محمد أبو عرة

على قدر ما آلمنا ما أحدثته ثورة الجياع والعاطلين عن العمل والمقموعين في كل من تونس والجزائر من قتلى وجرحى ومعتقلين ومعذبين على قدر ما أعادت لنا الأمل في التغيير مجدداً بعد أن كان اليأس بدء يتسلل إلينا نحن معشر العرب رويداً رويداً.

هذه “الثورة” أو كما تسميها الفضائيات العربية “اضطرابات” ليست وليدة صدفة أو من فعل أصابع خارجية، بل هي نتيجة طبيعية لكل ما تعانيه الشعوب العربية من قهر وظلم واستبداد وفساد وفقر وبطالة وتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية.

هذه “الثورة” تطور طبيعي وردة فعل مألوفة ومفهومة بالنظر للسياق والظروف والتاريخ الإنساني، وما عداها من سكوت وقهر النفوس واللامبالاة والخوف هو الشاذ وغير الطبيعي.

فالأمم الحية لا يمكنها نسيان حقوقها وقهر مشاعر أبنائها المظلومين حتى وإن سكتت لفترة أو فترات تحت وقع العصا الغليظة والقبضة الحديدية وتغول أجهزة الأمن واضطهادها الناس بأساليب قمعية قميئة.

وما يحدث اليوم في كل من تونس والجزائر كان يجب أن يحدث منذ زمن ليس بالقريب، وكان يجب أن يحدث في مناطق أخرى في العالم العربي المنهك من الظلم والاستبداد والفقر والجهل والتخلف بفعل أنظمة لا يهمها سوى الحفاظ على مواقعها ومصالحها حتى وإن كان ثمن ذلك القتل والقهر والظلم وإغراق الأوطان بكل الآفات والمصائب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالمهم لديها هو سلامة النظام ولتذهب إلى الجحيم الأوطان.

فالتغيير في الواقع العربي البائس يجب أن يبدأ ويكبر حتى تحقيق الأهداف بإنهاء الظلم والاستبداد السياسي وتغيير كافة عوامل الوهن والتخلف من فساد وفقر وجهل ونمطية قاتلة، فالعربي اليوم بات تائهاً هائماً دون أي هدف أو مشروع وهو ما تريده وتعمل عليه هذه الأنظمة لضمان عربي مخدر نائم لا يسأل عن حقه ولا يفكر في أمور وطنه وأمته ولا ينشغل إلا بسفاسف الأمور وبقوت عياله الذي يجري ورائه ليل نهار دون أن يلحق بالحد الذي يحفظ له كرامته.

وهذا التغيير المنشود لا يمكن تحقيقه إلا بأحد أسلوبين هما تعبير عملي وخلاصة تجارب إنسانية وأممية أخرى، الأول سلمي يفضي لتغيير سياسي وتداول للسلطة وإتاحة كاملة للحريات ونهضة شاملة تبدأ بالإنسان وتنتهي بشؤون الحياة المختلفة، وهو الأسلوب المستبعد جداً في واقعنا العربي لظروف تمسك الأنظمة بتلابيب الحكم والسيطرة على مقدرات الدول العربية، وعدم استعدادها لإتاحة الحريات وإعطاء الحقوق السياسية، واستمرارها في النهج الديكتاتوري القائم على الحكم بعقلية وقبضة الأمن للحفاظ على النظام ومصالحه وإقطاعيات القائمين عليه.

والثاني عنفي “بالمعنى الإيجابي” قائم على الثورة على الوضع القائم وعلى الظلم والاضطهاد ونكران الحقوق وهضمها والخلاص من هذه الأنظمة بثورات شعبية لا بد وأن تقدم فيها التضحيات، وهو الأسلوب الذي لا مفر للشعوب العربية أن تسلكه إذا ما أرادت تحقيق حريتها وإنهاء هذا الوضع المزري من الظلم والتخلف الذي تغرق فيه.

فالحرية والحقوق لا تعطى وإنما تنتزع انتزاعاً، والحديد لا يفله إلا الحديد، وهذا المستوى من الرعب والخوف والمعاناة التي تزرعها هذه الأنظمة لا بد إلا وأن يقابل بمستوى أكبر وبقوة تستطيع فرض التغيير.

وبكل تأكيد أن هذه الثورة سيقدم فيها تضحيات كبيرة وأليمة، ولكن هذه التضحيات هي شرط الحصول على الحرية وتغيير الوضع ودونها لا يمكن لشيء أن يتغير وسيبقى العربي يراوح مكانه في جهل وتخلف وفقر ومعاناة، والعربي قادر على بذل هذه التضحيات فهو بذلها مسبقاً وقدم من دمه ولحمه قرابين لتحرر الأوطان من الاستعمار الأجنبي، أفلا يقدم ولو جزئاً مما قدم للتحرر من الاستعمار الداخلي؟.

إذن هي الثورة ولا غيرها يغير واقعنا المؤلم، ثورة تقتلع الظلم والاستبداد وتزرع الحرية والكرامة للناس، ثورة تعيد للعربي بعد كرامته المهدورة ثقته بنفسه المهزوزة اليوم، ثورة تبني أوطاناً وأمة واعية متقدمة لا أمة تعيش على هامش التاريخ.

نأمل أن تشكل “ثورات” تونس والجزائر مقدمة لثورات عربية أخرى تؤسس لواقع عربي مغاير، واقع يستطيع المرء معه أن يفخر بأنه عربي، فقد مللنا من التواري خجلاً من هذه الكلمة.

  

Be Sociable, Share!