بعقد رباط حذائه الغليظ، غضبت ولم تتمالك نفسها، وتناست انها محاطة ببشر يرقبون كل شاردة وواردة، وصرخت بشطط تقول:
اليس من حقنا ان نعيش كباقي البشر؟!
كانت على الجهة المقابلة فتاة شقية، كأنها تسترق السمع لحديثهما النافر، وتحركت نحوهما بخطوات ثابتة، اذ سرعان ما اصطدمت بالرجل الغاضب، وقبل ان ينبس ببنت شفة عاجلته بالاعتذار قائلة:
آسف يا عموووووو!!.
انفرجت اسارير المرأة المتذمرة، وسارا منفصلين يلفهما الصمت والتوتر، بينما عادت للطفل ملامحه البريئة، وظل يضحك في سره، غير مكترث بما ابتاعه له والديه من العاب وحلوى!!
( 9 )
اغتر ذاك ” الخال ” المتربع على خد الصبية، وبدا مزهزا بتفرده القادر على اكتشاف لهفة العشاق وعبثهم. اصطدمت اصابعه العابثة بازرار قميصها المحكمة الاغلاق، كانا يختليان معا في زاوية قصية من حديقة الطفل السعيد.
تعالت ضحكاتهما، واسترسلا معا، في حديث خافت اقرب الى الوشوشة، اكتمل وجه القمر واشرق،وغرقا في طيش اللهفة، رجل وامرأة، وقمر حائر يعيد مسيرة دورانه من جديد.
ظل ” الخال ” ماثلا في مكانه البارز، وفي العتمة اختزلته الرغبة وذوى احتراقا في لقاء حميم جمع بين اثنين، شكلا معا تاريخ ميلاد قادم لمولود جديد اسمه ” فجر “.
تململ الديك في قنه القصي، وخرج الى الفضاء الواسع، نفض ريشه بغرور، وصاح مبشرا بصباح جديد.
( 10 )
التقى ظريفان في طريق ذات اتجاه واحد، وكانت تقود الى بوابة عظيمة، يحوطها سور عملاق، يكشف عن قلعة عريقة، يقال ان في حجرة من احدى حجراتها يخبأ كنز ثمين لا يقدر بثمن!!
قال الظريف الاول مخاطبا الظريف الثاني، عندما لاحت امامهما تلك القلعة البهية
: يا حلالي… يا مالي.
اجابه الظريف الثاني
: يا ارضي… يا جبالي، والله للف البلد وادور، واغني احلى الاغاني.
وعلى باب القلعة جلس اثنان آخران، بنت وولد، كانا يحرسان المدخل الرئيس، ويرحبان بالزوار اجمل ترحيب.
قال الاول للثاني
: يا سبحان الخّلاق، نصف الولد من لولو، والنصف الثاني ذهب اصلي كالزعفران!!
اكمل الثاني، وكأنه يؤيد ما نواه الاول
: اما البنت، صورة مصورة فيها مزيج يجمع بين الفضة والمرجان، والوجه مرآة مصقولة، ومرصعة بالجواهر… يا سبحان الملك العّلام.
هبت ريح خفيفة، واكتشفا ان قوة خفية تدفع بهما الى ممرات موحشة طويلة، وان هناك في الداخل ثمة دهاليز لم تطأها قدم آدمية من قبل، ولم يدر في خلدهما ان يتستر خلف العامود العملاق، الذي ربما تقوم عليه هذه القلعة المسحورة.. ظريف ثالث، او رابع، وربما لا يمكن تخيل ان تكون هنا عوالم اخرى جديدة، لها طقوسها الخاصة جدا!!
وما زالا يرتجفان من هول المشاهدة الاولى، فقد تلاشت احلام كثيرة، وتاهت الكلمات فيما تعالت اصوات مجهولة من جهات مختلفة، ورافق ذلك جلبة غريبة مصحوبة بدق الطبول، وارتفعت الرايات العملاقة خفاقّة، كأن قوة خفية تحركها في اتجاهات منتظمة، وبقيت معلقة!!
اهتزت ابراج القلعة، وتحركت الاشباح من مكامنها، انتظارا لوقوع حدث جلل ما، فضربت الريح نافذة بيت ذلك الفلاح البسيط، فقام مذعورا من سباته الطويل، متوسلا زوجته ان تلحقه برشفة ماء!!
