محمد أبو عرة

(الشعب يريد ..) هو الشعار الأكثر ترديداً اليوم في جنبات الوطن العربي، وهو الشعار الذي بات من أولويات المواطن العربي، فهو إما صادح به في الشارع وفي مواجهة جحافل الأمن ورعب القمع، وإما لا زال يعتمل في صدره ويداعب مخيلته ويشغل فكره.

هذا الشعار بات هاجساً للمواطن العربي وملهماً له، وهو بات معبراً عن أولويات ومطالب الشعوب التي ملت من الاستعباد والقهر وغياب الحرية، فالشعب يريد الإصلاح، والشعب يريد الحرية، والشعب يريد الخلاص من الفقر والبطالة، والشعب يريد محاربة الفساد، وأخيراً الشعب يريد إسقاط النظام، فهذه الأنظمة ذات التفكير الحجري لم تستطع أن تستوعب وتتعامل مع هذا الشعار وما يمثله من مطالب، فتدحرج مثل كرة الثلج من إصلاح النظام إلى إسقاطه.

ومن هنا بات واضحاً أن الشعوب العربية أصبح لديها أهداف وأولويات للتحقيق باتت تطالب بها على مختلف المستويات في ظل هذه الحالة من المد الثوري الشعبي الرائعة، بعد عشرات السنوات القاتمة من التيه والضياع، وانعدام الرؤية والهدف والأوليات.

على العكس من ذلك، في فلسطين بتنا نعاني اليوم من تيه وضياع على مختلف المستويات “الوطنية والداخلية والخارجية”، والشعب بات لا يعرف ولا يريد.

كنا نريد ونردد دوماً شعارات إزالة الاحتلال والحرية وحق العودة وتقرير المصير والقدس العربية والوحدة الوطنية وغيرها، واليوم بتنا نردد الشعب يريد الرواتب، الشعب يريد قروض من البنوك، الشعب يريد مول في كل مدينة، الشعب يريد السيارات الجديدة، الشعب يريد “KFC، وبيرغر كينغ، وماكدونالدز”، وكل ذلك ونحن شعب لا زلنا تحت الاحتلال، ولا زالت الأرض تنهب وتسرق ويزرع فيها المستوطنين، ولا زالت القدس تهود ويهجر سكانها، ولا زال اللاجئين مشتتين في بقاع الأرض، فما الذي تغير حتى نتغير، وما الذي تبدل حتى نتبدل؟

ما هذه الحالة المرعبة من تبدل وتبديل الأولويات والأهداف، لماذا بات شعبنا على هذا القدر من الاغتراب عن الذات الوطنية والهم العام، لماذا باتت قيمنا الوطنية وقضايانا الحساسة مدعاة للسخرية والاتهام والابتعاد، لماذا أصبح مجلس للحديث عن ستار أكاديمي أو هيفاء وهبي يحظى باستماع ومشاركة أكبر من مجلس للحديث عن القدس أو الاستيطان أو الحرية أو الديمقراطية؟

من أراد أن يتأكد من تفشي هذه الحالة المشينة من التنكر للذات والقيم الوطنية والذاكرة الجمعية عليه أن يقوم بزيارة قصيرة لأحد الجامعات الفلسطينية ليرى ما الهم الشاغل للشباب والشابات، ليستمع لأحاديثهم ونقاشاتهم، ليسألهم عن أولوياتهم وأهدافهم، ليسألهم عن مواقفهم ومدى معرفتهم بالقضايا الوطنية والقومية، بالتأكيد سيصدم مما سيشاهد ويسمع ويرى، هذه الجامعات التي كانت منارة الوطنية وشعلة الانتماء لفلسطين وقضاياها، هذه الجامعات التي خرجت شهداء وأسرى ومقاومين وقيادات وطنية.

هذه الحالة مسؤولة عنها بشكل أساسي السلطة ونظامها السياسي الحاكم، فهي من تروج عبر مشروعها السياسي لهذه الحالة العجيبة بالقياس لتاريخ الشعوب التي تقع تحت الاحتلال، ولكن مسؤولية السلطة الأولى والأكبر لا تنفي مسؤوليتنا كشعب فلسطيني، فنحن لولا تماهينا مع هذا المشروع وهذه الحالة لما استطاع أن يحقق هذا النجاح، ولما انقلبت فعلاً مفاهيمنا وقيمنا وأولوياتنا.

     

Be Sociable, Share!