بقلم : محمد الــكـرافـــس
مجلة البيان الكويتية
عدد 529 أغسطس 2014

******************************

تـقديم :

يعتبر أغلب الدارسين أن ظهور ‘السيميائيات’ – بما هي نمط للتفكير الخالص في العلامة و ماهية تدلال- قديم قدم الإنسان، بحيث ترجع إلى اللحظات الأولى لوعيه بالوجود و ممارسته لهذا الفعل بشكل جعل الإنسان يصطدم بالدلالات الأولى للصرخات و الأصوات المحيطة بالكائن البشري هذا الرأي طبعا و إن كان البعض يسلم به فإن الباحث الجزائري ينتقده فيصل الأحمر في كتابه “معجم السيميائيات” من منطلق ديني على اعتبار أن الله تعالى زود الإنسان بالعدة اللازمة لممارسة فعل الوجود داخل العالم منذ البداية ، و هذا موضوع آخر لا يتسع المجال للخوض فيه هنا بقدر ما أن التفكير و الاهتمام بالعلامة يرجع إلى التاريخ القديم و نجد له إرهاصات ضمنية Implicite في عديد النظريات الفلسفية القديمة خاصة أن لفظة Sémion اليونانية تقابل في تحديدها الاصطلاحي معنى ‘السمة’ على مستوى اللغة و الفكر العربيين منذ القدم.
لذلك تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة في الإرهاصات الجنينية لظهور السيميائيات في الفكر الإنساني منذ القدم حتى تبلورها ضمن نظرية متكاملة اليوم ذات أبعاد و إحداثيات مكتملة و ناضجة، تفرعت بدورها إلى اتجاهات و مدارس مختلفة ما بين المدرسة الأوروبية سليلة التصور ‘السوسيري’ اللسني المنحدرة منه السميولوجيا، و المدرسة الأمريكية ذات التصور المنطقي البراغماتي الذي انحدرت منه السيميوطيقا. ذلك إذن ما سنحاول مقاربته فيما يأتي.

تجذر المفهوم السيميائي في الفكر الإنساني القديم :

من التجليات البدئية في السيميائيات المعاصرة أن بعض مكوناتها الأساسية تجد لها تجذرا جنينيا قديما في الفكر اليوناني القديم و الفكر المسيحي، حيث على المستوى الغربي الذي يعتبر الوريث الشرعي للفكر اليوناني- الهيليني القديم نجد ” أن الباحث في تاريخ السيميائيات لن يعثر على ملامح واضحة لهذا العلم، بل سيعثر على شذرات متفرقة تدل على أن الإنسان قد تأمل في العلامة منذ بدأ التأمل و التفكير فيما حوله … فمن البداية كان المنطلق فلسفيا قائما على مبدأ الشك، و أول من بدأ التأمل في العلامة هم الإغريق في المدرسة المسماة بالشكية Skepticism “. (1)

أما بخصوص التفكير الأرسطي فنلمس إرهاصات جلية للتفكير العلامي حيث “يمكن الوقوف على أهمية ذلك التمييز الذي وضعه أرسطو بين العلامة اللسانية التي تفتقر في نظره إلى القدرة على الاستدلال؛ و لهذا لا حضور لها في القياس… فهي تقف عاجزة أمام ما تحيل عليه”. (2)
و دائما في إطار التراث الإغريقي اعتبر مجموعة من الباحثين و على رأسهم العراقية فريال غزول، أن الارتباط وثيق بين المدرسة الشكية و المنطلق الابستيمي لديها و المجسد في التشكيك في المعرفة ذاتها و فيما تقدمه لنا ظاهراتيا، هذا من جهة أما من جهة أخرى، فقد كان هذا التفكير أوليا و نمطيا، و لكنه كان إشكاليا و أدى إلى نقل التفكير العلاماتي من مجال الكليات إلى مجال المحيط الخاص بالإنسان، حيث أن الفيلسوف إينيديموس قد اعتبر أن العلامات مضمرة و غير متجلية و غير متاحة للكل إلا بواسطة عُدّة مجهرية تستنبط مكنوناتها و تفسر دلالاتها. فالمدرسة الشكية بهذا التفكير في ضمنية العلامة، قد فسحت الطريق و عبدته أمام انشغالات عديد من الفلاسفة اللاحقين الذين سعوا بدورهم إلى بلورة تصور حول الحياة داخل عالم من العلامات، و داخل نسق متشابك من الرموز .
هذا التفكير بقي رهين أسئلة إشكالية تتبلور داخل أنساق معرفية غير خالصة؛ بمعنى أن الإغريق و هم يقاربون العلامة لم يفعلوا ذلك داخل نظرية سيميائية متكاملة و خارج نسق الفلسفة، و إنما هو تفكير جزئي ضمن الانشغال ‘الكلياني’ بالمعرفة كما يذهب إلى ذلك أرسطو. و للبرهنة على هذا الكلام نجد أن مفكري الاتجاه ‘الإمبريقي’ المهتم أصلا بمجال العلوم الطبية المعترضة على ‘طيش’ الميتافيزيقا إلى الاهتمام بمجال الطب، قد أشاروا، هم الآخرون، إلى العلامة، حيث اهتمت هذه المدرسة “بدراسة الطب بفرعه الإمبريقي الذي يعتمد على اكتساب المعرفة عبر التجربة، و قد قام الطبيب الفيلسوف سيكتوس أمبريكوسSextus Empricus (ق2م) بتصنيف العلامات المستترة كما قام الطبيب جالينوس Galenus (ق3م) بالتمييز بين العلامات العامة، التي تدل على أكثر من شيء و العلامات التي تدل على شيء محدد “. (3)

إن الأصول الأولية للتفكير في العلامة ليست وليدة القرن العشرين كما قد يتصور البعض، و لكنها متجذرة في التراث العالمي من حيث التفكير أصلا في ماهية المعرفة و العلاقة الترميزية التي تربط الإنسان بباقي أنساق العلامات، و هذا التطور نلمسه كذلك في الانعطافات الابستيمية التي قامت بها المدرسة الرواقية Stoiciens على مستوى التفكير بجدية في ثنائية العلامة إذ اعتبروا ” أن لها جانبين: دال و مدلول؛ ليست العلامة اللغوية فحسب، بل وكما يوضح إيكو … كل أنواع السيميائيات، أي ليست العلامة اللغوية فقط ، و إنما العلامة المنتشرة في شتى مناحي الحياة الاجتماعية “. (4)
و إذا كنا نرجع بهذه الطريقة إلى الماضي، فإنما ننشد ربط الماضي بالحاضر و محاولة إخراج النظرية السيميائية من “أحيازها” الضيقة التي يحاول البعض لصقها لصقا بالمدرستين الأوروبية و الأمريكية فقط و قطع الصلة بالماضي، و الحال أن التفكير العلاماتي بما هو لازمة للتفكير الإنساني برمته قد تبلور فعلا في الدرس الفلسفي و الإمبريقي و النقدي القديم ، كما قدمنا لذلك سلفا و كما سنحاول تقديمه لاحقا من حيث الإثراء النوعي الذي قدمته مجموعة من النظريات ذات الخلفيات الفكرية و الأرضيات و المنطلقات العلمية المختلفة، و التي ساهمت بشكل غير مباشر –لكنه حاسم- في تأسيس السيميائيات سواء كعلم قائم الذات أو كمنهج علمي سيعمل مجموعة من الباحثين و الدارسين و الأكاديميين لاحقا على إخضاع النصوص إلى مشرحته النقدية.

لقد تبلورت السيميائيات عن طريق تراكم إنساني بعيد النوى يعود إلى التاريخ القديم ،حيث حاول القدامى تفسير مجموعة من الظواهر التي صادفتهم و التي عجزت ‘الأراجيز’ و الأساطير عن فك طلاسمها من جهة أخرى، أو أن العلم الذي تسلحوا به من خلال عُدّة التنجيم و السحر و الماورائيات لم يعد كافيا لإيجاد الأجوبة الكافية لما حملوه من هم الأسئلة الحارقة و من عنفوان الإشكالات الصاعدة. و يذهب فيصل الأحمر إلى أن الرواقيين و من خلال زعيمهم زينون، وبعد قدومهم إلى بلاد اليونان من بلادهم الأصلية كنعان في هجرة معروفة في بطون كتب الفلسفة و التاريخ ، قد انشغلوا بالاختلاف الجوهري في اللهجات التي حملوها معهم، و انتبهوا إلى اختلاف الأصوات و تشابه الطاقة المخزنة (5). هذه الإرهاصات الجنينية هي حتما ما سنلمسه لاحقا في التصور السوسيري المميز بين الدال و المدلول و المنتصر للمقاربة التزامنية ‘السانكرونية’ على حساب المدارسة التعاقبية ‘الدياكرونية’ للغة، و بعيدا عن أي تنميط لها بشكل وصفي لا يغوص في أعماق التسنينات اللفظية و النسقية التي تقدمها كبنية و كنظام.
و لاحقا و عند أفول نجم المدرسة اليونانية على الأقل بعد ظهور الثقافة المسيحية الرومانية و الامتداد الذي عرفته المسيحية مكتسحة البقع التي كان يسيطر فيها الفكر الهيليني بما فيها مصر القديمة و شمال إفريقيا ، سيظهر المفكر المسيحي أوغسطين الذي استوطن الجزائر القديمة خلال القرن الخامس الميلادي و هو بالمناسبة القرن الذي تم خلاله الإجهاز على إرث الثقافة اليونانية (المدرسة المشائية مثلا) و تشريد أتباعها و مطاردتهم على اعتبار انتمائهم إلى ثقافة ‘وثنية’ تدجن الكائن البشري وتحنط قدراته.
ضمن هذا النسق الثقافي الخاص، نجد أن التفكير في العلامة ليس وليد اليوم ” حتى و إن كانت قد اختلطت خلال زمن طويل مع التفكير حول اللسان، بسبب أهمية العلامات الكلامية في التواصل الإنساني. و هكذا فإنه توجد نظرية علاماتية ضمنية في التأملات اللسانية التقليدية، في الصين كما في الهند و في اليونان أو في روما. و سيكون من العبث إذن أن نرغب في البحث عن الأصل التاريخي للعلاماتية عند مؤلف بعينه، حتى و إن كنا تقليديا نعزو هذا الشرف إلى سانت أوغسطين، و خاصة بالنسبة إلى تمييزه بين وظيفة العلامات عند الحيوانات و عند البشر “. (6)

و يمضي التطور التاريخي عبر العصور الوسطى إلى عصر النهضة الذي اتسم بدوره بإرهاصات قوية في مجالات فكرية قاربت العلامة من منطلقاتها الابستيمية الخاصة، حيث برز ” الفيلسوف الألماني ليبنتز الذي وضع تصورات (سيميائية) ناضجة تشمل المقتضيات الأخلاقية و الوجودية و الابستيمولوجية و الذي رسم في كتابه ‘ فن التركيب’ … مشروعا ضخما لتأسيس المنطق الرمزي الحديث، وهذا الأمر جعله مقتنعا بوجود لغة كونية (رياضياتية)… تتشكل من عدد قليل من العلامات “. (7) من هذا المنطلق فإن أية مقاربة للجذور الفكرية و الدلالات العميقة للسيميائيات تستمر بحضور التفكير العلاماتي ضمن الانشغالات الفلسفية و العلمية القديمة، حيث نجد أن حلقة هذا الانشغال تستمر إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ” لكي نرى انبثاق اسم (العلاماتية) نفسه، محددا بوصفه « معرفة بالعلامات» و متضمنا في الوقت نفسه للأفكار الذهنية و علامات التواصل البين إنساني (دراسة فلسفية تتعلق بالتفاهم الإنساني)… وذلك لأنه لا يعفينا من التمييز بين الحالات القصدية (الأفكار) و التجليات الحساسة لهذه الحالات (العلامات بالمعنى الأوغستي للمصطلح) “.(8)
كخلاصة لهذا المحور، نعتبر العودة الدياكرونية بتعبير سوسير في تاريخ السيميائيات خطوة أساسية في إطار البحث في الخيوط الأولى التي ساهمت في تشكلها، و بالتالي المساعدة الجوهرية في التأصيل للمنابع الفكرية التي ساهمت في تبلورها و في إيجاد الأرضية التي تستند عليها، و هو الشيء نفسه الذي نلمسه في التراث العربي الذي احتضن بدوره تفكيرا جنينيا في مفهوم العلامة بلوره بلاغيون و فلاسفة و نحاة .

التفكير “العلاماتي” في التراث العربي :

يحاول كثير من الدارسين العرب الذين ينشطون في مجال السيميائيات اليوم إيجاد إرهاصات قديمة في التراث العربي اشتغلت من قريب أو بعيد على ملامسة مفهوم العلامة بما هي مكون من مكونات الدرس البلاغي أحيانا، و بما هي حيز لتشغيل نواميس الفكر الفلسفي أحيانا أخرى، رغم الاختلافات الجوهرية و الجذرية التي نظرت إلى ” السيمياء” سواء على المستوى اللغوي المحض أم على المستوى الاصطلاحي و الذي نسوق من خلاله مجموعة من التصورات التي تقدم لنا بعض هذا الذي يسميه أصحابه تفكيرا أوليا في العلامة، من أمثال الباحثين السيميائيين عبد الواحد المرابط و فيصل الأحمر و رشيد بنمالك و غيرهم.
على هذا الأساس و ” فيما بتعلق بالتعريف المعجمي لمصطلح ‘سيمياء’ و الذي وجدنا أنه يعني علامة مما يجعلنا نرى أنه هناك تقاربا في المفاهيم و المصطلحات بين العرب و الأمم الأخرى، و قد يكون هذا المصطلح قد انتقل إلينا من اللغة اليونانية، وأخضع لقوانين لغتنا، كما قد يكون العكس، ذلك أن ‘سيمياء’ العربية تشبه semiotic الغربية، إذ يشتركان في ثلاثة حروف”(9)، هي (س ي م). الأمر نفسه نجده يتكرر في الإطار الفلسفي و العلمي إذا ما استحضرنا كلام الفيلسوف ابن سينا الذي يقول : ” علم السيميا علم يقصد به كيفية تمزيج القوى التي في جواهر العالم الأرضي ليحدث عنها قوة يصدر عنها فعل غريب، و هو أيضا أنواع”(10)، و هو هنا يقصد شيئا غير العلامة بمفهومها المعاصر ، لكن الشاهد أنه استعمل لفظة ” السيميا” القريبة من “السيمياء” نطقا و المختلفة عنها دلالة.

إن رجوعنا إلى الأصول التاريخية ها هنا إنما يتقصد بالأساس الوقوف على الجذور النظرية العامة للسيميائيات التي يعتريها نوع من الشتات، و رغم ذلك فإننا لا نهتم بتجميع هذه المعلومات بشكل غير متجانس بقدر ما نسعى إلى رصد ترابط التراث العربي مع السيميائيات و العلامة، وهو الترابط الذي لم يتم و بشهادة السيميائيين أنفسهم ” إلا في إطار ما هو خارج عن المألوف، أما مفهومه الذي يعرف به اليوم، فإننا لا نجده إلا عبر إشارات من بعض بلاغيينا و فلاسفتنا، ضمن أبحاثهم المختلفة وذلك في شذرات متفرقة هنا و هناك”(11).
فمن خلال الكلام السابق، يظهر لنا أن العرب و رغم تفكيرهيم ‘البدئي’ في العلامة، فإن ذلك لم يتم بشكل متكامل و متماسك استطاع أن يفرز لنا نظرية أو ما شابه، لأن السيميائيات علم غربي بامتياز حاول بعض الدارسين التحجج بوجود جذور عربية لهذا العلم، سعيا إلى التنصل من بعض الخصوصيات المنهجية الغربية التي يصادفونها أثناء تطبيقهم للمنهج على النص العربي، و هذا ما سنترك الخوض فيه لاحقا إلى الفصل الثالث للوقوف على مدى براعة هؤلاء في تطبيق المنهج السيميائي الذي ولد في الغرب في رحم مجموعة من التراكمات المعرفية و الإيديولوجية التي يجرها وراءه و التي تكتسي صبغة خاصة، و هو ما يجعلنا نقارنه بالعبارات المسكوكة التي تحمل دلالات ثقافية و سوسيو-اقتصادية تصير الترجمة معها مستعصية إن لم نقل خاضعة لتحوير يلائم الخصوصيات المحلية. فعلا نجد شذرات في التفكير حول العلامة عند الجاحظ و ابن جني و الجرجاني و ابن سينا لا يسمح المقام بالوقوف عندها، لكنها لا ترقى إلى بناء نظرية سيميائية.

المدرسة الأوربية و الاتجاهات السيميائية المعاصرة:

لقد ارتبطت هذه المدرسة بشكل كبير بالخلفية اللسانية البنيوية التي جاء بها العالم السويسري فرديناند دوسوسير (1857-1913) الذي أحدث كتابه “دروس في اللسانيات العامة” رجة فكرية مهمة و نقدية على مستوى الانقلاب على ‘كلاسيي’ الفيلولوجيا و المقاربات السطحية للغة لأجل استنباط الأنساق الدالة التي لم يكن أحد ليجرؤ الحديث عنها قبل سوسير، خاصة و أن العالم الفرنسي إيميل دوركايم قد قارب اللغة و لكن بما هي ظاهرة اجتماعية و بما هي جزء من المكونات المجتمعية التي تتأسس داخل الوعي الجمعي الكلي المتمثل في الجماعة و العلاقة مع الآخر. إذن حتى نلامس موضوعنا أكثر ،نجد أن علاقة سوسير ب’السيميائيات’ هي علاقة قاعدية من خلال تسمية سوسير نفسه لهذا العلم الجديد الذي بشر به مطلقا عليه اسم “السيميولوجيا”. و على مستوى العلامة اللسانية التي بشر بها دوسوسير، فهي تتكون من مكونين أساسيين هما الصورة السمعية Image Acoustique و المفهوم Concept اللذين يسميهما سوسير على التوالي : الدال و المدلول، حيث الأول هو البصمة النفسية للصوت المادي و الثاني عبارة عن فعل شعوري نفسي و مجرد .
لقد جاء سوسير بمجموعة من المفاهيم التي تصب في قالب نظريته من ضمنها الاعتباطية بين الدال و المدلول و المقاربة السانكرونية بدل الدياكرونية للغة، و التمحيص في الجوانب التي ترصد وصف اللغة بعيدا عن المقاربات الفيلولجية أو الفيلولجية المقارنة وفقه اللغة الذي لا ينفذ إلى عمق اللغة ومكوناتها. و ما يهم بالأساس في نظرية سوسير على الأقل في ارتباطه بالعلامة، أنه أشار بشكل واضح لا لبس فيه إلى علم” السيميولوجيا” خاصة في كتابه ” دروس في اللسانيات العامة” (أو علم اللغة العام حسب الترجمة) إذ يقول دوسوسير : ” لقد رأينا أن اللغة نظام اجتماعي، و هنا تدخل في الحسبان أمور أخرى عدا الأنظمة السياسية و القانونية و غيرهم، إذ يجب علينا أن نستعين بصنف جديد من الحقائق لتلقي الضوء على الطبيعة الخاصة للغة. فاللغة نظام من الإشارات System of signs، التي تعبر عن الأفكار، و يمكن تشبيه هذا النظام بنظام الكتابة، أو الألفبائية المستخدمة عند فاقدي السمع و النطق، أو الطقوس الرمزية أو الصيغ المهذبة أو العلامات العسكرية أو غيرها من الأنظمة، و لكنه أهمها جميعا “. (12)

هذا التصور الذي يبلوره سوسير يعتبر بالنسبة للدراسات السيميائية اللاحقة بمثابة خارطة طريق عبدت المسار أمام مجموعة من تلامذته للمضي قدما نحو مقاربة الأنظمة الدالة، و الابتعاد أكثر ما يمكن عن المقاربات السطحية و المبتذلة التي كان يقوم بها فقه اللغة المقارن، ثم على مستوى آخر رسخ سوسير من منطلق الباحث المهتم بالمدارسة العلمية للغة مبادئ “السيميولوجيا” و ارتكز في ذلك على وعي ابستيمي يؤمن بالفروق الجوهرية التي تتأسس بين العلوم، و بالاختلافات المنطقية التي يحتويها كل علم، و لذلك فقد كان يحاول، من منطلق لساني، أن يجد تفسيرا صائبا و نمطيا للأنساق الدالة التي يحيا وسطها الإنسان. و لتوضيح الرؤية أكثر يقول دوسوسير: ” و يمكننا أن نتصور علما موضوعه دراسة حياة الإشارات في المجتمع؛ مثل هذا العلم يكون جزءا من علم النفس الاجتماعي، و هو بدوره جزء من علم النفس العام وسأطلق عليه علم الإشارات ( Semiology) و هي لفظة مشتقة من الكلمة الإغريقية semeion = الإشارة. ولما كان هذا العلم لم يظهر إلى الوجود إلى حد الآن، لم يمكن التكهن بطبيعته و ماهيته و لكن له حق الظهور إلى الوجود، فعلم اللغة هو جزء من علم الإشارات العام… و تقع على علماء النفس مسؤولية تحديد الموضع الدقيق لعلم الإشارات”.(13)
لقد اهتم دوسوسير بشكل كبير بعلم الإشارات الذي أطلق عليه علم ‘السيميولوجيا’ فاتحا بذلك المجال أمام العلماء و الدارسين للنبش في ماهية هذا العلم و طبيعته، و بالتالي تحديد المواضيع التي من المحتمل أن يتبعها و يتضمنها بقواعده و انشغالاته. و على هذا الأساس اللساني المحض، بقيت العلامة عند سوسير ثنائية و مرتهنة إلى المحدد اللسني الخالص، و مع ذلك فإن التصور السوسيري لثنائية الدلالة فيه بتر كبير لأسيقة خارجية متمثلة في المرجع و هي عناصر لم ينتبه إليها،مما جعل البؤرة التداولية في نظريته مغيبة و غير مستحضرة. لذلك ف” إذا كانت السيميولوجيا السوسيرية تمتاز بالمحايثة أي بحصر دائرة الاهتمام في العلاقات القائمة بين الدلائل مركبيا و بدليا و بين الدوال و المدلولات، فقد ظلت الكثير من العناصر الأساسية في اللغة بمنأى عن المعالجة العلمية التي تنور معرفتنا بهذا الجهاز الذي هو اللغة. إن النزوع السوسيري المتسم بنزعة المحايثة قد أغفل المرجع أو الأشياء التي تحيل عليها الكلمات كما ترك المبهمات أو الإشاريات في الظل، و لم يلتفت إلى العناصر النصية التي تتخطى الجملة ناهيك عن العناصر النفسية و الاجتماعية و الثقافية و الحضارية التي لا يمكن بدونها التمكن من الفهم المناسب لنسق اللغة “. (14)
و على خطى سوسير تأسست مجموعة من الاتجاهات السيميائية وسعت مجال السيميائيات، لكنها بقيت وفية للمنطلق السوسيري بما هو منهل رئيس و أرضية لسنية صلبة تستند عليه، وبالتالي اعتبر بمثابة إغناء أولي لهذه الاتجاهات السيميائية،التي تغذت إضافة إلى ذلك من روافد فكرية و فلسفية أحيانا جعلتها ترتوي بترياق التنويع النظري و تثري التصور الخاص بالمنهج أحيانا أخرى. لذلك و حتى يكتمل تصورنا للمنهج السيميائي في شموليته سنحاول في المحطة اللاحقة الوقوف على أهم هذه الاتجاهات السيميائية راصدين بذلك الأبعاد الفكرية و الفلسفية التي تغذيها، فضلا عن الإضافات التي قدمتها للمنهج السيميائي من حيث قدرتها على الانفتاح على باقي أنواع القول الإنساني من عدمه، و من حيث ملاءمتها لمدارسة كافة الأشكال الرمزية التي تختزلها الثقافة الكونية و الوعي الجمعي للكائن البشري .
كما سبقت الإشارة إلى ذلك تنهض السيميائيات المعاصرة على مجموعة من الموروثات النظرية و المعرفية التي راكمها الإنسان خلال سعيه لفهم علاقة المعنى و الفعل الإنساني فلسفيا وعلميا و ‘فانيروسكوبيا’ بتعبير الفيلسوف الأمريكي ش.س بورس (1839-1914)، و من خلال علاقة الكائن العاقل الحربائية بالمحيط و الموجودات التي تتقاسم معه فلسفة الوجود و تتعايش معه في إطار وضعاني فوق طبيعي أو في إطار ثقافي يحايث وظائف كنوز الطبيعة العذراء بالمفهوم الإناسي و يستخرج منها دلالة العلامات و يتواضع على بعضها لكي تنتظم مملكة المعنى على الأقل في هذا الوضع الدياكروني بالمفهوم السوسيري و يتنازل معها المعنى عن الضبابية و الانفلات الأبدي من براثن القبض الإنساني و من مسامات العقل و مجسات الذهن .
إن العلامة بما هي لون من ألوان الدلالة في الوجود الإنساني بؤرة فلسفية عميقة قد يختزن فيها الكائن البشري أنساقه التواصلية و الدلالية و الثقافية كما نظرت لذلك المدرسة الأوربية سليلة السيميولوجيا اللسانية السوسيرية مثلما قد يعتبرها الفلاسفة – و هذا ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي بورس – أساسا لفهم أقانيم هذا الوجود و محاولة دفعه لفهم دلالته الترميزية و وعي إحداثيات وجوده بالمفهوم الأنطلوجي بعد الوجود المطلق بتعبير ابن عربي و لكي يحس الإنسان بتفرده داخل منظومة الكائنات الأخرى التي تنتج بدورها علامات منوجدة أصلا في ذاتها هي علامات حيوانية/ طبيعية .

من هذا المنطلق إذن ف’السيميوطيقا’ بما هي مقاربة فلسفية متعالية و فوق- لسنية للعلامة التي تنتجها دلالة الوجود الإنساني ليست وليدة اليوم أو البارحة كما يتصور بعض المنقطعين عن سيرورة التاريخ أو بعض الحداثيين الذين يتصورون السيميوطيقا نزوة فلسفية طائشة لا أصل لها ، و الحال أن التراث الفكري و الفلسفي العالمي يزخر بكنوز سيميائية متناثرة هنا و هناك في شتى المجالات المعرفية تلتقي مع هذا النهج السيميائي و لا تحتاج إلا إلى من يخرجها من دهاليز المتاهة لأجل خلخلة بنية الوعي الماضوي و الدفع إلى استقواء عروة الاتصال بهذه الذاكرة العلاماتية الذي تتجذر فيها هوية الكائن الإنساني عامة .

ولذلك فالتاريخان الحديث و المعاصر استفادا كثيرا من هذه الرجعات المتتالية في الزمن الثقافي و الفكري حيث أحدث مجموعة من الفلاسفة و الدارسين رجات كوبيرنيكية و توجهات مغايرة للبحث في العلامة و محاولة توجيه الفكر بشتى تلاوينه لدراستها و خلق وعي جديد بأهميتها القصوى و ضرورة التعمق في فهم كيفية وجودها و سر انكشافها. فقد أخذت بعض التيارات المعاصرة على عاتقها النهوض بهذه المهمة المستعصية لأجل فك طلاسم العلامة و مقاربتها من زوايا و منظورات فكرية مغايرة بحيث كانت دراسات سوسير في أوربا مشتلا رائدا في التمهيد للتفكير الرئيس في العلامة من منظور المشتغل اللساني الذي توالت بعده تيارات أخرى انزاحت قليلا عن السياق اللسني لكنها بقيت حبيسة العلامة لسانيا و لم تبتعد عن مجال اللغة من منظورها الوصفي إلا مع تياري سيميولوجيا ” الدلالة” و ” الثقافة”.

في نفس الوقت و في جهة أخرى من العالم كانت تحاك في الغرب الأمريكي نظرية جديدة تروم التفكير في العلامة من وجهة مغايرة تماما للتوجه الأوروبي ذي القاعدة اللسنية. فقد قام الفيلسوف الذرائعي الأمريكي شارل سندرس بورس بسن نظرية مغايرة للعلامة سماها ب”السيميوطيقا”، و حسب تعريفه ف ” المنطق في معناه العام ،ليس سوى تسمية أخرى للسيميائيات،تلك النظرية شبه الضرورية و الشكلية للعلامات “(15)، و هذه المقاربة يبنيها على أسس فلسفية و فكرية عميقة تنظر إلى العلامة من منطلق رياضي ظاهراتي ذي بعد ثلاثي و ليس ثنائي كما فعل سوسير .
في هذا المحور سنسعى إلى تقديم أرضية نظرية تروم قراءة سيميوطيقا بورس من خلال بسط الخلفية الابستيمولوجية التي تنطلق منها فلسفته ذات الأسس المقولية الثلاث و من خلال العمل كذلك على تقديم تصوره للعلامة و مختلف أبعادها و تفريعاتها كما سنحاور بعض خصوصيات سيرورة التدلال (السيميوزيس) و بعدها التأويلي.
المدرسة الأمريكية و ‘السيميوطيقا’ : بورس و موريس :

أ) – شارل.س.بــورس و المدرسة الأمريكية :

تميز القرن التاسع عشر بثورة فكرية و أدبية حقيقية امتدت لتشمل مجموعة من مناطق العالم منطلقة من الحراك الاجتماعي و الثقافي الذي شمل أوربا بالخصوص ليمتد إلى الولايات المتحدة التي كانت قد خرجت لتوها من الحرب الأهلية بين الشمال و الجنوب (ستينيات القرن 19) و التي يعتبرها البعض بمثابة علامة فارقة في التاريخ الأمريكي الحديث . هذا السياق السياسي وازته حركة أدبية و فكرية مغايرة تماما لما ظهر في الغرب الأوربي حيث أعطى ذلك بداية انطلاقة حقيقية لبداية تشكل فلسفة جديدة هي الذرائعية الواقعية كثمرة لمجهود كبير قام به شارل ساندرس بورس منطلقا مما راكمه من قراءاته العميقة لفلسفات أفلاطون و أرسطو و هوسرل و كانط و مؤسسا لمنهج فلسفي مغاير سيعمل على تطعيمه مجموعة من الفلاسفة و المفكرين الأمريكيين خاصة وليم جيمس و جون ديوي كتيار جديد في الذرائعية و فيما بعد تشارلز موريس كأهم “الشراح” للمقاربة البورسية للعلامة ذات المنطلق المنطقي و الفلسفي.

في خضم هذه الانزياحات الفكرية و التيارات الجديدة التي ظهرت إضافة إلى أعمال المفكرين وليم جيمس و جون ديوي تأسست منطلقات جديدة للتفكير الأدبي و النقدي العميق لدى نخبة من الأدباء مثل إدغار ألان بو ، هيرمان ميلفيل ، مارك توين ، هنري جيمس و والت ويتمان و آخرين، غير أن ما يهمنا في هذه الورقة بالأخص هو بورس و فلسفته الذرائعية التي بناها على أسس رياضية و منطقية و فلسفية و هي نظرية متكاملة تقوم على مقاربة “فانيروسكوبية ” للإدراك و للوعي مثلما تعتبر أن كل المجالات المعرفية يجب إخضاعها إلى أسس المقاربة السيميوطيقية .

لقد تأثر بورس بالمناخ الفكري الذي سمحت به الفلسفة ما بعد الكانطية و اختلاطها بالعلم و انمحاء الحدود الفاصلة بينها و بين التجربة من خلال تكون النزعة التجريبية للفلسفة ذاتها، و هي معطيات استفاد منها بورس مثلما استفاد من الميل الأمريكي نحو الديمقراطية في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية و الثقافة الأمريكية الناهضة ، و في المناخ العام آنذاك” قبل البراجماتيون… ( المنهج العلمي-النزعة التجريبية الفلسفية- البيولوجيا الفلسفية-البيولوجيا التطورية و المثال الديمقراطي) التي أصبحت تشكل نسيج “الإشكالية” التي أبرزتها المشكلات الفلسفية للبرجماتية الأمريكية… لقد تكون هذا النسيج من تلك الملامح الأربعة معا، يمكن أن تميز اتجاه تطورها الفلسفي. و قد أثرت هذه العناصر الأربعة على معظم البرجماتيين و لكن بدرجات متفاوتة ،فكان تأثير المنهج العلمي أكثر وضوحا عند تشارلز بيرس “.(16)
و قد بلور بورس في إطار ذلك نظرية سيميوطيقية شاملة للعلامة تقوم على أساس علمي منطقي محض تختلف عن المقاربة العلاماتية اللسانية الضيقة التي تنظر إليها من جانب لسني، و السبب راجع بالأساس إلى الخلفية النظرية الفلسفية و العلمية التي طبعت التصور البورسي .

ب) – ذرائعية شارل موريس :

بخلاف مجموعة من الدراسات السيميوطيقية التي تعاملت مع السيمياء كخليط غير متجانس من التيارات المعرفية و الفكرية المختلفة خلال فترة من الزمن امتدت إلى بداية السبعينات، فقد ارتبط اسم شارل موريس (1901- 1979) كثيرا بالنظرية السيميوطيقية التي تستمد مقوماتها و أسسها الفلسفية و الفكرية من سيميوطيقا شارل سندرس بورس ونظريته البراغماتية من جهة، من جهة أخرى انطلاقا من النظرية السلوكية الأمريكية التي ترجع إلى كلارك هول و تولمان في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد “قبل البراجماتيون… العناصر الأربعة الأساسية (المنهج العلمي- النزعة التجريبية الفلسفية- البيولوجيا التطورية و المثال الديمقراطي)… للبراغماتية الأمريكية وشكلت إطار العمل الذي تناولته… والحلول المقترحة لها والتي على أساسها يتم الحكم عليها. لقد تكون هذا النسيج من تلك الملامح الأربعة مع ما يمكن أن تميز اتجاه تطورها الفلسفي. وقد أثرت هذه العناصر الأربعة على معظم البراغماتيين ولكن بدرجات متفاوتة… عند تشارلز بورس…لدى وليم جيمس”. (17)

فقد اعتبر موريس في كتابه ‘ العلامات و اللغة والسلوك’ Signs, Language And Behavior الصادر سنة 1946 أن السيميوطيقا دراسة لا زالت في بداية التشكل وغير مكتملة، من حيث أنها لم تستقر بعد على أسس قاعدية صلبة و ثابتة، و هي بذلك عرضة للتطور و التغير بحكم الانفتاح الدائم على علوم تصورية و معرفية أخرى و بحكم تغير نمط العيش و السلوك الثقافي الإنساني بشكل متسارع . و هو بذلك ينتصر كثيرا للمدلول ‘سيميوطيقا’ Semiotic بدل ‘سيمانطيقا’ Semantic من خلال إيجاد أداة/منهج كفيل بتطوير فهمنا لمشاكل الذات الفكرية والثقافية و الشخصية و الاجتماعية. (18)

لقد انشغل موريس في مشروعه السيموطيقي كثيرا بإيجاد عدة ‘إيتيمولوجية’ لتحليل العلامات و الأنساق الدالة من حيث انه يعتبر ‘المسألة العلامية’ ذات أسس طبيعية و تحيل على وظائف اجتماعية قابلة لأن يتم إخضاعها للدراسة و هو يستفيد بذلك من الانجازات التي قدمت في مجال علم النفس و خاصة في التيار السلوكي الذي تأثر فيه بالسلوكية الغائية مع تولمان و نظرية كلارك هول حول نظرية التعلم و هي في الأصل إنما تطور ملحوظ لأعمال واطسون و بافلوف أوائل القرن العشرين. فقد سعى موريس من خلال انفتاحه على النظرية السلوكية الخاصة بالحيوانات إلى اعتبار الحيوانات في مستوى رد الفعل مثلها مثل البشر (على الأقل حسب النظرية السلوكية) من حيث أنها علامات و سلوكها يتضمن تمظهرات لسيرورة ‘علاماتية’ و هي السيرورة التي تشكل الإحداثيات الكبرى ‘للسيميوزيس’ البورسي الذي يقابل استعمال الرموز لدى الإنسان.

ولعل هذا الانفتاح على السيميوطيقا و النظرية الفلسفية البورسية قد ساهم بشكل كبير في ترسيخ أسس و قواعد المدرسة الأمريكية في إطار تيارها المسمى بالذرائعية pragmatism الذي يتزعمه موريس إضافة إلى جون ديوي و وليم جيمس و شارل سندرس بورس، كفلسفة ترجع في أصولها إلى أمريكا خلال القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف وليام جيمس (1842- 1910) و الفيلسوف المنطقي شارل سندرس بورس (1839-1914)، وهي الفلسفة ” التي أعادت الاعتبار لأهمية ‘العمل’ في السيرورة المعرفية دون إغفال الاكتشافات التي وصلت إليها مختلف الميادين، على حساب السيكولوجيا و السوسيولوجيا و البيولوجيا”. (19)

لقد لعب موريس دورا هاما خلال فترة الثلاثينيات من القرن العشرين من حيث قدرته على خلق رابط قوي مع حلقة ‘فيينا’ من خلال أعمال رودولف كارناب. و من أهم الكتب التي طبعت مسيرة موريس هناك كتابه الذائع الصيت أسس نظرية العلامات Foundations Of The Theory Of Signs الصادر سنة 1938 و الذي يقترح فيه تفريعه الثلاثي للعلامة: ” ما يقوم بدور العلامة و يسمى ‘حامل العلامة’ Sign Vehicle، ما تدل عليه العلامة أي ‘ المدلول’ designatum’، و الأثر الذي يحدث في المتلقي للعلامة، ويسميه موريس نقلا عن بورس ‘التعبير’ interpretant ” (20) ، و هو الذي يقابل عند بورس ‘المؤول’ Interpreter مستفيدا بذلك من الأثر البورسي (ماثول و موضوع و مؤول)، و مقسما السيميوطيقا إلى جوانب تركيبية و جوانب دلالية ثم الجوانب التداولية وهي التي ترتبط داخلها العلامات بعلاقات مع مؤوليها و مستعمليها، و هذا التمييز استندت فيه التداولية الأمريكية آنذاك إلى الإرث البورسي و إلى الدراسات ‘السياقية’ للغة و التي تمظهرت بشكل ضمني في فلسفة كل من جون ديوي و لودفيك فتغنشتاين و السلوكي إدوارد سابير و غيرهم.

إن المقاربة التي يقدمها موريس للعلامة تستند إلى التمييز بين العلامات اللسانية و غير-اللسانية و دورها في التأثير في السلوك الإنساني العام من جهة ، ومن جهة أخرى تنبني هذه الرؤية لدى موريس على وصف الدور الذي يلعبه علم العلامات في دراسة اللغة و مقاربتها بما هي نظام اجتماعي من العلامات المتساوقة و المتعارضة أحيانا، و لذلك فالسيميوطيقا تلعب دورا حاسما في نظرية اللغة عموما ليس من جهة المفاهيم كما تسوقها الاتجاهات العقلية و لكن من جهة التصرفات و ردود الفعل المرصودة كسلوكيات داخل وضعيات اجتماعية، وبناء عليه يقدم موريس تقسيما إجرائيا بناء على الاستعمال التركيبي و السيمانطيقي و التداولي.

خاتمة :

في ختام هذه الورقة تجدر الإشارة إلى أن مختلف المدارس السيميائية المعاصرة و الأسس التي قامت عليها، تبرز أن السيميائيات مجال شاسع و عريض و من العسير التطرق إلى كل اتجاهاته بالتفصيل، حيث أن التفكير العلاماتي من المسائل التي اشتغل بها الفكر الإنساني منذ القدم و لو بشكل غير مباشر، إلى أن تبلور هذا الاشتغال في قوالب نظرية مكتملة و ناضجة هي القوالب التي دشنها الاشتغال اللسني لفرديناد دوسوسير و الاهتمام الفلسفي لشارل سندرس بورس كربانين رئيسين للسيميائيات المعاصرة التي تفرعت لاحقا إلى مدارس و توجهات متعددة ترتهن إلى أرضيات إيديولوجية محكومة بخلفيات نظرية و فكرية متغايرة.

الإحالات و الهوامـش:

1- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، منشورات الاختلاف (الجزائر/ (بيروت) ط 1، 1431هـ/ 2010م ، ص 21.
2- أحمد يوسف ، السيميائيات الواصفة، المركز الثقافي العربي، منشورات الاختلاف، 2005، ص 20.
3- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ص 22.
4 – فيصل الأحمر، المرجع نفسه ص 23.
5- فيصل الأحمر، نفسه .
6- منذر عياشي، العلاماتية و علم النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2004، ص 14.
7- عبد الواحد المرابط، السيمياء العامة و سيمياء الأدب ، منشورات مشروع البحث النقدي و نظرية الترجمة ، فاس ، 2005، ص 26.
8- عبد الواحد المرابط، المرجع نفسه، ص15.
9- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ، ص 30.
10 – قولة لرشيد بنمالك وردت في كتاب فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ص 31.
11- فيصل الأحمر معجم السيميائيات ص 32.
12- فرديناند دوسوسير، علم اللغة العام، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، درا آفاق عربية ،1985،
ص 34.
13- فرديناند دو سوسير، علم اللغة العام، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، ص 34 .
14- محمد الولي، السيميوطيقا و التواصل، مجلة علامات، مكناس عدد 16. 2001 ، ص 87 .
15- سعيد بنكراد ، السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، منشورات الزمن، سلسلة شرفات 11، الدار البيضاء، 2003 ،ص 58.
16- تشارلز موريس، رواد الفلسفة الأمريكية، ترجمة د. إبراهيم مصطفى إبراهيم، منشورات شباب الجامعة، الإسكندرية، 1996، ص 17.
17- تشارلز موريس، رواد الفلسفة الأمريكية،ترجمة د. إبراهيم مصطفى إبراهيم، ص 17.
– 18G .Hemphill، The Kenyon Review,Vol. 9, No. 2 (Spring, 1947), pp. 303.
– 19Susan Petrilli, From Pragmatic philosophy to Behavioural Semiotics : Ch.W. Morris after Ch.S.Peirce, Semiotica, Issue 148, 2004. P 277.
20- عادل فاخوري، تيارات في السيمياء، دار الطليعة للطباعة و النشر، بيروت، 1990، ط 1، ص 71.

 بقلم : محمد الكرافس

مجلة البيان الكويتية

عدد ماي 2013

مدخــل :

 

        يطرح موضوع الكتابة بلغة الأنثى تساؤلات مربكة أحيانا لدى مجموعة من النقاد الذين لا يؤمن بعضهم بمصطلح الكتابة النسائية في مجالي الإبداع و النقد، مثلما أن آخرين يعتبرون الكتابة عامة – فكرا و إبداعا و نقدا- لا تحتمل هذه التقسيمات البسيطة حسب الجنس Gender ، حيث يجب تذوق الأدب بما هو خطاب إنساني، بعيدا عن  ’جندر’ الذات التي أنتجته و هذا ما ينتصر له عدة نقاد بنيويين و اتجاهات المناهج ‘النصانية’ عموما. إنهم بهذا التوجه يتعاملون مع ما يقوله النص و ليس مع ‘الناص’ في حد ذاته. غير أن ما نسعى إلى تناوله ها هنا يروم بالدرجة الأولى مقاربة الشرارات الجنينية التي أسهمت في ظهور النقد الأدبي بإمضاء المرأة في الغرب خلال المرحلة ما بعد الكولونيالية، لا سيما أن عدة تفاعلات أفضت بالنقد الأدبي  خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى تلمس إطاره الأكاديمي ‘الممأسس’ Institutionalized بالدرجة الأولى عبر بلورة قاعدة ‘مقارباتية’ ذات توجهات كبرى تنظر إلى إبداع المرأة برؤية متجددة.

 وقد انعكس هذا الأمر أساسا في مجالات النشر و التلقي و كل ما له علاقة بالأسئلة الجديدة التي بدأت تطرحها الأنثى، ليتجدد الخطاب الأدبي و يخلق لدى القارئ وعيا جديدا. لذلك ستكون مهمتنا الأساس  في هذه الورقة البسيطة العودة إلى الخيوط الهلامية الأولى التي تغذت منها الكتابة النقدية بقلم المرأة التي أسالت الكثير من المداد في الغرب، مثلما أن العدوى انتقلت إلى الرقعة العربية لاحقا بحكم المثاقفة و التلاقح الثقافي و الترجمة. و سنقتصر هنا على النقد الأدبي ‘النسائي’ و محاولة تقديم رؤية استقرائية  في إطار سانكروني لهذا النوع من الكتابة الذي ارتبط بالمجتمعات الصناعية الغربية، و ما خلفته التغيرات الكبيرة التي عرفها إيقاع الحياة اليومية للمرأة بما هي عنصر مهم في تشكيل الأسرة و بما هي ذات واعية تمارس طقوسا ‘ثقافية’ بمفهوم شتراوس تتجسد في الفن و صحبة القلم و  الكتابة بوجه عام.

 

1) – الأبعاد السياسية والطقوس الأولى للنقد بلغة الأنثى:

 

        تنطلق التجربة النقدية لدى المرأة في الغرب من تحطيم الجسور العالية التي شكلها الرجل عبر سلطة الأيديولوجيا و ‘الوصاية المعرفية الزائفة’ التي سيج بها مملكته منطلقا من الموروث ‘الباطريركي’ الكبير الذي اقتاتت منه المخيلة الذكورية، سواء في إبداعها أو في كتابتها النقدية التي اعتبرتها غير آثمة في علاقتها بالنص الأنثوي . كل هذه العوامل دفعت تيار السبعينيات من القرن العشرين إلى إعادة النظر في حضور اللغة ذاتها بما هي وسيلة للتعبير  كما نلمسها في كتابات الناقدة الفذة ايفا فيكس Eva Figes  التي هاجمت غير ما مرة المقاربات البطريركية المهيمنة و احتقار المرأة و اعتبارها ذاتا منتجة لنص من درجة أقل. قد يفاجأ المرء حين يقرأ ذلك على اعتبار الثقافة الغربية بالمستوى الحقوقي الذي وصلت إليه و بتكافؤ الفرص الكبير الذي فتح المجال أمام المرأة كي تقتحم عوالم كانت إلى عهد قريب محتكرة من طرف الرجل، و لكن هذا واقع لا ينبغي التهرب منه فعلا. لقد سعت المرأة ناقدة و كاتبة منذ ظهور بوادر موجة الأدب ما بعد الكولونيالي إلى إسماع صوتها بخلطة متجددة و مغايرة للصورة المشوهة و المرآة المشروخة التي يحاول الرجل أن يعكس عبرها صورتها.

لقد حاولت ايفا فيكس كاتبة و ناقدة إعادة تشكيل صورة جديدة للغة الإبداعية التي أنتجتها المرأة سابقا، كما أنها رسمت من خلال مقارباتها خارطة طريق جديدة للكتابة بوعي مختلف و بإحداثيات مغايرة. و لتحقيق ذلك المبتغى قدمت الباحثة مجموعة من التصورات التي تنتقد الكتابة من منطلق ‘باطريركي’ قبلي/مسبق لدى الرجل. و هو ما لَمَسَتْهُ مثلا في كتابات هنري ميلر و نورمان ميلر و جان جينيت و توماس هاردي و غيرهم، حيث قدمت الكاتبة ايفا فيكس نقدا لاذعا لكتاباتهم و اعتبرتها لا تخلو من النفس الإيديولوجي الباطريركي المهيمن. بل الأدهى من ذلك أن الكاتبة المذكورة قبل قليل انتقدت حتى الكتابة النسائية ممثلة في نموذج فيرجينيا وولفVirginia Wolf  التي اعتبرت أن بعض كتاباتها لم تكن موفقة في تشخيص الوضعية الحقيقية للمرأة    و خدمت بالتالي التصور الأيديولوجي الذكوري، و لم تسمع (بكسر ما قبل آخره) صوتها بوعي احتجاجي، و إنما قامت بمجاراة التيار المهيمن بدل مجابهته          و محاولة التصدي له.

إن عودتنا هنا تروم النبش  في البنى الأركيولوجية المعرفية الهامة التي ساهمت  طوال خمسة عقود في تشكيل ميكانيزمات تيار ‘النقد الأدبي النسائي’ على المستوى الغربي، و ذلك لأن هذا التيار إن صح التعبير قد بدأ في التشكل          و الظهور حسب الناقدة الأمريكية  هيلين كار Helen Carr خلال أواخر  الستينيات   و بداية السبعينيات من القرن العشرين. و هذه المرحلة هي الفترة التي عرفت نشر مجموعة من الأعمال النقدية بأقلام نسائية من قبيل كايت ميليت و جورمين كريرر و إيفا فيكس و أخريات، حيث نبنهن إلى الصوت النسائي لأول مرة في مجال النقد و لذلك تعتبر كتابتهن ذات طابع تأسيسي في مجال الكتابة النقدية و ذلك رغم هجومهن على المؤسسات الأكاديمية الأدبية [1] في عديد الجامعات الأمريكية و الأوربية آنذاك. فقد قدمت هؤلاء الباحثات مجموعة من الدراسات التي تعيد الاعتبار للكاتبات الكلاسيكيات و تنفض الغبار عنهن بإحياء أعمالهن من جديد و إعادة اكتشاف الأبعاد الجمالية في إبداعهن بِعُدةٍ نقدية ‘حداثوية’ متجددة و مواكبة للإيقاع العام الذي تسير به وتيرة النقد الأدبي عامة.

لقد آمنت بعض الناقدات منذ مطلع السبعينيات بخصوصية النص الذي تنتجه المرأة الكاتبة/ المبدعة بوعي مختلف و بلغة موسومة بالاحتجاج و الرفض للسلطة الذكورية التي مورست عليها منذ القدم، منذ الحضارات البابلية و الإغريقية/ الهيلينية التي اعتبرت المرأة مجرد جسد  يحمل في طياته شهوة جنسية و ينتج من وراء الإشباع الغريزي الأطفال،” و هي صورة  تتواتر ثقافيا و حضاريا لتزداد رسوخا مع الزمن حيث تظل الحضارة المعاصرة لنجد المرأة في الفن الحديث       و في الدعاية و في النحت و السينما و كأنها جسد فحسب” [2]. هذه الكليشهات الموروثة– بتعبير القلم  النقدي النسائي- ضمن التصور الثقافي و الرأسمال الرمزي للذاكرة الجمعية الغربية جعلت الكاتبة تسعى للخروج من بوتقة الهيمنة الذكورية لتحدث لنفسها مرجعية و خلفية فكرية تستند عليها في مسألة النقد، حتى لا يبقى بذلك الرجل الناقد يمارس على المرأة المبدعة سطوته المعرفية. فمن بؤرة إثبات الذات خرج النقد الأدبي المكتوب بلغة الأنثى لينظّر للكتابة الأنثوية ذاتها بعيدا عن أي انزلاق ‘هرمينوطيقي’ يمارس وصاية معينة على الكتابة الإبداعية لدى المرأة، و يعطيها بالتالي أبعادا غير حاضرة ضمن إحداثيات التأويل المنطلقة أحيانا من معطيات و ترسبات إيديولوجية مسبقة لا تنظر إلى النص  بقدر ما تنظر إلى جنس منتج النص.

قد يبدو صحيحا أن الصوت الواحد لا يمكن له إلا أن يكون صدى لنسف في واد سحيق لا تسمع فيه إلا آهات الرجل منذ الأزل، إلا أن الأمر يتطلب شجاعة حقيقية تشابه الشجاعة التي قادتها مجموعة من الأقليات عبر التاريخ بداية بنضال الزنوج في أمريكا و وصولا إلى نضال التيبت في الصين. فعلى هذا الأساس  إذن انطلق النقد الأدبي النسائي ليسمع أصواتا تأويلية جديدة تقارب النص الذي أنتجته الأنثى بوعي مختلف و يجعل من مهمته سلاحا ذا حدين:

-         تقديم زاوية مغايرة للمقاربة التي تستهدف النص الإبداعي الذي تكتبه الأنثى

-         انتقاد الكتابة النقدية الذكورية التي حاولت الاستفراد بالنقد و وسمه بخلفياتها الإيديولوجية .

لقد حاولت الكتابة النقدية من هذا المنطلق التخلص من أحكام القيمة التي ارتبطت بها، بحيث أحدثت شرخا عميقا ضمن التصور الأجناسي الأرسطي للأنواع الأدبية، و أنتجت بذلك تصورات تنطلق من دوافع تعتبرها هيلين كار إنتاجا مكرورا لثقافة قديمة يتكلس بها المخيال الذكوري الغربي (إلى حدود الستينات و تعرضه للنقد)، و هذا في نظر النقد النسائي هو الخطير حينما يصير الإرث الرمزي للثقافة الإنسانية رهينا ب’شخصنة’ العقلية الذكورية و سلطتها الأبيسية التي لم ترد بعد التخلص  من سطوتها و من ترسبات إرث الأجداد الأولين.

فالمعنى واضح في التجربة السبعينية لكل من فيكس و جورمين كرير و ميلتز نت خلال الهجوم على فكر ‘الذكر’ المهيمن و نقد تفكيره و دعوته إلى إعادة برمجة ‘جينات’ فلسفته لتلائم منطق القرن العشرين آنذاك، بحيث تتطهر المقاربات الغربية من المعدات الإيديولوجية السابقة التي كانت تشتغل بها بخصوص مقاربة نصوص المرأة و عدم إنصافها، أو أحيانا من خلال اعتباره إبداعا ذي نبرة خاصة. و قد ابتدأت الكتابة النقدية التي أنتجتها المرأة في الغرب بتكتيك  مهاجمة النقد الذكوري و اعتباره نقدا لا يخلو من الأدلجة و التوجيه الفكري المغرض الذي يخدم أجندة استمرار التفوق الرمزي للرجل مبدعا و ناقدا، حيث أن النقد في هذه الحالة يخل بدوره الحقيقي الكامن في استنطاق النص بعيدا عن أية حمولة أيديولوجية خارجية قد تشوش على عملية التأويل و استكناه الدلالة.

فالحركة النقدية النسائية لم ترم سوى مساءلة النقد نفسه بما هو عملية تحليل محايثة تخدم عملية التأويل و لا تخدم أغراضا أخرى وراء المقاربة. لا يجب على النقد بهذا المنطق أن ينظر إلى جنس كاتب النص و لكن إلى النص ذاته كبنية و ككل غير قابل للتجزيء في إطار المقاربات النصانية التي انطلقت بدورها مع المناهج النقدية البنيوية و السيميائية و التفكيكية و التي تشير في أرضيتها النظرية إلى أنها مجرد عدة  و نموذج ‘براديغمي’ يتم إخضاع النصوص لمشرحته قصد المساعدة في استكشاف الدلالة و استنطاق ما يخبئه النص في بواطنه. إذن يبدو إن بنك المعطيات الذي وفره النقد النسائي في الغرب ينطلق من هذه الفرضيات و لو أنه هو الآخر لاقى نقدا شديدا من حيث خلطه في بعض الأحيان للأوراق و إدماجه للخطاب السياسي و الحقوقي ضمن التأويل الخاص بالخطاب الأدبي الذي يبقى  نصا متخيلا بشكل خاص.

 

  2)- الأدب الأمريكي  المعاصر و تعدد الأصوات: الإثنيات و سؤال ‘الجندر’:

 

       يطرح الأدب الأمريكي و تعدد الأصوات إشكالية حقيقية منذ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا  أواخر القرن الثامن عشر، و هو ما جعل النظرية الأدبية تمتح كثيرا من مقوماتها في أمريكا من التوجهات السياسية و الاجتماعية و أحيانا الاقتصادية التي عرفها المجتمع على مر القرون القليلة التي شيدت فيها الحضارة الأمريكية المعاصرة في شكلها ‘الحداثوي’. كما تنبع هذه الخاصية في تعدد إثنيات الوافدين إلى ‘العالم الجديد’ آنذاك و تعدد الأصوات داخله بتعدد الهويات و الأيديولوجيات. و لا عجب أن نرى الكتابة النقدية بدورها –كجزء من المعرفة الإنسانية- تتعرض لهذه العدوى، لاسيما بعد تحرر معظم دول العالم التي كانت مستعمرة فيما قبل خلال الستينيات  من القرن العشرين على أبعد تقدير،   و هو ما افرز تحررا  نوعيا على مستوى الفكر، الذي أفضى بدوره  إلى تحرر المناهج النقدية ذاتها من سطوة النقد الانطباعي و التاريخي و التأملي التي كانت سائدة خلال ردح من الزمن.

غير أن هذه الخطة لم تكتمل، و هذا التحرر بقي وفيا لرزنامة من التوصيات ‘المسكوكة’ الوافدة إليه من بطون الموروث الذكوري. و لذلك وجدت الحركة النسائية (كتيار فكري و سياسي) من داخل الأدب الفرصة مواتية للتحرر هي الأخرى من براثن سطوة الذكر و سلطته الضمنية التي مارسها على نصوص الأنثى و على إبداعها، وذلك لما قولها ما لم تقله. بل إن من الكتابات النقدية من اعتبرت الكتابة بصيغة المؤنث قاصرة و تحتاج إلى كثير من العمل لكي تصل إلى مرحلة النضج و تقايس بالتالي نظيرتها الذكورية. و هذا حكم فيه كثير من  أحكام القيمة و من المغالطات التي  سعت فيكس و جورمين كرير إلى دحضها بموجة الكتابات النقدية التي دشنتاها معا خلال بداية السبعينيات من نفس القرن .

فمن ثورة الإثنيات و تبجيل الخطاب الأدبي إلى الانسياق وراء الأدلجة بإيقاعات متسارعة فيما بينها، قدم الأدب الأمريكي الجديد في مرحلة السبعينيات موجة جديدة من الكتابة هي كتابة ‘الجندر’ التي مارست عنفا مضادا على كتابة الرجل، بما هو ناقد و حاولت أن تنظر لذاتها و تخلق لنفسها توليفا جديدا يصحح المسارات الخاطئة، و يقوض أحكام القيمة المغرضة التي ظلت لصيقة بالكتابة النسوية كما روجت الكاتبان لذلك آنذاك.

ولا عجب إذا ألفينا المرأة كناقدة تستفيد في هذا السياق  بشكل كبير من موجة المد الاشتراكي و حركات التحرر التي قدمنا لها سابقا، و التي ظهرت خلال فترة الستينيات بالولايات المتحدة الأمريكية، مستفيدة من المد التحرري العالمي و من أزمة الأخلاق التي سيطرت على كثير من الكتابات الفلسفية و الفكرية التي أعادت النظر في ماهية الكائن و في فلسفته و في سلوكه الثقافي، فرفضت بالتالي سيطرة عرق أبيض على عرق أسود مثلا بأية ذريعة كانت، و اعتبرت ذلك يصب في شريعة الغاب، و هو ما تحلله الكاتبة الأمريكية كايت ميليت في كتابها ‘Sexual Politics ‘ حينما تقر بالنقص الفادح الذي يعاني منه مجال حقوق الأقليات و منها طبعا حقوق الأنثى. نفس الأمر عاني منه الفكر الحر في بريطانيا حيث تنامت موجة رفض الامتياز و التسلط الذي فرضه الرجل الأبيض باسم التفوق       و باسم ارث الامبريالية البالية.

لقد استفادت موجة النقد الأدبي النسائي في الغرب من تنامي هذه الحركات المناهضة للاستعمار و التي سارعت إلى مهاجمة الامبريالية العسكرية            و حليفتها الفكرية الذراع الأيمن للزحف العسكري الذي عاث في الأرض فسادا    و همجية باسم الحضارة الزائفة و المد التوسعي الذي شرعنه عدة مفكرين (ذكورا) و نظّروا لاستمراره. و لذلك فإن عدة أصوات نسائية كجولييت ميتشيل مثلا تورطت بعمق في اليسار الجديد من خلال دعمها لهذه النضالات الوطنية المناهضة للامبريالية ، و أصبحت بذلك واعية بأن النساء قد جربن نفس المعاناة و يمكن لهن الاستفادة من حركات التحرر هذه لخدمة قضاياهن الخاصة[3].  فالكاتبة البريطانية و المناضلة الاجتماعية جولييت ميتشيل تعتبر أن النساء كن على الدوام ضحايا التعسف الذكوري و لم يكن صمتهن نتيجة لضعف أو خوف، و إنما كان نتيجة تراكمات تاريخية و موروث ضخم كرس وضعا معينا يكون فيه الرجل طرفا حاضرا كقاض و كمحام، و المقصود بهذا الكلام طبعا  أن السياق الذي كانت تبدع فيه المرأة لاقى تفاوتا و تغايرا  في الإقبال أو المدارسة من طرف الرجل.

 لذلك فتأسيس حركة نقدية بقلم النساء أخرج الإبداع النسائي من قمقم الخضوع لسلطة الرجل ‘النقدية’ في المجال الثقافي،  و بالتالي التحرر في الكتابة الإبداعية و الكتابة النقدية معا. إن المنطلق الأساس لموجة ‘النقد الأدبي النسائي’ في الغرب امتح قوته التأسيسية – كما أسلفنا الذكر-  من عدة أوضاع خلقت الجو المناسب لمقاربة الإبداع النسائي، من حيث أن الكاتبات” شعرن بدورهن في عملية التغيير و التحول الاجتماعي، من خلال إدانتهن لأشكال الظلم والاستغلال و الاضطهاد التي كانت تلحق بالشعوب و الأفراد ، فكثيرا ما نتلمس في كتاباتهن تجانس الإنجاز الفني مع الموقف الثوري. فلم تكن هؤلاء الكاتبات منعزلات عن أحداث الواقع الذي ألغى وجودهن و ركنهن في الظل ، و لم يكن أمامهن، و هن ينشدن الكتابة العميقة و الحياة الكريمة غير  هذا الواقع، لذلك حاولن تخطي محدودية التجربة الذاتية للمرأة بربطها بقضايا عامة للامتداد في الواقع الإنساني الرحب”.[4]

لقد آمن جيل الستينيات في ضفتي المحيط الأطلسي بأهمية تحدي الطبقية التقليدية في الفكر الإنساني التي مركزها الإنسان الأبيض بعتاده العسكري      و الفكري، و هو ما دفع مجموعة من الكاتبات إلى انتقاد هذا الموروث الذي كان يتم (حتى ذلك الوقت) تسويقه بما هو خطاب مستحكم و متغلغل في الثقافة الغربية، حيث خضعت عدة مفاهيم لإعادة المساءلة من قبيل: العرق و الانتماء الطبقي و السلطة الاجتماعية و الهيمنة الكولونيالية. بالتالي تعرضت للخلخلة الجذرية من طرف هذا الجيل الثائر الذي رفض رفضا قاطعا أن يهضم هذه الأفكار الموروثة من الماضي، و التي كانت لتكرس وضعا مأساويا للفرد و للمرأة و للذات  الأنثوية المبدعة لو استمر تناقلها. فخلخلة القيم بشكل يضمن إعادة تشكيلها على أساس توافقي اعتبر رهانا حقيقيا خلال مرحلة الستينيات لاسيما وان الكاتبة جولييت ميتشيل قد تقمصت هذا الدور و استطاعت إخضاع القاموس الذكوري بسلطته الرمزية للمساءلة و لإعادة الاعتبار لمكونات جديدة فرضتها نظم الثقافة و التطور الذي يسير فيه  المجتمع الغربي و العالم بصفة عامة.

و من الأعمال الإبداعية التي ظهرت خلال هذه المرحلة نجد أعمال دوريس ليسينغ بروايتيها “الرواية الذهبية” سنة 1962، و “أطفال العنف” سنة 1966، ثم سيلفيا بلاث بروايتها “جرس الجرة” الصادرة سنة 1963، و  أعمالا أخرى لا تتسع هذه الدراسة البسيطة للإحاطة بها. إن النقد الأدبي الذي أنتجته المرأة  في الغرب لم يَرُمْ فقط مقاربة الأعمال الإبداعية المعاصرة مثل التي ذكرنا قبل قليل، بل إنه سعى أكثر من ذلك إلى العودة للوراء قصد إعادة تقديم مجموعة من الروائع الكلاسيكية بوعي مختلف، و الأهم إعادة تقديم هذه الأعمال من وجهة نظر الأنثى  كناقدة انعتقت من هيمنة النقد الذكوري لتوها.

يتعلق الأمر في تشكل الخطاب النقدي النسائي بجعل قضايا المرأة المعبر عنها إبداعيا تثار من جديد لأجل التأصيل لنظرية’ نسائية’ ممكنة ، و هذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه بعض هذه الكتابات النقدية. و  مع الخروج من مرحلتي الستينيات و السبعينيات لم يقتصر الأمر فقط على التعبير عن المعاناة و إثبات الوجود  و إسماع الصوت في مجال احتكره الرجل لعقود، بل حاولت الأنثى الكاتبة لاحقا أن تشخصن إبداعها لتحرير ذاتها من الأوهام و الترسبات التي التصقت بها طيلة قرون.

 

 

خاتمة:

 

 لقد سعى الخطاب النقدي الذي أنتجته المرأة في الغرب خلال سبعينيات القرن الماضي إلى تحرير الكتابة الإبداعية النسائية من الشوائب الأيديولوجية و التهم التي ظلت لصيقة بها، حيث لم تنتقص الكتابة النقدية النسائية من كتابة المرأة لأجل الموهبة، بل اعتبرت أن هذه الكتابات و إن شابتها نقائص فالسبب يعود بالأساس  إلى عدم استقلال المرأة ماديا و إلى  نقص في الاستقرار و عامل الوقت الذي لا يخدمها بتاتا، بحكم الدور التقليدي الذي تقوم به إضافة إلى الأدوار الأخرى التي اصطنعها لها الرجل باسم الثقافة و الايدولوجيا و أشياء أخرى.

كما أن البوادر الأولى التي ساهمت في تأسيس النقد الأدبي لدى المرأة قد نهلت من التصورات الأخلاقية التي عرفها المد التحرري للشعوب و الأقليات خلال تلك الفترة من القرن العشرين ، حيث غذت الفكر الإنساني بكل ما من شأنه تصحيح مسار مجموعة من المغالطات التي ظلت لصيقة بكتابة المرأة و بإنتاجها الأدبي.

 

الإحالات و الهوامش:

 

 


[1] -  Helen Carr, A History Of Women’s Writing, Feminist literary criticism, Cambridge university press, 2007. 1st published, p : 120.

  [2] – عبد الله الغدامي، المرأة و اللغة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت طبعة 3 2006 ص 30.

[3]-  Helen Carr, A History Of Women’s Writing, Feminist literary criticism, Cambridge university press, 2007. 1st published, p : 12.2

[4] – نورة الجرموني، تطور متخيل الرواية النسائية العربية، مجلة الراوي، عدد 22، ربيع الأول 1431 هـ/مارس 2010، ص 95/96.

محمد الكرافس

مجلة ” الرافد ” الإماراتية  عدد أبريل 2011

******************

تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على مجموعة من المحطات والمغامرات التي عبرها القص العربي للوصول إلى مستوى من الخصوبة والتنوع في الإنتاج وعدم الاستقرار على درجات منفلتة من التجريب والنضج التيمي والشكلي.

سنحاول في هذه الدراسة مقاربة شكل القص القديم /الجديد في الإنتاج الأدبي العربي من خلال الحديث عن تاريخية الشكل الروائي ومغامرة التغيير والتحديث وأفق التجريب في الرواية الجديدة بحكم أن «الشكل الروائي في جوهره صورة لغوية سردية مكتوبة للفعل البشري»(1) وهو اللغة التي تحمل في طياتها مضموناً نسميه جوهر الشكل.

وهذا الجوهر الشكلي طبعاً هو المغامرة الحقيقية في القص والرؤية الفنية الجديدة التي تسربت في لباس غربي إلى الثقافة العربية التي كانت تحتضن شكلا معينا من السرد. هذه الرؤية الجديدة قلبت موازين الأولويات في الأدب العربي وتحول معها الشعر إلى درجة ثانية من الاهتمام وتبوأت الرواية/القصة قمة الإبداع العربي كمغامرة نثرية ذات شكل جديد في الكتابة. هذا الشكل الجديد ما لبث بدوره أن تغير إلى أشكال متعددة من التداخل الأجناسي حتى قيل أن الرواية عرفت تغيراً أجناسياً داخل الجنس الواحد وظهر ما يسمى بالميتاقص Metafiction فما الذي تغير مثلا منذ «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي إلى «أبناء الجبلاوي» لإبراهيم فرغلي؟ هل يكفي سرد حكاية على لسان شخصيات في زمكان وحبكة للحديث عن شكل قصصي؟ هل تكفي اللغة وحدها لتكون وعاء أوحد لركوب مطية التجريب في الشكل القصصي؟ تلكم أسئلة سنحاول الإجابة عنها في ما يلي.

تاريخية الرواية عند العرب ـ تطور الشكل بين التراث والاحتكاك بالغرب:
تتميز الرواية كفن أدبي ريادي على المستوى العالمي والعربي- بحداثتها ونجاحها القياسي في قلب موازين النظم الأدبية التي كان متعارفا عليها منذ ظهور أول عمل « دون كيشوط» لسرفانتيس الإسباني ومروراً بـ «روبنسن كروسو» لدانييل ديفو وروايات القرن التاسع عشر وهي تعرف التغيير تلو التغيير مبتعدة عن النظم الكلاسيكية للسرد ومرتكزة على خلخلة البنية السردية وزعزعة مفهوم القص حتى بات القارئ المعاصر يمسك رواية فلا يعثر فيها على تماسك بنيوي لوحدة النص بل عليه أن يجتهد في إيجاد البنية وتجميع عناصرها المفتتة واستخراج الجماليات المستعملة فيها.

الرواية شكل قصصي بامتياز يحاصر الذات المبدعة في حربائية متمنعة كما يجعل الذات القارئة تتفاعل مع مضمون الأحداث والعلائقية ما بين الشخصيات وتحاول فسخ شفراتها.

ومن خلال مجموعة من الدراسات التي قام بها مؤرخو الرواية ومنظروها من أمثال باختين وجان ريكاريو عند الغرب أو عبد المحسن بدر والدكتور جابر عصفور ويحيى حقي عند العرب تتمظهر الرواية بحضورها في محطات متناغمة مع بعضها تارة ومنفلتة من ذاتها تارة أخرى.

فالعرب عرفوا السرد/الحكي في سالف العصور ولكن الشكل هو الذي تغير ولم يعد منمطا خاضعا لجاهزية قوالب لغوية تقفز بين السجع والبلاغة التقليدية في المقامة أو السير الشعبية. أصحاب هذا الرأي يعتبرون أن الرواية عندنا لم تنبن على البياض ولكنها انطلقت على أسس الكتابة المقاماتية والمرويات السردية الشفهية التراثية التي كانت تعج بهما الثقافة العربية.

هذا الطرح الأكاديمي لمجموعة من النقاد لا يشفع للشكل الروائي العربي اصطدامه في جنينيته بمجموعة من الإكراهات والاعتبارات الثقافية والسياسية كان العالم العربي خلالها يزحف في تخلف وخضوع للسيطرة الغربية كامتداد للإمبريالية المتغطرسة خلال القرن التاسع عشر وكامتداد ثقافي/استشراقي لاستكشاف الشرق وما يخبئه.

وحتى في الغرب نفسه فالفن القصصي برمته خرج في مخاض عسير من رحم أوربا العصر الوسيط على أنقاض أشكال وموروثات ملحمية وكنسية إلى فضاءات أنضج وأكثر اتساعا من خلال ريادة الرواية الفرنسية التي أثرت التاريخ الروائي العالمي وأعطت بالتالي للعرب عن طريق الترجمة وعن طريق المثاقفة كذلك نمطا وفنا جديدين من خلال أعمال زولا وبلزاك وهيكو، حيث تزامن هذا التطور مع مرحلة النهضة العربية التي كان خلالها العالم العربي قد بدأ يستفيق من سباته ومن ويلات الجهل والمحلية.

2-1/الرواية هل بدأت كشكل مقاماتي؟
عرف القرن التاسع عشر ظهور مجموعة من الكتاب الشباب العرب الذين احتكوا بالثقافة الغربية ـ الفرنسية بالضبط- عن طريق متابعة الدراسة بحيث أثمر احتكاكهم بالآخر المتقدم انفتاحا حرا على نوعية الآداب والفنون السائرة آنذاك ووعي بعضهم بضرورة تقليد هذا الغرب لاسيما بعد إتقان لغته. هذه الفئة النخبوية حملت لواء ترجمة روائع الأدب العالمي في مرحلة أولى ثم ما لبثت أن حاولت إنتاج أشكال روائية منطلقة من المادة الخام الموجودة في الثقافة المحلية في مرحلة ثانية.


الرواية شكل قصصي بامتياز يحاصر الذات المبدعة في حربائية متمنعة كما يجعل الذات القارئة تتفاعل مع مضمون الأحداث والعلائقية ما بين الشخصيات وتحاول فسخ شفراتها



طبعاً لا يمكن إنكار وجود السرد في التراث العربي سلفاً، ذلك أن «كليلية ودمنة» و«سيرة عنترة بن شداد» وأشكالاً سردية أخرى يعتبرها بعض النقاد سردا أعطت للكتاب العرب أرضية لبلورة شكل قصصي يعتمد على التشويق والحكي والسرد الخطي الرامي إلى تسلية القراء وإمتاعهم.

وتتجلى هذه المادة الخام على الخصوص في المقامة التي لا تخلو بدورها من قص وشخصيات وأحداث تشبه إلى حد ما بعض أركان الشكل الروائي وبناه التحتية. يمكن إذن الإجابة على السؤل السالف بالقول أن الكتابة الروائية عند العرب في البداية حاولت التخلص من أزمة الانضباط الميكانيكي إلى ما كان سائدا آنذاك من مقامة وسجع لغوي حين هبت رياح التقليد على كتاب القرن التاسع عشر وأدخلتهم في إشكالية التوفيق بين المورث السردي وضرورة محاكاة الإنتاج الروائي الغربي والسير على منواله.

في هذا الإطار لعب الانفتاح الثقافي ومتابعة الدراسة كما سبقت الإشارة إلى ذلك دوراً جوهرياً في خلق تماس من المقارنة بين الأشكال الأدبية الموجودة سلفاً والشكل القصصي الغربي الجديد،فجاءت نصوص «وي إذن لست بإفرنجي» لخليل أفندي خوري و«الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق، وروايات زينب فواز وعبد الحميد البوقرقاصي ومحمود طاهر لاشين»(2)

و«حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي و«غابة الحق» لفرنسيس فتح الله مراش لتكون أشكالا روائية بالمفهوم التقليدي للرواية، ولا نقول هنا رواية نظرا لمجموعة من الاعتبارات النقدية يضيق المجال لسردها هنا، بحيث كانت تنهل من التراث السردي والمقامة بالخصوص وما يتبعها من سجع ووصف وانضباط للغة الماضي في مضمونها البلاغي التكلفي وحتى في شكلها المبني على أسس الأحداث التاريخية كما في حالة جرجي زيدان. هذه الأعمال حاولت أن تكون وفية للقص كشكل جديد ولكن هنا يطرح مشكل الفرق بينها وبين الرواية الفنية بشروطها الشكلية المعاصرة: هذه الأشكال الروائية كانت مغامرة جديدة وإبحاراً متميزاً في مجال الرواية إلا أنها كانت وفية لقص الأحداث مبتعدة عن أهمية الشخوص وعلائقية تواجدها في المتن السردي وفي الحبكة. إنها أشكال بدائية–بالمفهوم المادي وليس بالمفهوم القدحي- لجنس الرواية خاصة الأعمال التي ألفها جرجي زيدان حتى وفاته سنة 1914 وأليس البستاني وليلى بعلبكي.

هذه الأعمال كانت على درجة بسيطة من النضج الشكلي جعلها ترسي دعائم البدايات الفعلية للقص الطويل بالمشهد الإبداعي العربي خلال بدايات القرن العشرين حين بدا الشكل القصصي نشازا دخيلا على المشهد الأدبي العربي وهو يمأسس منحى آخر بعد ظهور رواية « زينب» لمحمد حسين هيكل سنة 1913 كشكل روائي أكثر نضجا فنيا عن الأشكال السابقة وأكثر ابتعادا عن اللغة القديمة.

لقد تميزت التجربة الروائية في تلك الفترة بكونها وعاء للتعبير عن مركزية الذات ولتحميل خطاب فكري يعطي نضجاً وسمة تحررية مثلماً بدأ ذلك الوعي ينعكس عند الأنا العربية التي احتكت بالأنا الغربية كما عند هيكل وطه حسين وأحمد أمين أثمر شكلاً جديداً من الكتابة السير- روائية التي اقتاتت أساساً من الذاتية مثل «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم و«الأيام» لطه حسين جعل الموازين في التجنيس تنقلب لسيطرة النثر العادي على الشعر ولغة المقامة دونما تكلف شكلي ومغالاة سجعية لصالح الأهمية الشخوصية ونضج الخطاب والمحتوى المنفلت والبنية الواقعية للرواية.

2-2/ الشكل الروائي:من الترجمة إلى المحاكاة:
خلال تلك الفترة (حتى بداية القرن التاسع عشر) كانت الأمة العربية تعيش فترة فراغ يسميه البعض بياضا امتد في تاريخ الحضارة العربية منذ سقوط الأندلس إلى الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 توالت بعده الحملات الاستشراقية على المنطقة العربية وظهرت نخبة من أبناء الوطن العربي خاصة بالشام ومصر مثل رفاعة الطهطاوي الذي قاد حملة عكسية هذه المرة هي حملة الترجمة وهنا كان الاحتكاك بجنس الرواية وبأعمال ستوندهال وشاتوبريون وفيكتور هيكو وفولتير غيرهم. وكانت البداية عبارة عن إقبال على ترجمة هذه الأعمال ثم ما فتئ بعض هؤلاء الكتاب أن بدؤوا يزيدون وينقصون ويتصرفون في الأعمال المترجمة في مرحلة أولى ثم ما لبثوا أن أحسوا بنوع من النضج جعلهم ينتجون أشكالا روائية تدور في فلك التقليد وتتسم بالسطحية في خطابها من خلال التركيز على الجانب العاطفي وكذا محاولة جلب المتعة والتسلية للقارئ.

هذا الطرح الأكاديمي يجعل ظهور الشكل القصصي عموما في الأدب العربي الحديث مبنياً وبشكل مباشر على الاحتكاك الثقافي بالغرب وعلى تقليد الإنتاجات الروائية التي كانت سائدة في ذلك الوقت وهو طرح يبدوا منطقيا إذا ما أصلنا لنشأة الرواية التي بدأت عند الغرب.

3/ الشكل الروائي من الكولونيالية إلى التحرر السياسي والفكري:
تحدث الدكتور محمد برادة في ندوة عقدت شهر ديسمبر 2004 بالقرين بدولة الكويت عن فترة من تاريخ «الرواية العربية في سياق ما بعد الكولونيالية للإحالة إلى فترة الخروج من الاستعمار»(3) التي تميزت بخطاب جديد وتيمات ناضجة عن الأشكال السالفة بحيث اتخذ الشكل القصصي عموماً توجهاً جديداً وصار وعاء للتعبير عن هموم الذات حيث أن الرواية لم تعد ذلك الشكل القصصي السردي ذا المضمون السطحي الذي يتصيد متعة القراء وتسليتهم بقدر ما أصبحت الشكل الأكثر توظيفاً للذاتية الفردية والجماعية والتعبير عن قضايا الأمة والطبقات المسحوقة حتى أن غائية قراءة القصة عموما باتت عند القارئ ملاذا للبحث عن الذات بحيث صار الكاتب العربي نموذجاً لعكس ذات المجتمع في مرآة رواياته والتمرد التصويري الواقعي عند نجيب محفوظ مثلا يعكس شكل القص الذي نحاه الإبداع العربي في تلك المرحلة حين «حاولت الرواية الانسلاخ من حضن لغة المقامات والأخبار والنوادر في حديث المويلحي عن عيسى بن هشام…إلى معاريج تجربة تخلصت من الآثار الرومانسية والبلاغة السلفية السابقة»(4).


قد صاحبت الرواية العربية في شكلها هذا حركية المجتمع آنذاك وتفاعلت معه شكلاً ومضموناً مستندة إلى تقليعات و«إلى أسس ومرتكزات أدبية وثقافية واجتماعية وسياسية وحضارية. ويمكن أن يذكر المرء هنا: تراكم الخبرات الفنية والأدبية، وتطور الوعي الجمالي والاحتكاك والتواصل مع تجارب الروائيين الأجانب



وقد صاحبت الرواية العربية في شكلها هذا حركية المجتمع آنذاك وتفاعلت معه شكلاً ومضموناً مستندة إلى تقليعات و«إلى أسس ومرتكزات أدبية وثقافية واجتماعية وسياسية وحضارية. ويمكن أن يذكر المرء هنا: تراكم الخبرات الفنية والأدبية، وتطور الوعي الجمالي والاحتكاك والتواصل مع تجارب الروائيين الأجانب… وانتشار التعليم وزيادة عدد القادرين على القراءة والكتابة وانتشار المدارس والمطابع ودور النشر والصحافة والمكتبات»(5).

كل هذه العوامل اجتمعت لتغير خريطة الشكل القصصي إلى مستوى التحديث مع المحافظة على خيط أبنية السرد كمادة هلامية في تشكل القص تسهم في بلورة مفهوم جديد للرواية ولشكلها الذي بدأ يعرف رجة في البنية الكلاسيكية التقليدية من خلال التفاعل مع إرث الشارع القومي خلال الفترة الكولونيالية. وقد بات الكتاب العرب على الخصوص جزءاً من نخبة فكرية وثقافية خلال مرحلة الخمسينات والستينات كما يسميها الباحث الدكتور شكري عزيز الماضي- وهي المرحلة التي حصلت فيها معظم دول العالم العربي والإفريقي على استقلالها ـ وتأثرت هذه النخبة بالمد الفكري والثورات الثقافية التي عرفها العالم ووصل صداها إلى المجتمعات العربية ومع نضج الحركات الوطنية والهروب من القالب التقليدي للموروث اقتيدت الرواية إلى كتابة ثانية مبتعدة عن الأحداث المنمطة والشخصيات التافهة في حضورها داخل النص إلى نوع ومقاربة جديدة تتسم بالتفصيل في الحكي واستعمال الرموز وتوظيف تقنيات شعرية بامتياز أخرجت الشكل القصصي من لباسه القديم إلى تجريب آفاق التحديث والخطاب المستنير بحركية المجتمع ونضاله. هذه العوامل يمكن أن نضيف إليها تطور النقد والتنظير للرواية في الغرب وهو ما أهل القص العربي ليستفيد من ذلك خاصة بعد ظهور كتاب عرب من قبيل يحيى حقي وعبد المحسن بدر الذين نظروا للقصة وأشكالها المتداخلة.

4/ شكل المعاصرَة وأفق التجريب في الرواية الجديدة:
لم تعرف الرواية ثباتا على نهج معين لفترة طويلة؛ إنها فن الانزلاق الدائم الذي ما فتئ يجرب آفاقا جديدة متسعة لاحتضان رؤى جديدة.فالرواية «لا حدود نظرية لها، وتتسم بمرونة شكلية لا نهاية لها ولا حد… وأنها نوع لا يخضع إلى قواعد ومواصفات وقوانين ثابتة، وأن التحول والمرونة الفائقة هي أهم صفاتها،خصوصاً من حيث هي شكل مفتوح يظل،دائما، في حالة صنع، فهي مغامرة كتابة أكثر منها كتابة مغامرات كما وصفها -بحق- الناقد الفرنسي جان ريكاريو»(6). والقابض على أسرارها مثل القابض على أسرار الكون حتى أنها عند نقاد معينين تعتبر فن العالم المكتوب الأول والوعاء الأرحب الذي يتسع لاحتضان التجربة الإنسانية الواسعة. الرواية الجديدة كتيار معاصر تصير الشكل القصصي الفضفاض الذي تتسع أجنحته للتحليق برحلة الإنسان ومغامراته الفكرية والفنية في تكامل وانسجام. وهناك من الكتاب من أعطى صورة أخرى للرواية من خلال اتساعها لجماليات تلقٍ تنبني على المفارقة أو كتابة التضاد حيث تصبح الرواية مساحة واسعة للهدم والبناء مثلما نجد في عدد من الكتابات الجديدة للروائي سليم بركات والتي تبتعد عن الذاتية وتقترب من التخييل الفوضوي الذي يتمرد على القوالب الخطية للرواية التقليدية. الروائي المصري إبراهيم فرغلي في روايته «أبناء الجبلاوي» -كنموذج لتيار الرواية الجديدة- يركب مطية التجريب من خلال حضور التداخل النصي عند شخصياته مع شخوص نجيب محفوظ. وهذا يعطي صورة أخرى للتجريب في الشكل الروائي العربي المعاصر وما نلاحظه هنا هو أفق التجريب المورط للقارئ والرواية داخل الرواية (الميتا رواية) التي تنسج بين طبقات السرد وهذا معناه تغليب وجودي وتكينن للشخصيات على حساب الأحداث التي يعتبرها منظرو الرواية المعاصرين خيطا سميكا ينسج على تلاقي وتباعد مساحات الشخصيات داخل فضاء السرد. هذا الانطلاق في سماء التمرد الشكلي يجعل المسافة بين نص «حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي»كشكل روائي معين و« أبناء الجبلاوي» لإبراهيم فرغلي تبدو طويلة قطعها شكل القص إلى بلورة تحرر شاسع من قيود النمطية واجترار أساليب السرد الخطي والحبكة الروتينية النامية بين البداية والنهاية.


لقد انتصر الشكل الروائي في مرحلتين: المرحلة الأولى حين كان يحبو على أنقاض المرويات السردية والمقامة وتأثره بالغرب حيث جاءت ثورته على الكتابة الشعرية كثورة أولويات بالمفهوم الأجناسي لشكل قصصي نثري مكتوب على شكل تعبيري شعري شفاهي عند العرب



مسألة أخرى طبعت مرحلة ما بعد الكولونيالية على حد تعبير محمد برادة دائماً هي الوعي القومي وظهور نتائج ملموسة لحركات التحرر الوطني التي أثرت على الشكل القصصي برمته وأفرزت تداخلا أجناسيا في الشكل الذي صار ملاذا آمنا للإبداع المتفرد الحاضن لآفاق الشعر والصورة والترميز والتلميح إلى الأشياء بدل التصريح بها كما عند أحمد المديني في «وردة للوقت المغربي» أو استعارة تقنيات مسرحية حوارية سينمائية كما عند عبد الله الحمدوشي صاحب «الذبابة البيضاء» ورائد الرواية البوليسية المغربية.كلها آفاق متجددة للتجريب في الشكل الروائي تتغيا دائما خلق جسر للتواصل مع القارئ وتسعى إلى توريطه في فعل القراءة كما يقول رولان بارت على اعتبار أن القراءة تشكل كتابة ثانية للنص. الشكل الروائي المعاصر ما عاد ذلك الشكل التقليدي الذي يضم خطاباً وأحداثاً تتطور على حساب الشخصيات مبتعدة عن القارئ ومقتربة من نهاية السرد. لقد أضحت الكتابة الروائية مغامرة حقيقية في الانتصار للتجريب ومفارقة مكتملة النضج حتى أن بعض النصوص الروائية تجاوزت مفهوم الزمن والمكان وتمردت عليه وتمردت حتى على اللغة ذاتها كما في تجربة الروائي الفرنسي آلان روب غرييه وجيله السبعيني.
المثال الآخر على أفق التجريب الشكلي المتاح في الكتابة الروائي يتجلى بامتياز في تجربة الكاتب المغربي محمد شكري في «الخبز الحافي» حيث جعل من روايته/سيرته الذاتية مغامرة خصبة في قلب نمطية الشكل الروائي العربي فيخيل إليك وأنت تقرأ هذا العمل أن محمد شكري لا يقص بقدر ما يصور بجرأة لامتناهية شكلا جديدا لكتابة الشخصية/الشخصيات/ لكتابة ذاته التي يحاصرها فعل السرد في عريها وفي ظلامها ونهارها.
لقد انتصر الشكل الروائي في مرحلتين: المرحلة الأولى حين كان يحبو على أنقاض المرويات السردية والمقامة وتأثره بالغرب حيث جاءت ثورته على الكتابة الشعرية كثورة أولويات بالمفهوم الأجناسي لشكل قصصي نثري مكتوب على شكل تعبيري شعري شفاهي عند العرب.

المرحلة الثانية هي عندما ثار الشكل الروائي على ذاته وتمرد عليها وعلى بنية السرد الكلاسيكية؛ بل وحتى على اللغة العربية التي كانت تتميز بالسجع والبلاغة التقليدية والحشمة والوقار في معظم روايات نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حتى جاء جيل جديد ليسمي الأشياء بمسمياتها.

مثال آخر على أفق التجريب والحداثة في الشكل الروائي نجده في كتابة المفكر المغربي عبد الله العروي في روايته «أوراق» التي تعج بدلالات المغامرة الفكرية والإغراء التخييلي بنزوح الشكل الروائي إلى تجربة جديدة في الانزياح الذهني والجنوح إلى المتخيل الغني بالخطابات المتداخلة التي تجعلك في قراءة للفكر الإنساني بشموليته ونضج تيمي قلما نجده في رواية السلف المؤسس. وهذه الذهنية التخييلية عند بعض النقاد هي أقصى قمم المغامرة الشكلية التي تنتصر لنوع من القص يميط اللثام عن قوة اللغة ودلالة الكلمات التي لا تصبح مجرد كلمات وقوالب لسانية لقولبة المعنى عند عبد الله العروي بقدر ما تصير وعاء لفك رموز الوجود الإنساني وتجريب شخوص الواقع في متخيل مشخصن مع خلخلة لمفهوم الزمن وما هو متعارف عليه في بنية الكتابة الروائية.

5/ خاتمة:
لقد مر التأليف القصصي العربي بمجموعة من المحطات عرف خلالها تنوعا في الإنتاج واختلافا في الوعي والخطاب الفكري الذي يقدمه، كما أثبتت الرواية أنها الشكل القصصي العصي على التنميط والاحتواء في الوقت الذي تم تجريب أنماط جديدة من القص تميزت بهما الرواية الجديدة على الخصوص كتيار ممتد على آفاق جديدة وكأفق لمعانقة جماليات تلقٍ أرحب وأكثر تمردا على النظم الكلاسيكية والتقليدية للشكل الروائي وفي خروج دسم عن الإطار السردي التقليدي المتوالي الأحداث حسب ما أسست له شكلانية فلاديمير بروب.

لقد اجتمعت للشكل الروائي العربي مجموعة من العوامل التي أثرت مسيرته خلال عمره القصير، كما أسهمت في خلق تجاورات وتوازنات ممتدة في تنويع الكتابات الجديدة وفاتحة باب الاختلاف الإبداعي على مصراعي التمرد والبحث خارج سياق الذات عن تجريب شكلي يقوده جيل جديد من الكتاب الشباب الذين لهم همومهم الخاصة ورؤيتهم الفوضوية للعالم.

المصادر والهوامش:

(1) د. شكري عزيز الماضي: أنماط الرواية العربية الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد335، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سبتمبر 2008، ص37.

(2) د.سيد البحرواي: الرواية والأدب الشعبي، مجلة «العربي»، عدد613، إصدار وزارة الإعلام بدولة الكويت، ديسمبر 2009، ص 64.

(3) د. محمد برادة: الرواية العربية بين المحلية والعالمية، الرواية العربية ممكنات السرد،سلسلة عالم المعرفة،عدد 357، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، نوفمبر2008، ص 20.

(4) د. صلاح فضل: التجريب في الإبداع الروائي، الرواية العربية ممكنات السرد، سلسلة عالم المعرفة، عدد 357، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،نوفمبر 2008، ص 112/113.

(5) د.شكري عزيز الماضي: أنماط الرواية العربية الجديدة، مرجع سابق، ص 13.

(6) د. جابر عصفور: ابتداء زمن الرواية: ملاحظات منهجية، الرواية العربية ممكنات السرد، سلسلة عالم المعرفة، عدد 357، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، نوفمبر2008، ص 155.