يناير
29
في 29-01-2020
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم: محمد الكرافس

مجلة “البيان” الكويتية

عدد 593 دجنبر 2019

============

    يجمع علماء اللغة و اللسانيون المعاصرون  على أن اللغة العربية تبقى إحدى أهم عشر لغات في العالم، بدأت تفرض نفسها خلال العقد الأخير، خاصة بعد وقوع أحداث الـ 11  سبتمبر التي أرخت بظلالها على المنظومة السياسية و الفكرية  في الغرب، و دفعت مجموعة من المفكرين و المهتمين بالحوار بين الثقافات إلى اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للانفتاح على الثقافة العربية الإسلامية، ترجمة و دراسة و تأليفا، بقصد الاقتراب من مكونات هذه الثقافة التي ظلت لعشرات الأعوام بعيدة عن اهتمام الغرب لمجموعة من الاعتبارات أهمها على الإطلاق الحرب الباردة و الانشغال بالصراع بين المعسكرين الغربي و الشرقي فيما مضى.

و أدى سقوط جدار برلين إلى تغير بوصلة الغرب اتجاه الثقافة العربية، و عبرها بدأ عدد من المستشرقين    و المستعربين بدراسة اللغة العربية باعتبارها المفتاح الرئيس للوصول إلى فهم أصيل و مركز و دقيق لهذه الثقافة التي يصنفها النقاد و اللسانيون و المفكرون الغربيون ضمن سياق مشرقي خالص مختلف تماما عن الثقافات الصينية و الهندية و الفارسية و اليابانيةّ. و برغم ذلك، فهي ترد ضمن كل ما هو غير غربي، و كل ما ينتمي إلى هذا الآخر الذي اختلفت نظرة المفكرين و الفلاسفة و المستشرقين الغربيين إليه على الدوام .

وعلى مستوى آخر، ساهمت العولمة أيضا في تقريب اللغة العربية من الغرب لتصبح واحدة من اللغات الأجنبية التي شـُـرِع في اعتمادها في الجامعات الأمريكية و الفرنسية، و يكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن إقبال الطلبة الأمريكيين على دراسة اللغة العربية  في أمريكا زاد بنسبة 126 في المائة في العقد الأخير، فيما لم تتجاوز نسبة الإقبال على اللغتين الفرنسية و الإسبانية  ما بين 2 و 10 في المائة، ما يظهر بالملموس رغبة الغرب في تشجيع تعلم اللغة العربية و النهل من معين ثقافتها.

 و يعتبر عدد من علماء اللغة المعاصرين و منهم رائد المدرسة النحوية التوليدية اللساني و المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن اللغات على اختلافها تتوفر على نحو خاص بها، بينما هناك ما يعرف بالنحو الكلي الذي تشترك فيه اللغات بما هو عنصر من عناصر حياتها، و من ضمنها طبعا اللغة العربية التي تركت بصمتها الخاصة  في الإنتاج الثقافي و الأدبي على المستوى العالمي عبر عدة أصوات أوصلتها إلى العالمية، خاصة عبر تجربة الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988.

و في هذا السياق، نستحضر قدرة اللغة العربية على اختراق الجدران الحصينة  التي شيدها الغرب حوله طيلة عقود، و ذلك عبر إدراج جامعات كبيرة من قبيل جامعة هارفارد الأمريكية للغة العربية ضمن مسالكها الجامعية التي يتخصص فيها طلبة أمريكيون، مثلما أن التخرج في مدارج اللغة العربية في الغرب بدأ يؤدي إلى الحصول على وظائف حكومية محترمة، خاصة في مجال التمثيل الدبلوماسي في العالم العربي، و في مجال الاستشراق أيضا، رغم تحفظ بعض الأكاديميين من قبيل المفكر  الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد على النوايا الخفية للاستشراق، حيث انتقد نظرة الغرب السلبية للثقافة العربية  (بما في ذلك تهميشه للثقافة العربية لعقود) و تكريس نظرة استعلائية و إيديولوجية مغرضة، سرعان ما تحطمت على شواطئ المثاقفة و الحوار الحضاري الذي بدأت تنشده عدد من المراكز البحثية و المعاهد الغربية الجادة.

و بعيدا عن المعطيين السياسي و الاقتصادي اللذين يعتبران هاجسا أوليا لدى الدوائر الحكومية الغربية و مراكز الدراسات الإستراتيجية، حري بنا الإشارة إلى أن اللغة العربية باعتبارها لغة سامية قديمة قد استطاعت فرض ذاتها في عدد من المؤتمرات الغربية التي خصصت لها بشكل كلي (مؤتمر جامعة ميتشيغان الأمريكية صيف 2018 نموذجا). كما تعمل عدد من المراكز الثقافية العربية الموجودة -على قلتها- في الغرب على نشر اللغة العربية و التشجيع على تعلمها من قبل أبناء المواطنين الغربيين، و ذلك بقصد إذابة الهوة  الموجودة بين الثقافتين  العربية و الغربية من ناحية، و من ناحية أخرى، بهدف تقريب اللغة العربية من الآخر و مساعدته على تعلمها.

و يعد تخليد يوم عالمي للغة العربية  من طرف منظمة الأمم المتحدة اعترافا دوليا صريحا بالقيمة الرمزية   و المكانة المهمة التي باتت تحتلها اللغة العربية على الصعيد العالمي، خاصة و أن مجموعة من اللسانيين     و الخبراء يتوقعون أن يزيد الإقبال على تعلم اللغة العربية في العقد المقبل نظرا لمجموعة من العوامل       و المتغيرات الجيو-سياسية التي ستحدث إقليميا و دوليا.

و يمكن أن نستحضر في هذا السياق  أيضا اعتراف الجامعات الفرنسية العتيدة من قبيل جامعة السوربون في باريس بمكانة اللغة العربية، و تخصيصها منذ أعوام لكرسي خاص بالثقافة و الأدب العربيين، و هذا في حد ذاته تشجيع على تعلم اللغة العربية و دراستها، بغض النظر عن الأبعاد الإيديولوجية طويلة المدى التي تقف وراء هذه الرغبة. بالإضافة إلى ذلك، توجد مؤسسة ضخمة تتوسط العاصمة الفرنسية هي معهد العالم العربي الذي يسهر على تنظيم مهرجانات و أنشطة و ندوات حول اللغة العربية و ثقافتها، سواء لتقريب المواطن الفرنسي منها و تشجيعه على تعلمها، أو لتعميق البحث في مكونات ثقافتنا و نشرها.

و تجدر الإشارة إلى أنه في بريطانيا كذلك تنادت مجموعة من الأصوات الداعية لنشر اللغة العربية  و تشجيعها، خاصة في بعض الملتقيات مثل مهرجان ليفربول السنوي الذي يحتفي بالأدب و الفنون العربية على اختلاف أجناسها (و قد دعيت للمشاركة فيه شخصيا قبل عامين و لم أحضر بسبب ظروف العمل)، كما تصدر عدد من المنابر الإعلامية الورقية  و الالكترونية  باللغة العربية من عواصم غربية.

إن الأهمية التي بدأت تكتسيها اللغة العربية على شبكة الانترنت و محركات البحث، جعلت شركات عملاقة مثل غوغل  و ياهو و و فيسبوك  تسعى إلى تجويد خدماتها المقدمة باللغة العربية، حيث أدى ذلك أيضا إلى توظيف مزيد من الخبراء و علماء اللغة في مجالات تكنولوجيا المعلومات لرقمنة اللغة العربية و الإسهام في انتشارها عالميا و سهولة تعلمها من طرف الأجانب.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash