نوفمبر
06
في 06-11-2018
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

                                                                                                                                                                                               بقلم : محمد الكرافس  

                                                                                                                                                                                               هسبريس HESPRESS

  https://www.hespress.com/writers/410648.html

 

**********************************

 

تتداخل الحروف والكلمات، لترتب نفسها في هذا الطقس المزمجر. في خضم سطوة الزمن والمضاربات السياسية والتسطيحية، أطلت علينا بارقة أمل من جديد في ‘الهنا’ و’الهناك’، بعدما تكدسنا داخل مجرة ثاوية في أدران التفاهة والرداءة حتى أصبنا بتخمة التخم.

كدنا نفقد الأمل، لولا هذه الهبة الربانية  Manna From Heaven  التي جاءت في وقتها لتبث الروح من جديد في عوالم الحرف والفعل القرائي.. فعل رمزي وحضاري حمله عنوان عريض لتتويج طفلة مغربية اسمها مريم أمجون بجائزة تحدي القراءة على الصعيد العربي.. هذا الفعل المعنوي الذي خاصمناه حد الإسهال، ونسينا أننا في أتون عالم تجره إحداثيات العولمة والمعرفة مطالبون برفع راية العلم والتنوير. فلا سبيل أمامنا لبناء الذات والرقي والازدهار غير سلوك هذا الاتجاه باعتباره ملاذا آمنا من الجمود والانحطاط الذي لطالما التصق بظهر الإنسان العربي ولفحه بسوطه منذ قرون.

شكرا بنيّتي مريم على هذه الرفعة التي أعادت إلى المغربي جزءا من بصيص الأمل في نشدان التغيير عن طريق القراءة؛ قراءة ابتغيناها فعلا حارقا لجيل كامل بتنا نخشى عليه من الضياع والانحراف والتيه الأنطولوجي عن سكة الهوية الثقافية والوطنية والقومية.. جيل شممنا فيه جزءا من الضياع المدمر والبائس، نتيجة عوامل سيكولوجية واقتصادية وسياسية واجتماعية، ونتيجة عوامل التعرية الفكرية والتفاهة والتسطيح التي ما انفكت توغل حد العمق في معدة مجتمع يتجه نحو المجهول.

مريم الصغيرة، هل ترسم خارطة طريق جديدة للفعل القرائي الذي خاصمه فلذات أكبادنا في مجتمع تفشت فيه أمراض النفس والذات والعقول؟ هل نجفف بوائق البوار الثقافي، ونحن نعلم النفور القاتل من الكتب الذي أصاب هذا الجيل إلى درجة تكاد تنعدم فيها حتى قراءة كتب المقررات الدراسية في شتى الأسلاك التعليمية؟

ولسنا هنا في حاجة إلى التذكير بنخبوية الفعل القرائي والمقروئية في المجتمع المغربي والعربي عموما، وهو فعل نريده اليوم أن يصير- بفضل تضافر مجهودات كافة الشركاء والفعاليات التربوية والثقافية والاجتماعية- سلوكا وطقسا يوميا يؤنسن عزلة أطفالنا، ويؤثث أروقة الدور والبيوت والحدائق ومقصورات القطارات والحافلات والمكتبات، خارج إطاره المؤسساتي، ويغري بعوالمه الشباب منذ سن مبكرة لشحذ الذات وتنوير العقول وتخليصها من أدران الجهل والجمود.

ولتفعيل ذلك، سنعطي لأنفسنا الحق في إلباس الفعل القرائي حلة ‘ماركوتينغ’ مشروعة وشفافة، تماما كما تعطي بعض خطابات التفاهة والرداءة لنفسها الحق في غزو العقول وقصفها بخطاب أجوف لا يكرس سوى التبعية والضعف والتعصب والسطحية.

فشكرا، مريم، على هذا الكرم الباذخ في نحتنا من جديد !

أغسطس
08

بــقــلم : مــحــمـد الكــرافس

العرب أونلاين    غشت 2011

اتحاد كتاب الانترنيت المغاربة غشت 2011

*****************

سنة 1798 استفاق الشرق ممثلا في مصر من سباته الطويل منذ سقوط الأندلس على أصوات المدافع النابليونية التي وضعته على سكة المقارنة و عرت أوصال التخلف الذي كان يقبع فيه. و  توالت على الشرق الأحداث المزلزلة التي كانت كل مرة تضخ فيه دماء جديدة للتغيير ولو أنها كانت بطيئة تكرست بعد خروج المستعمر الأجنبي و بقاء المستعمر المحلي الممثل أساسا في الأنظمة المتربصة التي انقضت على الاقتصاديات الوطنية و قامت بما يسمى ب”الوزيعة” للثروة الوطنية تاركة الشعوب تقاسي مرارة الحرمان و شظف العيش.

وقد بدأت تهب على الشرق  مؤخرا رياح أحداث كبيرة تحركه و تزحزحه من جموده الطويل ، حيث إضافة إلى الثورة و ما صاحبها ، يمكن اعتبار محاكمة مبارك اليوم بمثابة حدث فريد و عظيم في تاريخ الشرق  و يمكن تشبيهه بحدث  حملة نابليون على مصر من حيث أن الحدثان معا يشكلان علامة طريق فارقة في تاريخنا  ولو أن الظروف اختلفت و الأسباب تعددت.فهذه المرة يستفيق الشرق دونما حاجة إلى مساعدة أحد ، محاكمة رئيس عربي قدم خدمات جليلة للامبريالية الصهيو- أمريكية و ساهم في لجم أفواه القومية العربية و قتل شعبه و ساهم في إيصاله إلى مرتبة مهينة من الذل .أجل قمة الانتقام الإلهي من أحد المتجبرين الذي لن تشفع له لا الأمة المصرية و لا العربية مواقفه المخزية من قضايا شعبه و قضايا فلسطين و العرب.إن الله يمهل و لا يهمل و لا يغرنك اليوم ما ترى الحكام الآخرين ماضين فيه من بطش و تسليط مخابرات على المعارضين و رجال السلطة مدججين بأعوانهم لخدمة الحاكم كأن الشعوب مجرد تابع لا حياة له بدون حياة الرئيس المقرب من الله بينما الآخرون مجرد رعاع مسخرون للتبعية فقط. لقد سقطت هذه الاسطوانة المشروخة و بدأ الشرق يخطو خطوات مهمة في اتجاه سيادة الشعب بمحاكمة مبارك و ستأتي بعده محاكمة بنعلي و ربما نشهد في السنين القادمة محاكمات مماثلة لحكام آخرين.

لو أخذنا صورة ساركوزي في فرنسا كدولة ديمقراطية  مثلا و أردنا استجلاء أهميته لوجدنا أن فرنسا باقية و ساركوزي عابر في صورتها، مجرد موظف يؤدي وظيفة في إطار مؤسساتي قد يؤديها أي شخص آخر بعيدا عن الالتفاف على الشعب أو تمويه الناس بالانتماء إلى أسرة عريقة أو كذا من الخطابات الديماغوجية التي تموه و تضلل الاخرين.

لو أن التاريخ سيكتب من جديد في الشرق فقد نعتبر أن محاكمة مبارك ،و هو يرقد ذليلا مع نجليه داخل قفص الاتهام، ستدشن هذه الانطلاقة الجديدة في سماء الديمقراطيات الصاعدة التي تحترم الإنسان و لا تسلط عليه خفافيش الليل التي ترهبه و تهدده. لم يبق لمبارك اليوم ما ينفعه و لا لنجله جمال ما يتهكم عليه كما كان يفعل أيام زمان فسبحان مبدل الأحوال وأي حال ، أسوء وضع لا يتمناه أي من الحكام الآخرين الذين ازدادت شراهة تطويقهم للاحتجاجات و لم يبقى لهم غير العودة إلى السياسة الأمنية المتبولسة التي يتقنونها في محاصرة الشعب و تجييش الإعلام الزائف ضد الرغبة في التغيير .

فالجميل في محاكمة مبارك أنها بعيدة عن كواليس أمريكا و هي إذا صح التعبير صناعة مصرية عربية (مية مية) لا دخل للبانتغون أو البيت الأبيض فيها و لا يمكن بتاتا مقارنتها بمحاكمة صدام حسين لأن العراق على العكس من ذلك تماما خرج من ديكتاتورية الفرد إلى دكتاتورية الجماعة و ساء الوضع سياسيا و اجتماعيا و هذا موضوع آخر.

المهم  كذلك أن محاكمة مبارك تتم بدافع شعبي غير مساند بأية جهة  بعدما سقط القناع و لا بد من الاتعاظ من هذا السقوط المجلجل لفرعون مصر المعاصر مثلما هناك رؤوس أخرى مرشحة بدورها للمرور تحت مقصلة القصاص الشعبي الذي لا يرحم. كما أن بلطجية السيد الرئيس و بطانته السيئة كلهم أضحوا  في مرتبة واحدة اليوم و لا منجي من غضب الله و غضب مصر التي نجحت في اجتثاث الورم الفرعوني و أدخلته إلى مختبر المحاكمة الشعبية، و حتى دور الضحية و التمارض لن يشفع لمبارك لأن العبرة بالعمل و قد كانت أمامه فرص ذهبية كي يرحم شعبه و هو معافى و في قمة صحته أما طلب الغفران و التمارض في فراش الهلاك فهو شبيه بمن يريد الصلح على فراش الموت.

الجميل في هذه المحاكمة  كذلك بغض النظر عن طابعها المادي و السياسي أنها تحمل دلالة رمزية حيث يصير  قفص المحكمة لوحده  علامة سيميائية تحيل على سلب الحرية  على المكشوف من جهة ، و من جهة أخرى فقفص مبارك هنا يحضر ببعدين: البعد الفيزيقي الذي يشكله فعلا القفص الحديدي و البعد النفسي الذي تمثله محاكمة الشعب خارج سياق بناية المحكمة، و كم تعجبنا حين سمعنا مبارك يقول للقاضي المستشار أحمد رفعت لما سمع اسمه : أفندم.  أين التبجح و الاستهزاء بالآخر و النظر إليه من أعلى؟ كأن هذه الدنيا خالدة و المنصب الرئاسي دائم. الآن فقط و عند الصدمة بدأ هؤلاء يستفيقون من سباتهم و هي رسالة للحاكم العربي اليوم كي يكون مسؤولا عن نهايته ومصيره فإما تكون نهايته حميدة و ينصرف ليمضي تقاعده في عز و كرامة و حضن الشعب الدافئ و إما تكون نهايته  ”مباركية” (نسبة إلى مبارك) عرضة لمحاكمة شعبه.

الكرة الآن في ملعب المطابخ السياسية الأخرى .

يوليو
28
في 28-07-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

- بقلــم :  محمد الكرافس

جريدة العرب الدولية 26 تموز 2011


°++++++++++++++++°

ليس هذا عنوانا لرواية أو فيلما سينمائيا أو نصا سرديا بمفهومه الأدبي و لكنه  عنوان الواقع الذي يعبر به عن المرحلة التي دخل فيها الربيع العربي بلون الدم العربي الخالص الذي يسيل خالصا و مخلصا  كذلك للتخلص من هذا النموذج السلطوي العربي الفاسد الذي قدم ولاءه و أقسم على ألا يترك السلطة إلا بعد إراقة الدماء و قتل الشهداء ،و التنكيل بالأبرياء، نسأل الله تعالى أن يذيقه شر البلاء ،و يريه في خاتمته سقم الداء الذي ليس بعده شفاء.

يحز في نفسنا كمتتبعين و محللين لهذا الوضع الذي  تمر منه الأمة العربية  و قد بدأت تنضج المقدمات الجنينية للديمقراطية على علة بدائيتها في بعض مناحي الخريطة العربية بعد المرض العضال الذي تسلط عليها باسم السلطة و الحكم منذ المرحلة الناصرية و الامتداد التحرري من الهيمنة  الامبريالية الغربية و لو نسبيا، حيث لم تستطع النخب العربية الحاكمة التخلص من تكشير الأنياب  أمام الخصوم المحليين و  السعي الدائم و المزيف لخلق الأعداء الوهميين قصد الاستمرار في الحكم و الحفاظ على الامتيازات العينية و المؤسسية . لذلك نرى اليوم صورة العالم العربي في هذه المرحلة الانتقالية من اللاديمقراطية إلى شيء شبيه بالديمقراطية و أيدينا على قلوبنا أن تتحول هذه الفرحة إلى مسخ مشوه للديمقراطية نفسها و تعطينا بالتالي مخلوقا هجينا يبدل الكلب بالجرو . و رأينا  فعلا كيف تتحول الآلة العسكرية  العربية التي تقتات من رغيف الدولة و التي من المفروض أن تكون مهمتها الأساس هي العمل على صيانة البلد ضد الهجمات و العدو الخارجيين لاسيما و دول عديدة منها سوريا لها جيوب محتلة  من إسرائيل هي منطقة الجولان بالخصوص، و عوض أن  توجه فوهة المدافع السورية إلى صدر الإسرائيلي الغاشم طوعها بشار و من معه و تحولت لتضرب بعمق الصدور السورية العارية و البريئة المطالبة بالكرامة.

لقد نجح الأسد فعلا –كنموذج لقصة الذئب الذي يحرس الغنم- في كل شيء إلا  في كسب ثقة السوريين و العرب و حبهم، و الطامة الكبرى التي لا تريد أن تدخل العقل مع بشار و غيره من العرب هو أنهم درسوا في جامعات غربية و تنسموا عبير الحريات و حقوق الإنسان  في جامعاتها و من المفروض أن تكون جيناتهم  الوراثية قد تذوقت ترياق الحقوق و تأثرت بهذا التواجد في الغرب ، لكن يبدو أن هناك عوامل  أخرى و محكمات عرفية تسري في الدم  و تعمل على تمرير سموم  مورثات التسلط و المرض بالسلطة و السطو على ممتلكات الشعب.

هذا النادي العاجز فعلا عليه أن يتعظ من مصير مبارك الذي خدم الامبريالية الصهيو-أمريكية في الشرق الأوسط ثمانين حولا كما قال الشارع الجاهلي و هاهو اليوم لا حول له و لا قوة بعدما صار إلى مصيره المنحط مرميا في زنزانة، و كل واحد ينادي له بنوع معين من العقاب. لمَ لا يتعظ هؤلاء القوم من مصير أشباههم من المتسلطين على رقاب الشعوب، المنكلين بمواطنيهم ؟

فقد وصلت إلى حدود الجمعة 22 تموز  أنباء من بعض الحقوقيين السوريين و غيرهم عن تجاوز عدد الشهداء السوريين 1400 شهيد برصاص العدو – عفوا برصاص القوات السورية للأسف- وهذه أم الكبائر التي تنبذها الشريعة السماوية و الأرضية  على الإطلاق حين تتجه فوهة البنادق الوطنية إلى أجساد أبناء الوطن عوض أن تكون لهم درقة تحميهم وتحمي ظهورهم من عدو خارجي قد يكون أرحم لهم من الذئب الداخلي خاصة و هم دافعو ضرائب المال العام الذي تشتري به الدولة السلاح.

إن المصطلح الوحيد الذي يليق بإنجازات الأسد و صالح و القذافي و من صار على نهجهم النيروني – نسبة إلى نيرون-  هو تحولهم إلى ذئاب مفترسة، همهم الوحيد البقاء في السلطة التي ورثوها مثلما يرث أي شخص ضيعة أو عقارا ، فوراء ذلك السكوت و تلك الوداعة الصفراء التي كانوا يظهرونها للاستهلاك الإعلامي تختفي اللغة التي يتقنونها: لغة الافتراس و الدم . لكن مثل هؤلاء سرعان ما يدوس عليهم التاريخ و حالة مبارككما أسلفنا خير مثال على البهدلة و جرجرة خريف العمر . و إذا أردنا أن نزيد ذلك مقارنة و تمثيلا فلنستحضر الرئيس الأمريكي 39 جيمي كاتر الذي قضى فترة رئاسية بين 1977 و 1981  و حصل سنة 2002 على جائزة نوبل للسلام و كيف ينظر إليه الأمريكيون اليوم بنوع من التبجيل و التعظيم ، و هذه حال الأمم الديمقراطية التي تؤمن بالعدل و الكرامة و التي نجحت في ضمان كرامة الإنسان و كرامة الحيوان و تتفوق في ذلك ، و لو سببت أذى لجرو صغير في فرنسا مثلا لطاردتك بريجيت باردو أمام محاكم يشهد لها بالكفاءة و الصرامة و أدخلتك السجن ، أما و المواطن العربي الأعزل يقتل مجانا برصاص ميليشات حاكمه فلا أحد يحرك ساكنا أو ربما لا أحد يسكن الآلام المتحركة في هذه الفترة غير التضحية بالأنفس و الجهاد ضد العتاة.

مايو
03
في 03-05-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم :محمد الكرافس

العرب أونلاين 28/04/2011


******************

إن صوت الثقافة الذي أريد له سابقا أن يكون مبحوحا في الواقع العربي ليس بمنأى عن الاحتجاج هو الآخر لما له من مظالم و تراكمات في خلخلة بنية التوازن الديناميكي داخل المجتمع العربي لاسيما و الأنظمة القائمة بدأت تتهاوى أمام ثورة كوبرنيكية مناهضة و أظهرت هشاشة فظيعة في التعامل مع المتغيرات العالمية التي أدخلت المواطن العربي في منظومة جديدة هي منظومة المواطن الكوني المستعصى احتواؤه سياسيا/أيديولوجيا من طرف أجهزة الاستقطاب  السياسي المحلي.

وقد تحدث الفيلسوف مارتن هايدكر عن حركية الفكر حين قال :” إن العلم لا ينتج الفكر ” طالما أن التقدم  الذي يعرفه العالم علميا و تكنولوجيا  ليس كافيا مادام يصاحبه موازاة مع ذلك تقزيم و اختراق لمدينة العقل /الفكر و هو ما نلمسه في سياسة التدجين المهاجمة لسلطة المعرفة بالأساس في  عمق فكر الثورة العربية و  كل ذلك  قصد إطالة عمر “فكر “معين هو فكر النمذجة السطحية و  الميوعة و الانبهار بالآخر  و أحادية السلطة .

و قد عملت مراكز القرار العربي في ظرف معين و طوال عقود على محاربة توسع دائرة -النخب المثقفة – لما لهذه الأخيرة من تصور أخلاقي/مثالي عن تبلور الحكم الحقيقي – فبقيت قابعة  في هامش الواقع العربي الذي استفردت به النظم الحاكمة و من والاها، و هو نفس الأمر الذي  خيب آمال أفلاطون في نظرته إلى الأوليغارشيه و فوضى الواقع الإغريقي آنذاك التي اندحرت أمامها دروب مدينته الفاضلة. ليس هذا ترميزا لشيء معين بقدر ما هو تصور فلسفي للأمور طالما أن الفيلسوف و المثقف و المنتج للفكر و المعرفة  عموما يبقى في مرتبة أسمى من الانغماس في فساد منظومة بأكملها و يفضل بذلك الإبقاء على طهارته في إحداثيات الأوراق  و الكتب ،رغم أن بعض الكتاب العرب يتورطون – تنظيرا أو مشاركة- في اللعبة  السياسية  المختلة/غير العادلة لإبقاء الأمور على حالها ، مثلما نجد بعض المثقفين المنتسبين إلى مدينة العقل و الفكر يُنظّرون (بضم الياء و كسر الظاء) بغير ما يعقلون و ضدا على ما يكتبون و يقرؤون، فيعصفون بمشاريعهم الفكرية  و مستقبلهم الإبداعي مقابل نيل رضا جهات معينة و كسب ثقة العشيرة السياسية و هذه السلوكيات المفرملة للرغبة في التغيير زائفة و موسمية و لا يمكن لها أن تسافر بمصداقية المثقف في سفينة المجتمع شبرا واحدا.

من جديد، هذه فرصة على الكاتب و المبدع العربي  أن يعمل خلالها على محاولة التحرر من مخلفات الربقة السياسية البائدة و أن يقطع جذور الاغتراب التي خلقتها السلطة لعزله عن ذاته و عن واقعه و ذلك  عبر  رسم خارطة طريق جديدة في التعامل مع مكونات الواقع العربي و محاربة ظاهرة الاستقطاب الهجين  التي يقوم بها معسكر السياسيين لأن هؤلاء في حاجة إلى من يقوم بالتصديق أخلاقيا على أفعالهم و التي غالبا ما تكون منافية للقانون، بالمفهوم الأخلاقي للكلمة طبعا.

لقد تحلحلت الذهنية العربية أخيرا من وضعها بعد ممارسات سياسية تنميطية كانت تحارب أي مد لجسر التواصل بين المجتمع و الفكر و هي ممارسات شوفينية كانت ” تقولب” أشكال التفكير العربي و  ترسم نمطا ديماغوجيا و مغلوطا عن المشاركة في اللعبة السياسية لاسيما و الدساتير العربية تتساوى في تحصين مصالح الفاعل الرئيسي مع تجريم و رفض اللاءات المتجهة نحوه فأي حكم هذا الذي يرفض الانتقاد ؟ و أي ديمقراطية هذه التي تتغذى على الرقابة و إقصاء الآخرين؟

فالوضعية العامة للمثقف العربي  قبل الثورة كانت تجعله قطبا ضعيف الكيان بينما “ثقافة” التمييع و التسفيه و التشجيع على النمذجة الاستهلاكية  هي السائدة و تنفير الناس من كل ما يمت بصلة للأدب و الفكر هو عمل مقصود إذا تأملنا الإمكانيات الضخمة المسطرة للبرامج الإعلامية التي تكرس أشباه الفن و الخطاب السطحي المبتذل و ربما الاستثناء الوحيد هو برامج الشعر و الأدب و الجوائز الثقافية في بعض المنابر الإعلامية العربية و التي استطاعت مؤخرا  العمل على إسماع صوت المثقفين و طبع إنتاجاتهم و الترويج لها و لو بشكل محتشم.

لكن ذلك ليس كافيا إذا لم يقترن بالرغبة السياسية في ضرورة خلق توازن داخل المجتمع بين مختلف  أنماط التجاذبات و الأذواق لأن ما يخلق الكيان الفكري و الحضاري للبلد على امتداد التاريخ هو الإنتاج الفكري و الإبداعي الراقي و ليس نشر الميوعة و التسفيه  و ثقافة الابتداع و التي تعتبر صورا زائفة لمظاهر التقدم و الحركية داخل المجتمع سرعان ما تختفي مثل زبد البحر .

في الأخير تجدر الإشارة إلى أن المشهد العربي  وفي ظل خلقه لتوليفات جديدة في موجة الاحتجاجات التي طالت مكوناته السياسية  و الاجتماعية و الثقافية  و حتى الإعلامية يسعى إلى  تكريس صورة التغيير التي  ترسمها أصوات هذه الاحتجاجات الجمعية و إلى بلورة منظومة مغايرة لما سبق، مع مراعاة أن يصير الفكر والثقافة بمختلف الأطياف و المرجعيات محورا رئيسا في دفع عجلة هذا  التغيير و خلق توازنات داخل المجتمع ضد كل أنواع الابتذال و التمييع و السطحية.

مارس
27
في 27-03-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : محمد الكرافس

العرب أونلاين 25/03/2011


******************

تعيش الساحة السياسية المغربية اليوم  غليانا و تسابقا لم يسبق لهما مثيل بعد خطاب التاسع من مارس الذي اعتبره البعض بمثابة وثيقة الماكنا كارتا في التاريخ البريطاني ، في الوقت الذي لازالت  فيه مطالب الشباب الفايسبوكي مرفوعة و غير خاضعة للأدلجة السياسوية و متجاوزة  بذلك كثيرا من التقديرات  حول السقف المطلبي الذي ظلت تبتعد عنه الأحزاب السياسية نفسها ؛ هذه الأخيرة  التي  تحاول الالتفاف على مطالب الشباب و تبني خطاب يحاكي خطاب السلطة  بعدما ابتعدت عن دورها في أن تكون قوة سياسية اقتراحية و قوة مناهضة لخطاب تمركز السلط كما هو معمول به في الدول الديمقراطية و هو منحى باتر في الممارسة السياسية كما عرفت منذ الإغريق  و من تبعهم إلى يومنا هذا .

مطالب الشباب التي تسعى التنظيمات الحزبية  إلى تعويمها و احتوائها بقولها اليوم ” ما وصلنا إليه يكفي”  أحرجت الأحزاب السياسية أو اغلبها حتى لا نكون ظالمين للبعض و التي ظلت متخبطة في فردانيتها و غارقة في سياستها الخاصة و جعلتها تبقى مشدوهة أمام هذا  الفتح الفايسبوكي الذي رفع سقف المطالب السياسية عاليا  و أحرج  من تسمي نفسها  “أحزابا ” و هي التي اقترنت  مناسباتيا بالانتخابات  فقط، و التي كانت إلى عهد قريب تعتبر  أن المرور إلى بوابة السياسة لا بد أن يمر بالأساس من خنادقها و أي إصلاح لابد أن يكون بمشاورتها حتى وصلت إلى المغرب بوادر ما يقع في العالم العربي و بات المشهد السياسي المغربي الذي طبعه عزوف عن المشاركة في اللعبة التي ترسمها الدولة  يغلي، و ما هو  بعزوف في الحقيقة إذا سلمنا أنه نوع من التسيس الصامت و الفعال و رفض للمشاركة في لعبة تنتهي خيوطها في النهاية إلى يد نفس الوجوه لإدارة البلاد وفق ما تراه مناسبا للحفاظ على مصالح طبقة معينة.

فالخطاب الذي أراد الشباب إيصاله  اليوم اكتسب شرعيته  الوجودية بعيدا عن  أية أيديولوجية مادام يقارع تمركز السلط  بلغة مطلبية جمعية بعيدة عن كل تدليس أو تبادل مصالح و بعيدة عن رائحة التحزب السياسي و التي ميعت النضال السياسي و أفقدته قيمته و أظهرت فعلا أن ما وقع في عديد من البلدان العربية لم يأت به حزب أو طائفة بقدر ما هو تعبير عن إرادة الشعب بلغة الشباب.

فلتمتلك الأحزاب السياسية الشجاعة  و لو هذه المرة و تنأى بنفسها عن محاولة الالتفاف حول مطالب الشباب الفايسبوكي الذي عصف فعلا بمصداقيتها و خلق لنفسه قاعدة عريضة تتجاوز الأعراف البيروقراطية التي أصيبت بها الأحزاب نفسها و أتلفت أجندتها إن كانت لها أجندات فعلا  و تاهت عن خطها إن كان لها خط في الأساس. إنها قمة التناقض حين نسمع عن اختلاف بين حزب و شبيبته، و نسمع عن حزب آخر جمع ألفي شاب و جاء بهم إلى الرباط لإبراز حضوره في المشهد السياسي ، أين كنتم  قبل اليوم ؟ هذا ضرب من العبث، لأن الحضور الحقيقي هو حين تكون في قلوب المغاربة و ليس في نشرة الأخبار التي تبثها الأولى.

لم تعد الحيلة تنطلي على أحد مادام القطاع السمعي البصري نفسه  لم يتحرر بعد من ربقة مخلفات إدريس البصري التي مازالت تعتبر الإعلام رافدا من روافد وزارة الداخلية منذ ألصق البصري وزارة الإعلام بدهاليز الداخلية في خطوة معروفة لتجميل صورة المغرب بالمفهوم “الداخلي” ( نسبة إلى الداخلية وليس إلى الداخل ) .المغرب اليوم ورش حقيقي على عدة أصعدة ، اقتصاديا و سياسيا و حقوقيا و اجتماعيا ، و حينما نقول ذلك فالأمر يتعلق ببناء تعاقدي جديد يكون فيه المواطن مخدوما وليس خادما و هي الأجرأة التي تحتاج إلى جرأة في الخطابات و إلى صدقية و تنوير حقيقيين و كرامة تأخذ بعين الاعتبار مركزية المواطن كإنسان       و ليس ما يملكه من ضيعات و حسابات بنكية و  الاستفادة المباشرة من الثروات مادام  المواطن يدفع الضرائب و يساهم في بناء الاقتصاد  الوطني.

هذه مطالب شباب المغرب اليوم و التي لا تحتاج إلى مزايدة أو وصاية من أحد أو وساطة أو  تأويل فقهي أو قانوني قد يجتهد البعض في تفسيره لأن زمن الوصاية السياسية قد ولى و زمن الخلط بين الانتخابات و النضال السياسي قد داست عليه مطالب الشباب اليوم، و كل ذلك لم يتحقق لأن هؤلاء الشباب لا يفهمون في السياسة كما كان يقال و لكن لأن ما يقومون به فعلا هي السياسة بشحمها و لحمها و هي  الصدقية و  الواقعية و الوضوح في الرؤية و الاتجاه المباشر في الخطابات بدل اللف و الدوران  الذي يريد البعض اليوم اتخاذه سلاحا  و ركوبه مطية للمزايدة على مطالب الشباب المغاربة  و إفراغ تطلعاتهم من محتواها الحقيقي.

مارس
10
في 10-03-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : محـمد الكرافس

العرب أونلاين


اتسعت رقعة الثورة  الشعبية عبر ربوع  العالم العربي لتشمل دولا كان يقول أصحابها أنهم بمنأىعن السخط الشعبي الذي جرف نظامي بن علي و مبارك في طريقه الهائج ، حتى أصحبت قاب قوسينأو أدنى من جرف علي عبد الله صالح و مجرم الحرب الكذافي و أنظمة أخرى مرشحة هي الأخرى للسقوط .لو تأملنا هذه الصورة في الوطن العربي ، الوطن الذي كشر فيه حكامه عن أنيابهم وهم يعتقدون أن الشعوب لا تستطيع الحراك لأنهم خدروا نخبها السياسية بمجموعة من الطرق من أبرزها الإغراءات لذوي النفوس الميتة والملاحقات من طرف الأمن و المخابرات لذوي المبادئ الثابتة و هي صورة مقيتة حين تصبح الدبابات و القوات الوطنية التي مهمتها الأساسية  الحرص على أمن الدولة من أعداء الخارج فإذا بها تصير ألعوبة في أيدي النظام الذي يأمرها بتوجيه فوهة  مدافعها  وقمع الشعب و حماية النظام الديكتاتوري من السقوط و هو حال الكذافي و غيره ، هذا الرجل الذي يحكم ليبيا بلا  مؤسسات دولةو يضحك على الشعب الليبي بمهزلة  اللجان الشعبية و  مقولة “الشعب يحكم نفسه بنفسه ” طوال أكثر من أربعين سنة ، مهزلة دكتاتور و مجرم حرب في  دولة غنية بتروليا و طاقيا و لا يصل إلى  الشعب إلا الفتات من ذلك .

إن ما يقوم  به الكذافي اليوم  من قصف للمدن الليبية بالمدفعية الثقيلة و القصف الصاروخي يثير الدهشة حقا من الفعل الإجرامي  لهذا الرجل الذي طالما نوم الشعب العربي بمواقفه المزيفة و خرجاته الإعلامية و السياسية عن العادة و التهجم على الغرب و إسرائيل بأسطوانة مشروخة سرعان ما تهاوت على مطالب الحرية و الكرامة الليبية.

فالشعب الليبي لا يثور من أجل لقمة عيش مادام يتوفر على دخل فردي سنوي معدله يتجاوز 10 آلاف دولار سنويا و مزايا أخرى ،  و إنما المسألة هنا مسألة كرامة و حرية و ثورة من أجل بناء المؤسسات الحقيقية و دستور يضمن للشعب حقوقه و ليس هذا المسخ المشوه الذي ألفه العلامة الفهامة الكذافي و الذي أتحفنا بتسميته ب “الكتاب الأخضر” الذي لا يملك من الخضرة إلا الاسم و الذي سرعان ما أبان عن أنيابه و تحول إلى ذئب أحمر يفترس المواطنين الليبيين الأبرياء و يرتكب المجازر الفظيعة بحقهم.هذه المعطيات تجعلنا نتوقع أي سيناريو مستقبلا في ظل غياب شروط حقيقية وتوافقية  تضمن حماية  قانونية للشعوب  و تتمثل بالأساس في مؤسسات ديمقراطية حقيقية تضغط بقوة ضد من يريد المزايدة أو من يريد استغلال سلطته لصالح نفوذه و هي المؤسسات ذاتها  التي تفرمل من يريد الاقتيات على اللحم الآدمي و تبييت المكائد للشعب.المسألة الأخرى المثيرة للقلق في هذه الظرف الاستثنائي هي النفاق الغربي المقزز و الذي أبرز على مدى الثورة العربية التي شرعت في الإطاحة بأزلام العصور القروسطية ، تورط هذا الغرب المنافق في المؤامرة على عدة أصعدة من قبيل التستر على القمع و قهر الشعوب ليس حبا في سواد أعين الأنظمة و لكن حبا في بترولهم و ثروتهم، و يوم ينتهي دورهم في المنطقة  يقلب عليهم الغرب الطاولة .

قصة الكذافي- كما يسميه الليبيون-  تبدأ قبل تصالحه مع الغرب و كيف كان يصعد و يلهي الشعب على مدار عقود  بملهاة أن ليبيا مستهدفة من الغرب و كل ذلك لتلهية الشعب الليبي عن قضاياه الأساسيةو تحسيسه بضرورة الوحدة الوطنية ضد الغرب/الشر بمفهوم الزعيم الخالد الذي حانت ساعة قطافه.لكن بعد ذلك قدم مجموعة من العطايا لهذا الغرب قصد المصالحة و أمطره بتنازلات خاصة مع إيطاليا العدو الأول للثورة الليبية اليوم و التي يشتبه في ضلوع مسئولها الأول  المتطرف المتصهين” برلسكوني” في قصف الليبيين بالطائرات الإيطالية .

إذا تأملنا هذا الوضع  لا نملك سوى القول بأن  السحر انقلب على الساحر ،  و هو السحر الذي لم يعد  ينفع معه الكلام المعسول الذي يشبه إلى حد كبير كلام زعماء العصابات   و الذي يغلفه الكذافي بتوظيفه للمرتزقة الأفارقة  في البطش و كبح  جماح الشعب الليبي الأعزل  و هي ليست عادة جديدة لدى الرجل الذي سمى نفسه ملكا لإفريقيا وكان يتقرب منها أكثر و أكثر حيث سبق له أن  تآمر مثلا  على الوحدة الترابية للمغرب خلال السبعينات لكنه لم يفلح آنذاك  و هو ما يفسر لنا اليوم سر هذا التقرب المشبوه لتعود  حليمة إلى الفن الذي تتقنه ؛  هذه المرة فن  قتل الليبيين و ترويعهم و هو الخطاب السخيف  الذي نلمسه من الكلمة التي وجهها نجله سيف الإسلام يوم الأحد  الأخير  وفيه هدد الليبيين بوقاحة  إما  بقاء الكذافي و إما الحرب الأهلية  حيث شرعت المدفعية الثقيلة  في تنفيذه  حسب وكالة رويترز.

هذا الخطاب حمل إلى الغرب نفس النبرة المغلوطة  التي استخدمها مبارك قبل تنحيه عن السلطة ،إذ أن ابن  الكذافي لم ينس أن يحذر الغرب من قيام “إمارة إسلامية” جنوب  البحر الأبيض المتوسط  في بنغازي على بعد نصف ساعة من إيطاليا كما يقول و لم ينس  العزف على وتر ما يسمى ب”التطرف الديني ” و إثارة  العاطفة  التي تلجم الأمريكان بالخصوص  و لكنها نبرة خالية من رائحة الإقناعو أسطوانة فاسدة بات يرفضها  الشارع الليبي و معه العربي جملة و تفصيلا منذ قيام شرارة تونس التي أظهرت بالملموس هشاشة الأنظمة و سرعة تهاويها مثل أوراق التوت.

من جهة أخرى، تتبع الأجهزة الحاكمة نفس المقاربة في قمع الثورة :  حصار تداول المعلومات في وسائط الاتصال البديلة عن الوسائط الرسمية ،البدء بالتضييق على خدمات الإنترنيت و إيقافها، قطع  خدمات الهاتف عن المواطنين، منع الإعلام الأجنبي من مواكبة الأحداث ، منع الصحفيين من القيام بدورهم في التغطية، خلق فئة من البلطجية التي تشكلها وحدات الأمن بزي مدني ، منع قناة الجزيرة بالذات و التشويش على التقاطها ، التزوير الإعلامي المحلي و المغالطة في تغطية الأحداث و ذلك راجع إلى كون وسائل الإعلام العمومية تعتبر بمثابة بوق لأنظمة الطاغوت التي تقتات من سمها الفاسد وتتهم المتظاهرين بالعمالة لأجندة خارجية، ثم في الأخير العمل على إثارة النعرة الطائفية و محاولة الدفع في اتجاه خلق حرب أهلية.إذن كل هذه الوسائل غير المشروعة  التي تستعملها هذه الأنظمة لم تعد مجدية ما دام الوضع العربي الراهن لن  يسمح لهؤلاء مجددا  بحبس أنفاس الشعب و التضييق عليه ، كما يجب على النخب السياسية أن تتوقف عن التآمر على الشعوب و محاولة تلميع صورة الأنظمة  العاجزة  و هي إلى حد ما متواطئة معها  لأن الكل بات يعي أن نضج الشعوب  يخترق كل الطابوهات الحمراء التي تكرست و  يرتفع سقف المطالب  في هذا الوطن العريض الذي يستحق أكثر من هكذا أنظمة و يستحق فعلا أن تكون سلطته التشريعية أقوى سلطة و هي رمز الديمقراطية الحقة، و ليس ديمقراطية الذل التي ذبلت ملامحها من كثرة استعمال مساحيق  التجميل .

بقلم : محـمد الكرافـس

جريدة ” العرب” الدولية 13/02/2011

صحيفة “الوفاق”الإيرانية 16/02/2011

******

بدأت بوادر انهيار المخطط الأمريكو- صهيوني  في الشرق الأوسط تتشكل في الأفق خاصة مع  ظهور جيل جديد من الشباب في البلدان العربية ، جيل يؤطر ذاته بعيدا عن دواليب السياسة و لا يؤمن بالتبعية الأيديولوجية  و  يؤمن بضرورة التخلص من التبعية المخزية للغرب التي انتهجها النظام العربي ، النظام الذي نسي في يوم من الأيام انه يتولى إدارة شؤون الشعب و ليس إدارة شؤون أمريكا في المنطقة.

منذ تنظيرات كوندوليزا رايس و تخطيطات  رامسفيلد و الشرق الأوسط يعتبر بمثابة حقل تجارب حول نوع السياسة التطويعية التي يجب انتهاجها  قصد  تطويع شعوبه و إخضاعها في ظل استمرار تقوي العدو الصهيوني الذي يعتبر الخاسر الأكبر من انهيار أكبر الأنظمة العميلة للحلف الأمريكو – صهيوني ، حيث لوحظ استنفار النخبة الإسرائيلية لكل قواها  في إطار محاولة الالتفاف حول الثورة المصرية و الدفع باتجاه تخويف الغرب من احتمال تولي الإخوان المسلمين للسلطة و بالتالي انهيار جبهة عربية خارجية موالية لإسرائيل و مفرملة للرغبة العربية في اتخاذ قرارات تعيد للأمة كرامتها.

لقد انتهج مبارك منذ توليه سياسة تخريبية للعقيدة القومية التي بناها عبد الناصر و ذلك  رهين بقتل  الممانعة العربية  و تزييف وعي جمعي عربي حول القضية و هو ما سمعناه البارحة من الرئيس الصهيوني شيمون بيريز الملطخة يداه بدماء الفلسطينيين الأبرياء حين أمطر مبارك بالمديح و الإطراء

و الرضا  و اعتبره من  أقوى الحلفاء، فهكذا يكون خدام الامبريالية الصهيونية وحين  يطرد مبارك من مصر من المحتمل جدا أن يستقر في إسرائيل التي ستستقبله بالورود و الرقصات ، ستستقبل خادمها الأمين خلال ثلاثة عقود و لم لا تقيم له تمثالا نظير تقويضه للقومية و الكرامة العربية   و نظير تآمره على الشعب الفلسطيني و   قطاع غزة بالخصوص .

إن التاريخ  لا يحتمل الكذب  يا كوندوليزا رايس  و أنت تقبعين الآن في قمامته، أظهر هذا التاريخ  أن تخطيطك مفلس أمام قوة الشعوب، و أن استعداء الجماهير و التآمر عليها مع الأنظمة العميلة ليس مفتاحا للاستقرار، و قد كذب التاريخ أمريكا فيما قبل حيث لا ننسى أن  أهم حلفاء الغرب  في بلاد فارس الذي هو  شاه إيران كان يقول عنه نظام عبد الناصر أنه خائن حتى انقلب عليه طلاب الثورة الإسلامية   و صارت الأمور منقلبة اليوم  بحيث أصبح النظام الإيراني معاديا لأمريكا و صار في مصر نظام عميل لم تشهد له العمالة و التبعية المخزية  للغرب في التاريخ مثيلا.

إن ما كانت تنظر  له رايس في  هندستها لشرق أوسطي كبير ، حمل اليوم عيدان لـَحْـدِهِ شباب الانتفاضة المصرية  و التونسية قبلهم ، حيث أن التحرير و تخليص القضية الفلسطينية من براثن النفاق الغربي بتعبير المفكر العربي عبد الباري عطوان يجعل هذا الغرب يتنازل عن نفاقه و نظرته للأمور بازدواجية.

و من ذلك نستشف أن القضية الفلسطينية لن تحل حتى يتحرر العرب من أنظمة العمالة للغرب و الذي يتستر على دهس القيم و حقوق الإنسان مقابل خدمة مخططاته و مصالحه الاستراتيجية في المنطقة ككل.

فلو كان الأمر في بلد آخر غير مصر، لكانت أمريكا قد هاجت و ماجت و شحذت همم حلفائها حول ضرورة التدخل ، لكن لغة الخشب الأمريكية و التخبط في التصريحات بين أوباما و كلينتون و موفد

الإدارة الأمريكية إلى مصر يظهر بالملموس  أن هذا الغرب لازال  غير مستعد للتخلي عن أهم خدامه الأوفياء ، بل يدير ظهره لصوت الشعب المصري المدوي و المجلجل  و للأنباء عن قتل الصحفيين و مطاردتهم و يستمع فقط  للتخوفات الآتية من تل أبيب و التي جعلت الصهاينة في موقف لا يحسدون عليه.

إن الاستقرار الذي تنشده أمريكا و من يدور في فلكها  في المنطقة بمفهومها و مقاربتها  لن يكون هذه المرة ضد  رغبة الشعوب ، بل  يمر بالأساس من بوابة الديمقراطية  و الكرامة و احترام مشاعر الآخر بدل محاولة  تطويعه و تجويعه و هو ما ولد حقدا دفينا في نفوس الشباب العربي الذي لم يعد قادرا على الاستمرار في المعاناة و اجترار ويلات الخيبة و التبعية بينما الغربي يرسم إحداثيات وعيه و يتلاعب بجينات هويته بل و يفرض عليه  اتباع  نسق معين للحكم كله إذلال و خنوع.

فلينصت النظام العربي لصوت شعبه و لو مرة واحدة بدل الاستهتار به و التآمر عليه مع مخابرات الغرب التي تتدخل في كل صغيرة و كبيرة  في هذا الوطن المكلوم الذي استفاقت أجياله الجديدة من الوهم و الخوف و هي أجيال لها مطالبها التي تتعدى الآفاق الضيقة التي يرسمها التضييق على الحريات ؛ أجيال  تتواصل فيما بينها  و تتقصى الأخبار من وسائط إعلامية جديدة بديلة عن الوسائط الملجمة لأفواه الشعوب التي تمتلكها الأنظمة .

و في إطار آخر بدأ النظام المصري في  وقت معين بتصدير كذا مليون متر مكعب من الغاز يوميا  إلى إسرائيل بينما المصريون يقضون أيامهم في طوابير طويلة بحثا عن قارورة غاز طائشة، فهل بهذا الاستخفاف بالمواطن و مساعدة العدو نستطيع كسب ثقة الجماهير العريضة؟

لقد أفلست تنظيرات رايس و من  كان يسعى لاستضافتها في شرم الشيخ ، هذا المنتجع السياحي الذي ارتبط في المخيلة العربية و الوعي الجمعي للذاكرة العربية بالمؤامرة و طبخ ملفات و “كولسة ” مواقف معينة تخرج في النهاية مخجلة متعثرة في سذاجتها،حيث يستبلد النظام العربي مواطنيه و يحاول دحرجتهم عبر لعبة القبول بالأمر الواقع إلى الاستكانة و الجمود، لكن هذه المرة اختلطت عليه الأوراق

و قلبت عليه الشعوب الطاولة  حيث كل شيء يتم الصبر عليه إلا الحرية مادامت هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لتشكيل  معالم الانتقالات و التغيرات الجذرية عبر التاريخ في مجموعة من المجتمعات .

إن سنة 2011 ستكون سنة عربية بامتياز حيث من المرجح أن يعرف العالم العربي كله ثورات و انتفاضات الشعوب ضد الأنظمة السياسية،  و هي مقاربة تبدو إلى حد ما كرد فعل ضد المقاربات الغربية للشرق الأوسط حيث لم يخل اجتماع كبار القوم  في ألمانيا من محادثات حول هذا الملف الشائك الذي يشغل بال أمريكا و يؤرقها أكثر، على الأقل منذ تخلصها من عدوها اللدود : نظام صدام حسين  في العراق .

على هذا الأساس أصبح  هذا  الغرب يجنح  دائما  في فرض سيطرته إلى الاتجاه شرقا، شرق أوربا فيما سبق و الشرق الأوسط  اليوم و ذلك كنوع من بسط نفوذه على مناطق العالم وتطويعها و إيجاد أنظمة عميلة تحافظ على مصالحه  و إسرائيل نفسها تدخل ضمن هذا التنظير و زوالها مرتبط بالأساس بتحرر المجتمعات العربية الإسلامية من ربطة الاستعباد الداخلي و إسكات الأصوات بطريقة أو بأخرى بل وصل الأمر حتى إلى خلق أصوات مأجورة  تنادي و تهتف لهذه الأنظمة، هي أصوات تقتات على احتياجات الفقراء و أمية البعض و على احتكار وسائل الإعلام المحلية.

لقد قدم الفايس بوك و الانترنيت و المنتديات الاجتماعية اختراقا حقيقيا للخطاب السياسي الأوحد التي تروجه الأبواق الرسمية   في وسائلها  و التي لا تعبر بتاتا عن صوت الشعوب بقدر ما تركز على خطاب النظام العربي  الذي من كثرة تكراره يسعى إلى القيام بغسيل دماغ الشعب العربي و تدجين لاءاته

من جهة و من جهة أخرى، فالمتأمل لتغطية القنوات الغربية كذلك يلمس  طبيعة الخطاب الفكري المراد إيصاله  و الذي يتناغم مع مؤسسة الأدلجة السياسية الغربية التي لا ترى فينا سوى سوق استهلاكية عريضة لبيع  السلع ؛ مؤسسة لا ترى في العرب سوى بدو همج  يتيهون في الصحراء و يركبون الجمال و هي البروباغندا المغرضة التي تحاول تسويقها عبر وسائل  مشبوهة  و مملوكة بخيوط “كراكيزية”  لجهات تابعة للنفوذ الصهيوني.

الرئيس الأمريكي أوباما يقدم تصريحات بمقاس ميليمتري و يزن كلامه مخافة أن تنفلت الأمور من يده

و يسخط عليه مراقبوه في تل أبيب و لذلك يستمع بأذن صاغية لإسرائيل و يعطي لصوت الشعب العربي أذنا صماء ، مادامت الأولوية و المصلحة العليا هي لإسرائيل الخاسر الأكبر من الثورة العربية المجيدة استراتيجيا و اقتصاديا و سياسيا.

و يوم يتخلص الشعب العربي من تبعيته للغربي و من عمالة أنظمته، و يوم تصير مواقف ساسته متناغمة مع مواقف الجماهير التي تنشد فكرا تحرريا من الطغيان، آنذاك يمكن القول أن صوت إسرائيل سيصير مبحوحا عبر العالم  و لا بوق له مادامت أصوات الشعوب العربية تصدح فوقه عالية في الآفاق.

أما التغيير المهزلة  الذي أقدم عليه النظام المصري من خلال إقصاء وجوه في الحزب الوطني و تغيير وجوه في حكومة جامدة فيشبه إلى حد كبير تغيير فردة حذاء بأخرى بدل تغيير اللباس كاملا داخليا و خارجيا ، حيث أننا نعلم جميعا طبيعة الدساتير العربية التي تساوي خردة حقيقية في سوق الحريات و حقوق الإنسان و حقوق المواطنة مادامت تضمن للحاكم –الرئيس حصانة ضد كل الأعراف و الحقوق المتفق عليها و من يقرأ هذه الدساتير يصاب بخيبة أمل في مسألة التداول على السلطة التي هي مبدأ الديمقراطية الحقة ، كما أن الحكومات العربية ما هي في الحقيقة سوى حكومات إدارية لتصريف الأعمال و ليست حكومات سياسية تملك سلطة القرار حتى و لو صوت عليها الشعب  بأكمله، لأن سقف اشتغالها محدود بطبعه و لا تستطيع أن تتجاوز ذلك السقف.

المصيبة الأخرى هي الفساد المستشري  و الذي أصبع قطاعا  نسقيا يبتلع خيوط الاقتصاديات العربية

و يلهف  عائداتها و يجعلها تصب في مصلحته حيث بتنا نسمع عن مداخيل مهمة  في كذا و كذا بينما لا يلمس المواطن العربي من ذلك سوى لهيب الزيادة في الأسعار و الضرائب و غلاء المعيشة . و المثال هنا  هو الزراعة  التي تم إقبارها في مصر و هي التي ارتبطت في تاريخ الوجود البشري بكون المصريين من أول الشعوب التي زرعت و أخرجت من الأرض بقلها و  ثمارها؛ مصر البقعة الطاهرة التي يمر فيها أكبر نهر  في العالم تعاني أزمة غذاء بفعل سياسة عميلة أدخلت البلاد في تبعية عمياء لأمريكا  مقابل معونة سنوية .

في الأخير، تجدر الإشارة إلى أن الشرق الأوسط بما هو عليه من ثروة طبيعية و طاقية و بشرية اليوم، يتجاوز كل التنظيرات المشؤومة التي دعت إليها  كونكوليزا رايس ، حيث الشعوب العربية أعلنت صراحة شهادة وفاة هذا المخطط الأمريكو- صهيوني بمطالب  باتت تتجاوز هذا الجمود و الاستعباد  السياسي الضيق إلى الانعتاق و  الكرامة و العدالة الاجتماعية و الاستفادة المباشرة من الثروات و هو مؤشر صريح على ضرورة استفادة أمريكا من هذه الدروس ، دروس يكتبها الشعب  بمداد التضحية على جبين التاريخ و لا تمحي أبدا  بمرور الدهر.

فبراير
05

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 31/01/2011

أظهرت الثورة المصرية  أن الشعب العربي مجددا  ليس جامدا مفرمل التفكير كما نظّر له مجموعة من الغربيين ذوي التوجهات غير البريئة حيث الأنظمة القمعية من قبيل نظام مبارك وبن علي  و من والاها كانت تغذي هذه الافتراضات إلا أن  جرت رياح التاريخ نحو تكريس الحق و لا ندري كيف ستكون مكانة  مبارك و بن علي و من سيسقط بعدهم،  في ذاكرة الشعب العربي الذي لن يرضى بأكثر من محاكمتهم و رميهم في مزبلة التاريخ بعدما  بدأت تلفظهم الجغرافيا العربية واحدا و احدا  بضربات الكرامة و العدالة الاجتماعية و كسرة الخبز الضائعة .

هؤلاء الحكام الذين يجثمون على صدور الشعوب العربية لم يتوانوا  قط عن تسخير آلاتهم القمعية مع المزيد من التفنن في المحاصرة و ليس اليوم شعب عربي حر أكثر من تونس و مصر  و إن كان لكل شعب خصوصيته و لكن الديماغوجية التي  تنادي به هذه الأنظمة و محاكمة كل من ينتقدها بتهمة الإرهاب بالنسبة للإسلاميين و تهديد أمن الدولة بالنسبة للآخرين هي تهم مجانية ما دامت ذراع القضاء في مجموعة منها  ملوية من طرف الأنظمة السياسية التي أفلست و  لم تعد قادرة على تجديد خطابها  رغم حملات التلميع الديماغوجية التي تسوقها ليل نهار عبر أبواقها الإعلامية إن لم تكن هي نفسها أصبحت تعطل السير التنموي لبلدانها من خلال السطو على قطاعات  بأكملها    و خيرات الدولة.

لسنا هنا بصدد تعداد انتقادات لهذه الأنساق السلطوية بقدر ما نحن نرصد تصورها للحكم و هو تصور خاطئ لأنه يعتمد الإكراه بدل السلطة الناعمة بالمفهوم الفوكوي حيث الدولة في خدمة الشعب و ليس الشعب في خدمة السلطة كما يظهر بالعيان في أنظمة الدول العربية التي تبلور تصورا يحافظ على مصالحها و امتيازاتها.

الوجه الآخر لبدء تهاوي الأنظمة العربية هو اقتسام أبناء الشعب العربي لنفس المعاناة  خبزيا و  حقوقيا لاسيما على مستوى الطبقة المتوسطة التي لم تعد قادرة على مجاراة الارتفاع الصاروخي للأسعار و التحقت هي الأخرى بالطبقة الكادحة  المتسعة ،فكانت الثورة  التونسية و بعدها المصرية ثورة خبز و كرامة و انتفاضة ضد الجوع و الذل معا على حد تعبير المفكر العربي د.عزمي بشارة.

و ليس تسويق صورة التنمية الاقتصادية المغلوطة هو من يمكن تحقيق السلم الاجتماعي إذا لم تصاحبها عدالة اجتماعية كرامة و شعور  و الأمان و بالمواطنة الحقة بدل هذه الشعارات الرنانة التي تطلقها حكومات عربية لا تملك غير السمع و الطاعة و لا تطبق منها سوى منظومة تخويف الشعوب.

لن يستمر النظام الرسمي العربي طويلا إن آجلا أم عاجلا إذا لم يتصالح مع مواطنيه على مستوى الكرامة  لأن مفهوم الدولة الراديكالي التسلطي مفهوم متجاوز في وقتنا هذا إذا لم تكن في نية الدولة الشعور بخدمة الشعب و تسيير شؤونه  و إشعاره بالحق في ثروة البلد و ليس السهر على أمن الأنظمة و مطاردة كل من ينتقدها لإطالة عمرها.

لقد أثبتت الحالة العربية في تونس و مصر  اليوم أن الضغط يولد  الانفجار لاسيما حينما يتعلق الأمر بالحريات ليس كلغة إنشائية يتم ترويجها من قبل أبواق الدعاية الرسمية التي تطبل و تزمر ليل نهار لأنظمة متسلطة و لكن أن يلمسها المواطن كسلوك في الشارع ،في الإدارة،في كل مكان ، أن لا يشعر بالخوف ،الخوف من المجهول كظل يلازمه و هي حالة المواطن العربي المرعوب من أجهزة الشرطة و الخوف من مصير لا يعرفه.

و الرعب في الوطن العربي متبادل  حيث النظام العربي الرسمي  بدوره  أصبح مرعوبا هذه الأيام  من تصاعد الرفض ضده و يجتهد كل يوم من أجل تطوير أساليب تطويق و تزييف الوعي الجمعي لدى الجماهير.

حتى الغرب الذي كان يسكت على هذه الأنظمة لم يكن  يفعل ذلك حبا فيها  و لكن لأنه كان يعي تماما مدى استفادته منها وهي تراعي مصالحه مع العلم أنه قادر على التخلي عنها في أي لحظة و رميها في خردة التاريخ  إذا  رأى بوادر ثورة كما حدث لبن علي صديق فرنسا  الدائم و الذي رفض ساركوزي حتى استقباله  فكان أن لفظه التاريخ  بعدما لفظته الجغرافيا في قمامة الطغاة..

لم تنجح لحد الساعة الخطط الاستنزافية التي شنتها الأنظمة العربية على شعوبها منذ خروج المستعمر الأجنبي و ظهور  المستعمر المحلي في إطار  استنزاف الثروات و قمع الحريات، فبقي المواطن العربي  يصارع قوت يومه و لم ينسى أبدا أن يطالب بحريته المسلوبة و لو بشكل موسمي.

اليوم نستطيع أن نقول أن النضج و الوعي العربيين قد بدءا في التشكل مع تحقق وعي حقيقي لدى الشباب  و ارتفاع سقفهم المطلبي و مثقفين ملتزمين شريطة أن يبتعد عنه أشباه المثقفين الذي يقرعون أنخاب السكر مع أزلام الأنظمة ليلا و في الصباح  يتشدقون بكلمات مفضوحة تحاول أن تدجن الشعوب و كدلالة على التنصل من مبادئهم و لبس عباءة تروج الخطاب الرسمي لأنظمة دخلت منذ مدة مرحلة الموت الإكلينيكي.

ديسمبر
02

sijmatin@yahoo.fr

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 26/08/2010

حوار الحضارات هو خلاصة مجموعة من المقالات و الأبحاث التي قام بها المفكر المغربي د.المهدي المنجرة قبل عقود لما كان يومئذ مسؤولا في الأمم المتحدة و هو استباق فكري  من مفكر  المستقبليات  الذي ينتمي إلى ثقافة دولة من دول الجنوب و هو كذلك المشروع الفكري الذي يتضمن الحفاظ على مقومات كل ثقافة دون الانصهار الكلي في ثقافة أخرى حيث تصير القيم نهجا للتقدم بالتوازي دون التدخل في خصوصيات الآخر.

لكن الغرب عقب انهيار المعسكر الشرقي كان له رأي آخر، حيث انه منذ 1993  بدأنا نسمع بنظرية صدام الحضارات و هو مذهب أطلقه المفكر الأمريكي صموئيل هتنغتون ليعبر عن الأفق المسدود الذي وصل إليه العالم بعدما أجهزت الرأسمالية على نظيرتها الاشتراكية المتمثلة في انهيار القطب الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك حيث أن العالم اليوم بزعامة أمريكا صار عبارة عن ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الأمريكي. و المقصود بالتوسعي هنا ليس التوسع الجغرافي الفيزيقي كما كان سابقا خلال عصر ما بعد  النهضة الأوربية الذي استعمرت فيه الدول  الغربية مناطق في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية و لكن هو امتداد من نوع جديد للأنا الغربية  في إحداثيات الآخر بحيث يصير اللباس و التغذية و الأدوية و حتى السلاح  تموضعا للغرب في هوية هذا الآخر المتخلف الذي لا ينتج شيئا بحكم مجموعة من العوامل الداخلية بالأساس.

الصدام ما بين الحضارات الذي تحدث عنه هتنغتون ما هو إلا تنظير لبزوغ السيطرة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي و هذا النوع  من التفكير هو  إلى  حد بعيد الدور نفسه  الذي كان يلعبه الاستشراق لتدجين المجتمعات الشرقية و لأجل  خلخلة بنية  الوعي لديها و تطويعها . و ما كنا  نسمعه  في الغرب من تنظير للتفوق  الغربي لا أساس له  لا بيولوجيا و لا أنتربولوجيا  و هو تنظير عرقي عنصري  في سبيل تكريس مزيد من  الفشل في دول (العالم الثالث) و تحسيس  الإنسان المنتمي إليها  بدونيته و عدم أهليته للقيادة ، و هي كلها تنظيرات تمييزية  لبقاء الامبريالية الجديدة و إطالة عمرها في السيطرة على العالم و الاستفادة من الثروات قدر الإمكان .

لكن هذا المنظور العنصري  سرعان ما تم الانقلاب عليه من خلال مجموعة من الكتاب و الأكاديميين مثل المفكر الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد الذي فضح الدور التخريبي للاستشراق ،فاستجابت لهذه الكتابات بعض المؤسسات الغربية تحت الضغط  و حولته  إلى” الاستعراب” و هذا النوع من الصمود مطلوب من المفكرين و العلماء المسلمين و العرب بدل الانصياع وراء التنظريات الغربية التي و إن  كانت تقدم  للبشرية نهجا علميا رصينا عن وعي ،  فإن بعضها عن وعي كذلك يقدم مناهج  فكرية غير بريئة أحيانا  لترويض مناطق غير خاضعة للتبعية  الغربية  بحيث يصير الفكر  وعاء وغطاء لشرعنة الممارسات السياسية المختلفة .

فالحركات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي و الإسلامي على أنقاض المشروع  القومي و العروبي المنهار  أعطت توجها جديدا لقطبية  العالم نحو محاربة الإسلام خاصة بعد  أحداث 11 شتنبر و هي البؤرة التي مازالت تبعاتها  إلى اليوم  تؤثث فضاء التكالب الغربي على الإسلام لما في هذا الأخير من قوة و  دعوة إلى العدل حتى أنه يمكن طرح سؤال عريض على أنفسنا و على الآخر: كيف نجح الغرب في  امتحان الازدهار و الرخاء الاقتصادي و الفكري بقوانين وضعية  يريد عولمتها و تصديرها إلينا ، في حين لازالت أمة العرب و المسلمين تغرق ذاتها وتحارب وجودها بأسلحة الجهل؟ و هي التي تمتلك القرآن الكريم كأسمى دستور للعدل و الكرامة الإنسانية على الإطلاق بشرط أن يتم استثمار  تعاليمه  لصالح الشعوب و ليس  في تحوير معانيه و  ليّ أعناق النصوص الدينية . إنه السؤال الوجودي الحقيقي الذي لا إجابة له إلا إذا  رأينا العلماء و المفكرين و الأكادميين  يقومون بدورهم الحقيقي و ليس الصوري كأنهم في متاجر الجمود و الغريب هو حينما ينظر (برفع الياء و كسر الظاء) – بعض- هؤلاء العلماء الذين قال عنهم الحبيب صلى الله عليه و سلم : ” إن العلماء ورثة الأنبياء” بغير ما  يقوله النص الديني مثل فتوى طنطاوي بجواز بناء سور على حدود غزة .أي  منطق هذا الذي يبيح حصار مليون ونصف و التواطؤ مع العدو ؟

نعم ورثة بالمفهوم العقلاني الذي يعني المحافظة على الدين و التصدي للفكر الغربي التخريبي للعقيدة و حمايته من الاستغلال لمصلحة الحكام بحيث يكون العالِم حكما و حاميا للإرث الديني و العلمي الرمزي الملقى على عاتقه.

إن مصيبة  العرب والمسلمين في ظل عولمة الفكر التي تنتهجها الامبريالية الجديدة هي في امية شريحة واسعة منهم  في ظل  إعاقة  نمو الأفكار و تداولها ، ثم في سوء فهمهم لدينهم و هناك اليوم على الصعيد العالمي بؤر حقيقية لقوة الدين الإسلامي و عزته قد لن تظهر في بلد عربي  بحكم عدم توفر شروط الأرضية الصالحة لذلك و هي الديمقراطية و العدل و الكرامة، حتى أنه قيل من بعض السلف  أن” الله ينصر الدولة العادلة و لو كانت كافرة و لا ينصر  الدولة الظالمة و لو كانت مؤمنة”. الإيمان نعم  لكن يجب  أن نجني ثماره و أن نلمس جدوى التدين كسلوكيات  قويمة تنعكس  في الشارع و في الحياة اليومية للناس لا أن يجمد الدين  و يتم حصره  في شعائر  و عبادات لأن وضع سبحة الإيمان في يد و الاستبداد و الظلم  في اليد الأخرى هو التناقض بعينه ، و الظلم حرمه الله سبحانه و تعالى على نفسه فكيف له أن يقبله  على الأرض من عباده؟

لقد نجح الغرب فيما مضى  لأنه اهتدى إلى العلم عبر ترجمة الفكر العربي الإسلامي انطلاقا من الأندلس و بنيت أسس التقدم الغربي بمقومات داخلية كالثورة على  القمع الكنسي و الإقطاع  لإقامة العدل و في نفس الوقت نهل من الجوار،من الحضارة  العربية الإسلامية و من الحضارة الإغريقية و هما رافدان أسياسيان لنهضة أوروبا ، أما خلاص  العرب و المسلمين فيكمن في التصدي للأفكار المعولمة التي تغزو مجتمعاتنا ، ثم في  الرجوع  إلى القرآن ليس كنص يقرأ في المناسبات و المساجد و لكن كنص إلهي ارتضاه الله لنا  ليكون مصدرا  للتشريع  ، ولينور العقول و يحبس السلوكيات التي من شأنها الإخلال بوجودية الإنسان (بالمفهوم الإسلامي و ليس  حسب وجودية سارتر أو هايدغر).

سبتمبر
24
في 24-09-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي/07.09.2010

صرح  قبل يومين نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته و الذي ذاق حلاوة الكرسي ، صرح بأن العراق “حصل اليوم على استقلاله” بعد انسحاب  القوات الأمريكية  و انتهاء العمليات العسكرية.

يبدو الأمر عاديا كأي تصريح رسمي لكن الغير عادي هو الحديث عن الاستقلال  مثل الحديث عن شيء  بسيط ، مثل الحديث عن البقالة أو ما شابه ، و الغريب أن  المالكي ينط مباشرة من تصريحه إلى عقد اجتماع مع جو بايدن نائب  الرئيس أوباما ليتباحث معه  حول تشكيل الحكومة العراقية.

تأملوا هذه الصورة الهزلية لرئيس وزراء انتهت مدة ولايته منذ شهور  في بلد يغلي على فوهة بركان، حيث إذا كان- كما يقول- أن العراق حصل على استقلاله فلابد له من إدارة شؤونه الداخلية بنفسه  بشكل تام. فمتى كانت الدول تتشاور مع دول أخرى في تشكيل حكوماتها؟

أنا هنا لست ضد المالكي أو غيره  و لكن الأمر واضح وضوح الشمس في أيام غشت كما يقول إخوتنا العرب. القضية معقدة بعض الشيء لكن الصورة واضحة وفاضحة. الرجل الذي حملته دبابة أمريكية على ظهرها إلى رئاسة الوزراء  لابد له أن يتشاور مع أولي العقد  و الحل في واشنطن الذين هم أولياء نعمته. و هو ما يجعله يحاول قطع الطريق على إياد علاوي الذي حصلت قائمته ” العراقية” على الرتبة الأولى في الانتخابات  و التي تخوله تشكيل الحكومة عرفيا و قانونيا و إذا كان الدستور هو المرجع فلابد من اعتباره كذلك بدل هذه المسخ  الذي ينسج بخيوط شائكة.

لم يبق للمالكي و هو يسبح في تناقضاته شيء غير الوهم الذي يحاول إرضاعه للعراقيين و طمأنة شركائه الخارجيين أن الأمور في يده.

فأمريكا حققت نسبة مهمة من مخططها الذي سعت له منذ 22 سنة (أي بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية) و هو إضعاف عراق صدام حسين و هدم ممانعته للغرب و إسرائيل ،كما  قضت مصلحتها في العراق بعدما  وضعت مغرفتها مباشرة في قلب  إناء البترول العراقي .و بعد اجتياح العراق هل وجدوا أسلحة دمار شامل لدى صدام كما كان يقول المسخ المشوه  بوش و قبله أبوه الطاغية و من تبعهم في غيهم ؟

طبعا تم نسيان  الحكاية بعدما أرجعوا العراق سنوات ضوئية إلى الوراء و كسروا شوكته  و افشوا فيه كل الأمراض السياسية  التي من بينها طبعا التناحر الداخلي و المصلحة الطائفية قبل الوطنية و لا أدل على ذلك  العجز عن تشكيل حكومة بعد شهور من الانتخابات و الطعون في مصداقيتها، و المالكي ماض في استنزاف  الوقت و التحايل على ولاية أخرى. كل ذلك جعل من العراق الذي  كان واجهة لبلاد العرب في العبور إلى آسيا ، جعلوا منه دولة معطوبة بين الحبو و محاولة الوقوف و  هم ماضون في إجهاض الحلم في أي يكون العراق مستقلا بمعنى الكلمة وليس  هذا الاستقلال المسخ المشوه الذي يتحدث عنه المالكي.

يا سلام على هذا الاستقلال العجيب الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الدول!

كأن لسان حال المالكي يقول:لقد حصلنا على الاستقلال لكننا نتشاور حول تشكيل الحكومة مع أمريكا التي تقيم بين ظهرانينا و مسئولوها يزورن العراق كما يزورون تكساس أو خليج المكسيك و بدو ن سابق إخبار..

أي استقلال هذا الذي تتحدث عنه يا رجل؟ و التفوه بمثل هذه الكلام  لا يدخل العقل و لا يقنع أحدا !

اتقوا الله في شعب كان مفخرة العرب و اليوم صارت صورته تبكي الغيورين، بعدما ترك لحاله و بعدما تكالبت عليه الأطماع الداخلية و الخارجية معا.

و هذا الكلام الذي يخرج من أفواهنا و  أقلامنا ليس حقدا على أشقائنا و لكنه دعوة لهم للاستفاقة من غيبوبتهم السياسية، فالعراق لا زال تحت مظلة الحاكم الأمريكي وهو الحاكم الفعلي للعراق و الاستقلال ليس كلمة سهلة تركب في جمل إنشائية ينطق بها أي كان، و لكن الاستقلال هو خلق هوية  سيادية قائمة بذاتها و ليس التأرجح بين الطائفية والمذهبية التي تغلب مصلحة الأفراد قبل مصلحة البلد، و محاولة زرع اليأس في النفوس بتبرير الحاجة إلى بقاء الجندي الأمريكي عند رأس كل عجوز و عند رأس كل صبي يلعب في الزقاق ،  بدعوى أن الجيش العراقي ليس جاهزا بعد لتقلد مسؤولية توفير الأمن و و ..

أما زيارة بايدن فهي حتما لتقاسم الأفكار حول مزيد من ضخ السموم في مخطط شيطاني يروم  تلهية العراقيين عن مصالحهم الحقيقية كما أنها  لا تخرج عن إطار التشويش على التوافق  السياسي من أجل قتل الرغبة في خلق إيقاع سياسي سليم و من أجل  الإجهاز على شرعية المؤسسات الدستورية و إفراغها من  مصداقيتها مع ترك فراغ كبير فيها و كذا إثارة النقط الخلافية و عدم ترجيح كفة على أخرى.

يجب ترك العراق لحاله حتى يسلك طريقه بنفسه ، يتلمس الطريق الذي يريده هو ، مقتربا من التوافقات الداخلية و مبتعدا عن الخيانة، فالذي يخون الوطن قد أتى إثما عظيما اسمه التآمر على المصلحة والهوية المحلية .

و تصريح المالكي لا يحمل في طياته جاذبية خاصة سوى أنه تصريح إنشائي  للجم  أفواه خصومه السياسيين وربما لتذكيرهم بأنه مازال رئيس الوزراء في ظل الفراغ السياسي و العجز عن تشكيل الحكومة  و الذي  يساهم  بنفسه في عرقلته .

أي” حاضيها  حراميها ” كما يقول المثل و هذه لعبة خطيرة لصيد مزيد من الدعم الغربي الذي يريد للعراق أن يكون الصدر الواقي لإسرائيل من المد الفارسي بعدما تحقق لأمريكا ما كانت تصبو إليه، عراق تائه في طائفيته ، متعثر في  صراعه السياسي ، مقيد بأصفاد الصراع الداخلي و خارج  التغطية عن إتباع الخطوات الرئيسية للنهوض من أزمته.

إنها مهزلة أن يطلب مسئول سياسي الدعم في تشكيل الحكومة من الخارج  كأن هذه البلاد ليس لها مرجع  دستوري أو عرفي ترجع إليه و يبين الأمور على حقيقتها ، و لا يزيفها.

ففي الوقت الذي تتخبط أمريكا في شرك إيران و شرك إسرائيل  التي تريد توريطها في حرب ،و في الوقت الذي تعاني قوات حلف الشمال الأطلسي أيما معاناة  على كل الأصعدة من مقاتلي طالبان و تريد الخروج كذلك من المستنقع الأفغاني بداية تموز القادم كما صرح بذلك قائد القوات هناك بيترايوس، في ظل هذه الظروف المواتية كان على العراقيين أن يستغلوا هذا الضعف الاستراتيجي لأمريكا و تخبطها في مشاكل تأمين مكانتها.

لا يمكن لبلد أن يكون مستقلا و مسئولو أمريكا يريدون حكومة بالرموت كنترول يتحكمون فيها عن بعد و هو ما تريده إدارة أوباما فعلا: أن تغادر العراق من بابه الواسع و تعود من باب ضيق اسمه خيط التبعية و تكريس صفقات مشبوهة للهف البترول و بقاء السيطرة الإستراتيجية على منطقة الخليج  و تأمين الحماية الجيوسياسية للثروة و لإسرائيل.

فالاستقلال يا مسيو المالكي كما تعرف و كما يعرف الجميع يكمن في القدرة على  اتخاذ القرار السيادي بعيدا عن الولاء لجهة ما و هو في النهاية  استقلال استراتيجي و كم من دولة في العالم تقول عن نفسها مستقلة و هي مستعمرة و تابعة للغرب بحكم الخنوع و عدم اتخاذ  قرارات سيادية إلا بعد التشاور  معه وهذه أذل أنواع التبعية. فهل بمغادرة الجنود الأمريكيين (ليس كلهم) يمكن القول أن العراق بات مستقلا؟

هذا كلام يعكس نوعا من القصور في التفكير و قلة النظر والتسرع، لأنه لا طريق إلى التحرر إلا بعد  أن يحرر  كل مسئول ذاته من الوهم الذي يعشش في دماغه و هذه حالة مرضية يعاني منها مجموعة من المسئولين السياسيين في الوطن العربي.

هل يمكن القول أن المالكي معذور في هذه الزلة الشيزوفرينية مع السياق العالمي  للأحداث؟

الخلاصة أنه لم يسبق أن أعلن مسئول سياسي في تاريخ الشعوب المتحررة استقلال بلاده دون أن يكون لذلك اليوم أثر عظيم في تاريخ البلد، بل يصير عيدا وطنيا و تكتب فيه الملاحم الحقيقية لنصرة الوطن   و لتحقيق ذلك للعراق  ينبغي طرد مصاصي الدماء العراقية و  مصاصي النفط دون استثناء .