سبتمبر
12
في 12-09-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : محمد الكرافس 

     في سابقة خطيرة  و في سياق الحرب الماسونية المتحالفة مع اللوبي الصهيوني  على الإسلام ، يعتزم أسقف أمريكي متطرف حرق نسخة من القرآن الكريم تزامنا مع الذكرى التاسعة لأحداث 11 أيلول التي تصادف هذه السنة عيد الفطر لدى المسلمين، و هي خطوة غير مسبوقة من أحد المتطرفين الأمريكيين  للإساءة إلى القرآن في بلد يتشدق بالحرية المفرطة والتي وجد فيها هذا النكرة الفرصة لحشد قاعدة جماهيرية لفعلته التي تأتي كذلك بعد أسابيع من الحرب على بناء مسجد ومركز إسلامي  قرب  مبنى التجارة العالمي المدمر سنة 2001 . و لا يخفى على احد أن يكون وراء هذا العمل المشبوه اللوبي الصهيوني الذي ينخر المؤسسات الإعلامية و الحزبية الأمريكية و يخترق إداراتها السياسية و يشلها.

طبعا  هذا العمل ليس حدثا عارضا بل هو مقصود في ظروف يمر بها العالم الإسلامي و العربي و تأتي عقب بداية مفاوضات فاشلة من الأساس بين   نتنياهو زعيم عصابة الإجرام التي أطاحت بأبرياء في قافلة الحرية و لوبي عربي متواطئ يتكون من مبارك و عبد الله و  عباس و الكل كما يبدو لا يهمه  إلا مكانه والكرسي و المحافظة عليه بالتوريث  و  بالسمسرة في قضية  الشعب الفلسطيني باسم التفاوض، مع العلم أن إسرائيل ماضية في تنفيذ مخططها الاستيطاني دون أن تحفل بذباب السياسة العربي المنخور من الأساس.

الحل هو المقاومة ، و لا خيار غيرها مادام الغرب قد أعلن الحرب على الإسلام فأين هو الرد من الحكومات العربية الإسلامية التي تضم طوابير  من الوزراء و الفاهمين؟.

لا يملك المرء في هذا الظرف سوى الصبر مادام الشيطان نفسه لم يصل إلى هذا الحد من شيطنة الإنس. حكام ماكرون لا يهمهم سوى لعق الحذاء الأمريكي و لا يهمهم الإسلام بتاتا و لا يملكون ذرة غيرة عليه، الحكام الذي يسيرون في واد و الشعوب في واد.

و قبل أيام رأينا كيف أن  وحشية التآمر الصهيوني الماسوني تجسدت في حرق جثتي مقاتلين بأفغانستان بعد قتلهما .لاحظوا الوحشية الأمريكية الماسونية المجسدة في القتل و التنكيل بالجثث و الموتى و مع ذلك يطالبون باعتقال البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية كأن ما يفعلوه هم  ليس جرائم حرب. يبيحون لأنفسهم فعل ما يريدون و يحملون الرشاش في وجه من يختلف معهم و يكذب البروباكاندا الدعائية التي يروجونها.

إنه مسلسل محبوك و مفتعل من زمان من قبل القضاء على صدام حسين الشهيد الذي أعدموه يوم عيد الأضحى و لنتأمل هذه الصورة المقصودة  لقتل المسلمين و رموزهم أيام العيد و حتى إحراق القرآن الذي ينادي به هذا  الأسقف البروتستانتي النكرة  يصادف يوم عيد الفطر.

من جهة أخرى ، من يقرأ ملخصا لأهم ما جاء في كتاب مجرم الحرب توني بلير و رحلته الدامية في الإجرام الدولي (التي يعتبرها هو رحلة أخلاقية لتغيير العالم و تنقيته من الأشرار) يلمس الحقد الدفين لأحفاد الحركة الماسونية الصهيونية  على الإسلام و رموزه و هم يعلمون أنه دين قيم و عدل يهدد عروشهم الخاوية بالسقوط في أية لحظة و يفضح جنوح الامبريالية الجديدة إلى السيطرة على العالم بكل الطرق بعد هزيمة كل الأيديولوجيات  الأخرى و تذويبها في حوض الرأسمالية المتوحشة.

وا أسفي  على قادة المسلمين! ، المترنحين في أماكنهم لا يحركون ساكنا كأزلام كرتونية لا تنفع و لا تضر.. و يوم القيامة سيحاسبون حسابا عسيرا على هذا السكوت الشيطاني لأن الساكت على الحق شيطان أخرس . و الله لو كانت لهم ذرة كرامة لأقاموا الدنيا و أقعدوها، بالأمس رسوم مسيئة للرسول و قبل أيام حرق جثتي مقاتلين مسلمين كيفما كان انتماؤهما ولو  اختلفنا مع توجههم ، و اليوم حرق المصحف الكريم و غدا لا ندري ماذا يخبئ لنا القدر..

ماذا بقي لهم بعد التطاول على رموز ديننا الإسلامي؟ الحقيقة أن أمريكا و ما يأتي منها كبلاد مصدرة للشر   تتحمل مسؤولية  تصدير الإرهاب الرسمي و تأجيج الحقد عليها و هو ما أعلنه ديفيد بيترايوس من أفغانستان أن حرق المصحف في الكنيسة الأمريكية سوف يجعل رحى الحرب ضد طالبان جحيما لا يطاق لجنوده و رغم هذه التحذيرات للأسقف  -المأجور من بني صهيون  و من والاهم  في تل أبيب و واشنطن- لم يتراجع عن قراره.

و إذا ما احرق المصحف الشريف  حقيقة سوف تكون أمريكا دولة مصدرة للإرهاب الرسمي فعلا و تحتضن إرهابيين في صور رجال دين و مسؤولين يتقلدون مناصب و حساسيات مختلفة في المشهد السياسي الأمريكي.

أليس هذا هو الإرهاب بعينه ؟ أن يتطاول أسقف نكرة على كتاب مقدس يشكل رمزا لأكثر من مليار مسلم ؟ ما ذنب القرآن في ذلك؟  ما ذا يريد أن يأتي بفعلته ؟

قد نجد إجابة لذلك و هي أن هذا الفعل قد يكون من ورائه إشعال فتيل الحرب ضد إيران، الحرب التي تدفع إليها إسرائيل و اللوبي الصهيوني و تحتاج إلى شرارة متطايرة من هنا أو هناك فقط . و قد يكون حرق المصحف هو الشرارة التي تبحث عنها إسرائيل لاستفزاز إيران بحكم أنها الدولة المسلمة الوحيدة التي تعلن ممانعتها للامبريالية الصهيونية الجديدة المتمثلة في أمريكا و حلفائها و تهدد باجتثاث الدويلة العبرية من الخريطة كما  يقول أحمدي نجاد بمناسبة و بدونها ..

وسواء كان رد الفعل داخل الولايات المتحدة قويا أم  لا فالحرية داخل أمريكا تعدت الحدود خاصة لما يتعلق الأمر بانتهاك حريات المسلمين الذين يشكلون أقلية داخلها و لا يملكون وسائل ضغط قوية في المؤسسات السياسية و الإعلامية المتصهينة.

لم يعد  الزمن الآن يسمح للمسلمين بتقبل المزيد من الإهانات و الضربات تحت الحزام خاصة في ظل حصار الشعب الفلسطيني و إشعال بؤر التوتر في العالمين العربي و الإسلامي و محاولة ضخ أكبر قدر من التطاحنات و الأحقاد في بلداننا المنهكة على جبهتين:

الجبهة الداخلية و الأنظمة المستسلمة لقدرها و للغطرسة الأمريكية و أجندتها .

و الجبهة الخارجية التي تجد فيها هذه الشعوب نفسها وجها لوجه مع العدو الصهيوني الماسوني المتسلح بكل شيء  تدافع عن قضاياها بطرق سلمية و إضرابات و اعتصامات.

و قد أظهر هذا الفعل العنصري  من أسقف كنيسة تزمتا  و سادية في الاحتقار و الرغبة في عدم التسامح مع المسلمين  و  الدهس على مجموعة من  القيم التي ينادي بها الغرب نفسه. كل هذه القيم  الزائفة تنهار لما يتعلق الأمر بالمسلمين ويصير كل شيء مباحا حتى لو تطلب الأمر الدوس على كل ما تعارف عليه البشر من حقوق متراكمة و ما وصلوا إليه بعد حروب و تطاحنات تاريخية .

الخلاصة أن كل هذه القيم من  تسامح و كرامة و ما يحاولون خداعنا به أصبحت مزيفة و مشوهة بعدما مسخها السلوك الأمريكي الصهيوني المتطرف في حرق جثت  قتلى الحرب في أفغانستان  ، و اليوم يقفز هذا  الأسقف قفزة نتمنى أن تكون إلى هاويته لينادي بحرق المصحف الشريف  فهو لا يعلم مدى الحقد و الكراهية اللذين  سيشعلهما ضد أمريكا  و مصالحها عبر العالم و عوض أن تكون القاعدة فقط من يهدد مصالح أمريكا ستظهر حركات أخرى قد تعجل بانهيار التحالف الصهيوني الأمريكي و تعجل بالتالي بتفتيت الولايات المتحدة و زوال إسرائيل  إلى الأبد..

التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   
يوليو
29

بقلم: محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

بين المشروع الإيراني و المشروع الأمريكي للسيطرة على الشرق الأوسط مسافة بسيطة صارت واضحة و مكشوفة خاصة و العالم اليوم يسير بوتيرة زاحفة لمحاولة  طمس معالم ثقافات بعينها و اجتثاث أفكار تهدد هذا الطرف أو ذاك و الضحية بكل بساطة هي الثقافة العربية الإسلامية التي تغلي في فوهة الطاحونة الشرسة المسماة الصراع الأمريكي- الإيراني. فأمريكا تحاول من جهة أن تفرمل ما يسمى” بالمشروع  القومي الفارسي” و أن تسحقه في جنينيته من خلال تسخير كبش الفداء الذي هو الشرق الأوسط العربي، ومن جهة أخرى تحاول إيران -التي بدأ عودها يشتد و يتماسك رغم الهزات العنيفة التي تعرضت لها غداة الانتخابات الإيرانية الأخيرة – أن تخلق نوعا من التماشي و التوازن  مع حركات تحررية من قبيل حماس و حزب الله اللذين يخنقان المشروع الصهيوني و يمنعانه من التمدد خارج رقعته الحالية.  الضحية و الخاسر الأكبر في ذلك يبقى العالم العربي و الشرق الأوسط بالخصوص مثل كرة تتقاذفها المصالح الأمريكية و الإيرانية  فيما بينهما و الطموح الحقيقي لكل منهما هو بسط النفوذ على ثروات  المنطقة.

و في الرأي العام العالمي اليوم رأيان متناقضان بحيث أن الأول يرى في إيران خطرا يهدد المنطقة و هذا الرأي رسمي و غير بريء بحيث أنه لا يسلم من خلفية للوبي الصهيو-أمريكي كقاعدة يستند عليها للقضاء على إيران و الرأي الثاني هو الرأي الحقيقي و هو المنبعث من رحم المجتمعات و هو رأي يتشكل من دارسين محايدين و مفكرين و أفراد يملكون رؤى متبصرة للأشياء و يحللونها بتميز و بعد نظر فكريين بعيدا عن كل تدليس و تزوير، بل الغريب هو ما بدأنا نسمعه اليوم في بريطانيا بالخصوص من ردود فعل ضد اجتياح عراق 2003 و هو ما صرح به نائب رئيس الوزراء البريطاني يوم 22/07/2010 و اعتبر أن جاك سترو و رئيسه توني بلير ومن معهم ارتكبوا أخطاء كارثية بمساندتهم لجورج بوش في اجتياح دولة ذات سيادة  والذي إن كان هناك قانون دولي بالمفهوم العقلاني للكلمة فيجب أن يقدموا كلهم إلى محكمة الجنايات الدولية بين يدي رئيسها أوكامبو كمجرمي حرب ارتكبوا مجازر لا في العراق وحده بل في أفغانستان و فلسطين و لبنان. لكن العكس هو الذي حصل فها هو توني بلير يخرج من الباب البريطاني الضيق إلى الباب الدولي كرئيس للجنة الرباعية، فمتى كان الذئب يحرس الغنم بلغة العارفين المتنورين؟

. طبعا لا أحد ينكر أهمية  الإعلام  في كونه المحرك الحقيقي لهذه الأفكار و قوة الغرب اليوم بالإضافة إلى القوة الاقتصادية و العسكرية هي قوة جبروتية  تقبع في سيطرته على المؤسسات الإعلامية و توجيهها لصنع رأي عام بالرموت كنترول، بل و أكثر من ذلك إنشاء قنوات ناطقة بالعربية و الفارسية (البي بي سي مثلا) لمخاطبة  الناس بلغتهم الأم و بالتالي يسهل  تدجينهم  و التأثير فيهم و في قيمهم فيصير  الأمر سهلا على السياسيين لإيجاد أرضية داعمة لأخذ قرارات حتى ولو كانت خاطئة.و يمكن القول أن الساسة الغربيين بذلك يخدعون شعوبهم بحيث يصورون لهم الدول التي يستعدونها في صورة الخطر الذي يتوجب القضاء عليه سالكين كل السبل المشروع منها و غير المشروع في ذلك.

أما فيما يتعلق ببعض المؤسسات الإعلامية  في عالمنا العربي الذي لا يملك “مصفاة نقدية ” فتتسرب إليه كل الإيديولوجيات المسمومة عبر القنوات العمومية التي تمولها الدولة – و يا للمفارقة- وعبر القنوات الخاصة التي يملكها ناس لا هم لهم سوى الربح المادي و التجاري و لو على حساب الهوية المحلية في تجلياتها  الإسلامية و القيمية و الثقافية. بل حتى في أحلك الظروف التي مر بها إخواننا في غزة عقب الاجتياح الصهيوني الأخير رأينا قنوات محسوبة على الأمة العربية تقول عن نفسها محايدة -و يا ليثها كانت محايدة  فعلى الأقل إن لم تنفع القضية فلن تضرها- كانت تبحث عن أشخاص يقال أنهم  معتدلون و تستضيفهم  لخوض نميمتهم في أعراض المكتوين بنار الفسفور الصهيوني ..

بل الأخطر من ذلك أن بعض البرامج التي تذاع في  قنوات الغرب في إطار البروباكاندا الإعلامية لصنع رأي عام غربي حاقد على العرب و الإسلام و كذا لصنع مواطن  غربي متحمس لخلط الإسلام بالإرهاب

و كذا و المضي وراء ساسته، يتم  تصديرها كفيروس إعلامي مسرطن إلى المشهد الإعلامي العربي فتتم  إذاعتها و  إعادة استهلاكها دون حسيب أو رقيب خاصة في زمن العولمة التي لم يحضر لها العالم العربي شيئا سوى فتح النوافذ و الأبواب لدخول كل شيء من حبات الأسبرين إلى القواعد العسكرية الأمريكية.

و الأخطر هو عندما يتم استضافة ما يسمى ببعض المحسوبين على المعارضة في إطار الحرية الشخصية

و الفردية و تغليفها كذلك بحقوق الإنسان التي أوجدها الغرب نفسه لاستعمالها كورقة ضاغطة على أنظمة الدول المتخلفة : فإما أن تساير الحكومات و الأنظمة  -حتى و لو كانت غير ديمقراطية- المخطط الأمريكي أو أن ينصب لها شرك عدم تطبيق حقوق الإنسان و كذا مطاردة الأنظمة كما فعلوا مع صدام من قبل و ما يفعلونه اليوم مع البشير الذي يتمسك بوحدة السودان ،  بينما الحقيقة التي لا غبار عليها هي أن  الغرب يرى في دارفور الأرضية الحقيقية لانطلاق اقتصاد سوداني قوي و بالتالي  ما فتئ يضع العراقيل تلوى الأخرى من أجل استمرار الصراع مثلما هو عمل أمريكا في جل أنحاء العالم العربي و الإسلامي و هو خلق بؤر توتر لصراعات تمتد في باكستان و الهند و أفغانستان ثم إيران و العراق و سوريا و اليوم اليمن و فلسطين و مصر من خلال الصراع مع دول نبع النيل على مصادر المياه ثم تركيا و ورقة الضغط الكردية و ليبيا و الحصار خلال الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي ثم المغرب من خلال صحرائه التي استرجعها و يتواجد فيها منذ  34 سنة و مع ذلك لازال الصراع المفتعل قصد إطالة عمر القضية.

هذا سرد بسيط لمناطق التوتر التي كما يبدو لا تبرح العالم العربي الإسلامي و الغرب متحد في مواقفه لأنه في كواليس هذا الغرب لا يهمه بتاتا أن يتحد العالم العربي أو الإسلامي الذي يبدو أن أصحاب القرار فيه يعتقدون أنهم  آمنون من خدعة أمريكا التي تجعل من حبيب الأمس عدو اليوم و العكس صحيح بحيث الهدف في النهاية أن تحافظ على مصالحها.

. طبعا اللعبة الأمريكو- صهيونية باتت مكشوفة و هي تخلط الأوراق في معدة الشعوب العربية الإسلامية

و تنأى بنفسها عن الظهور و إذا حدث و تدخلت فالتدخل سيكون كارثيا لأجل قلب الأوراق لمصلحتها.

المد الفارسي الذي يتحدث عنه مجموعة من الدارسين الاستراتجيين و السياسيين المتحيزين اليوم هو بهدف عزل إيران إعلاميا و إيديولوجيا و خلق نوع من التوجيه غير البريء للرأي العام العالمي ، و نحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن المشروع الإيراني الذي أظهر أن إيران لها طموحات توسعية في المنطقة تتجاوز العراق الجريح و سوريا المتخبطة في مشاكلها و كذا لبنان المتعثر في طائفيته و الأجندات الخارجية التي تخلط أوراقه الداخلية بقدر ما نصور الهدف الحقيقي من وراء تضخيم الغرب للآلة العسكرية الإيرانية  و تصويره كخطر يواجه المنطقة لأجل إجهاض البرنامج النووي الإيراني و كذا المحافظة على أمن إسرائيل.

في مقابل هذا التطاحن بين إيران و الغرب يلعب العرب  دورا معتلا و باترا  هو في النهاية   دور يساهم في الحفاظ على مصالح طبقة بعينها تتلاقى مع مصالح أمريكا و أطماعها .

و في علاقة بنفس الموضوع  نجد أن المؤسسة الإعلامية العربية مفرملة بأجندة الأنظمة السياسية التي تتبع لها و لا تلتفت إلى الشعوب إلا لتخديرها ببرامج رخيصة أو مباريات كرق القدم و المضي قدما في سبيل  تلهيتها عن القضايا الحقيقية للأمة العربية. و في جانب آخر تراهن هذه المؤسسة الإعلامية في تبعيتها للغرب هي الأخرى بحكم وجود أطر تكونت في الخارج  و ابتعدت عن التقاليد الحقيقية للوطن فترى حاجتها في تبخيس القيم و المضي في استيراد المنتوج الغربي الذي لا يتناسب جملة و تفصيلا مع القيم الإسلامية و المحلية للبلاد العربية معتبرين أن ذلك هو السبيل الوحيد لركوب قاطرة الحداثة و التنمية و متناسين أن نموذجا اسمه الصين يتقدم اليوم بقدراته المحلية و هويته الوطنية.

خلاصة القول أن العرب اليوم مطالبون بلعب دور أحسن من مجرد  دور الضحية بين المشروعين الأمريكي و الإيراني ، كما يجب عليهم تجميع جهدهم  بشكل حيوي مع ترك مجال أكبر لممارسة الحريات الصحافية بدل تضييق الخناق عليها لأن ذلك يساهم في تكوين  رأي عام حقيقي و حذر و غير مزيف ، ثم يجب  الحذر من استيراد المنتوج الإعلامي الغربي لأنه كأي منتوج سواء في التغذية أو الأدوية أو غير ذلك  إذا كان فاسدا فإنه سيفسد لا محالة الإنسان العربي و يزيف قيمه و هو مرض تعاني منه الشعوب العربية اليوم حيث صار الإنسان العربي حائرا في مواقفه لا يعرف عدوه من صديقه و لا يعرف ما يقدم مما يؤخر.

يوليو
04
في 04-07-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

ذ.محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

تعيش الثقافة اليوم انتكاسة حقيقية تتمظهر بالأساس في تهميشها و الارتكان إلى أشياء أخرى يظن بها البعض أنها الطريق إلى ركوب قاطرة التقدم و التنمية. و هذا الإهمال الفظيع لتأهيل الرأسمال البشري و تشجيع مقروئية الكتاب و استهلاك الثقافة يدفع الشباب بالأساس إلى الانشغال بفضاءات أخرى و ميادين أقل أهمية إن لم نقل تتم فيها المراهنة على التسلق الاجتماعي بأبسط الطرق.

فالمشهد الثقافي المغربي و العربي عموما يدعو إلى طرح أكثر من علامة استفهام لاسيما و الحكومات العربية باتت تنظر إلى المثقف كنوع من الضمير الأخلاقي الذي يمارس رقابة خاصة عليها في ظل فترة البياض التي يعرفها الرأي العام و كذا فراغ دوره من محتواه اللوجيستيكي بشكل تصير معه الثقافة عدوا متربصا بالسلطة.

فهناك دائما إشكال حقيقي يتعلق بعلاقة العقل العربي في رمزيته بالسلطة و هذا التنافر بينهما ليس وليد اليوم بقدر ما هو نابع من مخلفات الحركات التحررية و تبعات الاستقلال حيث لم يتخلص مجموعة من المثقفين بعد من رهاب السياسة و منهم من غامر بمشاريعه الأدبية في سبيل إرضاء السياسة أو على الأقل محاباتها. اتحاد كتاب المغرب مثلا لم يتخلص بعد من تدخل ما هو سياسوي فيه ،و كمؤسسة من المفروض أن تنهض بالثقافة أصبح وضعها يدعو إلى الشفقة في هذه المرحلة بالضبط ،خاصة و الكتاب

و هم زبدة المجتمع يتصارعون فيما بينهم على الخواء في الخواء مجمدين أنشطة مؤسسة كانت إلى وقت قريب ذات إشعاع وطني و عربي و يعطون بالتالي للناس العاديين صورة تافهة عن دور الثقافة في المجتمع بل و ينشغلون عن الأسئلة و الرهانات الحقيقية التي من الممكن أن تنهض بسؤال الثقافة وطنيا.

هذه الانتكاسة ليس غريبا أن نرى من تبعاتها جيلا جديدا من الكتاب الشباب يخترق الآفاق و ينجح في إبراز صوته خارج الحدود و هو ما جعلهم يحصدون جوائز عربية و ينصرفون إلى نشر أعمالهم خارج المغرب في وقت احتضنتهم جهات عربية و رحبت بهم و كذلك بعدما أدارت لهم مؤسسات ثقافية من قبيل اتحاد كتاب المغرب الظهر . هذه المؤسسة الثقافية لم تعد مجرد منظمة ثقافية من الواجب أن تكون مستقلة عن ما هو سياسي و إنما باتت تابعة له وفقدت مصداقيتها لدى مجموعة من الناس. فشكسبير و المتنبي و ابن خلون و غيرهم لم يكونوا يوما أعضاء في اتحادات الكتاب التي نراها اليوم قد امتلأت بالطفيليات و صارت تعج بمن هب و دب و هناك من الكتاب من لم يكتب سطرا واحدا منذ سالف العصور و مع ذلك لا يزال يتمتع بعضويته فيها.

ليس هذا هو موضوع حديثنا هنا و لكن هذا أخطر شيء على الثقافة و هو حينما لا يتم تهميشها من طرف الغرباء بل من طرف أهل الدار الذين من المفترض بهم أن ينهضوا بوضعها فإذا بهم يساهمون في إقبار صوتها و إدخالها في حسابات ضيقة لصيقة بالانتهازية و اللصوصية و محاولة الاسترزاق من وراء ظهرها..

قد يقول البعض أن الأمية و ظهور منافسين آخرين للكتاب (بكسر الكاف) ساهم بشكل مباشر في تبخيس الثقافة و تمريغ سمعتها في التراب و هذا جائز ما لم تكن هناك سوء النوايا على المستوى السياسي. فكم من كتاب مدعم تطبع وزارة الثقافة للكتاب المبتدئين و لماذا قام وزير الثقافة الذي هو كاتب و مبدع في الأصل بإقبار مجلة الثقافة المغربية ورقيا و حولها إلى منشور الكتروني؟ لماذا كل هذا الاستخفاف بالواقع الثقافي في الوقت الذي كانت هذه المجلة على الأقل فرصة لمجموعة من الكتاب للاستفادة و لو رمزيا من نشر أعمالهم؟

طبعا سؤال الثقافة الذي ننظر إليه بإلحاح لم يعد أولوية في تخطيطات السياسيين و المنتخبين و حالة المكتبات و دور الثقافة تدل على أزمة الثقافة و رميها أسفل سافلين على مستوى الأولويات. حتى المتمدرسون يكتفون بالمقرر الدراسي فقط و لا يلتفتون يمينا أو يسارا إلا نادرا ، وفي المنازل ثقافة الكتاب غير حاضرة بقدر ما نجد الأفرشة و الصالونات و أواني الطبخ و آخر موضات اللباس ، لا أحد يلبس موضة الكتب و القراءة إلا نادرا ، حتى المهنيون الذي يجتازون مباريات الترقية لا يلتفتون إلى الكتاب إلا مع اقتراب امتحانات الترقية المهنية. تلك بوادر أزمة حقيقية في مجتمع لا يقرأ و إذا قرأ فهو يفعل ذلك بدافع تكلفي . الكتاب يعانون معاناة حقيقية ، فأن تنشر ديوانا شعريا أو مجموعة قصصية أو رواية في هذه الأيام صار مغامرة حقيقية في غياب دعم لدور النشر أو حتى دعم دور النشر نفسها لكتاب مبتدئين مخافة ألا يلقى الكتاب رواجا و تلقى المطبعة مصيرا شائكا. هل إلى هذه الدرجة لم تعد الثقافة تغري أحدا و لم يعد الكِتاب خير صديق و لم تعد القراءة و المطالعة الهواية الأكثر تميزا كما كانت إلى عهد قريب؟

سؤال الثقافة لم يعد ذا بعد وجودي يُكيِْنن إنسانية الإنسان و يساهم فيها حين صارت لنا رغبات و أذواق أخرى أكثر مادية و أكثر إفقارا للفكر البشري. تأتي هيفاء وهبي و غيرها و تتمايل بجذعها بضع دقائق فتحصد ما لن يحصده كاتب في حياته حتى و لو فاز بجميع الجوائز العالمية الأدبية. تلكم ثقافة أخرى: الهبوط بذوق المجتمع إلى مستوى البدائية. فالثقافة كرهان لتنوير العقول و تنوير المجتمع و الحفاظ على إرثه و هويته تهدف إلى المساهمة في تكوين مجتمع مثقف على الأقل حتى يسهل على الناس فهمهم لحقوقهم و واجباتهم أما و المجتمع لا يقرأ و لا أحد يدق ناقوس الخطر فهناك شيء لا يجري كما ينبغي. يجب إعادة الاعتبار إلى الثقافة و كل من يساهم في بقائها على قيد الوجود لأن ثقافة الاستهلاك و استيراد القيم الغربية و الاستلاب الفكري كلها قيم زائفة سرعان ما تنجلي عن الأعين و لا يبقى إلا ما هو مكتوب. فلنتأمل الخدمات التي قدمها ابن خلدون للفكر العربي و حتى العالمي أو ابن رشد الذي بنيت على أساسه الحضارة الغربية أو ما أنتجه أرسطو في المنطق و الفلسفة. هل هناك مجتمع واحد في تاريخ العالم تقدم و هو يدوس عل الثقافة و يرميها في الزبالة؟ لا يمكن أن يكون ذلك و لا يمكن للمجتمع أن يسير شبرا واحدا إلى الأمام بدون تأهيل العقل و الجانب الثقافي فينا الذي قال عنه كلود ليفي ستراوس و هو ينظر(يرفع الياء و كسر الظاء) لمفهومه بأن الثقافة ضد الطبيعة أي تناقض الجانب الحيواني في الإنسان. و أول ما نزل من القرآن الكريم كلمة اقرأ. فالله عز و جل جعل من السبيل إلى التنوير البشري تثقيف العقل و طلب العلم و هو ما يرقى بالإنسان إلى إدراك إنسانيته و التفكر في سبب وجوده في هذا الكون.

الثقافة هي السبيل الوحيد إلى التنوير سواء الروحي منه أو العلمي و خير الناس من شب على القراءة و التثقيف الذاتي و هي رسالة غير مشفرة يمكن بعثها إلى المثقفين أنفسهم أولا لكي يعيدوا ترميم صورتهم المشروخة و إلى القائمين على شؤون الناس ثانيا لكي يعيدوا إلى الثقافة مكانتها بدل محاولة طمس معالمها و مجابهتها بفكر آخر هو فكر اللامبالاة و الطيش متناسين أن بناء الصور الزائفة سرعان ما يكذبه التاريخ و يتجاوزه و هذه الصراعات الخاوية التي يتم شغل المجتمعات المتخلفة بها هي في النهاية منعرجات من أجل إقبار دور الثقافة و تذويب آفاقها .

لن نتقدم بالشفوي و كثرة الكذب و لعب الأدوار و نحن ندرك السكيزوفرينيا المجانية التي نخوض فيها مبتعدين عن طرح الأسئلة الحقيقية و مقتربين من اللبس في تتفيه دور المثقف و خصوصيته في ضخ دماء جديدة في المجتمع الذي لا يمكن له أن يسير بوتيرة أحسن ما دام يرتكن إلى تهميش الثقافة و دورها في التنمية.

يونيو
24
في 24-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : ذ.محمد الكرافس

بهجومها الأخير على أسطول الحرية الذي كان متوجها إلى غزة في إطار محاولة فك الحصار عن إخواننا هناك ،أظهرت إسرائيل مرة أخرى أنها فوق ما يسمى بالقانون الدولي الذي كتب له أن يكون مشوها و باترا على الأرجح في هذه المرحلة الحساسة بالذات. و قد ساهم التشرذم العربي في قيام أمريكا بالتغطية على هذه الجرائم الصهيونية كما ساهم ما يسمى بالمجتمع الدولي الرسمي بصمته و قراراته المحتشمة في صياغة أجندة تخدم الآلة الصهيونية و ذلك لمصالح هذا الطرف أوذلك حتى يبقى الوضع على ما هو عليه و تستمر اللعبة.

فلسطينيا ما زالت الجبهة الداخلية غير ملتئمة حول المصير المشترك للفلسطينيين و هي متورمة بمجموعة من التشنجات الاديولوجية التي لن تفيد القضية في شيء. فحصار غزة ساهم فيه بالدرجة الأولى أصحاب القرار السياسي القلسطيني في رام الله و لم يعد خافيا على احد هذا التورط المخزي لدرجة أن أحد الوزراء الاسرائليين طلع علينا مؤخرا و هو يصرح أن حصار غزة هو في نهاية المطاف لمساعدة عباس في بسط نفوذه و السيطرة على القطاع.

نعم هذا تصريح رسمي من العدو يصب الزيت على النار في تورط أجهزة السلطة في التآمر على حماس.

و أنا هنا لست أدافع عن حماس بقدر ما أقر مثلما يقر جميع أحرار العالم أن حماس جاءت إلى السلطة نتيجة انتخابات ديمقراطية و شفافة بل و أكثر مصداقية من الانتخابات التي تجري في عديد من دول العالم العربي. إذن فحصار غزة هو في النهاية نوع من العقاب الجماعي لناس اختاروا الديمقراطية التي يبدو انها لم ترق لأمريكا ومن يدور في فلكها لأن امريكا تريد تفصيل ديمقراطية على مقاسها ، و بالتالي كي يسهل عليها تطويع القطاع و التحكم فيه و تسييره ليدور في فلك إسرائيل و كذلك لكي تضعف بالتالي اللاءات التي تعلنها الجبهة الداخلية الفلسطينية ، لأن وجود محور شرس،مناهض ومعارض مثل حركة حماس في القضية الفلسطينية يخدم هذه الأخيرة بدرجة كبيرة. و لندرك حجم الكارثة التي من الممكن أن تحل بقضية المسلمين الاولى علينا تصور غياب حماس و كيف ستصول و تجول إسرائيل في الضفة و القطاع دون مشاكل.

العبث الذي نراه في القرار الأمريكي و اللف و الدوران الذي تقوم به إسرائيل ما بين التنصل من اتفاقيات و القيام بعكس ما يتم الاتفاق عليه و مجموعة من المراوغات التاريخية التي تطيل عمر القضية و بالتالي تشغل الفلسطيننين و العرب قدر الإمكان عن الهدف الأسمى الذي هو استرجاع الاراضي القلسطينية كاملة و رجوع اللاجئين ، فتجد ان اللوبي الصهيو_امريكي ما فتئ يقوم بمناوراته من اجل إطالة عمر القضية و الدفع بها دائما إلى الجديد و لكن ليس أي جديد : إنه الجديد الذي تريده إسرائيل و الغريب ان هناك من العرب من يدور في فلك المخطط التمطيطي للقضية الفلسطينية عن شعور أو عن غباء احيانا.

السلام مع العرب كما تريده إسرائيل يجد له دائما غطاء أمريكا الام الحنون لبني صهيون، و هناك تنازلات يقدمها العرب من اجل المصلحة الشخصية لكل واحد فيهم لكنها غير دات جدوى .

قطاع غزة يدفع ضريبة على ثلاث اوجه :

1_ ضريبة الجبن العربي و التواطؤ من بعض الذين يخلطون الإسلام بالإرهاب و يهاجمون حركة حماس متناسين أن ما قامت به إسرائيل في عرض المياه الدولية لهو أكبر قرصنة و ليست أي قرصنة : إنها قرصنة رسمية برعاية أمريكية و أممية .

2_ضريبة الشماتة الداخلية من سلطة رام الله التي فقدت مصداقيتها على مستوى الإجماع الشعبي العربي و هي تناور بشتى الوسائل لإضعاف حماس.

3_ ضريبة الاختيارات الداخلية التي لم ترق لواشنطن وتل ابيب بحكم أن الغزاويين ومعهم الفلسطيينين اختاروا مرشحي حماس لتمثيلهم و القيام بتدبير شؤوهم.

الآن يمكن الحديث عن بوادر ما بعد الحصار لأن الأمور تطورت و ظهر اللاعب التركي في رقعة الميدان و هذا الدخول التركي على الخط أفسد الخطط الأمريكو صهيونية و ألحق بها ضررا كبيرا. و نحن نعرف أهمية تركيا في المنطقة و التي صارت مند الهجوم على غزة السنة الماضية لاعبا محوريا فضح اسرائيل اما م أعز شركائها و حتى بعض المنظمات الدولية التي كانت تغض الطرف عن الممارسات الاسرائيلية وجدت نفسها محرجة في هذا الوضع ما بين تحريك مساطرها لمتابعة مجرمي اسرائيل و الضغط الأمريكي الذي يروم تجميدها.

أما العرب فلازالت اجنداتهم السياسية تصب في أنهار بعيدة عن لعب أدوار طلائعية في قضيتنا. وحتى ذلكم الحين فالحل في القضية الفلسطينية بدأ يلوح في الأفق أنه لن يكون بحلول عربية بقدر ما سيكون بحلول اسلامية تقلب الطاولة على إسرائيل و أمريكا و من يدور في فلكهما.



يونيو
16

بقلم: ذ.محمد الكرافس

sijmatin@yahoo.fr

تسير المنظومة التربوية العربية على مسار متباطئ استوجب مؤخرا ضرورة إماطة اللثام عن مجموعة من المثبطات التي تعوق طريقها. فالدول العربية منذ استقلال  أغلبها  و  هي تسعى جاهدة لأن تنهض بقطاع التعليم عبر مجموعة من المحطات التاريخية و عبر مجموعة من التجارب تذبذبت   بين النجاح و الفشل لأن التربية كمستلزمة حقيقية لنجاح أي أمة هي بمثابة  قاطرة متحركة لمواكبة السرعة التي يسير بها العالم.

من تجليات هذا الانشغال العربي المتزايد   اعتمدت  توصيات جديدة و  إصلاحات  جذرية أحيانا   للقطاع التربوي دخلت  حيز التجربة قبل عقود من الزمن في بعض الدول إلا أنه بعد ذلك ظهرت مجموعة من النواقص على هذه المحاولات العربية  و انتفضت مجموعة من القوى الداخلية المحلية   و الخارجية (الأمم المتحدة نموذجا) لإصدار تقارير حول وضعية قطاع التربية  بالوطن العربي  لتضع بذلك  إصلاح القطاع التعليمي على محك حقيقي  و تدعو بشكل صريح إلى النهوض بهذا المجال لتحقيق التقدم المنشود .

لكن في مقابل ذلك  نجد أن  توصيات البنك الدولي أصبح  ينظر إليها– حسب بعض المثقفين  اليقظين-  بنوع من الريبة بحكم أنها تدجن المجتمعات العربية   و تفرض عليها أجندة غربية في مقابل تمتيع هذه الدول بقروض و امتيازات تطرح أكثر من سؤال.

طبعا الحديث في هذا المجال يضيق هنا لأن الفاعلين في المنظومة التربوية كثر و المتدخلون متعددون ،و  لكل واحد وجهة نظره الخاصة  لكن يجب الاعتراف أن  هناك ثوابت راسخة لا يمكن المضي على السكة الصحيحة بدونها. يتعلق الأمر هنا بالفاعلين المباشرين في المنظومة التربوية وهما: المربي و التلميذ أو الأستاذ و المتعلم. العلاقة بين الاثنين متقاربة استوجبت دراسات و دراسات و رغم ذلك بقيت بعض الجوانب يلفها الغموض و بقيت مجموعة من المثبطات تعوق السير السليم للتربية و التعليم عندنا.  و قد حرص مجموعة من الباحثين العرب  في علم النفس التربوي و في علوم التربية والديداكتيك  على محاولة عكس أسباب النجاح في كل عملية تعليمية- تعلمية انطلاقا من تحديد دور كل طرف فيها و الدعوة إلى تطبيق ذلك .

فالمدرسة العربية  بما هيا عليه اليوم عبارة عن مايكروكوزم مصغر  للمجتمع  العربي ككل بحيث لا يمكنها أن تنشغل عن شيء آخر سوى أنها مكان لإقامة بذور التربية الحقيقية و غرسها  في أجيال الغد التي يعول عليها عالمنا العربي الإسلامي  للقيام بالتنمية بمختلف توجهاتها. و مما لا شك فيه أن الوسط المدرسي العربي  يزخر بتفرده الخاص من خلال  إعداده للعناصر التي ستؤثث المستقبل العربي و تساهم في استمرارية لعب الأدوار بين النخب القليلة  داخل المجتمعات العربية  .

إن قطاع التربية و التعليم   بات اليوم الرهان الحقيقي لكسب   ريثم حقيقي  للتقدم إن لم نقل أنه هو المقصود من وراء كل هذه المجهودات التي تبذل بل و هو الشتلة المقصودة بالسماد  و العناية في هذه التربة  فأي منطق هذا الذي يمكنه الحديث عن التربية في العالم العربي  و هو لا يولي اهتماما لأهمية الطفل داخل المجتمع الذي بدونه حتما لا يمكن لأمواج التقدم العربي  أن تتكسر سوى على صخور   الوهم  و الصراعات النخبوية الجوفاء .

يونيو
16
في 16-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم: ذ.محمد الكرافس

كاتب و باحث


تجتاح العالم العربي مجموعة من الموجات الفكرية و الأيديولوجية التي تنادي بعصرنة الخطاب الفكري العربي و تضمينه مجموعة من التيمات الجديدة التي يعتقد منظروها و واضعوها  أنها الكفيلة بالنهوض بالواقع العربي  و تخليصه من مشاكله العويصة.

و يصطدم هذا الخطاب الفكري المتبلور على عدة جبهات بمجموعة من المثبطات التي تبنين وحدته و تشل حركته من الأساس. فالأمة العربية تواجه كتلة من التحديات الداخلية  وهي تصارع مشاغلها الاجتماعية  و التفاوت الطبقي من خلال الشرخ الاجتماعي ما بين طبقة غنية تزداد غرقا في غناها و طبقة فقيرة تتخبط في فقرها.

ثم إن الاقتصاديات العربية بخضوعها المباشر و غير المباشر للسيطرة الغربية و بتبعيتها الأيديولوجية و الغريزية  للآخر الماكر للأسف سحقت مفهوم تحقيق الرخاء الاجتماعي لمواطنيها ووسعت الهوة ما بين الطبقات  الاجتماعية التي لم تتحسن وضعية أصحابها ، بل حتى ما كان يعرف بالطبقة المتوسطة في الثمانينات و التسعينات مثلا صارت طبقة كادحة حسب معادلة الزيادات في الكلفة المعيشية و كذا الأسعار التي تلفح جيوب المساكين.

التحدي الآخر الذي يواجه المشروع الفكري العربي هو طبيعته الأيديولوجية  ”المتعلمنة” و التي تمانع التراث و الإسلام معا فتجد مثقفي البلد الواحد ينظرون كل على هواه للخروج من التخلف مجانبين في أحايين عديدة الحديث عن المشاكل الحقيقية لمجتمعنا العربي الإسلامي و مفضلين الغوص في نقاشات  نظرية بيزنطية لا تفيدا لمواطن العربي المغلوب على أمره في شيء بقدر ما تزيد حنقه .

الحديث هنا يجرنا للحديث عن النخب التي تفرزها مجتمعاتنا العربية التي تعيش المفارقة في أبهى حلة لها. فإما أن مجتمعاتنا تنتج نخبا و يتم إفسادها بشكل أو بآخر كالإغراء مثلا ، و إما أن  النخب التي تنتجها هذه المجتمعات غير مؤهلة للقيادة و هذا غير صحيح طبعا، لأن الأدمغة العربية مثلا تستطيع الاندماج و تحقيق النجاح في مجتمعات الغرب بدون  عراقيل تذكر اللهم بعض المضايقات هنا و هناك.

سياسيا تعيش النخب الثقافية في المجتمع العربي صراعا وجوديا مع السلطة أو ربما هو نوع من المفارقة التي تجعلها سلاحا ذو حدين. فإذا كان المواطن العربي لا يثق في حكومته فقد يستطيع الإيمان بمثقفي البلد و هنا يلبس السياسي رداء الثقافة الطاهر للمرور على جسد المواطن إلى مراكز أعلى في السلم الاجتماعي و قد تحصل صراعات علنية بين المثقف و السلطة إذا لم يجار السياسي في مواقفه .

المسألة الخطيرة في هذه الدوامة العجيبة هو حينما يرتمي المثقف في أحضان السياسيين و ينظر(بضم الياء وكسر الظاء) لهم  بشتى الطرق و الوسائل من اجل تعبيد الطريق لاستمرارهم  بترسانة من القوانين الوضعية التي قد لا يقبلها  أبسط فكر بشري عبر التاريخ. كل هذه العوامل تطيل عمر التخلف في الجسد العربي و تضعف إمكانية العقل العربي في الانزياح فكريا طبعا و الخروج عن المألوف سياسيا و ثقافيا بغية خلق بديل حقيقي للتقدم بعيدا عن الفر دانية و فريبا من الموضوعية.

لقد تخلف العالم العربي عن الركب العالمي لأن العقل العربي لم يلامس القضايا الحقيقية لأمته بل غاص في صناعة النخب التي غالبا ما تنتهي في الهامش أو في أحضان الحكام و تغازلها و لا تدخل معها في مغازلات .

هذا الصراع بين الثقافة و السلطة يجعل من أفكار المثقف تحت المجهر و هو يهدد الفكر النخبوي الفاسد الذي يمارس ديماغوجية داخل المجتمع تخلق تيارات متناحرة تشغل الشعوب عن التفكير في الأولويات الممكنة لتقويم سقوطها.

لن يتقدم العالم العربي بوصة واحدة إلى الأمام ما دامت أنظمته “تقولب” مجتمعاتها على شاكلة النمط الغربي ضاربة عرض الحائط الخصوصيات الثقافية و التراثية و متناسية أهمية الإسلام الذي هو العمود الفقري الروحي  لأغلب  شعوب العالم العربي  على مستوى الدين و إغفاله يجعل الخطاب الرسمي خطابا دون توابل.

كما تقتضي عصرنة الخطاب الفكري العربي مراعاة خصوصيات الهوية المحلية و احترام  أذواق النخب الفكرية التي تظهر في الأفق لكنها سرعان ما تبتلى في ماهية وجودها فيتم تشويهها و إحراجها  أمام المجتمع و تدخل في صراعات أيديولوجية مع تيارات أخرى يستنبتها النظام السياسي العربي  داخل المجتمع  الواحد مما يجعله في مأمن عن الخطر و يجعل يده ممدودة إلى معدة المجتمع المدني يحرك قواعد اللعبة كما يريد و يهضم كل الحركات الاحتجاجية التي تتجاوز خطابه الرسمي أو تحاججه في مشروعيته المزيفة.

يونيو
16
في 16-06-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : محمد الكرافس

لا تكاد الأمة العربية تنهض من كبوة حتى تصير في غياهب كبوة أخرى أكثر فتكا و أشد ضراوة، و لا يكاد المواطن العربي يفر من أرقام معيشه المتدنية التي تصدرها الأمم المتحدة و غير  المتحدة ، حتى يسقط هذا المواطن في جب أكثر عمقا و أشد حلكة.

تلك هي حال هذه الشعوب التي صارت ألسنة التاريخ تلفحها من كل الجوانب حتى تخلفت جملة و تفصيلا ولا تريد أن تتقدم شبرا إلى الأمام . فهذه أنظمة تقتات من عصور بائدة تفصل الدساتير لتكون على مقاسها و مقاس أبنائها في أعنف انقلاب  على حقوق الشعوب و  صارت بالتالي  تعيش فوق طاقة هذه  الجموع لأنها بالمفهوم السوسيو-اقتصادي  صارت عبئا ثقيلا عليها يكلفها تخلفا و بطالة قد  سكنا  الجسد العربي في ليلة واحدة . و حتى مجرد التفكير في وجود هذه الأنظمة و كيفية تدبيرها للشأن السياسي يثير إشكاليات و يخلق بثورا في الاستيعاب و الفهم مادامت هي الوعاء الأجوف المحتوي لكل شيء .

كما أن أمريكا بديمقراطيتها “المتدكترة” و هي  تمارس أوهامها الشطرنجية في شرق أوسط تريده أن يكون تابعا لها  بينما يريده  أصحاب الأرض أن يبقى مستقلا بنفسه و بعيدا عن التبعية العمياء فأين الكبرياء الإنساني إذن  إذا كان الدم العربي بدأ يسيل على يد سياف عربي ؟

هذه طبعا واحدة من انتكاسات العرب التي يسجلها عليهم التاريخ، حتى صاروا في بقعة أشبه ببقعة الزيت الطافية فوق الماء، يراهنون في ظل إفلاسهم الفكري و السياسي  على الرقص و شغل الشعب بهز البطون و الأرداف  و الكرة  كوسيلة لتحقيق التوازن و المصالحة الغائبة/الحاضرة مع الذات بينما يقضون مآربهم الذاتية و  يتركون الأمر لآخر قشة من قشات النظام الأمريكي المستأسد في كل شيء  لتزحزح وجودنا و تعبث في معالمه.

الصراع اليومي الذي يخوضه الإنسان العربي لم يعد يقتصر فقط على صراعه مع القوت/المعيش.إنه صراع بمعان متعددة: صراع من أجل البقاء بالمفهوم البيولوجي ، و بالمفهوم الجغرافي هو هروب من الواقع ، من الإكراهات السياسية و الحقوق المهضومة و هو في نهاية  المطاف هروب ذو حمولة فلسفية : هروب الذات العربية  داخل الزمن من الولادة إلى الممات و هروب خارج الزمن/السياق حين يصاحب الوجود العذاب النفسي و أوهام الخوف الروتيني من فقدان حق الحياة.

لقد تضاربت المصالح السياسية و الاقتصادية بين أبناء الوطن الواحد و تاهت القضايا ذات الأولوية بين رفوف الإدارات و المساطر القانونية الثقيلة كما   ضاعت   حقوق الناس بسبب التطاحنات الطائفية و الصراعات النخبوية الجوفاء حتى  وصل مستوى الذل العربي إلى درجة التآمر  مع العدو/الآخر لتصفية الخصوم المحليين. إن الحدة السياسية التي تبلغها الشعارات المرفوعة لا تدل سوى على كلام معسول و مديح منمق   يمتص معاناة الملايين من العرب و يستمهلها لتحقيق الأغراض الشخصية، لأنه بعد انقضاء و زوال مفعول الوصفات السحرية تظهر حقيقة المتملقين الذين يحكمون الواقع العربي تحت رحمة النظام العالمي الأمريكي الذي أصبح القالب الديمقراطي الذي لا بد أن تلبسه كل الأمم التي تريد أن تحقق التنمية و الازدهار، و هذا ما يطبقه بعض العرب في تسابقهم نحو كسب ود أمريكا و تلميع أحذيتها .

للأسف،  بعض الذين يحكمون الواقع العربي ساسة خارج النص لأنهم ينزعون إلى تحقيق الرضي عن الذات من خلال رضى الآخر/الغرب عنهم و من خلال استمرارهم في ممارستهم للسلطة رغم اقترافهم لأخطاء جسيمة في حق الشعوب أحيانا   ورغم عدم أحقيتهم و غياب كفاءتهم أحيانا أخرى.

و لذلك ، في هذه الجغرافية العربية ، الواقعي و السياسي لا يتعايشان و لا يصب أحدهما في اتجاه الآخر. و التناقض هنا لا يأتي من معطى لغوي كما يبدو للبعض بل هو تناقض متشعب يجعل مصلحة السياسي   العربي فردية تغذيها النرجسية و حب السيطرة و تملك المال العام و هذا مرض نفسي خطير أفرز نخبا سياسية متعفنة تلهث وراء الاسترزاق بدعوى خدمة المصالح العامة ، بينما الحقيقة المرة هي مصلحة الواقعي الممتدة إلى معيش الجماعة و قضاياها الشائكة .

إن تكبيل الأمة العربية بترسانة من القوانين على الورق و إخراجها كورقة رابحة في وجه الحقوقيين و المعارضين و محاولة جعل الشعوب فأر تجارب لشتى الأنواع القمعية و البيولوجية و الديكتاتورية المقنعة هو إذلال لكرامة المواطن العربي و توسيع للفجوة الصارخة بين متطلبات الواقع و انحراف السياسي عن مسار طبيعته التي هي خدمته للشعب، مبتعدا عنه و متقربا من الآخر الماكر.

و حتى الواقع العربي كأرضية سياسية هشة لا يمكن له مثلا محاكمة السياسي العربي المخطئ/المتواطئ مع الغرب على مصالح أمته لأن هذا الواقع لم ينضج بعد ليتخذ مثل هذه القرارات. هل نحاكم السياسي العربي لأنه ارتمى بشكل أو بآخر في حضن دافئ آمن  و لبس ريشا ليس من فصيلته ؟ أم نحاكم الواقع العربي لأن طعمه أصبح مرا و جلده صار مخشوشنا ؟

يمكن القول إذن أن هذه الجدلية غير ناضجة في الوقت الراهن و الخوض في تجلياتها ما هو إلا انتحار فكري  مرخص له ، لأن النضج كتيمة مصاحبة للوعي بالحقوق و الواجبات و التمتع بحس المواطنة لن يتحقق إلا إذا هدأت خفة اليد على المال العام و خفت معها   وطأة الظلم و معاناة القلوب و اتسعت رقعة حقوق الإنسان كاستثمار سياسي يرسم إحداثيات  الممكن و  اللاممكن في الحريات و يحدد الاختصاصات  . ثم إن الرداء الذي ما لبث يلبسه السياسي في الرقعة العربية مازال- كمجال- لا يتسع بعد  لاستيعاب هذا الواقعي الذي صار مهجنا بفعل العولمة   و قولبة الثقافة الغربية في إطار عالمي تصديري  يغزو الوطن العربي  عبر عدة طرق  دون رقيب أو حسيب و دون تخصين ذاتي للهوية المحلية.

خلاصة القول، السياسي العربي- كمفهوم وظيفي و ليس كفرد مادي مشخصن- يعيش  اغترابا فصاميا في علاقته بواقعه لأنه في برج عاج في منأى عن مشاكل الجماعة ، لا ينزل إلى الأرض إلا ليخطف الأصوات الانتخابية- إذا كانت هناك انتخابات أصلا- بطريقة أو بأخرى و يعود إلى كرسيه سالما غانما و هذه هي أقسى قمم الاغتراب داخل الوطن العربي.