تشكيل من دون تحفظ!!ِ

الكاتب محمد جابر , في قسم ثقافة

لا شك ان الانحياز المطلق لفلسطين، الارض والانسان، هو ما يبرر التوق العارم الى ترويج ثقافتنا الشعبية الفلسطينية، وفق آلية قريبة من القلب والوجدان والمعاصرة.
ولعل هدفنا الاوحد هو بث قيم الصمود، والثبات، وايضا التبشير لميلاد يوم قادم احلى، ندونه معا، وهذه دعوة للجيل، للتواصل معهم والحوار لاجل ان ننضج نصا واعيا، وسياقا فسيحا نتفاعل في معماره، ونرسم فيه ملامح ثرية للغة متفوقة.
( 1 )
قالت ” الغولة ”
: لولا سلامك سبق كلامك، لخليت اخوي اللي في الجبل هذاك يسمع صرد عظامك.
ضحك الامير الصغير، وحدثها بلسان طلق فصيح قائلا
: من لا يعرف اصلي وفصلي، لا يعلم حجم قوتي.
تخيل ان في الجو مكيدة تدبر، وبدت ” الغولة ” شاردة كأنها تحاكي حلما يراودها منذ مدة، وكانت تحاول ان تسترجع تفاصيل محددة، فجأة تفتح عينيها الحمراوين بطريقة لافتة، وتصرخ بصوتها المجلجل
: ارجع يا يا ابن امي وابي.
اطلق الامير الصغير العنان لقدميه، ومضى الى مكان آمن بعيد، نظر الى الوراء على عجل، لكنه ظل يمشي متقدما الى الامام، غير آبه بصدى الصوت الذي لاحقه حتى تلاشى وانقطع تماما. وبدأ يرقب قيامة الشمس،لكنه ولشدة التعب استغرق في نوم عميق.
( 2 )
شّمرت عن ساقيها الثابتتين، وبدت الجدة في ” شروالها ” العتيق كشجرة باسقة وارفة، وكانت محتشمة. تربعت على الارض، وبدأت تهز ” الغربال “،كأنها تسترجع مواسم الحصاد، فتسطع حبات القمح ذهبية صافية.
تسمّرت الحفيدة في مكانها القصي، تحاول ان تقرأ ايقاع ” الغربال ” في صعود وتحرر حبات القمح او سقوطها الاضطراري، لكن العصافير المرتبكة تغير من جديد وتطير بصخب، فتبرم الجدة شفتيها محتجة، وتكتشف ان الحفيدة تداري ضحكتها الطفولية البريئة.
يزداد ارتباك الطفلة، وتهم بمغادرة المكان، لكن العصافير تعاود الرجوع من جديد، وتعيد المحاولة مرة اخرى!!

( 3 )
الصياد ينصب شباكه، ويكمن خلف جدار قريب، الحمام يعتلي الشجرة المقابلة، كأنه يكتشف بحس مجهول رائحة السقوط في مكيدة!!
قطيع الغزلان يمر، يتجاوز منطقة الافخاخ، وتبدو الحركة واثقة، بينما يتلاشى صدى آخر، يشي بفرحة مكبوتة تتناها من خلف الجدار.
اهتزت الشبكة، والصياد يعدو مسرعا تجاه الهدف، ثمة حمامة بيضاء علقت، جلبة قوية اقتحمت سكون المكان، واسراب كثيفة من الحمام ترف الى بعيد، كأنها تكتشف حيزا آخر لسماء جديدة.
الصياد يعود الى مكانه الاول مشوشا، ويتساءل:
ترى اين ذهبت الحمامة؟!.
( 4 )
المغارة مضاءة، يلتف حولها سياج عال من شجر البلوط والسنديان، وعلى الطرف الآخر وقف شيخ العرب حائرا، كأنه يعيد اكتشاف تضاريس المكان.
الصمت رهيب، لكن ثمة خيالات مريبة لاشباح بدت راقصة التفت حوله باحكام، صاح الشيخ ليخرج من وحشته، لكنها اقتربت منه لدرجة انها تعلقت باهداب ثوبه الفضفاض، مستترة بعتمة الليل الحالك السواد.
اصتكت اسنان الشيخ، وارتجفت فرائسه، وفكر فيما لو تراجع الى الخلف خطوة او خطوتين اثنتين. فجأة عادت اليه انفاسه، عندما خرج عليه ساكن المغارة الانيس، كان يحمل فانوسا عجيبا، اضاء كامل الاتساع الموحش، التقط انفاسه، وتقدم بهدوء صوب مضيفه الصغير، وعاجله بالسؤال:
كيف تعيش في هذه الغابة النائية؟!
الطفل صاحب الفانوس، يميل اليه كأنه يبادله وشوشة حميمية، وعلى حين غرة يطبع على خد الشيخ قبلة، ينتفض الشيخ، ويخرج الطفل سيفه البتار من غمده، يتراجع الشيخ الى الوراء، لكن صاحب المغارة يخفف من روعه قائلا
: خذ سيفك، هذا ما اوصتني به امي ” الغولة ” قبل ان تموت بايام!!
( 5 )
بننقر… بننقر منشان حبة قرنفل
جابت صبي زينة من تحت الاباطينة
غنت العصافير، وبكت البنت المخدوعة على مصير وليدها البكر، لم تكن تعلم كيف ومتى ابتليت بهذا الهم. كل ما تتذكره ان زوجة ابيها اصرّت عليها من غير سابق عادة، ان تقضم تلك التفاحة الهجينة، نصفها احمر، اما النصف الثاني فكان يميل الى الاخضرار.
بكت بحرقة، وكان المكان موحشا، شخصت بعينيها الى بعيد، كأنها تندب حظها العاثر وتتساءل
: كيف لوالدها الحنون ان طاوعه قلبه الكبير ليتركها في هذه الارض البعيدة، وسط الادغال والوحوش الكاسرة!!
باغتها الصوت الطفولي قبل ان تعود الى رشدها ليقول:
انا هنا باقون، ولنكن كما يليق بنا ان نكون وحشين قويين.
تسمرت الام الصغيرة في مكانها، كأنها تسترجع مصدر الصوت الفتي، وعادت بنظرها الى رضيعها الملتصق بحضنها الدافىْ، لتجده يغمز لها بعينين واثقتين فاتنتين.
هالها المشهد الغريب، واعتصرته ليلتصق بها اكثر، وبكيا معا كما يليق بجسدين اثنين ارتبطا بروح واحدة، فقامت لتوها تبني بيتها الجديد ليحميهما وسط هذه الادغال الموحشة.
كبر الرضيع، وذاع صيته فارسا له مشاويره وغدواته، اما جده المضلل، الذي اصبح عاجزا، فقد قادته العصافير الى ساكنة الادغال، واكتشف المكيدة!!
عاد ادراجه بعد لحاح طويل مع ابنته المظلومة، لكنها فضلت بيتها القصي، بعيدا عن القيل والقال. وعند الغروب، هاله الموقف لدى وصوله البيت القديم، ليكتشف ان الجميع قد رحلوا الى مكان مجهول!!
( 6 )
لم تكن على عادتها، وارتفع صوت شخيرها المزعج، كأنه الموت يصارع فتحتي أنفها المكتظ ببقايا ” السعوط “، وربما كانت تعاني من ازمة قديمة اثر تعرضها للكمة قوية، اثر شجار مشهود مع زوجها الاول، وتؤكد الرواية انها امرأة مسترجلة، وعرف انها كانت ترد الصاع صاعين!!
تململ ذات اليمين وذات الشمال، وتناسى الحفيد انه هو وليس غيره من ارهقها هذه الليلة، كان يلح عليها ان تكمل الحكاية، وفي ذات الوقت كان يروح ويجيْْ يحمل اكواب الماء، علّها تصحو ويحظى بسماع الحكاية كاملة.
كانت الغفوة تختطفها من حين الى آخر، لكن وعي الصبي ظل مشدودا لمعرفة مصير الشاطر حسن.
شده الارق من جديد، وتخيل انهما سارا معا، ودخلا ذلك القصر المسحور، لكنه سرعان ما عاد الى وعيه، نظر اليها بعتب لا يخلو من الشقاوة، كانت تستطيب ان تفترش الارض، اما هو فقد شاءت الاقدار ان يكون سريره ملاصقا للحيز الذي تنام فيه.
فجأة قرر ان يرمي بنفسه من علو فوق جسدها الضعيف، صرخت باعلى صوتها متوجعة، لكنه تقمص شخصية الحكاية، اما الجدة التي اسقط بيدها، هالها الوجع جراء “الخبطة” القوية التي المت بها، ولسبب ما تابعت تفاصيل روايتها، وطار الطير وتتمسوا بالخير.
( 7 )
قال لها وهو يضع اخر اللمسات على اللوحة المثبتة امامهما:
تذكري ان هذه آخر لوحة ارسمها.
كانت تبدو كأنها مرآة مسحورة، تمتلك وهجها الخاص، الذي يخطف لباب العقل، وخيم عليهما صمت غريب، جالت نظرها في كل اتجاه، تحركت باتجاه النافذة المقابلة للوحة، تناولت سكين الفواكه من على طبق القش المحمل بما لذ وطاب، تأملته بجلال خاص، تجرعت ريقها وقامت على عجل بقطع وريدها الايمن.
صرخ باعلى ما فيه من هلع، وفقد تماسكه، هب صوبها، لكنها سرعان ما تداعت لتسقط مغشيا عليها.
تمالك نفسه من جديد، نظر الى اللوحة وانقض عليها لينتزعها من اطارها الخشبي الثمين، وبدأ بتمزيقها الى شرائط، مستطيلة لصقها من الوريد الى الوريد!!
تململت من غيبوبتها، ابتسمت بفرح طائش، وجالت بنظرها في ارجاء الغرفة، اكتشفت انهما اتحدا معا في عناق صامت يملاْ الغرفة بالدفء والرغبة المتمردة.
( 8 )
كانا يسيران معا في مدينة مكتظة مترامية الاطراف، زوج وزوجة، وطفل صغير بدت ملامحه غليظة غاضبة، وخيل اليهما ان الفضول يطغى على اهل المدينة.
قالت له معاتبة: الى متى سنظل نعيش في تلك القرية النائية؟
تكوّر على نفسه وانحنى متشاغلا بعقد رباط حذائه الغليظ، غضبت ولم تتمالك نفسها، وتناست انها محاطة ببشر يرقبون كل شاردة وواردة، وصرخت بشطط تقول:
اليس من حقنا ان نعيش كباقي البشر؟!
كانت على الجهة المقابلة فتاة شقية، كأنها تسترق السمع لحديثهما النافر، وتحركت نحوهما بخطوات ثابتة، اذ سرعان ما اصطدمت بالرجل الغاضب، وقبل ان ينبس ببنت شفة عاجلته بالاعتذار قائلة:
آسف يا عموووووو!!.
انفرجت اسارير المرأة المتذمرة، وسارا منفصلين يلفهما الصمت والتوتر، بينما عادت للطفل ملامحه البريئة، وظل يضحك في سره، غير مكترث بما ابتاعه له والديه من العاب وحلوى!!
( 9 )
اغتر ذاك ” الخال ” المتربع على خد الصبية، وبدا مزهوا بتفرده القادر على اكتشاف لهفة العشاق وعبثهم. اصطدمت اصابعه العابثة بازرار قميصها المحكمة الاغلاق، كانا يختليان معا في زاوية قصية من حديقة الطفل السعيد.
تعالت ضحكاتهما، واسترسلا معا، في حديث خافت اقرب الى الوشوشة، اكتمل وجه القمر واشرق،وغرقا في طيش اللهفة، رجل وامرأة، وقمر حائر يعيد مسيرة دورانه من جديد.
ظل ” الخال ” ماثلا في مكانه البارز، وفي العتمة اختزلته الرغبة وذوى احتراقا في لقاء حميم جمع بين اثنين، شكلا معا تاريخ ميلاد قادم لمولود جديد اسمه ” فجر “.
تململ الديك في قنه القصي، وخرج الى الفضاء الواسع، نفض ريشه بغرور، وصاح مبشرا بصباح جديد.

لا شك ان الانحياز المطلق لفلسطين، الارض والانسان، هو ما يبرر التوق العارم الى ترويج ثقافتنا الشعبية الفلسطينية، وفق آلية قريبة من القلب والوجدان والمعاصرة.
ولعل هدفنا الاوحد هو بث قيم الصمود، والثبات، وايضا التبشير لميلاد يوم قادم احلى، ندونه معا، وهذه دعوة للجيل، للتواصل معهم والحوار لاجل ان ننضج نصا واعيا، وسياق نتفاعل في معماره، ونرسم فيه ملامح ثرية للغة متفوقة.
( 1 )
قالت ” الغولة ”
: لولا سلامك سبق كلامك، لخليت اخوي اللي في الجبل هذاك يسمع صرد عظامك.
ضحك الامير الصغير، وحدثها بلسان طلق فصيح قائلا
: من لا يعرف اصلي وفصلي، لا يعلم حجم قوتي.
تخيل ان في الجو مكيدة تدبر، وبدت ” الغولة ” شاردة كأنها تحاكي حلما يراودها منذ مدة، وكانت تحاول ان تسترجع تفاصيل محددة، فجأة تنفتح عينيها الحمراوين بطريقة لافتة، وتصرخ بصوتها المجلجل
: ارجع يا يا ابن امي وابي.
اطلق الامير الصغير العنان لقدميه، ومضى الى مكان آمن بعيد، نظر الى الوراء على عجل، لكنه ظل يمشي متقدما الى الامام، غير آبه بصدى الصوت الذي لاحقه حتى تلاشى وانقطع تماما. وبدأ يرقب قيامة الشمس،لكنه ولشدة التعب استغرق في نوم عميق.
( 2 )
شّمرت عن ساقيها الثابتتين، وبدت الجدة في ” شروالها ” العتيق كشجرة باسقة وارفة، وكانت محتشمة. تربعت على الارض، وبدأت تهز ” الغربال “،كأنها تسترجع مواسم الحصاد، فتسطع حبات القمح ذهبية صافية.
تسمّرت الحفيدة في مكانها القصي، تحاول ان تقرأ ايقاع ” الغربال ” في صعود وتحرر حبات القمح او سقوطها الاضطراري، لكن العصافير المرتبكة تغير من جديد وتطير بصخب، فتبرم الجدة شفتيها محتجة، وتكتشف ان الحفيدة تداري ضحكتها الطفولية البريئة.
يزداد ارتباك الطفلة، وتهم بمغادرة المكان، لكن العصافير تعاود الرجوع من جديد، وتعيد المحاولة مرة اخرى!!

( 3 )
الصياد ينصب شباكه، ويكمن خلف جدار قريب، الحمام يعتلي الشجرة المقابلة، كأنه يكتشف بحس مجهول رائحة السقوط في مكيدة!!
قطيع الغزلان يمر، يتجاوز منطقة الافخاخ، وتبدو الحركة واثقة، بينما يتلاشى صدى آخر، يشي بفرحة مكبوتة تتناها من خلف الجدار.
اهتزت الشبكة، والصياد يعدوا مسرعا تجاه الهدف، ثمة حمامة بيضاء علقت، جلبة قوية اقتحمت سكون المكان، واسراب كثيفة من الحمام ترف الى بعيد، كأنها تكتشف حيزا آخرأ لسماء جديدة.
الصياد يعود الى مكانه الاول مشوشا، ويتساءل:
ترى اين ذهبت الحمامة؟!.
( 4 )
المغارة مضاءة، يلتف حولها سياج عال من شجر البلوط والسنديان، وعلى الطرف الآخر وقف شيخ العرب حائرا، كأنه يعيد اكتشاف تضاريس المكان.
الصمت رهيب، لكن ثمة خيالات مريبة لاشباح بدت راقصة التفت حوله باحكام، صاح الشيخ ليخرج من وحشته، لكنها اقتربت منه لدرجة انها تعلقت باهداب ثوبه الفضفاض، مستترة بعتمة الليل الحالك السواد.
اصتكت اسنان الشيخ، وارتجفت فرائسه، وفكر فيما لو تراجع الى الخلف خطوة او خطوتين اثنتين. فجأة عادت اليه انفاسه، عندما خرج عليه ساكن المغارة الانيس، كان يحمل فانوسا عجيبا، اضاء كامل الاتساع الموحش، التقط انفاسه، وتقدم بهدوء صوب مضيفه الصغير، وعاجله بالسؤال:
كيف تعيش في هذه الغابة النائية؟!
الطفل صاحب الفانوس، يميل اليه كأنه يبادله وشوشة حميمية، وعلى حين غرة يطبع على خد الشيخ قبلة، ينتفض الشيخ، ويخرج الطفل سيفه البتار من غمده، يتراجع الشيخ الى الوراء، لكن صاحب المغارة يخفف من روعه قائلا
: خذ سيفك، هذا ما اوصتني به امي ” الغولة ” قبل ان تموت بايام!!
( 5 )
بننقر… بننقر منشان حبة قرنفل
جابت صبي زينة من تحت الاباطينة
غنت العصافير، وبكت البنت المخدوعة على مصير وليدها البكر، لم تكن تعلم كيف ومتى ابتليت بهذا الهم. كل ما تتذكره ان زوجة ابيها اصرّت عليها من غير سابق عادة، ان تقضم تلك التفاحة الهجينة، نصفها احمر، اما النصف الثاني فكان يميل الى الاخضرار.
بكت بحرقة، وكان المكان موحشا، شخصت بعينيها الى بعيد، كأنها تندب حظها العاثر وتتساءل
: كيف لوالدها الحنون ان طاوعه قلبه الكبير ليتركها في هذه الارض البعيدة، وسط الادغال والوحوش الكاسرة!!
باغتها الصوت الطفولي قبل ان تعود الى رشدها ليقول:
انا هنا باقون، ولنكن كما يليق بنا ان نكون وحشين قويين.
تسمرت الام الصغيرة في مكانها، كأنها تسترجع مصدر الصوت الفتي، وعادت بنظرها الى رضيعها الملتصق بحضنها الدافىْ، لتجده يغمز لها بعينين واثقتين فاتنتين.
هالها المشهد الغريب، واعتصرته ليلتصق بها اكثر، وبكيا معا كما يليق بجسدين اثنين ارتبطا بروح واحدة، فقامت لتوها تبني بيتها الجديد ليحميهما وسط هذه الادغال الموحشة.
كبر الرضيع، وذاع صيته فارسا له مشاويره وغدواته، اما جده المضلل، الذي اصبح عاجزا، فقد قادته العصافير الى ساكنة الادغال، واكتشف المكيدة!!
عاد ادراجه بعد لحاح طويل مع ابنته المظلومة، لكنها فضلت بيتها القصي، بعيدا عن القيل والقال. وعند الغروب، هاله الموقف لدى وصوله البيت القديم، ليكتشف ان الجميع قد رحلوا الى مكان مجهول!!
( 6 )
لم تكن على عادتها، وارتفع صوت شخيرها المزعج، كأنه الموت يصارع فتحتي منخارها المكتظ ببقايا ” السعوط “، وربما كانت تعاني من ازمة قديمة اثر تعرضها للكمة قوية، اثر شجار مشهود مع زوجها الاول، وتؤكد الرواية انها امرأة مسترجلة، وعرف انها كانت ترد الصاع صاعين!!
تململ ذات اليمين وذات الشمال، وتناسى الحفيد انه هو وليس غيره من ارهقها هذه الليلة، كان يلح عليها ان تكمل الحكاية، وفي ذات الوقت كان يروح ويجيْ، يحمل اكواب الماء، علّها تصحو ويحظى بسماع الحكاية كاملة.
كانت الغفوة تختطفها من حين الى آخر، لكن وعي الصبي ظل مشدودا لمعرفة مصير الشاطر حسن.
شده الارق من جديد، وتخيل انهما سارا معا، ودخلا ذلك القصر المسحور، لكنه سرعان ما عاد الى وعيه، نظر اليها بعتب لا يخلو من الشقاوة، كانت تستطيب ان تفترش الارض، اما هو فقد شاءت الاقدار ان يكون سريره ملاصقا للحيز الذي تنام فيه.
فجأة قرر ان يرمي بنفسه من علو فوق جسدها الضعيف، صرخت باعلى صوتها متوجعة، لكنه تقمص شخصية الحكاية، اما الجدة التي اسقط بيدها، هالها الوجع جراء “الخبطة” القوية التي المت بها، ولسبب ما تابعت تفاصيل روايتها، وطار الطير وتتمسوا بالخير.
( 7 )
قال لها وهو يضع اخر اللمسات على اللوحة المثبتة امامهما:
تذكري ان هذه آخر لوحة ارسمها.
كانت تبدو كأنها مرآة مسحورة، تمتلك وهجها الخاص، الذي يخطف لباب العقل، وخيم عليهما صمت غريب، جالت نظرها في كل اتجاه، تحركت باتجاه النافذة المقابلة للوحة، تناولت سكين الفواكه من على طبق القش المحمل بما لذ وطاب، تأملته بجلال خاص، تجرعت ريقها وقامت على عجل بقطع وريدها الايمن.
صرخ باعلى ما فيه من هلع، وفقد تماسكه، هب صوبها، لكنها سرعان ما تداعت لتسقط مغشيا عليها.
تمالك نفسه من جديد، نظر الى اللوحة وانقض عليها لينتزعها من اطارها الخشبي الثمين، وبدأ بتمزيقها الى شرائط، مستطيلة لصقها من الوريد الى الوريد!!
تململت من غيبوبتها، ابتسمت بفرح طائش، وجالت بنظرها في ارجاء الغرفة، اكتشفت انهما اتحدا معا في عناق صامت يملاْ الغرفة بالدفْ والرغبة المتمردة.
( 8 )
كانا يسيران معا في مدينة مكتظة مترامية الاطراف، زوج وزوجة، وطفل صغير بدت ملامحه غليظة غاضبة، وخيل اليهما ان الفضول يطغى على اهل المدينة.
قالت له معاتبة: الى متى سنظل نعيش في تلك القرية النائية؟
تكوّر على نفسه وانحنى متشاغلا بعقد رباط حذائه الغليظ، غضبت ولم تتمالك نفسها، وتناست انها محاطة ببشر يرقبون كل شاردة وواردة، وصرخت بشطط تقول:
اليس من حقنا ان نعيش كباقي البشر؟!
كانت على الجهة المقابلة فتاة شقية، كأنها تسترق السمع لحديثهما النافر، وتحركت نحوهما بخطوات ثابتة، اذ سرعان ما اصطدمت بالرجل الغاضب، وقبل ان ينبس ببنت شفة عاجلته بالاعتذار قائلة:
آسف يا عموووووو!!.
انفرجت اسارير المرأة المتذمرة، وسارا منفصلين يلفهما الصمت والتوتر، بينما عادت للطفل ملامحه البريئة، وظل يضحك في سره، غير مكترث بما ابتاعه له والديه من العاب وحلوى!!
( 9 )
اغتر ذاك ” الخال ” المتربع على خد الصبية، وبدا مزهزا بتفرده القادر على اكتشاف لهفة العشاق وعبثهم. اصطدمت اصابعه العابثة بازرار قميصها المحكمة الاغلاق، كانا يختليان معا في زاوية قصية من حديقة الطفل السعيد.
تعالت ضحكاتهما، واسترسلا معا، في حديث خافت اقرب الى الوشوشة، اكتمل وجه القمر واشرق،وغرقا في طيش اللهفة، رجل وامرأة، وقمر حائر يعيد مسيرة دورانه من جديد.
ظل ” الخال ” ماثلا في مكانه البارز، وفي العتمة اختزلته الرغبة وذوى احتراقا في لقاء حميم جمع بين اثنين، شكلا معا تاريخ ميلاد قادم لمولود جديد اسمه ” فجر “.
تململ الديك في قنه القصي، وخرج الى الفضاء الواسع، نفض ريشه بغرور، وصاح مبشرا بصباح جديد.

( 10 )
التقى ظريفان في طريق ذات اتجاه واحد، وكانت تقود الى بوابة عظيمة، يحوطها سور عملاق، يكشف عن قلعة عريقة، يقال ان في حجرة من احدى حجراتها يخبأ كنز ثمين لا يقدر بثمن!!
قال الظريف الاول مخاطبا الظريف الثاني، عندما لاحت امامهما تلك القلعة البهية
: يا حلالي… يا مالي.
اجابه الظريف الثاني
: يا ارضي… يا جبالي، والله للف البلد وادور، واغني احلى الاغاني.
وعلى باب القلعة جلس اثنان آخران، بنت وولد، كانا يحرسان المدخل الرئيس، ويرحبان بالزوار اجمل ترحيب.
قال الاول للثاني
: يا سبحان الخّلاق، نصف الولد من لولو، والنصف الثاني ذهب اصلي كالزعفران!!
اكمل الثاني، وكأنه يؤيد ما نواه الاول
: اما البنت، صورة مصورة فيها مزيج يجمع بين الفضة والمرجان، والوجه مرآة مصقولة، ومرصعة بالجواهر… يا سبحان الملك العّلام.
هبت ريح خفيفة، واكتشفا ان قوة خفية تدفع بهما الى ممرات موحشة طويلة، وان هناك في الداخل ثمة دهاليز لم تطأها قدم آدمية من قبل، ولم يدر في خلدهما ان يتستر خلف العامود العملاق، الذي ربما تقوم عليه هذه القلعة المسحورة.. ظريف ثالث، او رابع، وربما لا يمكن تخيل ان تكون هنا عوالم اخرى جديدة، لها طقوسها الخاصة جدا!!
وما زالا يرتجفان من هول المشاهدة الاولى، فقد تلاشت احلام كثيرة، وتاهت الكلمات فيما تعالت اصوات مجهولة من جهات مختلفة، ورافق ذلك جلبة غريبة مصحوبة بدق الطبول، وارتفعت الرايات العملاقة خفاقّة، كأن قوة خفية تحركها في اتجاهات منتظمة، وبقيت معلقة!!
اهتزت ابراج القلعة، وتحركت الاشباح من مكامنها، انتظارا لوقوع حدث جلل ما، فضربت الريح نافذة بيت ذلك الفلاح البسيط، فقام مذعورا من سباته الطويل، متوسلا زوجته ان تلحقه برشفة ماء!!

لا تعليقات

مقاومة … مساومة!!

الكاتب محمد جابر , في قسم ثقافة

تصاعدت السن اللهب، وتنفس الجذع اليابس الصعداء قائلا للجذع الاخضر:
الآن فقط نعلن التعادل!!.

احيانا قد تخوننا اللغة، كأنها انعكاس آخر لسطوة المسيطر وجبروته. ولعل اللافت للنظر ان المكون الاساس في صياغة مشروع المستقبل ، هو القدرة على منح اللذة في وهج الكلمات العتيقة، وصدى الوانها في تشكيلات رسم افق الحرف، وفتح فضاء الحلم امام وعي جيل جديد يؤمن بدوره في تجاوز لعنة الخنوع والاقرار بالهزيمة المطلقة.
لقد دلت الوقائع والاحداث المتتابعة ان استشراء لغة المستعمر او بعض مفرداته، يعني اننا امام تحد يشير الى هتك معمار اللغة القومية، وتعريضها الى مؤثر غريب يستهدف بالاساس مجموع القيم والمعايير المتوارثة جيلا بعد جيل، وبالتالي تصبح اللغة هي القانون المنظم والحامي لمصير الشعوب المستهدفة بشتى صنوف العدوان والانكار والتغييب.
قد نحاول ان نتجاوز خيالات وحماقات عقولنا المربوطة بـــ….ِ. الانا الضائعة على مفترقات وهم الحضور والحلم!!
وكأن التعارض اصبح ليس فقط على اختلاف تصريف تفاعيل مبتكرة، انما هناك ايضا عنف في صمتنا، وعنف آخر يتداعى فيما لو تداولنا قاموس الكلمات المنمقة في محاولة لتبرير او تلبس اكثر من ” موديل ” يجمل عرينا في استجداء السامر، حتى لو تجاوزنا بذلك خطاب القداسة المتوارث.

براءة…..
هل فكرت ان تعترض مسار سقوط المطر الاليف، وتجرب نشوة البلل الجميل، وكيف يكوون للهاثك البرييْ ان يتصاعد في دفقات بخار ابيض اختزن داخل تفاصيلك المحتدمة حول اكثر من سؤال، فيما يخص مسار الطريق المحفوف بمخاطر السقوط.
نحن عشنا ذلك وتمترسنا خلف زجاج شبابيكنا الموصدة في وجه الصقيع واشتداد الريح. وكنا نختزن بعضا من هذا التشكيل الذاتي المعرف بالبخار الشفاف، وكأننا نستجيب لشقاوة طفولية نرسمها بخطوط غير مألوفة، ونثبتها على فسحة ضباب الشبابيك، وغالبا ما كنا نحاول نسخ وجوهنا بطرق شتى، وبملامح خرافية نتخيلها تحكي قصة شعبية قديمة، تسترجع بعضن من ملامح ” الشاطر حسن “!!.

اعتذار….
صور كثيرة تتداخل في اشتباك متاهة الدماغ المتاحة، لم نخترع المواجهة انما فرضت علينا ان نختزلها في صياغات سرية، محفوظة في لفائف مضغوطة باحكام، كأن بالامكان ابتلاعها لحظة الخطر، او تجاوز الوقوع في جدلية السؤال والجواب، خاصة في ظل قرقعة الاصفاد وحضور السجان وزبانيته.
اليوم وقد بدأنا نتعاطى ” تكنولوجيا ” الاقراص المدمجة، لم يعد الحرص نفسه يكبلنا او يمنع عنا تطفل مستكشف او مأزوم يدعي انه استحوذ على زمن فائض، اسمه زمن المقاومة!!

تواصل….
هناك اجماع اننا نعيش في فوضى الافكار، والمشاعر، والعلاقات، والاحلام.. وكأن هذه الحالة اصبحت تنتزع منا تفاصيل التحكم بالزمان والمكان والفكرة.
وما بين هذا وذاك، دائما هناك عفن في زوايا مخيلتنا المرهقة بتفاصيل ازمة اليوم القادم، وتحدي ان نبني البيت، لكننا نكتشف اننا تجاوزنا تلك الحدود الملتوية على تعرجات ضرورات مواجهة القهر والصمت المقيت.
ثمة مدونين يخطون مدونات احلام جديدة، ويرسمون ملامح ازمان قادمة، نظنها ميلاد جديد لعمر آخر، ودهشة اخرى سيمارسها جيل فتي يتواصل مع وعد الحرية.

غرور….
ليس مطلوبا ان نخترع مضامين مهينة للتعايش مع الخوف، والقهر، وذاك المسؤول ” المحوط ” بعسس القصر، والسعاة، وبائعي اذمم، الذين غالبا ما يوقدون لظا الدسيسة، في تواطوْ يتماهى مع قانون الفتنة التي سيطرت على ادبيات التعاطي ما بين الرئيس والمرؤوس، لنتوه في قراءة ” فرمانات ” طلاسم الساكن الجديد لتلك الغرفة النائية في برجها العاجي، وكأن القائد ارتد عن وعد التواصل واستسلم لاغراء سيل ” الفرمانات ” النازلة وما ادراك ما النازلة!!

انتظار….
ما الذي ينفع حينما تمتحن الشعوب بابصارها، ويجري التلاعب عن سبق اصرار على وعيها؟
انه زمن اغبر، والويل لو غضب الشعب وقرر ان يكسر اضلاع القفص ويخرج عن منظومة كوابيسه المتتالية.
ما الذي ينفع حين تفقأ عين واحدة، ويوضع في جوفها اغلى جوهرة، فهل ترى؟!
سؤال صاغه متمرد كبير، استوعب ان حكمة الخلق اقتضت ان نمتلك عينين اثنتين، وكأن المشهد لا يكتمل الا في اجواء هذا الخراب الذي حققناه في استمرار تلقينا لهزيمة تلو الاخرى.
وما بين التيه والصحوة، تغيب مواسم ونستعيد اخرى، ونعيد انتاجها في طقوس خاصة، تشبه الى حد بعيد لمات الموالد، او حلقات الدروشة، التي تتسع بعيون شاخصة، كأنها مفتوحة او مفتونة بوهج شعاع معلق على مفترق طريق نستوعبه، او يصفعنا في جواب اللامبالاة!!

تمويل….
يقولون ان السياسة افسدة كل شيْ، لكن قدرنا اننا نعيش على هذه الارض، وقد قبلنا التحدي.
هذه هي فلسطين بترابها، وزرعها، وطيرها، وفيها النهر والغابة، وذاك التنوع الكبير، الذي جمع الشيْ ونقيضه. انه منطق الحياة، ونحن اخترنا ان نعمق مجرى الواد وونفتحه على بوابة السهل الاخضر، نعيد تشكيله في تضاريس اخرى جديدة تراعي احلام الود القديم، وترسم في نفس الوقت ميثاق حياة لجيل يبني، ويقيم، ويتواصل من حيث توقف الاجداد.
صحيح ان الوقائع على الارض ما تزال توثق حلقات غير مشوقة، عن تدمير ممنهج يستهدف الانسان والمؤسسة، وكأن قدر الفلسطيني ان يغيب حتى عن مبادراته المبدعة!!.
انه قدر الشعوب الحية، التي تمتلك رصيد الحضور والتاريخ، وتتقن كيف تتعلم من اخطاء الماضي، وهذا الحاضر الملزم بالتصالح مع الذات، وان تتقدم باتجاه تسامح محسوب، من دون نسيان لمنطق اهل الغدر والجريمة!!
وليس المقصود هنا ان يبرز القائد بهيئة استاذ، او واعظ يتقن اللعب بالكلمات، او تهييج المشاعر برغوة النص، والتحايل لاجل ترويج او تمرير هزيمة جديدة!!.
ان قيادة عملية بناء البيت او ترميمه، لا تبيح باي حال من الاحوال ان نخضع لبرامج الاحتواء، او ما ينبثق عنها من تغريب hوتخريب، ولنتذكر دائما ان هناك اكثر من جهة ” ممولة ” لها حساباتها المبرمجة بالاساس لكسر ما تبقى لنا من رموز!!.
وحتى نتجاوز السقوط، فاننا امام تحد وصدام يدوم في مواجهة حرب الثقافات، وتصادم الرؤى المعاكسة، فهل من مجيب يردد صخب الصحوة؟

لا تعليقات

“منـا أميــر ومنكم أميــر”

الكاتب محمد جابر , في قسم ثقافة

ذهبت قريش، اقوام اخرى تناوبت على رعاية المكان وظلت مكة باقية ، يعمرها أهلها العالمين بشعابها ، بالجغرافيا الباقية ، وبالرسالة الخالدة ،وبهذا الحجيج الدائم الى بيت الله الحرام .
أهل المدينة ظلوا أنصارا ، آمنوا بالرسالة واشهروا السيف لحمايتها ، وعودتها معززة مكرمة الى مكة المسلمة،
ولن ننسى أن من دخل بيت ابي سفيان فهو آمن .

منا أمير ومنكم أمير …. شعار قديم / جديد ، نكتشفه اليوم ، أو بعد الف عام ، طالما اعتمدنا ناموس القبيلة
والشيخ / الشيوخ ، الذين استحوذوا على بقايا الوطن وما زالوا يستأثرون امتياز المراعي الخصبة ، وبقايا النبع الدافق في ” مزاريب ” آخر كل شهر !!
لم يكن في سباقنا أننا سنطالب بالثمن ، او المركز ، او امتياز الطامحين في استثمار المراحل ، تزويرها في استحقاقات مغلوطة، تبشر بحال غير الذي نعيش، وكأن نشرات الاخبار اصبحت تتحدث عن ابطال جدد، وعن تواريخ اخرى اقل ما يقال عنها بانها مزورة، وهي مطابقة تماما لما ضخه الاخر طوال سنوات القهر عن اشباه المخربين والمخربين!!.

كنا نؤمن أن الواقع المغلوط سيتغير ، وان عوائق كثيرة ستزول ، لكنه الليل تداخل في سياق النهار ، فتكسرت الزغاريد والاحلام الطرية الأولى في أول امتحان للسيطرة على مقدرات البيدر !!

لم يبك ابن ابي عبد الله ، ولا ضاعت الأندلس
لكننا اخترقناها ، واخضعنا الجغرافيا في اثير الكلام وصرنا نؤسس لطارق الذي خصب في رحمها لوائح الوصاية ، التي افترضناها أسمى واكبر من كل الذاتيات ، التي باتت تحكم شؤون يومنا ، من دون سيطرة حقيقية ، مستندة الى زخم الجغرافيا ورسوخ جبالها المانعة لاشتدادات الريح .
اقمنا الدنيا ولم نقعدها، وحافظنا على متتالية الشيوخ المتوجين وغير المتوجين، واتسعت البوابة الفلسطينية مشرعة امام الاجتهاد والتأويل في كل ما هو بعيد عن مصلحة الشعب الاغبر!!

الفرنجة لم يدفعوا ” الجزية” بل احتالوا علينا ،،
تهنا في توزعات الولاة وانشغالهم في تدوير الرصيد ، والحديقة ، ومنافذ الشبابيك المطلة على قهرنا .. واكتشفنا هول مصيبتنا بعد ان تبدلت الألوان وبهتت ، فاختلط الامر علينا ، عليهم ، على الأولويات الجديدة ، شكل الوجوه ، خجلها ، ضياع الملامح ، وبقايا ماء الحياء المهدور في صياغات بطولات/ وصولات/ وجولات، نظنها كانت نقيضة لما أنجزنا ، ان كان هناك إنجاز اصلاً ‍‍‍!!

دعـــــوة ،،
يتشرف آل طارق الموصى عليهم بدعوتكم لحضور مهرجان عودة الأندلس ، الذي سيقام في قاعة غرناطة ، متمنين عدم اصطحاب الأطفال منعاً للفوضى وغضب الشيوخ ‍‍‍!!

اعـــــــــلان ،،
حضور المهرجان فرض كفاية ، ولا يسمح للراجلين ، أو أصحاب المركبات القديمة بالمرور من شارع الاستقلال ، وذلك لضرورة انجاح المهرجان ونيل الرضى ‍‍‍!!

خبــــــــر ،،
اكتظاظ فوق العادة في غرف الإنعاش ، وتوجيه رسالة عاجلة الى مجلس الجامعة العربيــة الموقر ، الذي ربمــا يتبرع بـ …. طن واحد فقط من القطن الأبيض دعماً لجراح اهل فلسطين ‍‍‍!!

تهنئـــــــــة ،،
كاتب الطوارئ ، يهنئ وزارة الصحة على الوعد السخي ، ويثمن عالياً اللفتة العربية الكريمة .وفي الوقت نفسه يناشد المسؤولين المخولين بتخزين شحنة القطن للنظر في توظيف اكثر من زميل لمساعدتهم في تسهيل تسجيل المارين الذين يحتاجون لعلاج فوري وعاجل، والاحتفاظ بالكمية المتبقية لضرورات اليوم الاسود القادم ‍‍‍!!

خلاصــــــة ،،
طارق يقرر الخروج الى الشوارع ، ولا أحد يستطيع ان يقيّم النتائج … فهل مأساتنا أننا أصبحنا نتقن فن الانتظار ‍‍‍!!

رحــم الله جدّي عندما قال: ” درهم وقــاية خير من قنطار عــلاج ”

لا تعليقات

حوارية دولة الوهم …. القانون!!

الكاتب محمد جابر , في قسم قانون

علبة فضائح، هذا هو ما يمكن اطلاقة على ما يسمى بقصر العدل، عنوان خطايا القانون الفلسطيني الجديد!!
انعقدت الهيئة، او لم تنعقد، قرارات التعجيز والتهجيج جاهزة في كواليس مبنى قضاء العصابة!!
العنوان، دائما هو امن المواطن، والحرص على حياته، وممنوع عليك الكلام، القاضي وحده صاحب الحق المطلق في انجاز مشهد الخراب!!
يقولون ان المواطن له كرامة، وان القضاة عنوان الامل، وهم مربي اخلاق وحراس عدالة، لكن القرارات الجائرة تمرر عن سبق اصرار، واذا ما تكلمنا، يزداد حنق المربي ويخرج عن طوعه صارخا: شرطة.. شرطة!!

نؤمن ان فلسطين لن تكون مجرد جغرافيا عابرة، انها تجسيد لتاريخ شعب اندمج في جدلية التراب المقدس وثبات يقين البقاء. ولهذا لا يمكن ان تكون مهادنا او حياديا، ينصاع لاوامر الجلادين الذين امتهنوا تجارة الدم، متناسين عن سبق اصرار ان فلسطين ارض مقدسة، ولا يعمر فيها ظالم!!
دول كثيرة نشأت، توسعت وطغت، واخرى غابت تاركة خلفها بقايا عمران وشوارع وفكر عدواني، ربما لا يروى الا من قبيل التندر او المفارقة!!.
وهكذا ظلت فلسطين الارض والتاريخ والانسان والعدالة محط اهتمام العالم باسره.

انه الاختيار، وعلى الاغلب يلزمك ذلك الا تكون حياديا بالمطلق. ولا شك اننا نكتشف حجم الخديعة التي ورطت الفلسطينيين منذ اللقاءات الاولى لمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 م. وما تلاه من تفاهمات واتفاقات ، لم تجلب لشعبنا سوى مزيد من اتنكيل والحصار والاغتيال الموجه للارض والانسان.
ولعل اللافت للنظر ان طبيعة هذه الاتفاقيات بمغالطاتها وبمكوناتها المستترة قد اخضعت الوضع الفلسطيني رهينة في قبضة الاحتلال وسيطرته المطلقة ، بما يعنيه ذلك من اسنباحة قهرية للثقافة والاقتصاد وتغير التوجه ، الذي ادى الى خلخلت العديد من القيم والمعايير المتوارثة.
ومع استمرار هيمنة بعض اصحاب النفوذ على مقاليد الامور ، ادى ذلك الى نشؤ قوى فلسطينية جديدة استثمرت الوضع القائم في خلق وتعزيز استحقاقات معاكسة للتوجه العام نحو الانعتاق والتحرر ، وادى ذلك بصورة فجه الى الاستحواذ على مزيد من الامتيازات حتى لو تطلب الامر غض الطرف عن كثير من الخطايا التي عششتت في وهم الحلم والمكان !!
وحتى نتجاوز ذلك ، ولا نتجنى على تجربتنا ببعديها التاريخي والنضالي ، لا بد من اعادة اللحمة الفلسطينية الى سياقها الطبيعي، وجعل القانون اساساً للمحاسبة والتصويب، بعيدا عن الشعارات والمزايدات التي اساءت لفلسطين وتاريخها النظيف.
اننا نؤمن ان الطحالب الى زوال، وان حبة القمح الميتة تنتج حياة اخرى باخضرار يقيم السنابل، ويعيد علينا مواسم الحصاد.

قال: الحاصر دائما يفسر الماضي، ويجب ان نتصالح مع ذواتنا واحتياجاتنا الانية.
قلت: اوافقك الراي، ولكن الا تعتقد ان كل جيل له تفسيراته ومفاهيمه ورؤيته المختلفة في العلاج وممارسة الفعل.
قال: لا وقت عندي للجدل، كل ما اعرفه انه مطلوب منا ان نكون ” بدلة الزفاف ” لعرس وهمي!!
قلت: كل الدول مجرد وهم، لكن دولتنا العتيدة ما تزال مجرد افتراض مرسوم على جدار هنا وآخر هناك.

طواحين العدالة تتحرك ببطء والقوة هي القوة، ولا وجود لقانون اجوف يلزمك ان تنتظر احتمال اغتيالك او تهديدك من أي كان ، مكتفيا بصرخة … انقذوني!!
القانون الباغي وحده، يسحب منك حق الرد او الدفاع عن نفسك وذويك وعرضك وارضك.

قال: العصابة ستار يختبىء وراءه مجموعة من البشر، الذين يمتلكون اهدافا محددة، وغالب الامر ما تكون ذات طالع ابتزازي يبيح المحظور.
قلت : هل مطلوب منا المساومة على حقوقنا والقبول بتسويات محددة ” مجحفة “.
قال: انا اساسا اعاني من ضيق الوقت، ولا مجال لاهداره اكثر.
قلت: لا تهرب، فالماضي معناه ان الذاكرة ماثلة في الحاضر.

الوضع الطبيعي ان القوي يتغلب على الضعيف، ويفرض شروطه بما يمتلكه من وسائل وقدرات ذاتية.
وفي الغابة ايضا تجري مطاردات وافتراس محسوب وفق انتقاء طبيعي مرسوم، كأنه قدر الكائنات وسر بقائها.
لكن الانسان الذي يمتلك العقل والمنطق، اكتسب حكمته طوال سنوات وسنوات، وهو بالتالي لن يقدم على اية اعمال تنافي ما افترض انه تعلمه مما سبق.

قال: اؤمن ان الوضع الحالي كارثي، وان الحكومات غالبا ما تختار نهج العصابة، بمعنى مصادرة ما تبقى من راحة البشر.
قلت: ولكن لنتذكر ان واقع الانتقام هو غريزة انسانية طبيعية، فاذا ما استنفد الامل بوجود قانون يحمي ويعاقب، فان الامور تنفجر وبصور شتى.
قال: صاحب السلطة في بلادنا هو البرلمان، بمعنى اننا تجاوزنا الخضوع لصاحب السلطة المطلقة، الذي يخضع له الجميع بينما هو لا يخضع لاي احد.
قلت: لا تلعب في توريط الكلمات، فهل تقصد فعلا ان الشعب سيد نفسه؟!.

فلسطينيا.. نؤمن ان لا وجود لدولة من دون اكتمال او اتحاد لعناصر التشكيل الاساسية” الارض، الشعب، الحكومة، السيادة “.
احيانا في مراحل التحول تختلط الامور، ويحصل التنافس على سلطة وهمية، بينما كامل اراضي الدولة العتيدة، ما تزال خاضعة للاحتلال، وهي اسيرة مخططات وبرامج تفرض على الشعب، وتمنع في الوقت نفسه اية تطبيقات وطنية، بمعنى ان الحكومة الفلسطينية، سواء اكانت الحكومة المقالة او حكومة تسيير الاعمال، قررتا بسط سيادة الفانون وتفعيله، بالرغم ان مكون ” الارض” لم يحسم بعد!!.

قال: دعنا نتفق ان حالة الحرب مع دولة الاحتلال ” اسرائيل ” لم تنته بعد، وان معاهدة السلام الموعودة لم تتوج حتى اللحظة بسيادة حقيقية على الارض.
قلت: اعتقد ان ثمة حاجة فلسطينية الى الانتظار ورؤية ما ستقرره القيادة السياسية، فيما يخص انقسامنا الموزع على شرعيتين، كلاهما تنافر الاخرى، وفي اوقات معيتة تناسى البعض ان العدو واحد، واننا لم نصل الهدف.
قال: لا تستغرب ان الانقسام حصل في بلادنا ، انظر الى الصين مثلا التي انقسمت الى جمهورية الصين من جانب، والى جزيرة تايوان من جانب آخر.. فلماذا لا تكون لدينا حكومة مركزية يرتبط بها حكومتان اقليميتان واحدة لاقليم غزة واخرى لاقليم الضفة الغربية.
قلت: انت تعيد حديثك عن دولة الوهم، الفاتيكان هو الآخر دولة، لان له حكومة ـ الكرسي الرسولي ـ البابا، ولان له استقلالية واضحة، رغم حقيقة ان له مساحة صغيرة، لا تتجاوز بضع مئات من الدونمات داخل روما.

هذه مقدمات وان افرزت تشكيل اكثر من حكومة فلسطيتية تناوبت على ادعاء ترتيب البيت الداخلي ووضع اسس ضرورية اقتضت جمع القولنين وتنظيمها في سياق التشريع والتأسيس لكيان جديد واعد باحترام القانون والالتزام بقواعده القضائية المنظمة.
اللافت للنظر ان عش الدبابير انفلت عقاله، وانفتح الباب على مصراعيه امام المصالح الخاصة لذوي النفوذ، بمعنى انهم مارسوا الضغوظ والتأثير خدمة لهذا الطرف او ذاك!!.

قال: انت تنكر حق البشر في تنظيم شؤونهم، واننا يجب ان نتنازل عن بعض حقوقنا تبعا لقيود يفرضها القانون من اجل خلق نظام اجتماعي محدد.
قلت: انا لا انادي بالحرية الفردية المطلقة، واقدر قرار سقراط الفيلسوف، الذي احترم قانون اثينا وانصاع لحكم جائر، فرض عليه تجرع كأس السم، فرفض ان يسجل عليه انه تمرد على القانون، رافضا اغراء الهروب الذي وفره له محبيه!!
قال: ان أي قرار تصدره المحاكم يجب ان يكون مشمولا برؤيا منطقية ذات بعد تثقيفي يمتلك دفعه المستقبلي كقيمة اقناعية.
قلت: هل حقا ان الفلسطينيين سواسية ويمثلون امام قانون واحد!! ولماذا تجرم الضحية ويكافأ الجاني باستقرار اعماله وحياته، وكأن شيئا لم يكن؟!.

الناس عادة يخضعون للقانون، ليس خوفاَ من العقوبة، بل لأسباب التربية والثقافة والعادة. ولكن عندما تتشوه الصورة يختلط الحابل بالنابل ويصير التجاوز قانوناَ سارياَ
انه رد فعل طبيعي يؤسسه المجتمع الحي، الذي يراقب ويحاسب، وبمقدار ما يكون المجتمع مستعداَ للصمت او الأحتجاج ازاء مخالفات القانون من أهل القانون، فإن رهبة الشرطة والسجن نادراَ ما تفرض نفسها.

قال : يجب ان يتيقظ صاحب السلطة، ان هناك توازنا أجتماعيا مطلوباَ الأنتباه اليه، خاصة عند أرتكاب جريمة خطيرة، ولا بد من إعادة الراحه للمجتمع من خلال اعادة التوازن الى نصابه، وليس العكس!!
قلت : لقد ثبت بالدليل القاطع ان الوطن ليس للجميع، وأن الحقوق هي مسألة مزاجيه تُفصل وفق أعتبار المصلحة الجوفاء التي يحددها قراصنة النفوذ والمراكز.
قال : لاتكن متجنياَ، أننا كأي مجتمع يريد ان يترك بصماته، ولا بد من ان نبني قواعد سلوكيه ملزمه تحكم بين الناس بالعدل.
قلت : أرجوك ، لاتخلط الأمور. انه أهون على المجتمع ان يهرب الجناة من العدالة، لا أن تشترك الحكومة او من يمثلها في دور الباحث عن مخارج، قد تصل الى حد تزوير الوقائع أو تلفيق معطيات وأدلة وهمية تغرم الضحايا!!

من حق الفلسطينين ان يطمحوا في تأسيس مجتمع “يوتوبي” مثالي. لكن الواقع الحالي بكل تعقيداته أثبت أننا ما نزال بعيدين من الحد الادنى من المعقول.
المطلوب إذن تفعيل دور الرقيب المحايد، ووضع كوابح محدده وواضحة تمنع سيل الأنحرافات التي برزت خلال الفترة الماضية.
اننا نحزن لأجل اية هفوة يمارسها المؤتمنون والمفوضون عنا لاجل الدفاع عن حقوق البشر.

قال : تذكر يا صديقي ان القضاء يمنع احياناَ ما تمنعه الاخلاق “قضايا القتل، والعمالة ….الخ” وفي احيان اخرى يجيز ما تمنعه الاخلاق.
قلت : اعرف ذلك، لكن ليس كل ما هو قانوني هو عادل واخلاقي، ولذلك فإن تأييد القانون لا يمكن ان يكون أعمى باي حال من الاحوال.
قال : هذا صحيح، وهو بطبيعة الحال يعتمد على مضمون القانون وسلطة القانون، وبالتالي يجب النضال من أجل الغاء أي قانون يعتبر غير عادل وغير اخلاقي.
قلت : ان كثرة القوانين الجيده، والمباني العملاقة المدججة بالبشر والاثاث، ربما لا تقدم برهاناَ على سيادة القانون واحترامه.

يقول ارسطوا : انه مثلما تشتعل النار في كل مكان..في اليونان كما في فارس، كذلك هناك امور اخرى عادلة من الطبيعة في كل مكان، لكن ثمة امور عادله ليست من الطبيعة، بل هي ثمرة الفكر البشري، وهي تتغير من مكان الى اخر.
لكن شيوع حالة الفلتان في بلادنا، وغياب سلطة القانون، أدى الى نتاج تدميري إنعكس في وجدان المجتمع. والمؤسف اكثر ان القاضي أو الشرطي او ممثل النيابة، تنازلوا عن دورهم التربوي، والتعبوي وتقمص البعض منهم دور المموه االذي يغلب عليه منهج عدواني معاكس لارادة المجتمع.

قال : هذا كلام خطير، تذكر ان الجاني بفترض دائماَ ان الشرطة لن تلقي القبض عليه . فلو كان يخاف عاقبة فعلته ما كان ليقدم على فعلته حتماَ.
قلت : ان العقاب الحقيقي ليس ما يصدره القاضي فحسب، انما أيضا هي وصمة العار التي يصبغها المجتمع على الجاني والمخالف.
قال : ان مهمة القضاء هي ايجاد اجوبة شافية لاسئلة ملحة ولحاجات طارئة، بمعنى انه يهدف الى حل اشكاليات معاشة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، واية قضايا اخرى مستجدة.
قلت : ولكن .. الا تعتقد أن هذه العملية تحتاج الى ضوابط وكوابح ومعايير تضبط السلوك، وتحاسب المقصر.

فلسطينياَ، وبعد متابعات عديدة اظهرت محاكم فلسطين اليوم اخفاقات ملموسة، تستدعي اجراء حوار مستفيض مع المشرع “البرلمان” الذي تعاقد اساساَ مع منتخبيه، ليكفل حقوقهم وامانهم المطلوب.
لكن هيئة المحكمة، وفي قضايا كثيرة تبنت فكرة تحررت بموجبها من أي التزام حقيقي بروحية القاعدة القضائية التي تطبق في الاساس من قبل هذا القاضي او ذاك على المنتخبين المنادين بسيادة القانون وفصله.
ان هذه العملية المشوهة، قادت الى انتاج قضاة قادرين على فعل كل شيء حتى تجاوز روح القانون عمداَ، مما الغى دور المشرّع ووضع المنتخب في سراب ووهم “دولة الظلم ساعة”!!

قال : يجب ان يتذكر القاضي ان الاخلاق هي الخيوط الدقيقة والمادة اللاصقة التي تحفظ نسيج المجتمع.
قلت : اعتقد ان ثقافة المجتمع حاسمة فيما يخص تصويب الاوضاع، أو لا سمح الله “زيادة الطين بله” فاذا ما وصلنا الى نتيجة ان المجتمع يرى بان خرق القوانين وتجاوزها اصبح قاعدة، عندئذ لا وجود للمعيار القضائي.

قال : اوافقك الرأي، فالقضاء يحدد كيف ينبغي التصرف وبالتالي فهو يحدد وضعاَ ينبغي ان يكون كذا وكذا، لكنه لا يصف وضعاَ قائماَ ولا يصف سلوكاَ معيناَ.
قلت : ان القانون الذي يقهر الناس هو قانون عقيم وسيزول، لان القضاء وجد لخدمة المجتمع وانصافه، وبالتالي فان العملية القضائية تحتاج الى تعزيز وتغذية ومراقبه تضمن التجدد والملاءمة لسد الحاجات المجتمعية الملحة.

انه السؤال المهم حول من يملك الصلاحية ومن لا يملك، هل هو القاضي، ام ممثل النيابة؟!
يقولون ان الطريقة القضائية، هي ما يمكن توريثها للاجيال القادمة، وهي بمثابة هوية لشعب ما، انتجتها الثقافة والعادات واللغة.
الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعارك طواحين المغالطة الاستعمارية، اثبت انه لا يقبل الظلم ولن يتنازل عن روحه المقاومة. كان الأفتراض ان استقرار المجتمع يقتضي ايجاد حالة انسجام ما بين القضاء والاحلاق، وان يكون الاعتبار الحاسم هو لفرض القانون والنظام، وليس تغلغل نهج العصابة في مراكز الشرطة ودوائر الاجراء والتنفيذ واعتماد ما يصدر زوراَ عن تلك المحاكم التي أقل ما يقال فيها.. آنها صوريه!!.

قال : الا تعتقد ان تحقيق العدالة في بلادنا سوف يلعب دوراَ هاماَ في سيادة القانون واحترامه.
قلت : أحمق من يريد عكس ذلك، ولكن السؤال.. لماذا يتنازل بعض القضاة عن دورهم المهني والتربوي والتثقيفي في كثير من القضايا.
قال : تذكر ان العدالة هي نقاء، وحكمة، وابداع يمارسه القاضي لاجل تحقيق توازن مقبول على الثقافة المجتمعية، وهو ضرورة لأستقرار المجتمع.
قلت : هذا كلام جميل، ولكن عندما تبرز ثغرة معينة في اية اشكالية، يجب اللجوء الى العادة أو العرف او السابقه، التي تم البث فيها في قضايا مشابهة، وهي خارج النص القانوني المتداول.

المجتمع، الثقافة الدارجة، النضال ضد الظلم بكل اشكاله والوانه. كلها مجتمعة تنتج مفاهيم وأسساَ يشتق منها معايير وقواعد تعكس طريقة هذا المجتمع أو ذاك في معالجة الامور.
وهذا عكس التحايل او تهميش القاعدة القضائية، فالخلل محدود هنا في هيئة هذه المحكمة أو تلك وليس لدى الجمهور!!
الافتراض ان القاعدة القضائية تقيد السلوك الانساني وفق تحديدات معينه نفرض على الشخص أو الهيئة كيفية التصرف الواجب اتباعه، وتحديد القصاص اللازم.

قال : هل تريد ان تفصل قضاءَ على طريقتك الخاصة، ام ان الظلم الذي طالك في خصوصية ما، يدفعك الى كل هذا التشاؤم.
قلت : قطعاَ لا، القضاء نص مكتوب بكلمات محددة وتعريفات واضحة لا اختلاف فيها، وهو عرف يعتمد عاداتنا وتقاليدنا المتوارثة.
قال : لا خلاف بيننا ، لكن تنفيذ عقوبة ما يحتاج الى وجود مخالف، او جانٍ، او جناة سبق والقي القبض عليهم، يبقى ان تقتنع هيئة المحكمة بثبوت المخالفة أو الجنايه.
قلت : لماذا يفلت الجناة الخطرون من العقوبة على الأغلب. ولماذا لا يتم في نفس هيئة المحكمة حتى المساواة بين الضحية والجاني؟!

السؤال اذن موجه للمشرع الفلسطيني، لماذا هناك حصانة مطلقة تمنح للمتورطين في تطبيق القانون بصورة معاكسة!!
انه الواجب فرض علينا ان نمتثل لقانون كنا نعتقد وبايمان ان الحق يخولنا بالدفاع عن تلك القيم الغالية التي تربينا عليها، لا ان تصبح بين عشية وضحاها عرضة لنهج قراصنة الفلتان الذي افقدنا امننا وكرامتنا، وما زال فينا بقية امل، ان الامور بخواتيمها.

قال : يجب ان نميز بين الفعل والقصد والتقصير، احياناَ يكون القصد فعل شيء محدداَ، بينما النتيجة تكون شيئاَ مغايراَ.
قلت : هل تقصد ان كل مشاهداتنا في اكثر من هيئة محكمة انعقدت، هي مجرد سوء طالع، وان اغلب الجناة في فلسطين الجديدة يخرجون من سجنهم بعد وقت يسير، وقد تورط بعضهم بجريمة اضافية!!
قال : ثق تماماَ إن أي خرق يمس القاعدة القضائية، سيكون مكشوفا امام الرأي العام، ولن يدوم الصمت .
قلت : كان الافتراض في حالات الطواريء ان يطبق القانون بحذافيره، ومن دون تدخلات فرضتها مراكز النفوذ من هنا و هناك!!

الوقائع على الارض ما تزال تسجل حلقات غير مشوقة عن تدمير ممنهج للمؤسسة والانسان. وكأن قدر الشعب ان يغيب باستمرار.
هنا بالذات ومع بداية التحول برز التحدي في اعادة صياغة وطن انهكته وصايات وافعال اصحاب المراكز والنفوذ. وكما كان الشعب طوال مراحل الثورة والأنتفاضات المشهودة. هو صاحب الكلمة الفصل في تسديد” فاتورة” الدم، اصبح اليوم اسير حيرة التحول والاخفاق في اطلاق بداية ثورة اجتماعية تعيد السكة الى مسارها الحقيقي، على طريق بناء دولة القانون والمؤسسات،
ان الخطورة القائمة اليوم، تكمن في تحدي اعادة انتاج الشخصية الفلسطينية وفق متطلبات ثقافه جديده، أو غريبه، لا تتورع عن تحطيم رموز الذاكرة الوطنية.
المشهد الاخير لم يكن مقصوراَ على سجالات الزير سالم، ولا يوميات ابن المهلهل، وإن يتسع العرض لأكثر من تغريبه وسجال النصق برؤى الاطفال الفلسطينين، الذين كبروا وهم يقحمون في مشاهد دموية واقعية، لم يخترعوها من وحي موروثهم الأسطوري أو التاريخي، انما عاشوا وقائع الاغتيال والتهجير والملاحقة.
المخيلة اذن، إختزنت المعاناه ودونتها بامانة، وبفعل المقاومة تحدى الفلسطينيون الظلم الممنهج الذي مارسته مؤسسة الاحتلال الاستيطاني على فلسطين بكامل تفاصيلها وكما كانت الشعوب عبر التاريخ هي صاحبة الفعل الاول والأخير، فاننا نعلن باسم الشعب العربي الفلسطيني، اننا ضد الظلم بكافة اشكاله وممارساته مهما توغل “النفعيين” في تمييع واستنزاف حقوقنا.

واختم هذه الحوارية بما قاله امل دنقل حول مقتل كُليب:

لا تصالح على الدم .. حتى بدم !
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأس
اكل الرؤوس سواء ؟!
اقلب الغريب كقلب أخيك؟!
اعيناه عينا اخيك ؟!
وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لكَ
بيدٍ سيفها اثكلك ؟
ms.jaber@yahoo.com

تعليق واحد

حول المشهد الثقافي الفلسطيني

الكاتب محمد جابر , في قسم ثقافة

الصياد العاثر يطلق رصاصته، عله يعود بصيد ثمين، لكنه ولسوء الطالع يصيب انسانا بريئا تواجد مصادفة في المكان والزمان الخطأ.
ايها المثقفون ” الرسميون ” ارحموا مشهدنا، فقد يكون القصد فعل شيىء محدد، بينما النتيجة تكون مغايرة!!.

اصطلح ان ” الجفس ” من بني البشر، هو اللئيم عن ضعف ونذالة، وان التقزز حالة انسانية يمكن اعتبارها رقيا نوعيا في ازمان طغيان الانحطاط بكل اشكاله والوانه، وايضا ازلامه الجاهزين عند الطلب، وفي كل وقت!!
انه لمن الموجع ان يقزم مشهدنا الثقافي، وان تتوج هذه المرحلة البائسة من تجربتنا باشباه المثقفين، الذين نصبوا من انفسهم شهاد زور مأجورين، فاصبحوا يرسمون للوردة شكلا مشوها، ويلوثون عبيرها بمسميات ونعوت تظل قاصرة عن النيل من جمالها البهي الندي.
ان اختلافنا مع البعض لا ينفي احترامنا وتقديرنا لدورهم وتاريخهم الذي دونوه بالافعال وليس الاقوال، فالاختلاف لا يفسد للود قضية، هكذا تعلمنا وتربينا ان ندافع عن حضورنا في زمن هجاج الاقزام وغرورهم!!
ومع هذا، فاذا ما قدر للبعض ان يملك الصوت والمنبر في هذا الزمن المعاكس، الواجب يقتضي ان يكون امينا، وصادقا، وليس مشروعا للبيع بابخس الاثمان!!
ان امثال هولاْ النكرات، الذين تسللوا الى المنصة وتماشوا مع لغة السوق، حتى وان تجملوا بلبلاب تسلق تاريخ البشر، فان ذلك لا يعطيهم الحق في تزوير وقائع الامور، وان يرتعدوا من مجرد ذكر الحقائق بمسمياتها.
لهم ما يشاؤون فيما يخص نهجهم ” النكروي ” من نكرة، فليمدحوا كما يحلوا لهم، ويبجلوا كما تمليه عليهم ادوارهم المريضة، لكننا لا نسمح لهم ان يتجاوزوا اسماءنا الواضحة، ومبادراتنا الصادقة باننا نؤمن بان الشمس ستشرق من جديد رغم هذا الظلام الدامس.
لقد تعلمنا، وسيتعلم الجيل القادم، ان لا وجود لوصفة طبية واحدة تنفع لعلاج كل الامراض، لكن الطبيب الناجح واجبه ان يلائم الدواء المناسب لوضع المريض وحالته المستجدة.
اننا امام حالة قائمة لها عوارضها واحتياحاتها الآنية، فالتشوه الذي استنزف المشهد الثقافي الفلسطيني، لم يتوقف على الجمع السالب بين العمل الرسمي والاهلي، انما تشابكت الادوار في احكام القرصنة وتعزيزها بلعنة المصالح و ” اللوبيات “، وصولا الى كم الافواه في زمن انتشار الكلمة وانفلات ” عقالها “.
كان الافتراض، اننا نؤسس لحالة عربية جديدة، لكن الاسوأ هو ما قد حصل، المثقف هو الذي تورط هذه المرة، وانصاع لمشيئة البرنامج النقيض، عله يقتنص حصته من هذه ” الكعكة ” الحرام، التي اسمها فلسطين الجديدة!!
سيدي المواطن .. لا نريد ان نقحمك في فلسفات ونظريات الاحقاب الماضية، فيما يخص النوع الانقى والاقوى والاصلح… ولمن الغلبة؟!.
الوضع الطبيعي، ان لا ندخل في منطق فرض الشروط، وتصادمات القوى. فليس غريبا ان تكون الغابة حلبة مفتوحة لحراك افتراسي، تنتقي فيه الوحوش فرائسها وفق ترتيب خاص، يسمح للقوي صاحب النفوذ سيطرة مطلقة على الضعيف الاعزل.
اننا لا نقصد امتلاك الاسلحة بتنوعاتها ولا البوارج ذات الابراج العالية، فهي فلسطين ما تزال خاضعة من النهر الى البحر لسيطرة وجبروت مغتصب عنيد.
سيدي المواطن.. ان حديثنا اليوم عن انفسنا، وهذا الغرور الذي اصبحنا نخاطب فيه ذواتنا الموزعة على القاب السيادة من دون اكتمال، لا يبيح لنا ان نستغل مساحة الحلم الباقية فيما تبقى فينا من حشرحات او انفاس تحتاج الى حيز انعاش!!
سيدي المواطن.. النهر جميل، وقوي ، وبهي، وهو تشكيل طبيعي، يعاكس فلسفة الغابة، ويشبه الى حد بعيد اصرار البشر، فهو ينساب بقوة تياره العارم، يتحرك بصخب، ويفيض زبدا، يمضي بقوة جذب خاصة، اختزنتها تضاريس المكان، لتصبغ عليه جلال الطبيعة وقانونها الحاسم.
هذه فلسطين، اللوحة الطاغية بحضور الفكر واستثمار الالوان، في خطوط واضحة تمتلك شفافيتها وانسجامها النقي مع حكمة وابداع المؤمنين الباحثين عن توازن مقبول، يعيد للنهر بهاء فلسفته وروعتها.
سيدي المواطن.. كنا نؤمن ان المنابر الاعلامية والصحفية في فلسطين الجديدة، لن تحرم علينا حتى مجرد حق الرد، على اناس امتهنوا صيغة الاستزلام والارتماء في احضان القراصنة.
انه زمن الانحطاط، اباح العواء، والنباح، والتطبيل لفيل الملك وطيشه، وكم كنا نتوق ان نكون صيغة جديدة تبشر بميلاد عربي جديد.
لكن حكمة النهر تظل راسخة في وجدان الجيل مهما استفحل الظلام، وتبقى ارادة المجددين دافقة بالفعل والنشاط .

لا تعليقات

حول المستقبل السياسي الفلسطيني

الكاتب محمد جابر , في قسم سياسة

حين يقطع الجميع الشارة الضوئية المانعة، وشرطي المرور يكون في الطليعة، لا احد مخالف!!
وحين ينطلق السلام الوطني، والكل يظل جالسا في مكانه لا يحرك ساكنا، خاصة اولئك الجالسين على منصة الشرف، فان ذلك يعكس حالة مرضية تحتاج لجلسات علاج فوري.

بعيدا عن جلد الذات أو الإحساس بهامشيتها، وصولا إلى الشعور بالعجز أو الضياع، فان ذلك لا يبرر لنا أن ننساق وراء طموحات عالية السقف من دون نظرة فاحصة لإمكاناتنا وقدراتنا البسيطة جدا، خاصة أمام سيل التحديات والتفاصيل الكثيرة التي ما يزال الآخر المعادي يقحمنا فيها وفق آلية شائكة تهدف أساسا إلى إجهاض مشروعنا الوطني الكبير، مشروع الهوية الفلسطينية المستقلة في سياق كيان واضح التضاريس.
فهل سنظل نردد شعارات الوحدة او الإصلاح من دون مضمون ، أم انه آن الأوان لنثبت للقاصي والداني أننا على قدر عال من المسؤولية ؟ !
لا شك أننا بحاجة إلى بلورة آلية إعلامية ثقافية تربوية تعيد بناء الفرد وازدهاره، وتضمن إعادة إنتاج شخصية جديدة تستوعب بنظرتها التكاملية تلك الرؤية المفقودة، التي غابت عن مجالنا عندما أغفلنا إحداثيات فلسطينية وعربية وإنسانية وعصرية أصيلة في صراعنا مع هذا الكيان الاستيطاني الاحلالي.
ففي الحالة الفلسطينية ومع غياب السيطرة على الارض، فلا وجود لدولة في الأساس تستطيع ان ترعى مقومات القانون العام المفترض، الذي ينظم العلاقة بين مكونات المعادلة الدارجة في الدولة الحديثة ، لكن منطق الاختزال وحالة القصور الذاتي في برنامج التسوية الذي فرض على الساحة العربية في أعقاب حرب الخليج عام 1991م، تداعى اليوم في إفراز حالة فلسطينية هجينه يتحكم فيها اكثر من لاعب أخطره هذا الاحتلال الطاغي بكامل جبروته وترسانته الحربية يعيث دمارا وخرابا وقتلا منهجيا غير مسبوق في منطق اللعبة الدولية ،وكأن المقدمات التي أفرزت الكيانية الفلسطينية المشوهة الحالية وما تعانيه من حالة قلقة، هي نفسها التي تنقض عليها اليوم لابتزاز المزيد من التنازلات الاستراتيجية التي ستمنع بالضرورة أي نشوء حقيقي لدولة قوية تؤسس للحريات، وتكون قادرة على ضبط العلاقات الداخلية بين المواطنين وفق معادلة متوازنة تتوج مشوار النضال الفلسطيني بحضور شعبي يعتز بانتمائه .
وهنا لا نستطيع ان ندعي انه توجد لدينا دولة قانون ، وبالتالي لا يمكن الحديث عن هذه الدولة، خاصة أننا كفلسطينيين لم ننجز بعد حالة الدولة العتيدة، وبقينا نراوح في نفس المربع الأول ، بل أسوأ منه بكثير ، فالسلطة الوطنية التي تشكلت في ظروف قيصرية دفعت ببعض الفئات إلى استغلال مواقعها لتحقيق طموحات ومطامع شخصية لم تترجم على حساب التراكم الإيجابي العام . ولعل هذا الوضع الجديد لم يواكبه إفراز حقيقي لقوى فكرية وتنظيمية لها رؤيتها المشتركة في تشكيل نواة المستقبل ، وبرزت قوى ما يسمى بالمعارضة عاجزة عن إحداث تغييرات جدية تضع الكابح الفعال في مواجهة الخلل .
أن نقدنا للحالة التي وصلناها لا يعني أننا نحاكم أنفسنا بقدر ما تفرضه علينا تجربتنا من تقدير ملموس لانساننا الذي اصبح مغيبا عن قرارت مصيرية كبيرة ، فالمواطنة والهوية والحقوق والحريات كلها مقومات أساسية لأي تشكيل مفصلي يحظى بشرعيته القانونية والدستورية . ولعل ذلك يفرض حقيقة القانون الواحد والسلطة الواحدة ولا يحتاج ذلك إلا إلى التزام متوازن من كل أطراف المعادلة الحزبية والأهلية والشعبية. وبرز عجزنا الذي أصبحنا نحيله إلى يافطة الآخر متعذرين بتلك الظروف والمعطيات الداخلية التي لا تبرر لنا بأي حال من الأحوال موجة الفلتان الإداري والمالي وانعدام الامان والسلم الاجتماعي .
وهنا فان أصحاب القرار السياسي بشر مثلنا ، يؤثرون ويتأثرون ، يستجيبون لمعطيات معينة ويرفضون أخرى ، فالعبقرية ليست في الرفض أو القبول بقدر ما تكون لاعبا محترفا تمتلك وتستغل كل المعطيات المتوفرة لديك في إنجاز وضع افضل.
لكن المدخلات والفرضيات المعاكسة التي نفذها الآخر بحقنا، جاءت نتاجا لقراءة خاطئة او مبيتة قادت بالضرورة إلى ترويج صورة مغايرة عن توجهات القيادة الفلسطينية السلمية. وبدأت اللعبة على أساس نظرية إسرائيلية ذرائعية جديدة مفادها أن الرئيس الشهيد ياسر عرفات رفض العروض السخية التي قدمت له في كامب ديفيد 2000 م، وانه توجه لخيار الحرب/ الانتفاضة، التي زعموا انه خطط لها كجزء من خطة متكاملة انكشفت في كامب ديفيد وفي فعاليات انتفاضة الأقصى ، وادعى المستوى السياسي الحاكم في ” إسرائيل ” انه بذلك يسعى من خلال تمسكه بحق العودة والتفوق الديمغرافي إلى القضاء على ” إسرائيل ” واقامة فلسطين الكاملة، وبالتالي تم تسويق غياب الشريك الفلسطيني الجاهز لابرام اتفاق سلام حسب المقاس” الاسرائيلي ” .
ولعل احتدام الجدل الذي دار يومها داخل اروقة المستوى السياسي الاسرائيلي يثبت أن كل التقديرات الاستخبارية الحقيقية عام 2000 دلت على أن القيادة الفلسطينية كانت متمسكة بالمسيرة السلمية وحل الدولتين .
إن هذا التزييف المقصود كان يهدف بالأساس إلى توريط القيادة الفلسطينية في مسار أزمة مبرمجة، كأن يتم الإعلان من طرف واحد عن إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة ، أو أن يدخل الفلسطينيون في مواجهة محدودة كما حصل عام 1996م في انتفاضة النفق.
لكن اللافت للنظر، أن انتفاضة اخرى مغايرة اندلعت، وتواصلت بزخم السياق السياسي والاجتماعي المعقد لاسباب الصراع الشائك والطويل مع هذا الكيان الصهيوني، الذي استمر في عدوانه وصلفه من دون أن يتحرك قيد أنملة على صعيد إنهاء الاحتلال البغيض لارضنا المحتلة .
وهنا سقطت مؤامرة اليمين الإسرائيلي الحاكم في ظل حالة الفوضى السياسية التي وصلت في نهاية شوطها إلى هذا الطريق المسدود أمنيا وسياسيا ، ليبرز في حينه الرئيس الشهيد عرفات لاعبا فيصلا حتى في ظل استمرار حصاره . فكل الحديث الذي تبع ذلك عن الخروج أحادي الجانب من قطاع غزة، ما هو إلا استمرار لفرضية تصدير الأزمة بصورة مغايرة، وربما لم يستوعب البعض حقيقة الطعم الذي قادنا لاحقا الى مصيدة غزة ومن يحكمها اليوم اوغدا!!.
الفرضية الفلسطينية التي فعلت في ذلك الوقت، جاءت برد قاطع : بأن المقاطعة برمزها المحاصر في رام الله استطاعت أن تدير قطاع غزة بكفاءة وسلاسة، طبعا قد لا يلغي ذلك بعض المسلكيات الانتهازية التي تطفو بين الحين والاخر.
لكن ( الروموت كنترول ) الفلسطيني ، ومن دون أن يذهب الرئيس الراحل عرفات إلى هناك، اجاب فعلا وقولا، بأننا جادون في إسقاط رهان الآخر على اشتباكنا وتوزعنا، ومع هذا استمر الرهان المعاكس حتى سقطنا في هاوية الدم الفلسطيني المحرم .
ولعلنا اليوم وليس غدا، بحاجة ماسة إلى سلسلة طويلة من الإجراءات المباشرة والفورية في الفصل العاجل والحاسم في كل أوجاع الملفات المعلقة، حول الحوار الجاد وتجاوز اطماع العابثين في أرضنا المنهكة، ونؤكد أن الوقت لم يفت بعد ، فما زال لدينا رصيد أخر يمدنا ببواعث التجديد وليس المغامرة ننجر إليها بأوهام وأضغاث أحلام تلك الزمرة الطحلبية التي تطفلت على تجربتنا ونضالنا ، تنهش في لحمنا لتضيفه رصيدا مدورا في لعنة الكراسي او الحساب الأسود، الذي استغلته مؤسسة القرار الدولي في تبرير صمتها إلى درجة الإقرار بهذا الابتزاز الذي تمارسه” إسرائيل ” بحقنا أرضا وشعبا وأحزابا وقيادة.
إن عملية الإصلاح او الوصول الى الحكم الرشيد، ليست مجرد شعار يروج من هنا أو هناك ، وكأنه قول حق يراد به باطل . فكيف يتم الإصلاح في ظل هذا الممكن المعقد ، الذي لم نحسن استغلاله في وقت الفورة الأولى التي هيأتها اللعبة السياسية نفسها ، لنكتشف هول الاسقاطات التي منينا بها ، خاصة أنها جمعت بين المركز ونقيض إنجازه المأمول ، فصرنا نسمع بالشر ونعيشه في صورة السمسار الذي أستمرأ الحديث عن الفضيلة وحب الوطن ……. وصولا إلى حبة الدواء الفاسدة وكيس الطحين الذي أعيد تغليفه وفق المواصفات التي تؤشر إلى صلاحية استخدامه الآدمي .
والقائمة طويلة، تمتد وتستشري مع هذا الجدار العنصري الذي انهال على ما تبقى من أرضنا نهبا وتمزيقا، لنكتشف تفاصيل فساد أخرى يدورها هذا أو ذاك في حساب رخيص يكشف أصباغهم الفاقعة في صور قبيحة كنا لا نتوقعها بهذه القسوة ، ومع هذا لم يفت الوقت بعد، فدرس إدارة غزة الحالي او القادم الذي نتمناه موحدا، ربما سيسهل علينا ان نتصور امكانبة إطلالة كيان سياسي فلسطيني، قادر على تغيير اللعبة وفرضها في سياقها الدولي المفترض على طريق إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة وعاصمتها القدس الشريف.

mailto:ms.jaber@yahoo.com

لا تعليقات

مفارقات بانتظار الحسم… وعدالة على المقاس!!

الكاتب محمد جابر , في قسم عدالة

يقولون ان العدل اساس الملك، وان الثمرة تقطف من الشجرة العفية، ولذالك فان القضاء الطبيعي مشتق من طبيعة الاشياء، باعتبار ان الانسان ذا عقل ويفكر، وهو صاحب رؤيا ويستطيع محاكاة الطبيعة، التي اظهرت تحدي ان القوي ينتصر على الضعبف، لكن مثل هذه القوة الباغية لا تمتلك شرعية اختلاق حقوق او منحها

قالوا: من الثابت أن ذاكرة المسنين قد تضيع في الأمور الثانوية ولكنها نادرا ما تخطئ في الأساسيات، فالعته ربما اعتبر من آفات الشيخوخة وإهانات الجسد المبتلى، وكما صرّح أحد الحكماء.. بان لا وجود لمسن ينسى اين خبأ كنوزه.
ولأنها لحظة الحقيقة فان الواقعية تظهر أننا لم نحصد سوى أضغاث أحلام، فهي المرحلة القاسية اولتنا ظهرها من دون مبررات سوى واقع الانحدار الذي أسس بعيدا عن معايير النزاهة والجدية وفداحة اثمان الطريق الصعب الذي بذلناه اسوة بغيرنا من بني البشر الذين ابتلوا بشؤون مشاوير فيل الملك وما يرافقها من تدمير وخراب وضياع حقوق.
رقصنا للملك الموعود وحاشيته، وصفقنا بأفواه مفتونة برائحة المطر النافذة لنكتشف أننا برعنا في تشييد هياكل وحظائر جديدة تستوعب احلام الفيل وطيشه في زمن انكسار النخيل ورحيل الحدائق على حواف اسوار عاتية تعاند طقوس الطبيعة ومواسم هبوب الريح في قهر العباد وتضييع حقوقهم.
كان الامتحان قاسيا لدرجة ان القراصنة وأشياعهم حصروا جل فكرهم بهموم الفيل واوجاعه ووحدته وهيجانه، وتناسوا بخنوع الجشع وشرهه، باننا بشر مثلهم لنا أحلاما وآمالا أخرى شرعية لا تتجاوز مفهوم الامان وحق الحياة الكريمة، فانزلقوا في متاهات دم القبائل يوزعون طيشهم وهجاجهم المسحوب على الوان العمائم واصحاب الطرائق، ينصبون لنا الشباك المفخخة بلعنة الطعم اللذيذ!!
لم تكن الغيبوبة طويلة، ولا هي أحلامنا تجاوزت السقف المتاح، لكن الفاجعة كانت اكبر من أن نستوعب طقوسها العبثية، وما رافقها من خراب تداعى بفعل السمسرة وسوء التدبير.
وسقطت بقايا البلاد تحت رحمة ملوك الابتزاز كل في موقعه الذي تمترس فيه مقاولا او معربدا او (بورصجيا) من بورصة، وكأن كل شيء اخضع لنهج المساومة واختيار الأقل سوءا في مشهد حزين اكتشفنا فيه لهاث المهرولين الى خارج الحدود يوزعون حسراتنا واخفاقاتنا في ادعاءات لا يبررها سوق الشطار ولا كل حذلقات المارقين في قنوات الفحش وفضائيات العابثين المأجورين.
وبكينا كما نهايات ملوك الطوائف في اندلس جديدة أو مفقودة الا من خيالات شكلناها في وعينا المشوش، ولا نخجل عن ترديد تلك الاسطوانة الموجعة من مقولة تلك الام الحكيمة عندما قالت:
ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال
فهل ينفع البكاء ؟
كان الامس القريب والبعيد حافلا بمزاليق المؤامرة وعبث المأجورين، ومع هذا ظل الجسد الفلسطيني يحتفظ بروحه وبريق شبابه المدعوم بثوابت وحدة الدم والمصير.
إن هذا السيل الجارف من قاموس التضليل والتكفير والتخوين لن يحسم مصير شعب تعمدت طريقه بتلك الدماء الطاهرة الزكية، ولن ينتصر الظلام على وهج الشمس مهما كانت الأصباغ داكنة.
الوطن للجميع ولكل الأطياف، شعار استهلك لدرجة أننا أصبحنا نتقزز من كوننا مختارين او مجبرين ان نعيش أهوال العبث وخيالات الشياطين المتمترسة في مؤسسات مفصلية غابت عن مشهد الهوية المفترضة لوطن افترض انه سيكون منزها عن دهاليز الرشوة والدسائس وجيوب الشياطين المثقلة بأثمان الدم واستفحال الجريمة بجرائم ابشع تجمل الجاني ليصير هو الضحية!!
وتنفتح أبواب جهنم على تفاصيل أخرى تغيب الأساسي من القضايا، فتجلد الضحية باسم قانون مغاير اختلط فيه الحابل بالنابل، وكأنها قريش لم تفقد بلاغتها في صناعة اله التمر فقط، بل في سقوط قدسيته لحظة الجوع او العصيان، فأكلوه!!
انها فلسطين الجديدة التي لم نتخيلها بهذه الصورة المتشظية على مشهد الانكسار والعبث المجنون بواقع الظلم الذي سقط فوق رؤوسنا من هول ما يقترفه تجار الدم من خطايا، فيصير الجاني مجرد ضحية والعكس صحيح!!
الله اكبر…صوت يرتفع هنا وهناك ليس من قبيل الترف او الإنشاء او الضعف، فهو قرار الفقراء انهم ممن سددوا بشرف فواتير المواطنة، ولا بأس انهم حلموا بيوم قادم ومن حقهم على رأس الشرعية الفلسطينية ان تنصفهم في ظل استمرار واقع الظلم الذي لن ينال من قضاياهم الحقوقية طالما ظل فيهم عرق ينبض.
السيد المواطن:
نحن لا نتحدث عن قضايا او تفاصيل هامشية، فهو قانون المواطنة يلزمنا ان ندافع عن كرامتنا، لا ان نجلد بإرادة طغاة استولوا على مؤسساتنا، لتصير العدالة حسب المقاس، ووفق تسعيرة الدفع الحرام الذي يقلب الباطل الى حق والحق الى باطل. فهل يفترض بصاحب الحق ان يشتريه؟
إننا نتحدث عن قضايا لها ملفات وأرقام وحقائق ووقائع تزوير يتم تجفيفها او تكليسها في دهاليز البشاعة والثياب الجميلة المارقة على جوهر مبنى قصر العدل الذي لا نتمنى ان يبتلعه بالوع ارضنا الطاهرة.
إننا بانتظار تصويبات جادة وتوجيهات لمن يلزم حتى لا ندخل في مزاد الرأي العام وعبث تجار الدم وإيهام المواطن ان مسرحية الابتزاز “القانون” تستمر!!.
انتباه:
إلى كل المهتمين بشؤون العدالة وحقوق المواطن حول التجاوزات الخطيرة في قضايا واضحة فيما يخص جرائم القتل، وكيف يخلى سبيل القاتل ويسجن أهل الضحية.. ويتم ابتزازهم بسيل من القضايا الجانبية الأخرى!!

mailto:ms.jaber@yahoo.com

لا تعليقات

نحتاج الى ابداع ذاتي في اقتصاديات الاسرة

الكاتب محمد جابر , في قسم اقتصاد

كيف يساعد الفلسطينيون أنفسهم؟

تمتلك الاسرة الفلسطينية طاقة خلاقة تؤهلها على تجاوز مصاعب الحياة وتكافل جميع افرادها في مواجهة التحدي القاسي الذي افرزه الاحتلال الاسرائيلي البغيض للاراضي الفلسطينية، وما يتبعه من غياب قسري لرب الاسرة ودوره المفترض في الرعاية والحماية، فالاسرة ليس المطلوب منها رعاية افرادها ووحدتهم فحسب بل تأمين المتطلبات الاساسية من مأكل ومشرب ومسكن وملبس وعلاج.
في فلسطين اليوم موجة غلاء فاحش وحراك استثنائي، ربما سيعيد خلط الاوراق على اكثر من صعيد، ولعل مقدمات التغيير لم تكن وليدة اللحظة، فقد طرأ التغير فعلا وممارسة ونسوق هنا مثالا على النظرة السلبية المتوارثة للمرأة، وقد برزت تمارس تحدياتها في قيادة الاسرة وتأمين متطلباتها، خاصة عندما كان يغيب الزوج والاب والابن البكر، اما اسيرا او شهيدا او جريحا، او ما يزال يخضع لجلسات التأهيل، ولكنه ربما حرم والى حين من دوره الطبيعي.
الحديث لا يتناول شريحة بسيطة، ومؤتمرات الفقر او البحث عن حلول رشيدة لمكافحة البطالة واعادة التشغيل، استمر انعقادها الدوري من دون طائل. ولا غرابة ان بذخا ملحوظا غطى اجواء تلك الصالونات ” الكرنفالية “التي اتخمت بالوجبات الدسمة والمطبوعات المنمقة التي تتناول فقرنا القبيح في كل عام!!
اللافت للنظر اننا سنبتعد عن هذا المتغير الطارىء اعلاه،ونصدح بالبشارة للمرأة العربية ان اختها الفلسطينية تجاوزت اوجاع النظرة الجاهلية الاولى ، واصبحت المولودة التي عادة ما تأخذ لقب “عروس” تنتزع حيزها في الفرحة واحتقال ذويها بالمناسبة السارة المتجددة، في الدراسة والعمل والقيادة.
ان هذا الواقع الايجابي لا يعني بالمطلق ان المرأة الفلسطينية حظيت بالاهتمام المطلوب لتتلقى التعليم المناسب والرعاية الصحية الكافية، فهي ما تزال تتعرض لضغوط مضاعفة.
مطلوب منها مشاركة تزيد عن نصف الجهد في الاعمال الزراعية ومعظم الاعمال المنزلية.
وهي ملزمة بالتعاطي مع كامل الاشكاليات الاسرية الناتجة عن غياب رب الاسرة اوحتى حضوره في ظل واقع الازمة الشاملة التي تعاني من تبعاتها الاراضي المحتلة. ان اتساع الحجم الاسري وارتفاع عدد افراد الاسرة قد جسد تحديا مضاعفا يشير الى ان مفتاح الحل الحقيقي لتجاوز الازمة يقع على كاهل المرأة الحاضرة في وجدان كل فلسطيني يؤمن بالمستقبل وتحدي التنمية.
وعلى الرغم من انتشار الاطر والجمعيات والهيئات النسائية في الاراضي المحتلة، الا انها ما تزال في بداية الشوط، فالمؤسسة الفلسطينية الناشئة جراء اتفاقيات ما بعد اوسلو ظلت تعاني من القيود والتفاصيل الكثيرة التي فرضها الآخر محققا استمرارية سيطرته القهرية على المعابر والحدود والحركة الداخلية، مما يعني ربطا سياسيا واقتصاديا تعسفيا يستمر حتى اللحظة.
وهكذا فان أي تفكير جدي للخروج من الازمة لا يعفينا من معالجة عوامل الاخفاق الذاتي.
ولان المرأة نصف المجتمع فان تحديات التنمية من هذه الزاوية تستلزم حث مختلف الجهات الرسمية والاهلية للدفع تجاه ان تمتلك المرأة شيئا، هذا هو الامر الوحيد الذي يجعل لحياتها معنى يتأكد باستقرارها الاسري والاقتصادي المدعوم بتوفير فرص التعليم اللازم لها وتأمين الرعاية الصحية المفترضة.
ومع انها تمتلك تلك الطاقة الخلاقة في مواجهة تحديات الحياة ورعاية الاطفال ولم شمل الاسرة، فقد وجد ان المرأة يجب ان تمتلك عملا ودخلا مناسبين.
ان افضل تصور لاطلاق وبعث دور المرأة يحتاج الى مؤتمر عام يجمع مختلف الاطر والاتحادات والجمعيات النسوية وغير النسوية لصياغة استراتيجية وطنية موحدة هدفها الاساس توحيد الجهود والطاقات المبعثرة هنا وهناك لانشاء بنك الاسرة، مهمته تسهيل منح القروض للاسر الفقيرة، خاصة في الريف، ولعل ذلك يفتح الآفاق امام المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تنطلق بالاساس من الانحياز الايجابي للصناعات التقليدية، وقد ثبت من خلال بعض المبادرات والتجارب الناجحة في فلسطين ان ذلك ممكن، ولعل تجربة جمعية انعاش الاسرة وبعض الجمعيات المنتجة في الغور الفلسطيني وغيرها من المحطات الناجحة في تجربة المرأة الفلسطينية يعطي خير دليل على ضرورة تعميم الفكرة على الريف الفلسطيني.
ان اهوال التحديات التي تواجه قطاع العمال والموظفين والمزارعين الفلسطينيين تعيد الى اذهاننا ضرورة ان نفكر بانعاش اقتصادنا المنزلي، وحديقتنا المنزلية، وهذا الركن غير المستغل مما تبقى لنا من ارض لنزرع ونربي ونسوق ما يزيد عن حاجتنا من خضروات او دواجن او لحوم.
ولعل نشوْ هكذا وضع ربما يفتح افاقا جديدة لاحياء تلك الصناعات التقليدية من خزف ومطرزات وبسط وفخار وقش وزجاج وبعض الصناعات الغذائية. وهنا لا بد من تضافر الجهود بين الاكاديميين المهنيين والاطر النقابية الفاعلة لتكلف احدى الجامعات المحلية بدراسة الواقع المحلي وآفاق السوق الداخلي والخارجي.
ان دراسة مستفيضة للواقع تختصر نصف الطريق علينا وتجعل المستحيل ممكنا وقد آن الآوان ان تخضع فكرة العمل الاهلي في فلسطين للنقاش والتقييم، بعيدا عن اية اهداف فردية، او احتكارية قد لا تصب في سياق الصالح العام، بقدر ما تزيد من ورطتنا خاصة اذا ما تلاقت مع اهداف الممول!!
ان هذا لا يعني بالمطلق الغاء اية تجربة ناجحة في هذا السياق، بقدر ما يدفعنا الطموح ان ندعو لتأسيس رابط مشترك ” بنك الاسرة ” تموله كافة مؤسسات العمل الاهلي الفلسطيني، ويديره مجلس ادارة موحد يمثل كامل قطاع العمل الاهلي في فلسطين، مما يعني توفير فرص عمل جديدة، واتاحة المجال امام المهنيين وذوي الاختصاص لانجاح تجارب جديدة. ان هدفنا ان نحدث تصالحا وانسجاما يجمع ما بين العمل الاهلي والرسمي في ادوار تكاملية وان تحظى مثل هكذا فكرة بالمعونات او الهبات المتوقعة، بعيدا عن تعقيدات كثيرة بدأت تبرز مؤخرا بذريعة مقاومة الارهاب .
ان الهدف من انشاء بنك الاسرة هو استنهاض حالةة اقتصادية ممكنة تراعي تقديم قروض صغيرة بفوائد طويلة الاجل لا تتعدى 2% في أي حال من الاحوال. وقد تكون البداية ان تقدم هذه القروض للاسر الفقيرة، وللمبادرات من النساء اللواتي يردن القيام بمشروع صغير يدر عليهن ربحا مناسبا.
ان مهمة مثل هذا البنك دراسة الجدوى ومساعدة المتقدمات في تأمين المواد الخام التي تستخدمها المستفيدة، وايضا مساعدتها في تأمين الاسواق المناسبة.
ان افضل تصور لانجاح هذه الفكرة هو جمع هذا الشتات المؤسسي الاهلي وتوحيد جهوده وخلق شروط النجاح لتكاملها ضمن سياق استراتيجي يتخطى واقع الفقر المتفاقم في فلسطين.
ويأتي سؤال ام عبد الله، امرأة ريفية متوسطة العمر، لديها اربعة أولاد وزوج عاطل عن العمل، تقول:
-توجهت الى مؤسسات كثيرة، عبأت الكثير من الطلبات لاحظى بقرض بسيط ابدأ به مشروعي.. وما زلت انتظر منذ ما يزيد على الثلاث سنوات.. الى من نتوجه؟!
صابرة هي الاخرى مواطنة في مقتبل العمر، فقدت زوجها في ظروف طارئة وهي تلتزم بخيار اسرتها الصغيرة فترعى فتاتين، ولا يوجد غير تلك “الشواقل”-* القليلة التي تتلقاها من وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي تحتاج الى من يأخذ بيدها ويبعد عنها استغلال من يستثمرون مهاراتها المميزة في التطريز.
وهناك الكثير من النماذج الواضحة لفقرائنا الذين يستطيعون ان يغنوا اسواقنا بخيرات وابداعات تحتاج الى من يرعاها.
سيدي المواطن..ليس همنا الوحيد هو تحسين مداخل الريف وقراه، ولا ان ندخل في جدل عقيم حول سياق ( اهلا وسهلا ورافقتكم السلامة ).
ان همنا ان نؤسس لننتج لا ان نظل موصومين بلعنة التسول والانكسار!!
اننا نحترم تجارب الشعوب، ونأمل في ان نطلق المبادرة في وطننا الغني بقدرة انساننا وابداعاته التي تحتاج الى من يرعاها.. فهل من مجيب؟

mailto:ms.jaber@yahoo.com

لا تعليقات

مشهد لهيبة ضائعة..ووجاهة مغلوطة!!

الكاتب محمد جابر , في قسم ثقافة, سياسة

تؤسسه حرب الثوابت والتكفير والتخوين

أمتي كـم صـنم مجدته لم يكن يحمل طهر الصنم
هل يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنـم
الشاعر : عمر أبو ريشة
بعيدا عما يبثه الرسميون أو أشباه الرسميين من تصريحات أو مواقف أو وعود وردية، وعما يعتمل في أذهان البعض من فصيلة المتصيدين المتسلقين،الذين استساغوا لعبة الافتراس والاذعان لمشيئة المسؤول أيا كان تصنيفه أو فصيلة دمه أو ما يشتق عنهما من أبجديات في الاستزلام أو الإلحاق الى بطانة المنتفعين!!
نقول،….كلنا تحت المقصلة،لا أسيادا ولا عبيدا، رغم أن كثيرين منا مع حفظ الألقاب والمسميات،لم يستوعبوا بعد هذا الشعور الفظيع أن يكون البيت الواحد مقسوما على تقاطعات العزل والفصل وأيضا هذا الصراع الحزبي المقيت، وكأنها فلسفة الجدران العازلة تجاوزت حضورها الفيزيائي الاستيطاني التوسعي الإحلالي، مستشرية في تفاصيل أخرى من حياتنا اليومية تعدت الخطاب والثقافة والممارسة،لتصير نهجا ملعونا في تكريس حالة التدمير الذاتي.
لقد آن الأوان أن نلغي بعض التحفظات المزعومة حول تأسيس قناعة مستحيلة بوهم….السلام، ما دمنا جميعا ندعي اننا نسير في اتجاه واحد يقود الى المصالحة والصمود.ولعل ما عشناه ما بعد تداعيات انقلاب غزة الدموي، لا يبشرنا بخير طالما اننا لم نستوعب بعد جسامة الخسارة وتوابعها.
وليس المقصود ان نعطي شهادات براءة ذمة لهذ الجانب أو ذاك،بقدر ما نؤمن بتاريخ تجربتنا الفلسطينية،التي استطاعت طوال السنوات الماضية فرض حضورها في اصعب الأوقات واشدها حلكة.خاصة، ان الفاشيين ما زالوا يتربصون لكل شيء على هذه الأرض المقدسة،وكما استحوذ المتصيدون العابثون على مشهد اليوم بإحداثيات مصلحية وفئوية وإقليمية، كل ذلك دفعنا لنغرق في وحل الدم الحرام، ونتوه من جديد في أجواء حرب التجهيل واليأس والأمل الواهم تحت تسويفات يافطة الثوابت والمزايدة والتخوين والتكفير والتنابز بالنعوت الحرام!!
اما الطابور الخامس الذي تلبس بديباجة مشروع الوطن فقد بدا يطفو على واجهة الحدث، مفترضا صمتنا المطبق حول ما يجري، ويريد ان يفرض علينا أقنعة واهية تعكس خلفها وجها نقيضا لاناس غيرنا. ومن قال إننا نراهن على الا نخسر جولة هنا وأخرى هناك، فالمنصة تكتظ بالمواجهات والأحداث والمحن المؤلمة ومع هذا ظلت حجارة الأرض راسخة.
ومن قال ان الحوار الحقيقي مرفوض، واننا حالمون الى درجة الشطط. اننا نؤمن بقدرنا وبان الواجب يدفعنا نحو التغيير، شئنا ذلك ام أبينا، لأننا مجبولون في هذا الثرى المقدس، ولهذا سنستمر وسنسدد فواتير بقائنا كاملة.
هم وحدهم رواد حائط المبكى الجدد ينسون أو يتناسون أننا فلسطينيون مائة في المائة، وان النخاع فينا اكتوى بهذا الليل الطويل الذي اكتسح أرضنا وماءنا وهواءنا، وعشنا أهوال التآمر وغضب الأنظمة، متجاوزين عقوق البعض وهفواتهم. ومن قال ان البناء والتعمير لا يحتاجان الى فلسفة وطنية واقعية آو حاضنة قيمية تضمن المساءلة والتصويب واستمرار التقدم من دون تنكر او تغرير انتهازي يتطاول على تاريخ عزيز مضى.
نعم، فقاعات الصابون كبيرة، الصالونات فسيحة، ورواد المنصة اصبحوا يمتشقون اجمل الكلمات يبثون من خلالها أسمى واجمل التبريكات لمناسبة ترويج فقاعات المشاريع النظيفة العملاقة!!.
ولم يعد الصمود مجرد شعار نتداوله او نستهلكه في حواراتنا اليومية. المسألة هنا تفوق الاحتمال، لأنها أصبحت تمس قدسية النضال ومصير شعب لا يستحق كل هذا الجحود لاجل تحقيق مآرب حزبية مأزومة، في الوقت الذي ما زال فيه الفاشيون ماضون في انتزاع كل أدوات ووسائل الدفاع عن الذات. لذلك فان الحوار الداخلي وحده لا يكفي، ولا بد من رفده بمحتوى سياسي مسؤول يفضي الى قرار واضح وبرنامج سياسي موحد يؤسس لمناخ وطني مؤآت يضمن آلية واضحة لتحقيق شروط الحد الأدنى من الاستقرار والامان والتعمير.
وفي ظلال أجواء الخمول والانكفاء على الذات لشريحة واسعة ومؤثرة من شعبنا المكابر، فإننا بأمس الحاجة لدعوة كل المهتمين من أكاديميين ومثقفين وكتاب وصحفيي