مصالحة و عناق

 

محمد فايز الإفرنجي

 

ساعات تفصلنا عن التوقيع بالحروف الأولى على إنهاء الانقسام الذي أصاب الجسد الفلسطيني فأضعفه وأصابه بالحمى والسهر, سنوات مرت ونحن ننتظر هذه اللحظة التي يتعانق بها الأشقاء ويتصافحون مهنئين أنفسنا وإياهم بطي صفحة مريرة عاشها المواطن بالضفة المحتلة والقطاع ولم يستثنى منها الكل الفلسطيني بأية بقعة أرض كان.

 

لازال البعض يتشكك ويتخوف ويعتبر أن التوقيع على اتفاق المصالحة هو فقط نقطة بداية تحتاج إلى جهود جبارة لاستمرارها حتى نقفز بعيدين عن هذا الانقسام البغيض الذي آلمنا واكتوينا بناره, اليوم وبعد ساعات ينتهي الاحتفال بالتوقيع لندخل حيز العمل الحقيقي من خلال وحدة فلسطينية تصب في الصالح الوطني بعيدًا عن التشرذم والانقسام؛ حتى يعود للوطن مجده وللمواطن كرامة قد افتقدها في ظل انقسام الأشقاء.

 

لن نبالغ في فرحتنا ولن نخفيها كذلك, فالمصالحة الفلسطينية الحقيقية التي يريد الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه وألوانه ومختلف مناطق تواجده هي الوحدة في برنامج سياسي يجمع المقاومة الفلسطينية ويحميها ويدافع عنها في سبيل نيل حريته وتحرير أوطانه بعد عشرين عامًا من مفاوضات لم تعد عليه إلا بسيل من الدماء وطول سنوات حصار وفرقة وانقسام.

 

فليفرح الشعب الفلسطيني وليخرج مهللًا, رافعًا رايات حماس وفتح وكافة الفصائل لتنسجم وتتوحد جميعها تحت ظل العلم الفلسطيني الجامع لكافة التنظيمات الفلسطينية, فقد نال منا الانقسام ما نال من قطيعة بين الأشقاء لم تكن يومًا تصب سوى في صالح الاحتلال الإسرائيلي الذي لن يصمت طويلًا ولن يكتفي بإجراءات عقابية سياسية يفرضها على سلطة الرئيس أبو مازن رافضًا هذه المصالحة, بل سيبحث في سبل عديدة يسعى من خلالها لضرب هذه الوحدة ولهدم المصالحة حتى يعود الأمر كما يشتهي هذا المحتل.

 

لذا فاليوم وبعد الانتهاء من توقيع المصالحة الفلسطينية في العاصمة المصرية القاهرة التي جمعت الفرقاء بعد سقوط نظامها الحاكم السابق الذي كان يعطل هذه المصالحة التي يدعي انه يتبنى الوصول إليها في الأعوام الماضية .

 

اليوم هناك قيادة مصرية صقلتها ثورة الشعب المصري العظيم الذي اشغل نفسه في ترتيب هذه المصالحة أثناء إعادة ترتيبه لبيته الداخلي, في إعلان عن اهتمامه بالقضية الفلسطينية والرغبة الصادقة في إعادتها إلى مكانتها ليستمر بعد ذلك في العمل على المساعدة في ترتيب البيت الفلسطيني, ورفع الحصار عن غزة والمضي قدما في التخلص من الاحتلال الإسرائيلي الذي أزعجته هدية  القيادة المصرية بل والشعب المصري بكامله الذي أبدى دائما التفافا حول القضية الفلسطينية ومناصرتها واحتضان جراحها التي نزفت بعهد الرئيس المخلوع مبارك ولم يكن يستطيع أن يوقف هذه السياسة المرفوضة لديه ولكل شرفاء الوطن العربي.

 

مصالحة نريد منها أن تعود بنا إلى سابق عهدنا بالوحدة الوطنية والعمل الجاد على تنفيذ ما جاء بها من بنود اتفق عليها الطرفان الفلسطينيان الأقوى وأكدت عليها باقي الفصائل الفلسطينية عامة, كما ويؤيدها كل فلسطيني حر غيور على هذا الوطن ويضع نصب عينيه الوحدة الفلسطينية فوق كل اعتبار حزبي, فصائلي, شخصي.

 

لن نجعل اليأس يتسرب إلى نفوسنا وسنكون قادرين على تجاوز التوقيع إلى التنفيذ الفعلي لبنود المصالحة طالما أن هناك نوايا صادقة ووطنية حقيقية عند أطراف القيادة الفلسطينية المنقسمة ليعود إلى المواطن الفلسطيني الثقة بهذه القيادة التي من شأنها أن تعمل على التمسك بحقوقه والحفاظ على ثوابته والقبول بنتائج ما ستفرزه الانتخابات القادمة من نتائج لنبدأ مرحلة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية يكون عنوانها العريض والأساسي “وحدة وطنية غايتها تحرير الوطن” بكافة السبل التي أقرتها لنا القوانين والأعراف الدولية والمواثيق التي تؤكد حق كل شعب في الدفاع عن نفسه وتحرير ما تم احتلاله من بلاده حتى تعود راياته هي الخفاقة في أعنان السماء لترسم الحرية التي يسعى إليها كل إنسان على وجه البسيطة .

 

اليوم يوم فرح وسرور يتخلله دمع قد طال احتباسه في المقل لمشاهدة اللحظة التاريخية التي ستسطرها صفحات التاريخ لتمحو وتطمس معالم انقسام ذاق الشعب الفلسطيني مرارته, اليوم نأمل بأن نشاهد السجون الفلسطينية بالضفة كانت أم بالقطاع وهي تخلي سبيل أبنائنا لتصل رسالة إلى عموم الشعب الفلسطيني بأن زغاريد الفرح لن نكتفي بها بالمدن والقرى والمخيمات والشوارع  بل يجب أن تدخل كل بيت عانى ولا زال من هذا الانقسام البغيض على قلوبنا.

 

إرادة فولاذية نريد أن يتحلى بها الموقعون على المصالحة في تنفيذ كل حرف جاء فيها وعدم ترك أي مسافة لخلاف هنا وهناك يؤثر سلبًا على سير هذه المصالحة.

 

نبارك لقادتنا,لأسرانا الذين حملوا الهم الفلسطيني ورفضوا الانقسام, نبارك لأنفسنا, لكافة أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات ولكل أحرار العالم ولكل من ساندنا وكان له بصمات في إتمام هذه المصالحة التاريخية, نبارك لكل طفل وشيخ وامرأة , لكل رجل لكل شهيد ارتقى دفاعًا عن هذا الوطن؛ لنقول عدنا متوحدون فدمائكم مصانة ولن تذهب هدرًا.

 

 

Be Sociable, Share!