محمد أبو عرة

بعد مناقشة أولية مع زملاء وأصدقاء حول ما نشرته الجزيرة أمس من وثائق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ذات الرعاية الأمريكية، وجدت أننا لا زلنا نتعامل كشعب ومثقفين مع القضايا الحساسة والكبرى بنفس المنطق الأعوج القائم على مناقشة القشور لا لب القضية ومحاولة إيجاد التبريرات الدائمة للفشل والانهيار والالتفاف على المسائل لمجرد أن من طرق بابها وكشفها طرف لا يناسب هوانا، بالإضافة لمحاولة الكثيرين التعمية والتعميم والتشكيك دون تدقيق.

المفروض أننا كشعب عجن بالتجارب المختلفة وتلقى صدمات عبر تاريخه لا تعد ولا تحصى أن يشكل هذا الأمر في وعينا وفهمنا علامة فارقة تجعلنا نزن الأمور بالقدر السليم ونتعامل معها بكثير من التحليل والتدقيق والفحص قبل إطلاق الأحكام، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وليس مئات المرات.

وعلى هذه القاعدة المبنية على أسس علمية لا يجوز أن نتعامل مع “وثائق الجزيرة” بهذه الصورة من “الرعونة”، فما يعنينا ويعني قضيتنا ليس من كشفها ومآربه في ذلك وليس التوقيت الذي يقول الكثيرون أنه سيء، فما يجب أن يحوز على اهتمامنا ونقاشنا هو طبيعة هذه الوثائق وهل هي حقيقية أم لا، لأن ما جاء فيها حقيقة يشكل خطورة كبيرة على قضيتنا الوطنية ويشكل انحداراً كبيراً في سقف مطالبنا وهو السقف الذي باستمرار كان ينخفض حتى كاد يطبق على رؤوسنا.

نقطة أخرى حول إعلامنا المحلي، هذا الإعلام الذي بات يعمل كشركة للعلاقات العامة، نطالع صفحاته المكتوبة والالكترونية فلا نجد إلا الوزير الفلاني قال، والمحافظ زار، وفلان افتتح مشروع، وعلاّن رجع من جولة مظفرة طاف بها بلاد الواق واق.

أليس الأجدر بإعلامنا المحلي التمسك برسالة الإعلام الحقيقية، أليس الأجدر به معالجة أوضاع الناس من فقر وبطالة وغيرها من المعضلات والمشاكل التي تنهشنا يومياً بدل أخبار تدفع قارئها للاشمئزاز هذا طبعاً إذا وجدت من يقرأها.

أليس الأجدر به بدل مهاجمة الجزيرة ومهاجمة النوايا من النشر ومهاجمة التوقيت والتشكيك، أن يكون على مستوى الحدث ويحاول إجلاء الحقيقة ووقتها ليدافع عن الحقيقة مهما كانت ومهما كانت نتائجها، أما أن يتحول إعلامنا حتى ما يدعي إنه مستقل منه إلى إعلام ملكي أكثر من الملك فهو ما يضعه أمام حقيقة أنه إما إعلام مأجور مستفيد وإما إعلام خائف ضعيف، وفي كلتا الحالتين يفقد مصداقيته ويجعله أضعف من أن يهاجم غيره.

مسألة أخيرة، المنطق يقول أن قناة الجزيرة قناة إعلامية ضخمة وهامة وعلى مستوى عالي من المهنية والموضوعية جعلتها تكسب متابعة وتأييد الشارع العربي من أقصاه لأقصاه لا ينافسها فيه أحد، وهو ما يجعلنا نرى أنها لن تقامر بكل هذه المكانة والشهرة بوثائق أو خبر كاذب لا مصداقية له، لأنه لو فعلت تكون قد خسرت مستقبلها المهني ومصداقيتها وهو ما تحرص عليه أشد الحرص، ولأنه لو فعلت فإن العواقب وخيمة وليست هينة فالقضاء يمكن أن يحكم ضدها بأحكام مادية ومعنوية قاسية ستمسها وتمس مصداقيتها وثقة الناس فيها بالصميم.

ومع ذلك هذه ليس دعوة للتسليم بما لدى الجزيرة من وثائق، ولكن أنا أدعو للتروي والتحقق والتدقيق في كل ما قيل وطرح، ثم لنصدر الأحكام بعدها، وإذا ظهر أن الجزيرة مدانة بتلفيقها لمثل هذه الوثائق لا يمكن لأحد أن يقبل ذلك وسنقف جميعاً ضدها، ولكن إلى أن يثبت العكس دعونا ننتظر ونفحص وندقق ونعيد قراءة التاريخ مرة أخرى، فالمهم العنب وليس قتال الناطور.

 

Be Sociable, Share!