مدونة الإعلامي محمد العجلة

نوفمبر 29, 2012

غزة بعد اتفاق التهدئة

ضمن تصنيف: عام — محمد العجلة في 10:30 ص    

كان
اليوم الثامن والأخير للحرب على غزة (الأربعاء، 21/11) عنيفاً ومقلقاً من بدايته، والعدوان
الإسرائيلي كان على مفترق طرق، بعد تأجيل اتفاق التهدئة واستمرار غاراته الجوية
والمدفعية على غزة وتواصل سقوط الصواريخ الفلسطينية على المدن الإسرائيلية وخاصة
تل أبيب والقدس. حينها تساوت لدى الناس احتمالات التطورات الإيجابية مثل خضوع
الاحتلال للتهدئة، والتطورات السلبية مثل انتقال العدوان إلى الهجوم البري. وقصة
الهجوم البري لم تكن بالنسبة لقوات الاحتلال خياراً مستحباً أو سهلاً كما كان قادة
الاحتلال يحاولون تسويقه إعلامياً، لأن أكثر ما كان يقلقهم أن يفاجأوا بتطور
إمكانيات المقاومة في المواجهة البرية من قبيل امتلاك صواريخ كورنيت المضادة
للدبابات وغيرها من الأسلحة، كما تفاجأوا بتطور إمكانياتها الصاروخية، وعلى العكس
من ذلك أعلنت المقاومة أن الحرب البرية ستكون فرصتها لتلقين العدو درساً لن ينساه،
وأملها في أسر جنود لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين.

بقي
هذا الحال على ما هو عليه حتى ساعات المساء، حيث المواجهة العسكرية على أشدها وسقوط
مزيد من الشهداء والجرحى الفلسطينيين ولا شيء يوحي برجحان كفة التهدئة، إلى أن
بدأت وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والإسرائيلية تتحدث عن أن وقفاً لإطلاق
النار سيدخل حيز التنفيذ الساعة التاسعة مساء بموجب اتفاق تهدئة تم إبرامه برعاية
مصرية. لم يصدق كثير من الناس هذه الأخبار في البداية خشية حدوث صدمة لا يحتملونها
فيما لو كانت غير صحيحة، لكن اتساع نطاقها وتراجع حدة الغارات الإسرائيلية ثم
الإعلان عن انعقاد مؤتمر صحفي لقادة الكيان الإسرائيلي وكذلك الإعلان عن مؤتمر
صحفي في القاهرة لقادة فصائل المقاومة، كل ذلك جعل من تصديق موضوع التهدئة أمراً
وارداً. وفعلاً عند التاسعة مساء دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بينما كان
نتنياهو وباراك وليبرمان يبررون لمواطنيهم عبر المؤتمر الصحفي المتلفز حيثيات ما
جرى. كان الخزي بادياً على وجوههم وفي كلامهم.

احتفالات
النصر

ما
إن بدأ المؤتمر الصحفي في القاهرة لخالد مشعل ورمضان شلح حول اتفاق التهدئة، كانت
الشوارع في غزة والضفة تمتلئ بالمحتفلين. ظهر للعيان أن هناك فرقاً بين معنويات
قادة المقاومة ومعنويات قادة الاحتلال. وكان هناك فرق بين نفسية مواطني الكيان
الإسرائيلي والمواطنين في قطاع غزة والضفة الغربية. الفلسطينيون شعروا بالنصر،
وبقدرتهم على رد العدوان وإرباك حسابات العدو وإفشال مخططاته. الدكتور محمود
الزهار أحد أبرز قادة حماس سارع بالظهور عند منتصف الليل وشارك الناس فرحتهم وسط
مدينة غزة. حكومة غزة بدورها أعلنت أن اليوم التالي (الخميس، 22/11) سيكون يوم
إجازة رسمية وعيداً وطنياً سنوياً. والذي رأى شوارع غزة يومي الخميس والجمعة لا
يصدق المشهد. المسيرات الضخمة والأفراد والجماعات، رجالاً ونساء وأطفالاً، يهنئون
بعضهم بالسلامة والنصر، ويتفقدون آثار الدمار، ويزورون بيوت الشهداء. الفصائل
جميعها بما فيها حركة فتح شاركت في هذه المسيرات والاحتفالات. ظهر القادة
السياسيون لفصائل المقاومة وألقوا الخطابات الحماسية وسط الجماهير المحتفلة.
الوفود العربية الزائرة لغزة شاركت إخوانهم الفلسطينيين فرحتهم وتقديم واجب العزاء
في الشهداء. عزاء عائلة الدلو، التي تعرضت لمجزرة إسرائيلية سقط خلالها ثلاثة عشر
شهيداً، تحول إلى قبلة يتوجه إليها الناس. كما أن عزاء القائد الشهيد أحمد الجعبري
كان محطة أساسية لهم، فرغم استشهاده أول أيام العدوان إلا أن حالة الحرب ومخاطر
الخروج في الشوارع خوفاً من القصف الإسرائيلي حالت دون تمكن المواطنين من تقديم
واجب العزاء. عدد الذين سقطوا خلال أيام العدوان الثمانية مائة وسبعة وستون
شهيداً، وأكثر من ألف ومائتي جريحاً. الأمطار التي تساقطت على غزة طوال يوم الجمعة
كان لها الفضل في إزالة آثار الغبار والبارود التي غطت كل بقعة.

الشبان
الفرحون شرق خانيونس احتفلوا بهذا النصر على طريقتهم الخاصة، فقد انهمروا كالسيل
العارم نحو أراضيهم القريبة من الشريط الحدودي التي حرموا من الاقتراب منها اثني
عشر عاماً، وها هي المقاومة حققت لهم هذه العودة لها. هذه الأراضي يبلغ اتساعها ما
بين ثلاثمائة متر إلى خمسمائة متر على طول حدود قطاع غزة مع الكيان الإسرائيلي البالغة
أربعين كيلو متر، وهي في غالبيتها أراض خصبة للزراعة، حوّلها الاحتلال إلى منطقة
عازلة ومن يقترب منها يلقى حتفه بإطلاق الرصاص عليه. الشبان الذين وصلوا إلى هذه
الأراضي أخذهم الحماس وهم يرون بأم أعينهم جنود الاحتلال خلف السياج فاندفعوا
باتجاه الأسلاك الشائكة لعلهم يحظون بحفنة من تراب أراضي فلسطين التاريخية التي
احتلت عام 1948. الجنود الإسرائيليون أطلقوا النار على الشبان الفلسطينيين فأوقعوا
شهيداً والعديد من الجرحى.

فرحة
الصيادين

في
اليوم التالي (السبت) كان صيادو غزة هم الآخرون يحتفلون بهذا النصر حيث تمكنوا لأول
مرة منذ ست سنوات من الصيد على بعد ستة أميال بحرية من الشاطئ بعد أن كان محظوراً
عليهم تجاوز ثلاثة أميال منذ أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في يونيو 2006.
وهذا إنجاز بسيط لكنه يرمز إلى أن اتفاق التهدئة لم يكن بالشروط الإسرائيلية كما
كان يحدث في كثير من المرات في المواجهات العربية الإسرائيلية السابقة، ويعطي
أملاً أيضاً بإمكانية تحقيق المزيد في المستقبل. الصيادون في غزة كانوا يدخلون في
عرض البحر لمسافة عشرين ميلاً (الميل البحري يساوي 1882 متراً) بناء على اتفاق
أوسلو، ثم تقلصت المسافة بعد انتفاضة الأقصى عام 2000م. يقول هؤلاء الصيادون أنهم
بحاجة إلى الصيد على بعد اثني عشر ميلاً على الأقل لكي يتمكنوا من الوصول إلى
المناطق المناسبة للصيد، وحتى تعود الحيوية لهذا القطاع الاقتصادي الهام الذي
يعتبر أحد القطاعات الإنتاجية الرئيسية في غزة ويعمل فيه ما يقرب من أربعة آلاف من
الصيادين الذين شأنهم شأن كل الفلسطينيين قدموا العديد من الشهداء والجرحى
والمعتقلين ضريبة استمرار الاحتلال على مدار السنوات الماضية.

نهوض
غزة

يوم
السبت كان مختلفاً عن الأيام العشرة السابقة. استيقظت غزة مبكراً يملؤها كثير من
الفرح والأمل وبعض الألم والحزن. الشوارع اكتظت كعادتها كل صباح بأطفال المدارس بعد
غياب هذا المشهد طيلة أيام العدوان. فرحتهم كانت منقوصة بسبب الغياب الأبدي
لزملائهم الشهداء. وزارة التربية والتعليم قررت أن تكون الأيام الأولى عقب انتهاء
العدوان أيام تفريغ نفسي وترويح عن تلاميذ المدارس بسبب ما مر بهم من أهوال الغارات
والقصف. المؤسسات والمحال التجارية والجامعات استأنفت عملها، وحديث الناس عن
تجربتهم أثناء العدوان جرى على كل لسان. معنويات المواطنين عالية. الأمطار تساقطت
بغزارة مساء، وكم كانت فرحة الناس بهذا الخير السماوي بعد حمم الشر الصهيوني التي
انصبت على غزة.

لم
يختلف يوم الأحد عن سابقه. عادت الحيوية إلى غزة دون أن ينال العدوان من العزيمة.
النازحون عادوا إلى بيوتهم. والمؤسسات الدولية والمحلية بدأت في إلإعلان عن أرقام
الخسائر المادية. الناطق باسم الحكومة في غزة قدر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن
العدوان بمليار وربع المليار دولار تقريباً بما في ذلك البيوت التي تم تدميرها
بالكامل.

رغم
انشغال المواطنين بهمومهم الناجمة عن العدوان، إلاً أنهم تابعوا أخبار الاعتقالات
التي تنفذها قوات الاحتلال في الضفة الغربية. هذه الاعتقالات في صفوف جميع الفصائل
بدأت مع بداية العدوان على غزة، لكن اتسع نطاقها بعد اتفاق التهدئة، في محاولة كما
يبدو لتخفيف الإحباط في الشارع الإسرائيلي بعد فشلهم في غزة، وللانتقام من الضفة
التي سارعت لنصرة شقيقة روحها غزة. طالت الاعتقالات ما يقرب من مائتي مواطن من
بينهم نواب برلمانيون من حركة حماس على رأسهم الدكتور محمود الرمحي أمين سر المجلس
التشريعي الفلسطيني. البعض رأى في هذه الاعتقالات محاولة استباقية من إسرائيل لضرب
التقارب الفلسطيني الداخلي المحتمل بين حركتي فتح وحماس في ضوء العدوان، والذي
بدأت بعض خطواته تتجسد على أرض الواقع، وإن كانت دون الطموح حتى الآن.

أسباب
فشل العدوان

فشلُ
الاحتلال في عدوانه، دفع قطاعات واسعة من المثقفين والإعلاميين والمهتمين إلى
مناقشة الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة. ويمكن الإشارة إلى أهمها:

*
كان بالطبع في مقدمة هذه الأسباب المقاومة المنظمة والواعية والجاهزة والدعم
الشعبي لها. فدولة الاحتلال لم تتحمل أن تبقى تل أبيب وضواحي القدس المحتلة تعيش
تحت ظروف طارئة واستثنائية بفعل الصواريخ الفلسطينية.

*
انتفاضة الصفة الغربية وخوف الاحتلال من تطورها ومن ضمن ذلك العملية الفدائية التي
وقعت في تل أبيب وأشارت مصادر الاحتلال إلى أن منفذيها من الضفة.

*
الإعلام الفلسطيني الفاعل والنشط والكفؤ، حيث أدى دوراً بارزاً في فضح جرائم
الاحتلال وخاصة استهدافه للمدنيين والأطفال منهم على وجه الخصوص، وقامت فضائيات
الأقصى والقدس وفلسطين اليوم وفلسطين بالإضافة إلى قناة الجزيرة القطرية وقنوات
عربية أخرى بعمل مهم جداً في دعم صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني أثناء العدوان على
غزة. وعلى الصعيد المحلي داخل قطاع غزة قامت الإذاعات المحلية التي تبث على موجة
الإف إم بنشاط إعلامي مذهل سواء على الصعيد الإخباري العاجل أو على الصعيد
التعبوي، خاصة وأن عدداً من هذه الإذاعات التي يتجاوز عددها العشرة، يتبع لفصائل
المقاومة مثل إذاعات الأقصى والقدس والشعب والوطن.

*
الدور المصري الجديد تجاه القضية الفلسطينية كان له أثر إيجابي كبير على معنويات
أهل غزة ويبدو أنه كان من ضمن المحاذير التي فكرت فيها إسرائيل لو وسعت عدوانها.
وكذلك الدعم العربي والوفود التي لم تتوقف طيلة أيام العدوان حتى في أوقات القصف
والغارات العنيفة.

*
المعارضة الدولية والإقليمية لتوسيع العدوان وتطوره لحرب برية، والحركة
الدبلوماسية المبكرة والنشطة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولا يُستبعد هنا أن
تكون هذه التحركات الدولية جاءت من أجل مصلحة إسرائيل وربما بإيعاز منها أو من
حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

لم
ينتظر المواطنون كثير وقت، حتى بدأوا وسط نشوة النصر، يتحدثون عن دوافع ونوايا
إسرائيل من القبول بهذه التهدئة. فهم لا يكادون يصدقون أن تسكت دولة الاحتلال على
فشلها الذريع في تحقيق هدفها الذي أعلنته في بداية العدوان والمتمثل في استعادة
قوة الردع، بل إن نتيجة العدوان أدت إلى مزيد من تآكل قوة الردع الإسرائيلية بعد
تجرؤ المقاومة على ضرب تل أبيب والقدس المحتلة. ربما لا يزال نوع من القلق ينتاب
المواطنين في ضوء هذا النقاش، فالبعض وإن كان قليلاً يتخوف من غدر الاحتلال وعودته
إلى العدوان بعد التجهيز له بشكل أفضل، والبعض الآخر يشير إلى اضطرار الاحتلال
القبول بهذه التهدئة بسبب الانتخابات لديهم. غالبية المواطنين وفي مقدمتهم فصائل المقاومة
يؤكدون أن الاحتلال انهزم في هذه المعركة، وسوف يفكر كثيراً قبل أن يعيد الكرة،
والفضل في هذا النصر يعود إلى الشعب والمقاومة معاً. وثنائية الشعب والمقاومة كانت
إحدى النقاط التي يتناولها المواطنون في نقاشاتهم، فأملهم أن تبقى فصائل المقاومة
وخاصة حركة حماس التي تحكم قطاع غزة تعترف للشعب بدوره الرئيسي في صنع هذا
الانتصار، لأنه هو الذي حمى المقاومة وأعطاها من دمه وأعصابه وأطفاله وبيوته
ومصانعه. وهو الذي سيبقى حامياً لهذه المقاومة في أي عدوان جديد. ولا يقل أهمية عن
هذه النقطة، التواضع في تقييم ما حدث، وعدم نسيان أن دولة الاحتلال تمتلك قدرات
هائلة على المستويات العسكرية والأمنية ولها تاريخ طويل في الحروب والعدوان وإرهاب
الدولة، وأن الصراع معها لا يزال في ذروته، وأنها بلا شك ستدرس مرة تلو المرة
عدوانها الأخير على غزة لاستخلاص العبر، وهذا يحتم على المقاومة والشعب الفلسطيني
أن يكونوا في كل لحظة أكثر جاهزية ويقظة ووعياً. فالتجربة تدل على أن القتال مع
الاحتلال يمكن أن يتوقف بعد جولة ما، لكن الحرب معه لا تتوقف.

***

Be Sociable, Share!

تعليق واحد »

  1. إِذا بَعضضْ آلَالمَ بإقِيّ : ( . .

    - ترریَ بعضَ { آلَاملْ }

    . . . مَارآحَ :”م”*

    ~ ~ ~

    فهيا بنا نصارع أمواج الحياة . . .

    لنصنع مستقبل مشرق يواكب آمالنا وتطلعاتنا . . .

    رغم الالم يبقى الامل . . .

    والخلافة الاسلامية قادمة بإذن الله تعالى . . .

    ولنعمل معا لسماء2018 . . .

    تعليق بواسطة sky2018 — مارس 7, 2013 في 11:36 م

خلاصات RSS تعقيب رابط

أضف تعليق

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash