مدونة الإعلامي محمد العجلة

نوفمبر 21, 2012

يوميات الحرب على غزة . . اليومان السابع والثامن

ضمن تصنيف: عام — محمد العجلة في 7:25 م    

أشارت الساعة إلى الثانية عشرة من منتصف الليل، لتعلن انتهاء اليوم السادس من الحرب على غزة (الاثنين، 19/11) وقد حصد ثمانية وثلاثين شهيداً، وهو أكثر عدد من الشهداء في يوم واحد منذ بداية العدوان، ووصل بهذا عدد الشهداء الكلي إلى مائة واثني عشر. والغريب أن هذا التصعيد الإسرائيلي جاء في الوقت الذي شهدت فيه القاهرة حراكاً نشطاً يهدف إلى التوصل لتهدئة أو وقف لإطلاق النار، وإعلان نتنياهو أنه أرجأ البحث في اتخاذ قرار بشأن العملية البرية بناء على طلب أمريكي ومصري. وقد يكون هذا التصعيد الإسرائيلي الميداني مرتبطاً أساساً بما يجري في القاهرة للضغط على قيادة المقاومة والقبول بأي هدنة.

كثير من شهداء اليوم السادس كانوا ضحية لاستهداف الطائرات الإسرائيلية للمنازل المأهولة، وهو ما رفع عدد جرحى العدوان منذ بدايته إلى أكثر من تسعمائة مصاب. كما بدأت تلوح في الأفق أزمة الناس الذين باتوا بلا بيوت نتيجة تدميرها الكلي أو الجزئي، ما دفع وكالة الغوث (الأنروا) إلى فتح مدارسها لإيواء النازحين.

بكل هذا الحجم من الدماء والآلام استقبل أهل غزة صباح اليوم السابع (الثلاثاء،20/11) على غارات إسرائيلية جوية جديدة حصدت مزيداً من الشهداء والجرحى، وعلى إطلاق المقاومة للصورايخ على المدن والبلدات الإسرائيلية. وخيم هدوء حذر ساعات النهار أغرى الناس بأن جهود التهدئة وصلت إلى مراحلها الأخيرة، وما هذا الهدوء إلاّ أحد إرهاصاتها، لا سيما وأن غزة في انتظار وصول الوفد الوزاري العربي المشكّل من أمين عام جامعة الدول العربية وعشرة وزراء عرب ووزير الخارجية التركي. لم تمض ساعات حتى تبين أن الهدوء لم يكن حقيقياً، فلم تنتظر إسرائيل مغادرة الوفد الوزاري الذي وصل معبر رفح عند الثالثة عصراً، بل صعّدت من عدوانها وغاراتها، ورأى الوفد بأم عينيه وهو في مستشفى دار الشفاء المشاهد المروعة للشهداء والجرحى. كان من بين شهداء هذا اليوم ثلاثة من العاملين في وسائل الإعلام، هما مصوران في فضائية الأقصى والثالث مدير إذاعة القدس التعليمية.

كانت أخبار انتفاضة الضفة الغربية وسقوط شهداء وجرحى فلسطينيين في مواجهات عنيفة مع جنود الاحتلال، تنزل على أهل غزة كالبلسم للجروح، فها هم الإخوة الذين فرقهم الانقسام البغيض لسنوات، يتوحدون بدمائهم التي تسيل على يد ذات العدو. انتفاضة الضفة لم تكن بالتأكيد في حسبان قادة الاحتلال الإسرائيلي، تماماً كما لم يكن في حسبانهم كل هذا التطور لدى المقاومة في غزة. وهذا التطور أشار إليه القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف الذي بثت له قناة الأقصى الفضائية بعد الظهر تسجيلاً صوتياً توعد فيه الاحتلال بمفاجآت إذا أقدم على الهجوم البري. ومحمد الضيف ملاحق من الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً وهو لا يظهر للعلن وصورته غير معروفة ولا يتحدث للصحافة. ومنذ إصابته بشكل بالغ قبل عدة سنوات في محاولة اغتيال قامت بها الطائرات الإسرائيلية، كان الشهيد أحمد الجعبري هو القائد الفعلي لكتائب القسام.

قبل هبوط الليل بقليل، عمد الاحتلال إلى إثارة الرعب في نفوس غالبية المواطنين في غزة، حينما وزعت الطائرات الإسرائيلية منشورات يطلبون فيها منهم مغادرة بيوتهم في مناطق الشيخ عجلين وتل الهوا والرمال الجنوبي والرمال الشمالي والشجاعية والزيتون، وهي مناطق تحتل معظم مساحة مدينة غزة أكبر المدن الفلسطينية، أي أنه لم يتبق أمام الناس من مناطق يلجأون إليها سوى مركز المدينة وما حوله من أحياء صغيرة. وبدأت التساؤلات لدى الجميع عن الهدف من وراء هذه المنشورات الإسرائيلية، هل أننا سنشهد هجوماً برياً بعد ساعات مثلاً؟ أم أنهم سيصعّدون من غاراتهم الجوية وقصفهم البري والبحري بحيث تطال البيوت في المناطق المذكورة؟ في بعض المناطق بدأ أناس قليلون بالخروج من بيوتهم إلى ما يعتقدون أنها مناطق أكثر أمناً، وحتى أن بعض الناس تركت بيوتها تحت ضغط الخوف وهي لا تدري إلى أين ستتجه. أخذت مساجد الأحياء في النداء لتثبيت عزيمة الناس وحثهم على البقاء في بيوتهم وتهدئة نفوسهم.

صواريخ المقاومة استمرت بالسقوط على المدن الإسرائيلية حتى ساعات المساء، واعترفت إسرائيل بمقتل جندي. وكان لمدينة بئر السبع التي تبعد عن غزة حوالي أربعين كيلومتر، نصيب الأسد من الصواريخ الفلسطينية، مع وصولها أيضاً إلى تل أبيب وضواحي القدس.

مع اقتراب ليل غزة إلى منتصفه اشتدت الغارات الإسرائيلية بعد الإعلان عن إرجاء التوقيع على اتفاق تهدئة، رغم تلك الحركة الدبلوماسية التي تجلت في زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى كل من القاهرة والقدس ورام الله، ثم وصول وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى إسرائيل في وقت متأخر من المساء، وإطلاقها لتصريحات مؤيدة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها!

أدرك أهل غزة ليلتها، الذين تمكنوا من النوم وهم قلائل والذين لم يتمكنوا من النوم بسبب شدة الغارات الإسرائيلية، أنهم بانتظار المجهول وأن الاحتلال لم يرتوِ بعد من دمائهم.

اليوم الثامن للعدوان (الأربعاء، 21/11) بدأ عنيفاً بشكل مبكر وتحديداً عند الساعة الواحدة فجراً حينما اهتزت مدينة غزة من جراء سقوط ثمانية صواريخ أطلقتها الطائرات الإسرائيلية على مجمع “أبو خضرة” الحكومي في غارة من أعنف الغارات. هذا المجمع الحكومي التاريخي يقع في قلب المدينة، ويضم مبان ومكاتب لمختلف الوزارات منذ أيام الاحتلال الإسرائيلي (بعد عام 967) مروراً بالسلطة الوطنية بعد قيامها عام 1994 وحتى يومنا هذا. تحول المجمع بفعل هذه الغارات إلى ركام وأصبح أثراً بعد عين، ولحق دمار كبير بالمنازل والمباني المحيطة بالمجمع، ومن بينها مكتب قناة الجزيرة الفضائية. وكان قد سبق هذه الغارة غارة استهدفت برج نعمة التي يقع فيها مكتب وكالة الأنباء الفرنسية ومكاتب صحفية أخرى.

فجر اليوم وحتى ساعات الصباح المتأخرة استأنفت المقاومة إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، تزامناً مع استمرار المظاهرات والمواجهات في الضفة الغربية التي ساد بعض مدنها الإضراب العام. هذه المظاهرات في الضفة المتضامنة مع أهل غزة اتسع نطاقها مع سماع نبأ العملية الفدائية في تل أبيب عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، والتي تم فيها تفجير عبوة ناسفة في حافلة إسرائيلية ما أدى إلى سقوط أكثر من عشرين جريحاً، وهو ما أدخل السرور إلى نفوس الفلسطينيين في كل من غزة والضفة الغربية.

استمرت الوفود العربية بالقدوم إلى غزة رغم القصف الإسرائيلي، وكان آخرها الوفد الليبي رفيع المستوى الذي وصل بعد الظهر، في وقت كانت المصادر الطبية تعلن أن حصيلة شهداء العدوان وصل في منتصف اليوم الثامن إلى مائة واثنين وأربعين شهيداً، ووصل عدد الجرحى إلى ألف وخمسين جريحاً. أما الدمار فهو يفوق الوصف، ولا ندري كيف ستكون تتمة هذا اليوم (الأربعاء، 21/11) فكل الاحتمالات واردة، سواء تهدئة أو هجوم إسرائيلي بري جزئي أو كلي، أو البقاء على المستوى الحالي من الهمجية الإسرائيلية، أو لجوء إسرائيل إلى عملية استعراضية (قد تترافق أيضاً مع تقدم بري) تقدمها على أنها نصر ثم تعلن بعدها وقف إطلاق النار من جانب واحد (أي من جانبها) مع تهديد عنيف لغزة إذا سقط عليها أي صاروخ. وفي كل الأحوال على أهل غزة أن يبقوا متسلحين بالصمود والثبات وأن يدفنوا شهداءهم ويداووا جرحاهم بكل إيمان وعزيمة.

***

من يوميات الحرب على غزة . . اليومان الخامس والسادس

ضمن تصنيف: عام — محمد العجلة في 7:21 م    

طوال اليومين الخامس والسادس للحرب على غزة (الأحد والاثنين، الموافق 18 & 19/11/2012)، تواصلت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، ومن غربه إلى شرقه، وارتفع عدد الشهداء ليبلغ حتى عصر هذا اليوم (الاثنين 19/11) ثمانية وتسعون شهيداً بينهم أربعة وعشرون طفلاً وأكثر من سبعمائة وأربعين جريحاً، الغالبية العظمى منهم مدنيون. ومن الملاحظ أن عدد الشهداء في هذين اليومين زاد عن عددهم طيلة الأيام الأربعة السابقة نتيجة العنف المتزايد الذي تستخدمه القوات الإسرائيلية في هجماتها الجوية وخاصة على المنازل المأهولة بالسكان.

كما استمرت المقاومة الفلسطينية في قصف المدن والبلدات الإسرائيلية بالصواريخ، في وقت تكثفت فيه المساعي الإقليمية والدولية من أجل وقف العدوان والتوصل إلى اتفاق تهدئة، دون أن يؤخر ذلك استعدادات إسرائيل للحرب البرية، من حشد للدبابات وجنود الاحتياط وقصف جوي ومدفعي وبحري للأماكن والطرقات المتوقع أن تستخدمها الدبابات الإسرائيلية في طريقها إلى مدن غزة في حالة اتخاذ قرار بالهجوم البري الذي –إن حدث- سيكون مكلفاً ودموياً وربما مليئاً بالمفاجآت، وهذا ما يضعه قادة الاحتلال في حسبانهم.

ويمكن تقسيم الغارات الإسرائيلية إلى:

أولاً، ضرب أهداف جديدة: تمثلت في استهداف الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية الآتية:

- قصف مقر فضائية القدس في برج شوا حصري الذي يضم الكثير من مكاتب وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية، وإصابة ستة من العاملين فيها، أحدهم وهو خضر الزهار بترت ساقه.

- قصف مرئية الأقصى في برج الشروق، وهو أيضاً مليء بالمكاتب الصحفية والإعلامية،  وإصابة أحد العاملين.

هذه الغارات على وسائل الإعلام تزامنت مع تحركات إسرائيلية أخرى ضد الإعلام الفلسطيني منها السيطرة على تردد قنوات فضائية كالأقصى، وإذاعات محلية تبث على موجة إف إم وبث بيانات دعائية باللغة العربية ضد حركة حماس والمقاومة بشكل عام، صادرة عن قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك التشويش على الفضائيات والإذاعات المحلية التي تعتبرها إسرائيل مساندة وداعمة للمقاومة.

ثانياً، توسيع قصف بعض الأهداف: ونقصد هنا المنازل المأهولة بالسكان، وهي منازل تدعي إسرائيل أنها تعود لمقاومين. وهذا الأسلوب الوحشي الذي استخدمته إسرائيل في مواجهات سابقة مع غزة وفي حرب 2008، تصاعد خلال هذين اليومين بشكل كبير، وتُوّج بقصف منزل عائلة الدلو في حي النصر بمدينة غزة ما أدى إلى استشهاد أحد عشر مواطناً غالبيتهم نساء وأطفال تسعة منهم من عائلة واحدة. وبطبيعة الحال يذهب ضحية هذا الأسلوب الهمجي أطفال ونساء وشيوخ آمنون وغالباً يكونون نائمين، بينما لم يكن المقاوم نفسه في البيت في غالبية الحالات. وتهدف هذه الضربات إلى النيل من الروح المعنوية لأفراد المقاومة وبث الذعر والهلع بين أهاليهم وجيرانهم وبين عامة الناس، ومحاولة للضغط على أعصاب قيادة المقاومة للقبول بشروط إسرائيل لوقف إطلاق النار.

ثالثاً، الاستمرار في قصف أهداف اعتادوا على ضربها، وتشمل:

- ضرب المقاومين سواء كانوا يقومون بمهمات قتالية أو كانوا في سيارات أو على دراجات نارية. ومن الملاحظ في هذا العدوان أن هذه الحالات ليست كثيرة، فيبدو أن أفراد فصائل المقاومة اتخذوا إجراءات أمنية مشددة أثناء تحركاتهم، والمواطنون لا يرون المقاومين في الشوارع، وفقط يسمعون عنهم في وسائل الإعلام.

- مقرات شرطية، حيث تم قصف مركز التفاح والدرج فجر الأحد ومركز شرطة العباس في حي الرمال فجر الاثنين، استكمالاً لقصف المقرات الحكومية الأمنية والمدنية التي كان أبرزها تدمير مقر مجلس الوزراء والمقر العام للشرطة (مدينة عرفات للشرطة) في وقت سابق.

- أراضي زراعية وخالية، وقد كان لها نصيب الأسد من القصف منذ بداية العدوان، حيث تدعي إسرائيل أنها من خلال قصفها، تضرب الأنفاق والألغام ومخازن الأسلحة.

- ورشات ومصانع، وواضح هنا هدف إسرائيل في إحداث خسائر مادية للفلسطينيين.

- الأنفاق على الحدود بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، وتعتقد إسرائيل أن هذه الأنفاق هي التي مكنت المقاومة من تجهيز نفسها وتطوير بنيتها العسكرية. كما أن الأنفاق كان لها الدور الرئيسي في إفشال الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من خمسة أعوام.

- مرافق عامة مثل استهداف استاد فلسطين وهو ملعب رئيسي لكرة القدم في مدينة غزة ويضم مبان ومدرجات، وتم استهدافه بشكل أخف في بداية العدوان.

تواصل وفود التضامن العربية

في هذه الأجواء الدامية تواصلت زيارات الوفود التضامنية المصرية إلى غزة، وكان من بينها الوفد المصري الشبابي الكبير المكون من خمسمائة شاب وشابة الذي وصل مساء الأحد ومكث ليلة واحدة رأى وسمع فيها أهوال القصف الإسرائيلي وآثاره المأساوية. وكان مستشفى دار الشفاء هو القبلة الأولى لهذا الوفد وكل الوفود التي سبقته، حيث يرقد فيه مئات الجرحى وفيه ثلاجات الموتى التي تضم جثامين آخر الشهداء الأبرار في انتظار توفر فرصة مناسبة لتشييعهم ودفنهم. وما أن غادر هذا الوفد الشبابي قطاع غزة إلاّ وكان وفد القوى السياسية المصرية يصل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح ظهر الاثنين، ومن بينهم الدكتور محمد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المصري السابق، ويتكون هذا الوفد من قرابة ستين شخصية اعتبارية مصرية.

وفي الحقيقة أن استمرار وصول هذه الوفود إلى غزة وهي تحت القصف الإسرائيلي يحمل في طياته العديد من الرسائل منها ما هو موجه لأهلنا في غزة بأنهم ليسوا وحدهم في هذه المواجهة غير المتكافئة وأن الشعب العربي واحد وعدوهم واحد. وهذا يشير بوضوح إلى الاختلاف بين زمن حكم حسني مبارك وما بعده تجاه فلسطين وأهلها. ومن هذه الرسائل ما هو موجه إلى العدو الإسرائيلي بأنه لم يعد بإمكانه الاستفراد بالشعب العربي الفلسطيني، وأنهم كعرب لا يخافون طائراته ودباباته التي لا تكف عن إرسال حمم الموت حتى أثناء وجود هذه الوفود في غزة.

نحن في منتصف اليوم السادس للعدوان الإسرائيلي، ومعنويات المواطنين عالية وإيمانهم قوي بعدالة معركة المقاومة ضد الاحتلال، وأداء الفرق الصحية والشرطية يستحق كل التقدير، وفرق الدفاع المدني تعمل بكل جهد مستطاع مع تسجيل ملاحظة تخص عملهم وهي قلة الإمكانيات المتعلقة بإزالة الأنقاض وإخراج الشهداء والمصابين من تحتها، وهو ما يؤدي إلى تزايد عدد الضحايا. ولا ندري ماذا تحمل بقية هذا اليوم (السادس) لأهل غزة، الذي سقط فيه من الصباح حتى الآن خمسة وعشرون شهيداً، مع استمرار الجنون الإسرائيلي واستهدافه لمزيد من المنازل المأهولة وترويع الأطفال والنساء والشيوخ والتهديد بالحرب البرية.

***