فبراير
18

بقلم : محـمد الكرافـس

جريدة ” العرب” الدولية 13/02/2011

صحيفة “الوفاق”الإيرانية 16/02/2011

******

بدأت بوادر انهيار المخطط الأمريكو- صهيوني  في الشرق الأوسط تتشكل في الأفق خاصة مع  ظهور جيل جديد من الشباب في البلدان العربية ، جيل يؤطر ذاته بعيدا عن دواليب السياسة و لا يؤمن بالتبعية الأيديولوجية  و  يؤمن بضرورة التخلص من التبعية المخزية للغرب التي انتهجها النظام العربي ، النظام الذي نسي في يوم من الأيام انه يتولى إدارة شؤون الشعب و ليس إدارة شؤون أمريكا في المنطقة.

منذ تنظيرات كوندوليزا رايس و تخطيطات  رامسفيلد و الشرق الأوسط يعتبر بمثابة حقل تجارب حول نوع السياسة التطويعية التي يجب انتهاجها  قصد  تطويع شعوبه و إخضاعها في ظل استمرار تقوي العدو الصهيوني الذي يعتبر الخاسر الأكبر من انهيار أكبر الأنظمة العميلة للحلف الأمريكو – صهيوني ، حيث لوحظ استنفار النخبة الإسرائيلية لكل قواها  في إطار محاولة الالتفاف حول الثورة المصرية و الدفع باتجاه تخويف الغرب من احتمال تولي الإخوان المسلمين للسلطة و بالتالي انهيار جبهة عربية خارجية موالية لإسرائيل و مفرملة للرغبة العربية في اتخاذ قرارات تعيد للأمة كرامتها.

لقد انتهج مبارك منذ توليه سياسة تخريبية للعقيدة القومية التي بناها عبد الناصر و ذلك  رهين بقتل  الممانعة العربية  و تزييف وعي جمعي عربي حول القضية و هو ما سمعناه البارحة من الرئيس الصهيوني شيمون بيريز الملطخة يداه بدماء الفلسطينيين الأبرياء حين أمطر مبارك بالمديح و الإطراء

و الرضا  و اعتبره من  أقوى الحلفاء، فهكذا يكون خدام الامبريالية الصهيونية وحين  يطرد مبارك من مصر من المحتمل جدا أن يستقر في إسرائيل التي ستستقبله بالورود و الرقصات ، ستستقبل خادمها الأمين خلال ثلاثة عقود و لم لا تقيم له تمثالا نظير تقويضه للقومية و الكرامة العربية   و نظير تآمره على الشعب الفلسطيني و   قطاع غزة بالخصوص .

إن التاريخ  لا يحتمل الكذب  يا كوندوليزا رايس  و أنت تقبعين الآن في قمامته، أظهر هذا التاريخ  أن تخطيطك مفلس أمام قوة الشعوب، و أن استعداء الجماهير و التآمر عليها مع الأنظمة العميلة ليس مفتاحا للاستقرار، و قد كذب التاريخ أمريكا فيما قبل حيث لا ننسى أن  أهم حلفاء الغرب  في بلاد فارس الذي هو  شاه إيران كان يقول عنه نظام عبد الناصر أنه خائن حتى انقلب عليه طلاب الثورة الإسلامية   و صارت الأمور منقلبة اليوم  بحيث أصبح النظام الإيراني معاديا لأمريكا و صار في مصر نظام عميل لم تشهد له العمالة و التبعية المخزية  للغرب في التاريخ مثيلا.

إن ما كانت تنظر  له رايس في  هندستها لشرق أوسطي كبير ، حمل اليوم عيدان لـَحْـدِهِ شباب الانتفاضة المصرية  و التونسية قبلهم ، حيث أن التحرير و تخليص القضية الفلسطينية من براثن النفاق الغربي بتعبير المفكر العربي عبد الباري عطوان يجعل هذا الغرب يتنازل عن نفاقه و نظرته للأمور بازدواجية.

و من ذلك نستشف أن القضية الفلسطينية لن تحل حتى يتحرر العرب من أنظمة العمالة للغرب و الذي يتستر على دهس القيم و حقوق الإنسان مقابل خدمة مخططاته و مصالحه الاستراتيجية في المنطقة ككل.

فلو كان الأمر في بلد آخر غير مصر، لكانت أمريكا قد هاجت و ماجت و شحذت همم حلفائها حول ضرورة التدخل ، لكن لغة الخشب الأمريكية و التخبط في التصريحات بين أوباما و كلينتون و موفد

الإدارة الأمريكية إلى مصر يظهر بالملموس  أن هذا الغرب لازال  غير مستعد للتخلي عن أهم خدامه الأوفياء ، بل يدير ظهره لصوت الشعب المصري المدوي و المجلجل  و للأنباء عن قتل الصحفيين و مطاردتهم و يستمع فقط  للتخوفات الآتية من تل أبيب و التي جعلت الصهاينة في موقف لا يحسدون عليه.

إن الاستقرار الذي تنشده أمريكا و من يدور في فلكها  في المنطقة بمفهومها و مقاربتها  لن يكون هذه المرة ضد  رغبة الشعوب ، بل  يمر بالأساس من بوابة الديمقراطية  و الكرامة و احترام مشاعر الآخر بدل محاولة  تطويعه و تجويعه و هو ما ولد حقدا دفينا في نفوس الشباب العربي الذي لم يعد قادرا على الاستمرار في المعاناة و اجترار ويلات الخيبة و التبعية بينما الغربي يرسم إحداثيات وعيه و يتلاعب بجينات هويته بل و يفرض عليه  اتباع  نسق معين للحكم كله إذلال و خنوع.

فلينصت النظام العربي لصوت شعبه و لو مرة واحدة بدل الاستهتار به و التآمر عليه مع مخابرات الغرب التي تتدخل في كل صغيرة و كبيرة  في هذا الوطن المكلوم الذي استفاقت أجياله الجديدة من الوهم و الخوف و هي أجيال لها مطالبها التي تتعدى الآفاق الضيقة التي يرسمها التضييق على الحريات ؛ أجيال  تتواصل فيما بينها  و تتقصى الأخبار من وسائط إعلامية جديدة بديلة عن الوسائط الملجمة لأفواه الشعوب التي تمتلكها الأنظمة .

و في إطار آخر بدأ النظام المصري في  وقت معين بتصدير كذا مليون متر مكعب من الغاز يوميا  إلى إسرائيل بينما المصريون يقضون أيامهم في طوابير طويلة بحثا عن قارورة غاز طائشة، فهل بهذا الاستخفاف بالمواطن و مساعدة العدو نستطيع كسب ثقة الجماهير العريضة؟

لقد أفلست تنظيرات رايس و من  كان يسعى لاستضافتها في شرم الشيخ ، هذا المنتجع السياحي الذي ارتبط في المخيلة العربية و الوعي الجمعي للذاكرة العربية بالمؤامرة و طبخ ملفات و “كولسة ” مواقف معينة تخرج في النهاية مخجلة متعثرة في سذاجتها،حيث يستبلد النظام العربي مواطنيه و يحاول دحرجتهم عبر لعبة القبول بالأمر الواقع إلى الاستكانة و الجمود، لكن هذه المرة اختلطت عليه الأوراق

و قلبت عليه الشعوب الطاولة  حيث كل شيء يتم الصبر عليه إلا الحرية مادامت هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لتشكيل  معالم الانتقالات و التغيرات الجذرية عبر التاريخ في مجموعة من المجتمعات .

إن سنة 2011 ستكون سنة عربية بامتياز حيث من المرجح أن يعرف العالم العربي كله ثورات و انتفاضات الشعوب ضد الأنظمة السياسية،  و هي مقاربة تبدو إلى حد ما كرد فعل ضد المقاربات الغربية للشرق الأوسط حيث لم يخل اجتماع كبار القوم  في ألمانيا من محادثات حول هذا الملف الشائك الذي يشغل بال أمريكا و يؤرقها أكثر، على الأقل منذ تخلصها من عدوها اللدود : نظام صدام حسين  في العراق .

على هذا الأساس أصبح  هذا  الغرب يجنح  دائما  في فرض سيطرته إلى الاتجاه شرقا، شرق أوربا فيما سبق و الشرق الأوسط  اليوم و ذلك كنوع من بسط نفوذه على مناطق العالم وتطويعها و إيجاد أنظمة عميلة تحافظ على مصالحه  و إسرائيل نفسها تدخل ضمن هذا التنظير و زوالها مرتبط بالأساس بتحرر المجتمعات العربية الإسلامية من ربطة الاستعباد الداخلي و إسكات الأصوات بطريقة أو بأخرى بل وصل الأمر حتى إلى خلق أصوات مأجورة  تنادي و تهتف لهذه الأنظمة، هي أصوات تقتات على احتياجات الفقراء و أمية البعض و على احتكار وسائل الإعلام المحلية.

لقد قدم الفايس بوك و الانترنيت و المنتديات الاجتماعية اختراقا حقيقيا للخطاب السياسي الأوحد التي تروجه الأبواق الرسمية   في وسائلها  و التي لا تعبر بتاتا عن صوت الشعوب بقدر ما تركز على خطاب النظام العربي  الذي من كثرة تكراره يسعى إلى القيام بغسيل دماغ الشعب العربي و تدجين لاءاته

من جهة و من جهة أخرى، فالمتأمل لتغطية القنوات الغربية كذلك يلمس  طبيعة الخطاب الفكري المراد إيصاله  و الذي يتناغم مع مؤسسة الأدلجة السياسية الغربية التي لا ترى فينا سوى سوق استهلاكية عريضة لبيع  السلع ؛ مؤسسة لا ترى في العرب سوى بدو همج  يتيهون في الصحراء و يركبون الجمال و هي البروباغندا المغرضة التي تحاول تسويقها عبر وسائل  مشبوهة  و مملوكة بخيوط “كراكيزية”  لجهات تابعة للنفوذ الصهيوني.

الرئيس الأمريكي أوباما يقدم تصريحات بمقاس ميليمتري و يزن كلامه مخافة أن تنفلت الأمور من يده

و يسخط عليه مراقبوه في تل أبيب و لذلك يستمع بأذن صاغية لإسرائيل و يعطي لصوت الشعب العربي أذنا صماء ، مادامت الأولوية و المصلحة العليا هي لإسرائيل الخاسر الأكبر من الثورة العربية المجيدة استراتيجيا و اقتصاديا و سياسيا.

و يوم يتخلص الشعب العربي من تبعيته للغربي و من عمالة أنظمته، و يوم تصير مواقف ساسته متناغمة مع مواقف الجماهير التي تنشد فكرا تحرريا من الطغيان، آنذاك يمكن القول أن صوت إسرائيل سيصير مبحوحا عبر العالم  و لا بوق له مادامت أصوات الشعوب العربية تصدح فوقه عالية في الآفاق.

أما التغيير المهزلة  الذي أقدم عليه النظام المصري من خلال إقصاء وجوه في الحزب الوطني و تغيير وجوه في حكومة جامدة فيشبه إلى حد كبير تغيير فردة حذاء بأخرى بدل تغيير اللباس كاملا داخليا و خارجيا ، حيث أننا نعلم جميعا طبيعة الدساتير العربية التي تساوي خردة حقيقية في سوق الحريات و حقوق الإنسان و حقوق المواطنة مادامت تضمن للحاكم –الرئيس حصانة ضد كل الأعراف و الحقوق المتفق عليها و من يقرأ هذه الدساتير يصاب بخيبة أمل في مسألة التداول على السلطة التي هي مبدأ الديمقراطية الحقة ، كما أن الحكومات العربية ما هي في الحقيقة سوى حكومات إدارية لتصريف الأعمال و ليست حكومات سياسية تملك سلطة القرار حتى و لو صوت عليها الشعب  بأكمله، لأن سقف اشتغالها محدود بطبعه و لا تستطيع أن تتجاوز ذلك السقف.

المصيبة الأخرى هي الفساد المستشري  و الذي أصبع قطاعا  نسقيا يبتلع خيوط الاقتصاديات العربية

و يلهف  عائداتها و يجعلها تصب في مصلحته حيث بتنا نسمع عن مداخيل مهمة  في كذا و كذا بينما لا يلمس المواطن العربي من ذلك سوى لهيب الزيادة في الأسعار و الضرائب و غلاء المعيشة . و المثال هنا  هو الزراعة  التي تم إقبارها في مصر و هي التي ارتبطت في تاريخ الوجود البشري بكون المصريين من أول الشعوب التي زرعت و أخرجت من الأرض بقلها و  ثمارها؛ مصر البقعة الطاهرة التي يمر فيها أكبر نهر  في العالم تعاني أزمة غذاء بفعل سياسة عميلة أدخلت البلاد في تبعية عمياء لأمريكا  مقابل معونة سنوية .

في الأخير، تجدر الإشارة إلى أن الشرق الأوسط بما هو عليه من ثروة طبيعية و طاقية و بشرية اليوم، يتجاوز كل التنظيرات المشؤومة التي دعت إليها  كونكوليزا رايس ، حيث الشعوب العربية أعلنت صراحة شهادة وفاة هذا المخطط الأمريكو- صهيوني بمطالب  باتت تتجاوز هذا الجمود و الاستعباد  السياسي الضيق إلى الانعتاق و  الكرامة و العدالة الاجتماعية و الاستفادة المباشرة من الثروات و هو مؤشر صريح على ضرورة استفادة أمريكا من هذه الدروس ، دروس يكتبها الشعب  بمداد التضحية على جبين التاريخ و لا تمحي أبدا  بمرور الدهر.

فبراير
05
في 05-02-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 31/01/2011

أظهرت الثورة المصرية  أن الشعب العربي مجددا  ليس جامدا مفرمل التفكير كما نظّر له مجموعة من الغربيين ذوي التوجهات غير البريئة حيث الأنظمة القمعية من قبيل نظام مبارك وبن علي  و من والاها كانت تغذي هذه الافتراضات إلا أن  جرت رياح التاريخ نحو تكريس الحق و لا ندري كيف ستكون مكانة  مبارك و بن علي و من سيسقط بعدهم،  في ذاكرة الشعب العربي الذي لن يرضى بأكثر من محاكمتهم و رميهم في مزبلة التاريخ بعدما  بدأت تلفظهم الجغرافيا العربية واحدا و احدا  بضربات الكرامة و العدالة الاجتماعية و كسرة الخبز الضائعة .

هؤلاء الحكام الذين يجثمون على صدور الشعوب العربية لم يتوانوا  قط عن تسخير آلاتهم القمعية مع المزيد من التفنن في المحاصرة و ليس اليوم شعب عربي حر أكثر من تونس و مصر  و إن كان لكل شعب خصوصيته و لكن الديماغوجية التي  تنادي به هذه الأنظمة و محاكمة كل من ينتقدها بتهمة الإرهاب بالنسبة للإسلاميين و تهديد أمن الدولة بالنسبة للآخرين هي تهم مجانية ما دامت ذراع القضاء في مجموعة منها  ملوية من طرف الأنظمة السياسية التي أفلست و  لم تعد قادرة على تجديد خطابها  رغم حملات التلميع الديماغوجية التي تسوقها ليل نهار عبر أبواقها الإعلامية إن لم تكن هي نفسها أصبحت تعطل السير التنموي لبلدانها من خلال السطو على قطاعات  بأكملها    و خيرات الدولة.

لسنا هنا بصدد تعداد انتقادات لهذه الأنساق السلطوية بقدر ما نحن نرصد تصورها للحكم و هو تصور خاطئ لأنه يعتمد الإكراه بدل السلطة الناعمة بالمفهوم الفوكوي حيث الدولة في خدمة الشعب و ليس الشعب في خدمة السلطة كما يظهر بالعيان في أنظمة الدول العربية التي تبلور تصورا يحافظ على مصالحها و امتيازاتها.

الوجه الآخر لبدء تهاوي الأنظمة العربية هو اقتسام أبناء الشعب العربي لنفس المعاناة  خبزيا و  حقوقيا لاسيما على مستوى الطبقة المتوسطة التي لم تعد قادرة على مجاراة الارتفاع الصاروخي للأسعار و التحقت هي الأخرى بالطبقة الكادحة  المتسعة ،فكانت الثورة  التونسية و بعدها المصرية ثورة خبز و كرامة و انتفاضة ضد الجوع و الذل معا على حد تعبير المفكر العربي د.عزمي بشارة.

و ليس تسويق صورة التنمية الاقتصادية المغلوطة هو من يمكن تحقيق السلم الاجتماعي إذا لم تصاحبها عدالة اجتماعية كرامة و شعور  و الأمان و بالمواطنة الحقة بدل هذه الشعارات الرنانة التي تطلقها حكومات عربية لا تملك غير السمع و الطاعة و لا تطبق منها سوى منظومة تخويف الشعوب.

لن يستمر النظام الرسمي العربي طويلا إن آجلا أم عاجلا إذا لم يتصالح مع مواطنيه على مستوى الكرامة  لأن مفهوم الدولة الراديكالي التسلطي مفهوم متجاوز في وقتنا هذا إذا لم تكن في نية الدولة الشعور بخدمة الشعب و تسيير شؤونه  و إشعاره بالحق في ثروة البلد و ليس السهر على أمن الأنظمة و مطاردة كل من ينتقدها لإطالة عمرها.

لقد أثبتت الحالة العربية في تونس و مصر  اليوم أن الضغط يولد  الانفجار لاسيما حينما يتعلق الأمر بالحريات ليس كلغة إنشائية يتم ترويجها من قبل أبواق الدعاية الرسمية التي تطبل و تزمر ليل نهار لأنظمة متسلطة و لكن أن يلمسها المواطن كسلوك في الشارع ،في الإدارة،في كل مكان ، أن لا يشعر بالخوف ،الخوف من المجهول كظل يلازمه و هي حالة المواطن العربي المرعوب من أجهزة الشرطة و الخوف من مصير لا يعرفه.

و الرعب في الوطن العربي متبادل  حيث النظام العربي الرسمي  بدوره  أصبح مرعوبا هذه الأيام  من تصاعد الرفض ضده و يجتهد كل يوم من أجل تطوير أساليب تطويق و تزييف الوعي الجمعي لدى الجماهير.

حتى الغرب الذي كان يسكت على هذه الأنظمة لم يكن  يفعل ذلك حبا فيها  و لكن لأنه كان يعي تماما مدى استفادته منها وهي تراعي مصالحه مع العلم أنه قادر على التخلي عنها في أي لحظة و رميها في خردة التاريخ  إذا  رأى بوادر ثورة كما حدث لبن علي صديق فرنسا  الدائم و الذي رفض ساركوزي حتى استقباله  فكان أن لفظه التاريخ  بعدما لفظته الجغرافيا في قمامة الطغاة..

لم تنجح لحد الساعة الخطط الاستنزافية التي شنتها الأنظمة العربية على شعوبها منذ خروج المستعمر الأجنبي و ظهور  المستعمر المحلي في إطار  استنزاف الثروات و قمع الحريات، فبقي المواطن العربي  يصارع قوت يومه و لم ينسى أبدا أن يطالب بحريته المسلوبة و لو بشكل موسمي.

اليوم نستطيع أن نقول أن النضج و الوعي العربيين قد بدءا في التشكل مع تحقق وعي حقيقي لدى الشباب  و ارتفاع سقفهم المطلبي و مثقفين ملتزمين شريطة أن يبتعد عنه أشباه المثقفين الذي يقرعون أنخاب السكر مع أزلام الأنظمة ليلا و في الصباح  يتشدقون بكلمات مفضوحة تحاول أن تدجن الشعوب و كدلالة على التنصل من مبادئهم و لبس عباءة تروج الخطاب الرسمي لأنظمة دخلت منذ مدة مرحلة الموت الإكلينيكي.

ديسمبر
02
في 02-12-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

sijmatin@yahoo.fr

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 26/08/2010

حوار الحضارات هو خلاصة مجموعة من المقالات و الأبحاث التي قام بها المفكر المغربي د.المهدي المنجرة قبل عقود لما كان يومئذ مسؤولا في الأمم المتحدة و هو استباق فكري  من مفكر  المستقبليات  الذي ينتمي إلى ثقافة دولة من دول الجنوب و هو كذلك المشروع الفكري الذي يتضمن الحفاظ على مقومات كل ثقافة دون الانصهار الكلي في ثقافة أخرى حيث تصير القيم نهجا للتقدم بالتوازي دون التدخل في خصوصيات الآخر.

لكن الغرب عقب انهيار المعسكر الشرقي كان له رأي آخر، حيث انه منذ 1993  بدأنا نسمع بنظرية صدام الحضارات و هو مذهب أطلقه المفكر الأمريكي صموئيل هتنغتون ليعبر عن الأفق المسدود الذي وصل إليه العالم بعدما أجهزت الرأسمالية على نظيرتها الاشتراكية المتمثلة في انهيار القطب الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك حيث أن العالم اليوم بزعامة أمريكا صار عبارة عن ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الأمريكي. و المقصود بالتوسعي هنا ليس التوسع الجغرافي الفيزيقي كما كان سابقا خلال عصر ما بعد  النهضة الأوربية الذي استعمرت فيه الدول  الغربية مناطق في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية و لكن هو امتداد من نوع جديد للأنا الغربية  في إحداثيات الآخر بحيث يصير اللباس و التغذية و الأدوية و حتى السلاح  تموضعا للغرب في هوية هذا الآخر المتخلف الذي لا ينتج شيئا بحكم مجموعة من العوامل الداخلية بالأساس.

الصدام ما بين الحضارات الذي تحدث عنه هتنغتون ما هو إلا تنظير لبزوغ السيطرة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي و هذا النوع  من التفكير هو  إلى  حد بعيد الدور نفسه  الذي كان يلعبه الاستشراق لتدجين المجتمعات الشرقية و لأجل  خلخلة بنية  الوعي لديها و تطويعها . و ما كنا  نسمعه  في الغرب من تنظير للتفوق  الغربي لا أساس له  لا بيولوجيا و لا أنتربولوجيا  و هو تنظير عرقي عنصري  في سبيل تكريس مزيد من  الفشل في دول (العالم الثالث) و تحسيس  الإنسان المنتمي إليها  بدونيته و عدم أهليته للقيادة ، و هي كلها تنظيرات تمييزية  لبقاء الامبريالية الجديدة و إطالة عمرها في السيطرة على العالم و الاستفادة من الثروات قدر الإمكان .

لكن هذا المنظور العنصري  سرعان ما تم الانقلاب عليه من خلال مجموعة من الكتاب و الأكاديميين مثل المفكر الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد الذي فضح الدور التخريبي للاستشراق ،فاستجابت لهذه الكتابات بعض المؤسسات الغربية تحت الضغط  و حولته  إلى” الاستعراب” و هذا النوع من الصمود مطلوب من المفكرين و العلماء المسلمين و العرب بدل الانصياع وراء التنظريات الغربية التي و إن  كانت تقدم  للبشرية نهجا علميا رصينا عن وعي ،  فإن بعضها عن وعي كذلك يقدم مناهج  فكرية غير بريئة أحيانا  لترويض مناطق غير خاضعة للتبعية  الغربية  بحيث يصير الفكر  وعاء وغطاء لشرعنة الممارسات السياسية المختلفة .

فالحركات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي و الإسلامي على أنقاض المشروع  القومي و العروبي المنهار  أعطت توجها جديدا لقطبية  العالم نحو محاربة الإسلام خاصة بعد  أحداث 11 شتنبر و هي البؤرة التي مازالت تبعاتها  إلى اليوم  تؤثث فضاء التكالب الغربي على الإسلام لما في هذا الأخير من قوة و  دعوة إلى العدل حتى أنه يمكن طرح سؤال عريض على أنفسنا و على الآخر: كيف نجح الغرب في  امتحان الازدهار و الرخاء الاقتصادي و الفكري بقوانين وضعية  يريد عولمتها و تصديرها إلينا ، في حين لازالت أمة العرب و المسلمين تغرق ذاتها وتحارب وجودها بأسلحة الجهل؟ و هي التي تمتلك القرآن الكريم كأسمى دستور للعدل و الكرامة الإنسانية على الإطلاق بشرط أن يتم استثمار  تعاليمه  لصالح الشعوب و ليس  في تحوير معانيه و  ليّ أعناق النصوص الدينية . إنه السؤال الوجودي الحقيقي الذي لا إجابة له إلا إذا  رأينا العلماء و المفكرين و الأكادميين  يقومون بدورهم الحقيقي و ليس الصوري كأنهم في متاجر الجمود و الغريب هو حينما ينظر (برفع الياء و كسر الظاء) – بعض- هؤلاء العلماء الذين قال عنهم الحبيب صلى الله عليه و سلم : ” إن العلماء ورثة الأنبياء” بغير ما  يقوله النص الديني مثل فتوى طنطاوي بجواز بناء سور على حدود غزة .أي  منطق هذا الذي يبيح حصار مليون ونصف و التواطؤ مع العدو ؟

نعم ورثة بالمفهوم العقلاني الذي يعني المحافظة على الدين و التصدي للفكر الغربي التخريبي للعقيدة و حمايته من الاستغلال لمصلحة الحكام بحيث يكون العالِم حكما و حاميا للإرث الديني و العلمي الرمزي الملقى على عاتقه.

إن مصيبة  العرب والمسلمين في ظل عولمة الفكر التي تنتهجها الامبريالية الجديدة هي في امية شريحة واسعة منهم  في ظل  إعاقة  نمو الأفكار و تداولها ، ثم في سوء فهمهم لدينهم و هناك اليوم على الصعيد العالمي بؤر حقيقية لقوة الدين الإسلامي و عزته قد لن تظهر في بلد عربي  بحكم عدم توفر شروط الأرضية الصالحة لذلك و هي الديمقراطية و العدل و الكرامة، حتى أنه قيل من بعض السلف  أن” الله ينصر الدولة العادلة و لو كانت كافرة و لا ينصر  الدولة الظالمة و لو كانت مؤمنة”. الإيمان نعم  لكن يجب  أن نجني ثماره و أن نلمس جدوى التدين كسلوكيات  قويمة تنعكس  في الشارع و في الحياة اليومية للناس لا أن يجمد الدين  و يتم حصره  في شعائر  و عبادات لأن وضع سبحة الإيمان في يد و الاستبداد و الظلم  في اليد الأخرى هو التناقض بعينه ، و الظلم حرمه الله سبحانه و تعالى على نفسه فكيف له أن يقبله  على الأرض من عباده؟

لقد نجح الغرب فيما مضى  لأنه اهتدى إلى العلم عبر ترجمة الفكر العربي الإسلامي انطلاقا من الأندلس و بنيت أسس التقدم الغربي بمقومات داخلية كالثورة على  القمع الكنسي و الإقطاع  لإقامة العدل و في نفس الوقت نهل من الجوار،من الحضارة  العربية الإسلامية و من الحضارة الإغريقية و هما رافدان أسياسيان لنهضة أوروبا ، أما خلاص  العرب و المسلمين فيكمن في التصدي للأفكار المعولمة التي تغزو مجتمعاتنا ، ثم في  الرجوع  إلى القرآن ليس كنص يقرأ في المناسبات و المساجد و لكن كنص إلهي ارتضاه الله لنا  ليكون مصدرا  للتشريع  ، ولينور العقول و يحبس السلوكيات التي من شأنها الإخلال بوجودية الإنسان (بالمفهوم الإسلامي و ليس  حسب وجودية سارتر أو هايدغر).

سبتمبر
24
في 24-09-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي/07.09.2010

صرح  قبل يومين نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته و الذي ذاق حلاوة الكرسي ، صرح بأن العراق “حصل اليوم على استقلاله” بعد انسحاب  القوات الأمريكية  و انتهاء العمليات العسكرية.

يبدو الأمر عاديا كأي تصريح رسمي لكن الغير عادي هو الحديث عن الاستقلال  مثل الحديث عن شيء  بسيط ، مثل الحديث عن البقالة أو ما شابه ، و الغريب أن  المالكي ينط مباشرة من تصريحه إلى عقد اجتماع مع جو بايدن نائب  الرئيس أوباما ليتباحث معه  حول تشكيل الحكومة العراقية.

تأملوا هذه الصورة الهزلية لرئيس وزراء انتهت مدة ولايته منذ شهور  في بلد يغلي على فوهة بركان، حيث إذا كان- كما يقول- أن العراق حصل على استقلاله فلابد له من إدارة شؤونه الداخلية بنفسه  بشكل تام. فمتى كانت الدول تتشاور مع دول أخرى في تشكيل حكوماتها؟

أنا هنا لست ضد المالكي أو غيره  و لكن الأمر واضح وضوح الشمس في أيام غشت كما يقول إخوتنا العرب. القضية معقدة بعض الشيء لكن الصورة واضحة وفاضحة. الرجل الذي حملته دبابة أمريكية على ظهرها إلى رئاسة الوزراء  لابد له أن يتشاور مع أولي العقد  و الحل في واشنطن الذين هم أولياء نعمته. و هو ما يجعله يحاول قطع الطريق على إياد علاوي الذي حصلت قائمته ” العراقية” على الرتبة الأولى في الانتخابات  و التي تخوله تشكيل الحكومة عرفيا و قانونيا و إذا كان الدستور هو المرجع فلابد من اعتباره كذلك بدل هذه المسخ  الذي ينسج بخيوط شائكة.

لم يبق للمالكي و هو يسبح في تناقضاته شيء غير الوهم الذي يحاول إرضاعه للعراقيين و طمأنة شركائه الخارجيين أن الأمور في يده.

فأمريكا حققت نسبة مهمة من مخططها الذي سعت له منذ 22 سنة (أي بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية) و هو إضعاف عراق صدام حسين و هدم ممانعته للغرب و إسرائيل ،كما  قضت مصلحتها في العراق بعدما  وضعت مغرفتها مباشرة في قلب  إناء البترول العراقي .و بعد اجتياح العراق هل وجدوا أسلحة دمار شامل لدى صدام كما كان يقول المسخ المشوه  بوش و قبله أبوه الطاغية و من تبعهم في غيهم ؟

طبعا تم نسيان  الحكاية بعدما أرجعوا العراق سنوات ضوئية إلى الوراء و كسروا شوكته  و افشوا فيه كل الأمراض السياسية  التي من بينها طبعا التناحر الداخلي و المصلحة الطائفية قبل الوطنية و لا أدل على ذلك  العجز عن تشكيل حكومة بعد شهور من الانتخابات و الطعون في مصداقيتها، و المالكي ماض في استنزاف  الوقت و التحايل على ولاية أخرى. كل ذلك جعل من العراق الذي  كان واجهة لبلاد العرب في العبور إلى آسيا ، جعلوا منه دولة معطوبة بين الحبو و محاولة الوقوف و  هم ماضون في إجهاض الحلم في أي يكون العراق مستقلا بمعنى الكلمة وليس  هذا الاستقلال المسخ المشوه الذي يتحدث عنه المالكي.

يا سلام على هذا الاستقلال العجيب الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الدول!

كأن لسان حال المالكي يقول:لقد حصلنا على الاستقلال لكننا نتشاور حول تشكيل الحكومة مع أمريكا التي تقيم بين ظهرانينا و مسئولوها يزورن العراق كما يزورون تكساس أو خليج المكسيك و بدو ن سابق إخبار..

أي استقلال هذا الذي تتحدث عنه يا رجل؟ و التفوه بمثل هذه الكلام  لا يدخل العقل و لا يقنع أحدا !

اتقوا الله في شعب كان مفخرة العرب و اليوم صارت صورته تبكي الغيورين، بعدما ترك لحاله و بعدما تكالبت عليه الأطماع الداخلية و الخارجية معا.

و هذا الكلام الذي يخرج من أفواهنا و  أقلامنا ليس حقدا على أشقائنا و لكنه دعوة لهم للاستفاقة من غيبوبتهم السياسية، فالعراق لا زال تحت مظلة الحاكم الأمريكي وهو الحاكم الفعلي للعراق و الاستقلال ليس كلمة سهلة تركب في جمل إنشائية ينطق بها أي كان، و لكن الاستقلال هو خلق هوية  سيادية قائمة بذاتها و ليس التأرجح بين الطائفية والمذهبية التي تغلب مصلحة الأفراد قبل مصلحة البلد، و محاولة زرع اليأس في النفوس بتبرير الحاجة إلى بقاء الجندي الأمريكي عند رأس كل عجوز و عند رأس كل صبي يلعب في الزقاق ،  بدعوى أن الجيش العراقي ليس جاهزا بعد لتقلد مسؤولية توفير الأمن و و ..

أما زيارة بايدن فهي حتما لتقاسم الأفكار حول مزيد من ضخ السموم في مخطط شيطاني يروم  تلهية العراقيين عن مصالحهم الحقيقية كما أنها  لا تخرج عن إطار التشويش على التوافق  السياسي من أجل قتل الرغبة في خلق إيقاع سياسي سليم و من أجل  الإجهاز على شرعية المؤسسات الدستورية و إفراغها من  مصداقيتها مع ترك فراغ كبير فيها و كذا إثارة النقط الخلافية و عدم ترجيح كفة على أخرى.

يجب ترك العراق لحاله حتى يسلك طريقه بنفسه ، يتلمس الطريق الذي يريده هو ، مقتربا من التوافقات الداخلية و مبتعدا عن الخيانة، فالذي يخون الوطن قد أتى إثما عظيما اسمه التآمر على المصلحة والهوية المحلية .

و تصريح المالكي لا يحمل في طياته جاذبية خاصة سوى أنه تصريح إنشائي  للجم  أفواه خصومه السياسيين وربما لتذكيرهم بأنه مازال رئيس الوزراء في ظل الفراغ السياسي و العجز عن تشكيل الحكومة  و الذي  يساهم  بنفسه في عرقلته .

أي” حاضيها  حراميها ” كما يقول المثل و هذه لعبة خطيرة لصيد مزيد من الدعم الغربي الذي يريد للعراق أن يكون الصدر الواقي لإسرائيل من المد الفارسي بعدما تحقق لأمريكا ما كانت تصبو إليه، عراق تائه في طائفيته ، متعثر في  صراعه السياسي ، مقيد بأصفاد الصراع الداخلي و خارج  التغطية عن إتباع الخطوات الرئيسية للنهوض من أزمته.

إنها مهزلة أن يطلب مسئول سياسي الدعم في تشكيل الحكومة من الخارج  كأن هذه البلاد ليس لها مرجع  دستوري أو عرفي ترجع إليه و يبين الأمور على حقيقتها ، و لا يزيفها.

ففي الوقت الذي تتخبط أمريكا في شرك إيران و شرك إسرائيل  التي تريد توريطها في حرب ،و في الوقت الذي تعاني قوات حلف الشمال الأطلسي أيما معاناة  على كل الأصعدة من مقاتلي طالبان و تريد الخروج كذلك من المستنقع الأفغاني بداية تموز القادم كما صرح بذلك قائد القوات هناك بيترايوس، في ظل هذه الظروف المواتية كان على العراقيين أن يستغلوا هذا الضعف الاستراتيجي لأمريكا و تخبطها في مشاكل تأمين مكانتها.

لا يمكن لبلد أن يكون مستقلا و مسئولو أمريكا يريدون حكومة بالرموت كنترول يتحكمون فيها عن بعد و هو ما تريده إدارة أوباما فعلا: أن تغادر العراق من بابه الواسع و تعود من باب ضيق اسمه خيط التبعية و تكريس صفقات مشبوهة للهف البترول و بقاء السيطرة الإستراتيجية على منطقة الخليج  و تأمين الحماية الجيوسياسية للثروة و لإسرائيل.

فالاستقلال يا مسيو المالكي كما تعرف و كما يعرف الجميع يكمن في القدرة على  اتخاذ القرار السيادي بعيدا عن الولاء لجهة ما و هو في النهاية  استقلال استراتيجي و كم من دولة في العالم تقول عن نفسها مستقلة و هي مستعمرة و تابعة للغرب بحكم الخنوع و عدم اتخاذ  قرارات سيادية إلا بعد التشاور  معه وهذه أذل أنواع التبعية. فهل بمغادرة الجنود الأمريكيين (ليس كلهم) يمكن القول أن العراق بات مستقلا؟

هذا كلام يعكس نوعا من القصور في التفكير و قلة النظر والتسرع، لأنه لا طريق إلى التحرر إلا بعد  أن يحرر  كل مسئول ذاته من الوهم الذي يعشش في دماغه و هذه حالة مرضية يعاني منها مجموعة من المسئولين السياسيين في الوطن العربي.

هل يمكن القول أن المالكي معذور في هذه الزلة الشيزوفرينية مع السياق العالمي  للأحداث؟

الخلاصة أنه لم يسبق أن أعلن مسئول سياسي في تاريخ الشعوب المتحررة استقلال بلاده دون أن يكون لذلك اليوم أثر عظيم في تاريخ البلد، بل يصير عيدا وطنيا و تكتب فيه الملاحم الحقيقية لنصرة الوطن   و لتحقيق ذلك للعراق  ينبغي طرد مصاصي الدماء العراقية و  مصاصي النفط دون استثناء .

سبتمبر
12
في 12-09-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محمد الكرافس 

     في سابقة خطيرة  و في سياق الحرب الماسونية المتحالفة مع اللوبي الصهيوني  على الإسلام ، يعتزم أسقف أمريكي متطرف حرق نسخة من القرآن الكريم تزامنا مع الذكرى التاسعة لأحداث 11 أيلول التي تصادف هذه السنة عيد الفطر لدى المسلمين، و هي خطوة غير مسبوقة من أحد المتطرفين الأمريكيين  للإساءة إلى القرآن في بلد يتشدق بالحرية المفرطة والتي وجد فيها هذا النكرة الفرصة لحشد قاعدة جماهيرية لفعلته التي تأتي كذلك بعد أسابيع من الحرب على بناء مسجد ومركز إسلامي  قرب  مبنى التجارة العالمي المدمر سنة 2001 . و لا يخفى على احد أن يكون وراء هذا العمل المشبوه اللوبي الصهيوني الذي ينخر المؤسسات الإعلامية و الحزبية الأمريكية و يخترق إداراتها السياسية و يشلها.

طبعا  هذا العمل ليس حدثا عارضا بل هو مقصود في ظروف يمر بها العالم الإسلامي و العربي و تأتي عقب بداية مفاوضات فاشلة من الأساس بين   نتنياهو زعيم عصابة الإجرام التي أطاحت بأبرياء في قافلة الحرية و لوبي عربي متواطئ يتكون من مبارك و عبد الله و  عباس و الكل كما يبدو لا يهمه  إلا مكانه والكرسي و المحافظة عليه بالتوريث  و  بالسمسرة في قضية  الشعب الفلسطيني باسم التفاوض، مع العلم أن إسرائيل ماضية في تنفيذ مخططها الاستيطاني دون أن تحفل بذباب السياسة العربي المنخور من الأساس.

الحل هو المقاومة ، و لا خيار غيرها مادام الغرب قد أعلن الحرب على الإسلام فأين هو الرد من الحكومات العربية الإسلامية التي تضم طوابير  من الوزراء و الفاهمين؟.

لا يملك المرء في هذا الظرف سوى الصبر مادام الشيطان نفسه لم يصل إلى هذا الحد من شيطنة الإنس. حكام ماكرون لا يهمهم سوى لعق الحذاء الأمريكي و لا يهمهم الإسلام بتاتا و لا يملكون ذرة غيرة عليه، الحكام الذي يسيرون في واد و الشعوب في واد.

و قبل أيام رأينا كيف أن  وحشية التآمر الصهيوني الماسوني تجسدت في حرق جثتي مقاتلين بأفغانستان بعد قتلهما .لاحظوا الوحشية الأمريكية الماسونية المجسدة في القتل و التنكيل بالجثث و الموتى و مع ذلك يطالبون باعتقال البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية كأن ما يفعلوه هم  ليس جرائم حرب. يبيحون لأنفسهم فعل ما يريدون و يحملون الرشاش في وجه من يختلف معهم و يكذب البروباكاندا الدعائية التي يروجونها.

إنه مسلسل محبوك و مفتعل من زمان من قبل القضاء على صدام حسين الشهيد الذي أعدموه يوم عيد الأضحى و لنتأمل هذه الصورة المقصودة  لقتل المسلمين و رموزهم أيام العيد و حتى إحراق القرآن الذي ينادي به هذا  الأسقف البروتستانتي النكرة  يصادف يوم عيد الفطر.

من جهة أخرى ، من يقرأ ملخصا لأهم ما جاء في كتاب مجرم الحرب توني بلير و رحلته الدامية في الإجرام الدولي (التي يعتبرها هو رحلة أخلاقية لتغيير العالم و تنقيته من الأشرار) يلمس الحقد الدفين لأحفاد الحركة الماسونية الصهيونية  على الإسلام و رموزه و هم يعلمون أنه دين قيم و عدل يهدد عروشهم الخاوية بالسقوط في أية لحظة و يفضح جنوح الامبريالية الجديدة إلى السيطرة على العالم بكل الطرق بعد هزيمة كل الأيديولوجيات  الأخرى و تذويبها في حوض الرأسمالية المتوحشة.

وا أسفي  على قادة المسلمين! ، المترنحين في أماكنهم لا يحركون ساكنا كأزلام كرتونية لا تنفع و لا تضر.. و يوم القيامة سيحاسبون حسابا عسيرا على هذا السكوت الشيطاني لأن الساكت على الحق شيطان أخرس . و الله لو كانت لهم ذرة كرامة لأقاموا الدنيا و أقعدوها، بالأمس رسوم مسيئة للرسول و قبل أيام حرق جثتي مقاتلين مسلمين كيفما كان انتماؤهما ولو  اختلفنا مع توجههم ، و اليوم حرق المصحف الكريم و غدا لا ندري ماذا يخبئ لنا القدر..

ماذا بقي لهم بعد التطاول على رموز ديننا الإسلامي؟ الحقيقة أن أمريكا و ما يأتي منها كبلاد مصدرة للشر   تتحمل مسؤولية  تصدير الإرهاب الرسمي و تأجيج الحقد عليها و هو ما أعلنه ديفيد بيترايوس من أفغانستان أن حرق المصحف في الكنيسة الأمريكية سوف يجعل رحى الحرب ضد طالبان جحيما لا يطاق لجنوده و رغم هذه التحذيرات للأسقف  -المأجور من بني صهيون  و من والاهم  في تل أبيب و واشنطن- لم يتراجع عن قراره.

و إذا ما احرق المصحف الشريف  حقيقة سوف تكون أمريكا دولة مصدرة للإرهاب الرسمي فعلا و تحتضن إرهابيين في صور رجال دين و مسؤولين يتقلدون مناصب و حساسيات مختلفة في المشهد السياسي الأمريكي.

أليس هذا هو الإرهاب بعينه ؟ أن يتطاول أسقف نكرة على كتاب مقدس يشكل رمزا لأكثر من مليار مسلم ؟ ما ذنب القرآن في ذلك؟  ما ذا يريد أن يأتي بفعلته ؟

قد نجد إجابة لذلك و هي أن هذا الفعل قد يكون من ورائه إشعال فتيل الحرب ضد إيران، الحرب التي تدفع إليها إسرائيل و اللوبي الصهيوني و تحتاج إلى شرارة متطايرة من هنا أو هناك فقط . و قد يكون حرق المصحف هو الشرارة التي تبحث عنها إسرائيل لاستفزاز إيران بحكم أنها الدولة المسلمة الوحيدة التي تعلن ممانعتها للامبريالية الصهيونية الجديدة المتمثلة في أمريكا و حلفائها و تهدد باجتثاث الدويلة العبرية من الخريطة كما  يقول أحمدي نجاد بمناسبة و بدونها ..

وسواء كان رد الفعل داخل الولايات المتحدة قويا أم  لا فالحرية داخل أمريكا تعدت الحدود خاصة لما يتعلق الأمر بانتهاك حريات المسلمين الذين يشكلون أقلية داخلها و لا يملكون وسائل ضغط قوية في المؤسسات السياسية و الإعلامية المتصهينة.

لم يعد  الزمن الآن يسمح للمسلمين بتقبل المزيد من الإهانات و الضربات تحت الحزام خاصة في ظل حصار الشعب الفلسطيني و إشعال بؤر التوتر في العالمين العربي و الإسلامي و محاولة ضخ أكبر قدر من التطاحنات و الأحقاد في بلداننا المنهكة على جبهتين:

الجبهة الداخلية و الأنظمة المستسلمة لقدرها و للغطرسة الأمريكية و أجندتها .

و الجبهة الخارجية التي تجد فيها هذه الشعوب نفسها وجها لوجه مع العدو الصهيوني الماسوني المتسلح بكل شيء  تدافع عن قضاياها بطرق سلمية و إضرابات و اعتصامات.

و قد أظهر هذا الفعل العنصري  من أسقف كنيسة تزمتا  و سادية في الاحتقار و الرغبة في عدم التسامح مع المسلمين  و  الدهس على مجموعة من  القيم التي ينادي بها الغرب نفسه. كل هذه القيم  الزائفة تنهار لما يتعلق الأمر بالمسلمين ويصير كل شيء مباحا حتى لو تطلب الأمر الدوس على كل ما تعارف عليه البشر من حقوق متراكمة و ما وصلوا إليه بعد حروب و تطاحنات تاريخية .

الخلاصة أن كل هذه القيم من  تسامح و كرامة و ما يحاولون خداعنا به أصبحت مزيفة و مشوهة بعدما مسخها السلوك الأمريكي الصهيوني المتطرف في حرق جثت  قتلى الحرب في أفغانستان  ، و اليوم يقفز هذا  الأسقف قفزة نتمنى أن تكون إلى هاويته لينادي بحرق المصحف الشريف  فهو لا يعلم مدى الحقد و الكراهية اللذين  سيشعلهما ضد أمريكا  و مصالحها عبر العالم و عوض أن تكون القاعدة فقط من يهدد مصالح أمريكا ستظهر حركات أخرى قد تعجل بانهيار التحالف الصهيوني الأمريكي و تعجل بالتالي بتفتيت الولايات المتحدة و زوال إسرائيل  إلى الأبد..

التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   
يوليو
29
في 29-07-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم: محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

بين المشروع الإيراني و المشروع الأمريكي للسيطرة على الشرق الأوسط مسافة بسيطة صارت واضحة و مكشوفة خاصة و العالم اليوم يسير بوتيرة زاحفة لمحاولة  طمس معالم ثقافات بعينها و اجتثاث أفكار تهدد هذا الطرف أو ذاك و الضحية بكل بساطة هي الثقافة العربية الإسلامية التي تغلي في فوهة الطاحونة الشرسة المسماة الصراع الأمريكي- الإيراني. فأمريكا تحاول من جهة أن تفرمل ما يسمى” بالمشروع  القومي الفارسي” و أن تسحقه في جنينيته من خلال تسخير كبش الفداء الذي هو الشرق الأوسط العربي، ومن جهة أخرى تحاول إيران -التي بدأ عودها يشتد و يتماسك رغم الهزات العنيفة التي تعرضت لها غداة الانتخابات الإيرانية الأخيرة – أن تخلق نوعا من التماشي و التوازن  مع حركات تحررية من قبيل حماس و حزب الله اللذين يخنقان المشروع الصهيوني و يمنعانه من التمدد خارج رقعته الحالية.  الضحية و الخاسر الأكبر في ذلك يبقى العالم العربي و الشرق الأوسط بالخصوص مثل كرة تتقاذفها المصالح الأمريكية و الإيرانية  فيما بينهما و الطموح الحقيقي لكل منهما هو بسط النفوذ على ثروات  المنطقة.

و في الرأي العام العالمي اليوم رأيان متناقضان بحيث أن الأول يرى في إيران خطرا يهدد المنطقة و هذا الرأي رسمي و غير بريء بحيث أنه لا يسلم من خلفية للوبي الصهيو-أمريكي كقاعدة يستند عليها للقضاء على إيران و الرأي الثاني هو الرأي الحقيقي و هو المنبعث من رحم المجتمعات و هو رأي يتشكل من دارسين محايدين و مفكرين و أفراد يملكون رؤى متبصرة للأشياء و يحللونها بتميز و بعد نظر فكريين بعيدا عن كل تدليس و تزوير، بل الغريب هو ما بدأنا نسمعه اليوم في بريطانيا بالخصوص من ردود فعل ضد اجتياح عراق 2003 و هو ما صرح به نائب رئيس الوزراء البريطاني يوم 22/07/2010 و اعتبر أن جاك سترو و رئيسه توني بلير ومن معهم ارتكبوا أخطاء كارثية بمساندتهم لجورج بوش في اجتياح دولة ذات سيادة  والذي إن كان هناك قانون دولي بالمفهوم العقلاني للكلمة فيجب أن يقدموا كلهم إلى محكمة الجنايات الدولية بين يدي رئيسها أوكامبو كمجرمي حرب ارتكبوا مجازر لا في العراق وحده بل في أفغانستان و فلسطين و لبنان. لكن العكس هو الذي حصل فها هو توني بلير يخرج من الباب البريطاني الضيق إلى الباب الدولي كرئيس للجنة الرباعية، فمتى كان الذئب يحرس الغنم بلغة العارفين المتنورين؟

. طبعا لا أحد ينكر أهمية  الإعلام  في كونه المحرك الحقيقي لهذه الأفكار و قوة الغرب اليوم بالإضافة إلى القوة الاقتصادية و العسكرية هي قوة جبروتية  تقبع في سيطرته على المؤسسات الإعلامية و توجيهها لصنع رأي عام بالرموت كنترول، بل و أكثر من ذلك إنشاء قنوات ناطقة بالعربية و الفارسية (البي بي سي مثلا) لمخاطبة  الناس بلغتهم الأم و بالتالي يسهل  تدجينهم  و التأثير فيهم و في قيمهم فيصير  الأمر سهلا على السياسيين لإيجاد أرضية داعمة لأخذ قرارات حتى ولو كانت خاطئة.و يمكن القول أن الساسة الغربيين بذلك يخدعون شعوبهم بحيث يصورون لهم الدول التي يستعدونها في صورة الخطر الذي يتوجب القضاء عليه سالكين كل السبل المشروع منها و غير المشروع في ذلك.

أما فيما يتعلق ببعض المؤسسات الإعلامية  في عالمنا العربي الذي لا يملك “مصفاة نقدية ” فتتسرب إليه كل الإيديولوجيات المسمومة عبر القنوات العمومية التي تمولها الدولة – و يا للمفارقة- وعبر القنوات الخاصة التي يملكها ناس لا هم لهم سوى الربح المادي و التجاري و لو على حساب الهوية المحلية في تجلياتها  الإسلامية و القيمية و الثقافية. بل حتى في أحلك الظروف التي مر بها إخواننا في غزة عقب الاجتياح الصهيوني الأخير رأينا قنوات محسوبة على الأمة العربية تقول عن نفسها محايدة -و يا ليثها كانت محايدة  فعلى الأقل إن لم تنفع القضية فلن تضرها- كانت تبحث عن أشخاص يقال أنهم  معتدلون و تستضيفهم  لخوض نميمتهم في أعراض المكتوين بنار الفسفور الصهيوني ..

بل الأخطر من ذلك أن بعض البرامج التي تذاع في  قنوات الغرب في إطار البروباكاندا الإعلامية لصنع رأي عام غربي حاقد على العرب و الإسلام و كذا لصنع مواطن  غربي متحمس لخلط الإسلام بالإرهاب

و كذا و المضي وراء ساسته، يتم  تصديرها كفيروس إعلامي مسرطن إلى المشهد الإعلامي العربي فتتم  إذاعتها و  إعادة استهلاكها دون حسيب أو رقيب خاصة في زمن العولمة التي لم يحضر لها العالم العربي شيئا سوى فتح النوافذ و الأبواب لدخول كل شيء من حبات الأسبرين إلى القواعد العسكرية الأمريكية.

و الأخطر هو عندما يتم استضافة ما يسمى ببعض المحسوبين على المعارضة في إطار الحرية الشخصية

و الفردية و تغليفها كذلك بحقوق الإنسان التي أوجدها الغرب نفسه لاستعمالها كورقة ضاغطة على أنظمة الدول المتخلفة : فإما أن تساير الحكومات و الأنظمة  -حتى و لو كانت غير ديمقراطية- المخطط الأمريكي أو أن ينصب لها شرك عدم تطبيق حقوق الإنسان و كذا مطاردة الأنظمة كما فعلوا مع صدام من قبل و ما يفعلونه اليوم مع البشير الذي يتمسك بوحدة السودان ،  بينما الحقيقة التي لا غبار عليها هي أن  الغرب يرى في دارفور الأرضية الحقيقية لانطلاق اقتصاد سوداني قوي و بالتالي  ما فتئ يضع العراقيل تلوى الأخرى من أجل استمرار الصراع مثلما هو عمل أمريكا في جل أنحاء العالم العربي و الإسلامي و هو خلق بؤر توتر لصراعات تمتد في باكستان و الهند و أفغانستان ثم إيران و العراق و سوريا و اليوم اليمن و فلسطين و مصر من خلال الصراع مع دول نبع النيل على مصادر المياه ثم تركيا و ورقة الضغط الكردية و ليبيا و الحصار خلال الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي ثم المغرب من خلال صحرائه التي استرجعها و يتواجد فيها منذ  34 سنة و مع ذلك لازال الصراع المفتعل قصد إطالة عمر القضية.

هذا سرد بسيط لمناطق التوتر التي كما يبدو لا تبرح العالم العربي الإسلامي و الغرب متحد في مواقفه لأنه في كواليس هذا الغرب لا يهمه بتاتا أن يتحد العالم العربي أو الإسلامي الذي يبدو أن أصحاب القرار فيه يعتقدون أنهم  آمنون من خدعة أمريكا التي تجعل من حبيب الأمس عدو اليوم و العكس صحيح بحيث الهدف في النهاية أن تحافظ على مصالحها.

. طبعا اللعبة الأمريكو- صهيونية باتت مكشوفة و هي تخلط الأوراق في معدة الشعوب العربية الإسلامية

و تنأى بنفسها عن الظهور و إذا حدث و تدخلت فالتدخل سيكون كارثيا لأجل قلب الأوراق لمصلحتها.

المد الفارسي الذي يتحدث عنه مجموعة من الدارسين الاستراتجيين و السياسيين المتحيزين اليوم هو بهدف عزل إيران إعلاميا و إيديولوجيا و خلق نوع من التوجيه غير البريء للرأي العام العالمي ، و نحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن المشروع الإيراني الذي أظهر أن إيران لها طموحات توسعية في المنطقة تتجاوز العراق الجريح و سوريا المتخبطة في مشاكلها و كذا لبنان المتعثر في طائفيته و الأجندات الخارجية التي تخلط أوراقه الداخلية بقدر ما نصور الهدف الحقيقي من وراء تضخيم الغرب للآلة العسكرية الإيرانية  و تصويره كخطر يواجه المنطقة لأجل إجهاض البرنامج النووي الإيراني و كذا المحافظة على أمن إسرائيل.

في مقابل هذا التطاحن بين إيران و الغرب يلعب العرب  دورا معتلا و باترا  هو في النهاية   دور يساهم في الحفاظ على مصالح طبقة بعينها تتلاقى مع مصالح أمريكا و أطماعها .

و في علاقة بنفس الموضوع  نجد أن المؤسسة الإعلامية العربية مفرملة بأجندة الأنظمة السياسية التي تتبع لها و لا تلتفت إلى الشعوب إلا لتخديرها ببرامج رخيصة أو مباريات كرق القدم و المضي قدما في سبيل  تلهيتها عن القضايا الحقيقية للأمة العربية. و في جانب آخر تراهن هذه المؤسسة الإعلامية في تبعيتها للغرب هي الأخرى بحكم وجود أطر تكونت في الخارج  و ابتعدت عن التقاليد الحقيقية للوطن فترى حاجتها في تبخيس القيم و المضي في استيراد المنتوج الغربي الذي لا يتناسب جملة و تفصيلا مع القيم الإسلامية و المحلية للبلاد العربية معتبرين أن ذلك هو السبيل الوحيد لركوب قاطرة الحداثة و التنمية و متناسين أن نموذجا اسمه الصين يتقدم اليوم بقدراته المحلية و هويته الوطنية.

خلاصة القول أن العرب اليوم مطالبون بلعب دور أحسن من مجرد  دور الضحية بين المشروعين الأمريكي و الإيراني ، كما يجب عليهم تجميع جهدهم  بشكل حيوي مع ترك مجال أكبر لممارسة الحريات الصحافية بدل تضييق الخناق عليها لأن ذلك يساهم في تكوين  رأي عام حقيقي و حذر و غير مزيف ، ثم يجب  الحذر من استيراد المنتوج الإعلامي الغربي لأنه كأي منتوج سواء في التغذية أو الأدوية أو غير ذلك  إذا كان فاسدا فإنه سيفسد لا محالة الإنسان العربي و يزيف قيمه و هو مرض تعاني منه الشعوب العربية اليوم حيث صار الإنسان العربي حائرا في مواقفه لا يعرف عدوه من صديقه و لا يعرف ما يقدم مما يؤخر.

يوليو
04
في 04-07-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

ذ.محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

تعيش الثقافة اليوم انتكاسة حقيقية تتمظهر بالأساس في تهميشها و الارتكان إلى أشياء أخرى يظن بها البعض أنها الطريق إلى ركوب قاطرة التقدم و التنمية. و هذا الإهمال الفظيع لتأهيل الرأسمال البشري و تشجيع مقروئية الكتاب و استهلاك الثقافة يدفع الشباب بالأساس إلى الانشغال بفضاءات أخرى و ميادين أقل أهمية إن لم نقل تتم فيها المراهنة على التسلق الاجتماعي بأبسط الطرق.

فالمشهد الثقافي المغربي و العربي عموما يدعو إلى طرح أكثر من علامة استفهام لاسيما و الحكومات العربية باتت تنظر إلى المثقف كنوع من الضمير الأخلاقي الذي يمارس رقابة خاصة عليها في ظل فترة البياض التي يعرفها الرأي العام و كذا فراغ دوره من محتواه اللوجيستيكي بشكل تصير معه الثقافة عدوا متربصا بالسلطة.

فهناك دائما إشكال حقيقي يتعلق بعلاقة العقل العربي في رمزيته بالسلطة و هذا التنافر بينهما ليس وليد اليوم بقدر ما هو نابع من مخلفات الحركات التحررية و تبعات الاستقلال حيث لم يتخلص مجموعة من المثقفين بعد من رهاب السياسة و منهم من غامر بمشاريعه الأدبية في سبيل إرضاء السياسة أو على الأقل محاباتها. اتحاد كتاب المغرب مثلا لم يتخلص بعد من تدخل ما هو سياسوي فيه ،و كمؤسسة من المفروض أن تنهض بالثقافة أصبح وضعها يدعو إلى الشفقة في هذه المرحلة بالضبط ،خاصة و الكتاب

و هم زبدة المجتمع يتصارعون فيما بينهم على الخواء في الخواء مجمدين أنشطة مؤسسة كانت إلى وقت قريب ذات إشعاع وطني و عربي و يعطون بالتالي للناس العاديين صورة تافهة عن دور الثقافة في المجتمع بل و ينشغلون عن الأسئلة و الرهانات الحقيقية التي من الممكن أن تنهض بسؤال الثقافة وطنيا.

هذه الانتكاسة ليس غريبا أن نرى من تبعاتها جيلا جديدا من الكتاب الشباب يخترق الآفاق و ينجح في إبراز صوته خارج الحدود و هو ما جعلهم يحصدون جوائز عربية و ينصرفون إلى نشر أعمالهم خارج المغرب في وقت احتضنتهم جهات عربية و رحبت بهم و كذلك بعدما أدارت لهم مؤسسات ثقافية من قبيل اتحاد كتاب المغرب الظهر . هذه المؤسسة الثقافية لم تعد مجرد منظمة ثقافية من الواجب أن تكون مستقلة عن ما هو سياسي و إنما باتت تابعة له وفقدت مصداقيتها لدى مجموعة من الناس. فشكسبير و المتنبي و ابن خلون و غيرهم لم يكونوا يوما أعضاء في اتحادات الكتاب التي نراها اليوم قد امتلأت بالطفيليات و صارت تعج بمن هب و دب و هناك من الكتاب من لم يكتب سطرا واحدا منذ سالف العصور و مع ذلك لا يزال يتمتع بعضويته فيها.

ليس هذا هو موضوع حديثنا هنا و لكن هذا أخطر شيء على الثقافة و هو حينما لا يتم تهميشها من طرف الغرباء بل من طرف أهل الدار الذين من المفترض بهم أن ينهضوا بوضعها فإذا بهم يساهمون في إقبار صوتها و إدخالها في حسابات ضيقة لصيقة بالانتهازية و اللصوصية و محاولة الاسترزاق من وراء ظهرها..

قد يقول البعض أن الأمية و ظهور منافسين آخرين للكتاب (بكسر الكاف) ساهم بشكل مباشر في تبخيس الثقافة و تمريغ سمعتها في التراب و هذا جائز ما لم تكن هناك سوء النوايا على المستوى السياسي. فكم من كتاب مدعم تطبع وزارة الثقافة للكتاب المبتدئين و لماذا قام وزير الثقافة الذي هو كاتب و مبدع في الأصل بإقبار مجلة الثقافة المغربية ورقيا و حولها إلى منشور الكتروني؟ لماذا كل هذا الاستخفاف بالواقع الثقافي في الوقت الذي كانت هذه المجلة على الأقل فرصة لمجموعة من الكتاب للاستفادة و لو رمزيا من نشر أعمالهم؟

طبعا سؤال الثقافة الذي ننظر إليه بإلحاح لم يعد أولوية في تخطيطات السياسيين و المنتخبين و حالة المكتبات و دور الثقافة تدل على أزمة الثقافة و رميها أسفل سافلين على مستوى الأولويات. حتى المتمدرسون يكتفون بالمقرر الدراسي فقط و لا يلتفتون يمينا أو يسارا إلا نادرا ، وفي المنازل ثقافة الكتاب غير حاضرة بقدر ما نجد الأفرشة و الصالونات و أواني الطبخ و آخر موضات اللباس ، لا أحد يلبس موضة الكتب و القراءة إلا نادرا ، حتى المهنيون الذي يجتازون مباريات الترقية لا يلتفتون إلى الكتاب إلا مع اقتراب امتحانات الترقية المهنية. تلك بوادر أزمة حقيقية في مجتمع لا يقرأ و إذا قرأ فهو يفعل ذلك بدافع تكلفي . الكتاب يعانون معاناة حقيقية ، فأن تنشر ديوانا شعريا أو مجموعة قصصية أو رواية في هذه الأيام صار مغامرة حقيقية في غياب دعم لدور النشر أو حتى دعم دور النشر نفسها لكتاب مبتدئين مخافة ألا يلقى الكتاب رواجا و تلقى المطبعة مصيرا شائكا. هل إلى هذه الدرجة لم تعد الثقافة تغري أحدا و لم يعد الكِتاب خير صديق و لم تعد القراءة و المطالعة الهواية الأكثر تميزا كما كانت إلى عهد قريب؟

سؤال الثقافة لم يعد ذا بعد وجودي يُكيِْنن إنسانية الإنسان و يساهم فيها حين صارت لنا رغبات و أذواق أخرى أكثر مادية و أكثر إفقارا للفكر البشري. تأتي هيفاء وهبي و غيرها و تتمايل بجذعها بضع دقائق فتحصد ما لن يحصده كاتب في حياته حتى و لو فاز بجميع الجوائز العالمية الأدبية. تلكم ثقافة أخرى: الهبوط بذوق المجتمع إلى مستوى البدائية. فالثقافة كرهان لتنوير العقول و تنوير المجتمع و الحفاظ على إرثه و هويته تهدف إلى المساهمة في تكوين مجتمع مثقف على الأقل حتى يسهل على الناس فهمهم لحقوقهم و واجباتهم أما و المجتمع لا يقرأ و لا أحد يدق ناقوس الخطر فهناك شيء لا يجري كما ينبغي. يجب إعادة الاعتبار إلى الثقافة و كل من يساهم في بقائها على قيد الوجود لأن ثقافة الاستهلاك و استيراد القيم الغربية و الاستلاب الفكري كلها قيم زائفة سرعان ما تنجلي عن الأعين و لا يبقى إلا ما هو مكتوب. فلنتأمل الخدمات التي قدمها ابن خلدون للفكر العربي و حتى العالمي أو ابن رشد الذي بنيت على أساسه الحضارة الغربية أو ما أنتجه أرسطو في المنطق و الفلسفة. هل هناك مجتمع واحد في تاريخ العالم تقدم و هو يدوس عل الثقافة و يرميها في الزبالة؟ لا يمكن أن يكون ذلك و لا يمكن للمجتمع أن يسير شبرا واحدا إلى الأمام بدون تأهيل العقل و الجانب الثقافي فينا الذي قال عنه كلود ليفي ستراوس و هو ينظر(يرفع الياء و كسر الظاء) لمفهومه بأن الثقافة ضد الطبيعة أي تناقض الجانب الحيواني في الإنسان. و أول ما نزل من القرآن الكريم كلمة اقرأ. فالله عز و جل جعل من السبيل إلى التنوير البشري تثقيف العقل و طلب العلم و هو ما يرقى بالإنسان إلى إدراك إنسانيته و التفكر في سبب وجوده في هذا الكون.

الثقافة هي السبيل الوحيد إلى التنوير سواء الروحي منه أو العلمي و خير الناس من شب على القراءة و التثقيف الذاتي و هي رسالة غير مشفرة يمكن بعثها إلى المثقفين أنفسهم أولا لكي يعيدوا ترميم صورتهم المشروخة و إلى القائمين على شؤون الناس ثانيا لكي يعيدوا إلى الثقافة مكانتها بدل محاولة طمس معالمها و مجابهتها بفكر آخر هو فكر اللامبالاة و الطيش متناسين أن بناء الصور الزائفة سرعان ما يكذبه التاريخ و يتجاوزه و هذه الصراعات الخاوية التي يتم شغل المجتمعات المتخلفة بها هي في النهاية منعرجات من أجل إقبار دور الثقافة و تذويب آفاقها .

لن نتقدم بالشفوي و كثرة الكذب و لعب الأدوار و نحن ندرك السكيزوفرينيا المجانية التي نخوض فيها مبتعدين عن طرح الأسئلة الحقيقية و مقتربين من اللبس في تتفيه دور المثقف و خصوصيته في ضخ دماء جديدة في المجتمع الذي لا يمكن له أن يسير بوتيرة أحسن ما دام يرتكن إلى تهميش الثقافة و دورها في التنمية.

يونيو
24
في 24-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : ذ.محمد الكرافس

بهجومها الأخير على أسطول الحرية الذي كان متوجها إلى غزة في إطار محاولة فك الحصار عن إخواننا هناك ،أظهرت إسرائيل مرة أخرى أنها فوق ما يسمى بالقانون الدولي الذي كتب له أن يكون مشوها و باترا على الأرجح في هذه المرحلة الحساسة بالذات. و قد ساهم التشرذم العربي في قيام أمريكا بالتغطية على هذه الجرائم الصهيونية كما ساهم ما يسمى بالمجتمع الدولي الرسمي بصمته و قراراته المحتشمة في صياغة أجندة تخدم الآلة الصهيونية و ذلك لمصالح هذا الطرف أوذلك حتى يبقى الوضع على ما هو عليه و تستمر اللعبة.

فلسطينيا ما زالت الجبهة الداخلية غير ملتئمة حول المصير المشترك للفلسطينيين و هي متورمة بمجموعة من التشنجات الاديولوجية التي لن تفيد القضية في شيء. فحصار غزة ساهم فيه بالدرجة الأولى أصحاب القرار السياسي القلسطيني في رام الله و لم يعد خافيا على احد هذا التورط المخزي لدرجة أن أحد الوزراء الاسرائليين طلع علينا مؤخرا و هو يصرح أن حصار غزة هو في نهاية المطاف لمساعدة عباس في بسط نفوذه و السيطرة على القطاع.

نعم هذا تصريح رسمي من العدو يصب الزيت على النار في تورط أجهزة السلطة في التآمر على حماس.

و أنا هنا لست أدافع عن حماس بقدر ما أقر مثلما يقر جميع أحرار العالم أن حماس جاءت إلى السلطة نتيجة انتخابات ديمقراطية و شفافة بل و أكثر مصداقية من الانتخابات التي تجري في عديد من دول العالم العربي. إذن فحصار غزة هو في النهاية نوع من العقاب الجماعي لناس اختاروا الديمقراطية التي يبدو انها لم ترق لأمريكا ومن يدور في فلكها لأن امريكا تريد تفصيل ديمقراطية على مقاسها ، و بالتالي كي يسهل عليها تطويع القطاع و التحكم فيه و تسييره ليدور في فلك إسرائيل و كذلك لكي تضعف بالتالي اللاءات التي تعلنها الجبهة الداخلية الفلسطينية ، لأن وجود محور شرس،مناهض ومعارض مثل حركة حماس في القضية الفلسطينية يخدم هذه الأخيرة بدرجة كبيرة. و لندرك حجم الكارثة التي من الممكن أن تحل بقضية المسلمين الاولى علينا تصور غياب حماس و كيف ستصول و تجول إسرائيل في الضفة و القطاع دون مشاكل.

العبث الذي نراه في القرار الأمريكي و اللف و الدوران الذي تقوم به إسرائيل ما بين التنصل من اتفاقيات و القيام بعكس ما يتم الاتفاق عليه و مجموعة من المراوغات التاريخية التي تطيل عمر القضية و بالتالي تشغل الفلسطيننين و العرب قدر الإمكان عن الهدف الأسمى الذي هو استرجاع الاراضي القلسطينية كاملة و رجوع اللاجئين ، فتجد ان اللوبي الصهيو_امريكي ما فتئ يقوم بمناوراته من اجل إطالة عمر القضية و الدفع بها دائما إلى الجديد و لكن ليس أي جديد : إنه الجديد الذي تريده إسرائيل و الغريب ان هناك من العرب من يدور في فلك المخطط التمطيطي للقضية الفلسطينية عن شعور أو عن غباء احيانا.

السلام مع العرب كما تريده إسرائيل يجد له دائما غطاء أمريكا الام الحنون لبني صهيون، و هناك تنازلات يقدمها العرب من اجل المصلحة الشخصية لكل واحد فيهم لكنها غير دات جدوى .

قطاع غزة يدفع ضريبة على ثلاث اوجه :

1_ ضريبة الجبن العربي و التواطؤ من بعض الذين يخلطون الإسلام بالإرهاب و يهاجمون حركة حماس متناسين أن ما قامت به إسرائيل في عرض المياه الدولية لهو أكبر قرصنة و ليست أي قرصنة : إنها قرصنة رسمية برعاية أمريكية و أممية .

2_ضريبة الشماتة الداخلية من سلطة رام الله التي فقدت مصداقيتها على مستوى الإجماع الشعبي العربي و هي تناور بشتى الوسائل لإضعاف حماس.

3_ ضريبة الاختيارات الداخلية التي لم ترق لواشنطن وتل ابيب بحكم أن الغزاويين ومعهم الفلسطيينين اختاروا مرشحي حماس لتمثيلهم و القيام بتدبير شؤوهم.

الآن يمكن الحديث عن بوادر ما بعد الحصار لأن الأمور تطورت و ظهر اللاعب التركي في رقعة الميدان و هذا الدخول التركي على الخط أفسد الخطط الأمريكو صهيونية و ألحق بها ضررا كبيرا. و نحن نعرف أهمية تركيا في المنطقة و التي صارت مند الهجوم على غزة السنة الماضية لاعبا محوريا فضح اسرائيل اما م أعز شركائها و حتى بعض المنظمات الدولية التي كانت تغض الطرف عن الممارسات الاسرائيلية وجدت نفسها محرجة في هذا الوضع ما بين تحريك مساطرها لمتابعة مجرمي اسرائيل و الضغط الأمريكي الذي يروم تجميدها.

أما العرب فلازالت اجنداتهم السياسية تصب في أنهار بعيدة عن لعب أدوار طلائعية في قضيتنا. وحتى ذلكم الحين فالحل في القضية الفلسطينية بدأ يلوح في الأفق أنه لن يكون بحلول عربية بقدر ما سيكون بحلول اسلامية تقلب الطاولة على إسرائيل و أمريكا و من يدور في فلكهما.



يونيو
16
في 16-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم: ذ.محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

تسير المنظومة التربوية العربية على مسار متباطئ استوجب مؤخرا ضرورة إماطة اللثام عن مجموعة من المثبطات التي تعوق طريقها. فالدول العربية منذ استقلال  أغلبها  و  هي تسعى جاهدة لأن تنهض بقطاع التعليم عبر مجموعة من المحطات التاريخية و عبر مجموعة من التجارب تذبذبت   بين النجاح و الفشل لأن التربية كمستلزمة حقيقية لنجاح أي أمة هي بمثابة  قاطرة متحركة لمواكبة السرعة التي يسير بها العالم.

من تجليات هذا الانشغال العربي المتزايد   اعتمدت  توصيات جديدة و  إصلاحات  جذرية أحيانا   للقطاع التربوي دخلت  حيز التجربة قبل عقود من الزمن في بعض الدول إلا أنه بعد ذلك ظهرت مجموعة من النواقص على هذه المحاولات العربية  و انتفضت مجموعة من القوى الداخلية المحلية   و الخارجية (الأمم المتحدة نموذجا) لإصدار تقارير حول وضعية قطاع التربية  بالوطن العربي  لتضع بذلك  إصلاح القطاع التعليمي على محك حقيقي  و تدعو بشكل صريح إلى النهوض بهذا المجال لتحقيق التقدم المنشود .

لكن في مقابل ذلك  نجد أن  توصيات البنك الدولي أصبح  ينظر إليها– حسب بعض المثقفين  اليقظين-  بنوع من الريبة بحكم أنها تدجن المجتمعات العربية   و تفرض عليها أجندة غربية في مقابل تمتيع هذه الدول بقروض و امتيازات تطرح أكثر من سؤال.

طبعا الحديث في هذا المجال يضيق هنا لأن الفاعلين في المنظومة التربوية كثر و المتدخلون متعددون ،و  لكل واحد وجهة نظره الخاصة  لكن يجب الاعتراف أن  هناك ثوابت راسخة لا يمكن المضي على السكة الصحيحة بدونها. يتعلق الأمر هنا بالفاعلين المباشرين في المنظومة التربوية وهما: المربي و التلميذ أو الأستاذ و المتعلم. العلاقة بين الاثنين متقاربة استوجبت دراسات و دراسات و رغم ذلك بقيت بعض الجوانب يلفها الغموض و بقيت مجموعة من المثبطات تعوق السير السليم للتربية و التعليم عندنا.  و قد حرص مجموعة من الباحثين العرب  في علم النفس التربوي و في علوم التربية والديداكتيك  على محاولة عكس أسباب النجاح في كل عملية تعليمية- تعلمية انطلاقا من تحديد دور كل طرف فيها و الدعوة إلى تطبيق ذلك .

فالمدرسة العربية  بما هيا عليه اليوم عبارة عن مايكروكوزم مصغر  للمجتمع  العربي ككل بحيث لا يمكنها أن تنشغل عن شيء آخر سوى أنها مكان لإقامة بذور التربية الحقيقية و غرسها  في أجيال الغد التي يعول عليها عالمنا العربي الإسلامي  للقيام بالتنمية بمختلف توجهاتها. و مما لا شك فيه أن الوسط المدرسي العربي  يزخر بتفرده الخاص من خلال  إعداده للعناصر التي ستؤثث المستقبل العربي و تساهم في استمرارية لعب الأدوار بين النخب القليلة  داخل المجتمعات العربية  .

إن قطاع التربية و التعليم   بات اليوم الرهان الحقيقي لكسب   ريثم حقيقي  للتقدم إن لم نقل أنه هو المقصود من وراء كل هذه المجهودات التي تبذل بل و هو الشتلة المقصودة بالسماد  و العناية في هذه التربة  فأي منطق هذا الذي يمكنه الحديث عن التربية في العالم العربي  و هو لا يولي اهتماما لأهمية الطفل داخل المجتمع الذي بدونه حتما لا يمكن لأمواج التقدم العربي  أن تتكسر سوى على صخور   الوهم  و الصراعات النخبوية الجوفاء .

يونيو
16
في 16-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم: ذ.محمد الكرافس

كاتب و باحث


تجتاح العالم العربي مجموعة من الموجات الفكرية و الأيديولوجية التي تنادي بعصرنة الخطاب الفكري العربي و تضمينه مجموعة من التيمات الجديدة التي يعتقد منظروها و واضعوها  أنها الكفيلة بالنهوض بالواقع العربي  و تخليصه من مشاكله العويصة.

و يصطدم هذا الخطاب الفكري المتبلور على عدة جبهات بمجموعة من المثبطات التي تبنين وحدته و تشل حركته من الأساس. فالأمة العربية تواجه كتلة من التحديات الداخلية  وهي تصارع مشاغلها الاجتماعية  و التفاوت الطبقي من خلال الشرخ الاجتماعي ما بين طبقة غنية تزداد غرقا في غناها و طبقة فقيرة تتخبط في فقرها.

ثم إن الاقتصاديات العربية بخضوعها المباشر و غير المباشر للسيطرة الغربية و بتبعيتها الأيديولوجية و الغريزية  للآخر الماكر للأسف سحقت مفهوم تحقيق الرخاء الاجتماعي لمواطنيها ووسعت الهوة ما بين الطبقات  الاجتماعية التي لم تتحسن وضعية أصحابها ، بل حتى ما كان يعرف بالطبقة المتوسطة في الثمانينات و التسعينات مثلا صارت طبقة كادحة حسب معادلة الزيادات في الكلفة المعيشية و كذا الأسعار التي تلفح جيوب المساكين.

التحدي الآخر الذي يواجه المشروع الفكري العربي هو طبيعته الأيديولوجية  ”المتعلمنة” و التي تمانع التراث و الإسلام معا فتجد مثقفي البلد الواحد ينظرون كل على هواه للخروج من التخلف مجانبين في أحايين عديدة الحديث عن المشاكل الحقيقية لمجتمعنا العربي الإسلامي و مفضلين الغوص في نقاشات  نظرية بيزنطية لا تفيدا لمواطن العربي المغلوب على أمره في شيء بقدر ما تزيد حنقه .

الحديث هنا يجرنا للحديث عن النخب التي تفرزها مجتمعاتنا العربية التي تعيش المفارقة في أبهى حلة لها. فإما أن مجتمعاتنا تنتج نخبا و يتم إفسادها بشكل أو بآخر كالإغراء مثلا ، و إما أن  النخب التي تنتجها هذه المجتمعات غير مؤهلة للقيادة و هذا غير صحيح طبعا، لأن الأدمغة العربية مثلا تستطيع الاندماج و تحقيق النجاح في مجتمعات الغرب بدون  عراقيل تذكر اللهم بعض المضايقات هنا و هناك.

سياسيا تعيش النخب الثقافية في المجتمع العربي صراعا وجوديا مع السلطة أو ربما هو نوع من المفارقة التي تجعلها سلاحا ذو حدين. فإذا كان المواطن العربي لا يثق في حكومته فقد يستطيع الإيمان بمثقفي البلد و هنا يلبس السياسي رداء الثقافة الطاهر للمرور على جسد المواطن إلى مراكز أعلى في السلم الاجتماعي و قد تحصل صراعات علنية بين المثقف و السلطة إذا لم يجار السياسي في مواقفه .

المسألة الخطيرة في هذه الدوامة العجيبة هو حينما يرتمي المثقف في أحضان السياسيين و ينظر(بضم الياء وكسر الظاء) لهم  بشتى الطرق و الوسائل من اجل تعبيد الطريق لاستمرارهم  بترسانة من القوانين الوضعية التي قد لا يقبلها  أبسط فكر بشري عبر التاريخ. كل هذه العوامل تطيل عمر التخلف في الجسد العربي و تضعف إمكانية العقل العربي في الانزياح فكريا طبعا و الخروج عن المألوف سياسيا و ثقافيا بغية خلق بديل حقيقي للتقدم بعيدا عن الفر دانية و فريبا من الموضوعية.

لقد تخلف العالم العربي عن الركب العالمي لأن العقل العربي لم يلامس القضايا الحقيقية لأمته بل غاص في صناعة النخب التي غالبا ما تنتهي في الهامش أو في أحضان الحكام و تغازلها و لا تدخل معها في مغازلات .

هذا الصراع بين الثقافة و السلطة يجعل من أفكار المثقف تحت المجهر و هو يهدد الفكر النخبوي الفاسد الذي يمارس ديماغوجية داخل المجتمع تخلق تيارات متناحرة تشغل الشعوب عن التفكير في الأولويات الممكنة لتقويم سقوطها.

لن يتقدم العالم العربي بوصة واحدة إلى الأمام ما دامت أنظمته “تقولب” مجتمعاتها على شاكلة النمط الغربي ضاربة عرض الحائط الخصوصيات الثقافية و التراثية و متناسية أهمية الإسلام الذي هو العمود الفقري الروحي  لأغلب  شعوب العالم العربي  على مستوى الدين و إغفاله يجعل الخطاب الرسمي خطابا دون توابل.

كما تقتضي عصرنة الخطاب الفكري العربي مراعاة خصوصيات الهوية المحلية و احترام  أذواق النخب الفكرية التي تظهر في الأفق لكنها سرعان ما تبتلى في ماهية وجودها فيتم تشويهها و إحراجها  أمام المجتمع و تدخل في صراعات أيديولوجية مع تيارات أخرى يستنبتها النظام السياسي العربي  داخل المجتمع  الواحد مما يجعله في مأمن عن الخطر و يجعل يده ممدودة إلى معدة المجتمع المدني يحرك قواعد اللعبة كما يريد و يهضم كل الحركات الاحتجاجية التي تتجاوز خطابه الرسمي أو تحاججه في مشروعيته المزيفة.