بقلم : محمد الــكـرافـــس
مجلة البيان الكويتية
عدد 529 أغسطس 2014

******************************

تـقديم :

يعتبر أغلب الدارسين أن ظهور ‘السيميائيات’ – بما هي نمط للتفكير الخالص في العلامة و ماهية تدلال- قديم قدم الإنسان، بحيث ترجع إلى اللحظات الأولى لوعيه بالوجود و ممارسته لهذا الفعل بشكل جعل الإنسان يصطدم بالدلالات الأولى للصرخات و الأصوات المحيطة بالكائن البشري هذا الرأي طبعا و إن كان البعض يسلم به فإن الباحث الجزائري ينتقده فيصل الأحمر في كتابه “معجم السيميائيات” من منطلق ديني على اعتبار أن الله تعالى زود الإنسان بالعدة اللازمة لممارسة فعل الوجود داخل العالم منذ البداية ، و هذا موضوع آخر لا يتسع المجال للخوض فيه هنا بقدر ما أن التفكير و الاهتمام بالعلامة يرجع إلى التاريخ القديم و نجد له إرهاصات ضمنية Implicite في عديد النظريات الفلسفية القديمة خاصة أن لفظة Sémion اليونانية تقابل في تحديدها الاصطلاحي معنى ‘السمة’ على مستوى اللغة و الفكر العربيين منذ القدم.
لذلك تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة في الإرهاصات الجنينية لظهور السيميائيات في الفكر الإنساني منذ القدم حتى تبلورها ضمن نظرية متكاملة اليوم ذات أبعاد و إحداثيات مكتملة و ناضجة، تفرعت بدورها إلى اتجاهات و مدارس مختلفة ما بين المدرسة الأوروبية سليلة التصور ‘السوسيري’ اللسني المنحدرة منه السميولوجيا، و المدرسة الأمريكية ذات التصور المنطقي البراغماتي الذي انحدرت منه السيميوطيقا. ذلك إذن ما سنحاول مقاربته فيما يأتي.

تجذر المفهوم السيميائي في الفكر الإنساني القديم :

من التجليات البدئية في السيميائيات المعاصرة أن بعض مكوناتها الأساسية تجد لها تجذرا جنينيا قديما في الفكر اليوناني القديم و الفكر المسيحي، حيث على المستوى الغربي الذي يعتبر الوريث الشرعي للفكر اليوناني- الهيليني القديم نجد ” أن الباحث في تاريخ السيميائيات لن يعثر على ملامح واضحة لهذا العلم، بل سيعثر على شذرات متفرقة تدل على أن الإنسان قد تأمل في العلامة منذ بدأ التأمل و التفكير فيما حوله … فمن البداية كان المنطلق فلسفيا قائما على مبدأ الشك، و أول من بدأ التأمل في العلامة هم الإغريق في المدرسة المسماة بالشكية Skepticism “. (1)

أما بخصوص التفكير الأرسطي فنلمس إرهاصات جلية للتفكير العلامي حيث “يمكن الوقوف على أهمية ذلك التمييز الذي وضعه أرسطو بين العلامة اللسانية التي تفتقر في نظره إلى القدرة على الاستدلال؛ و لهذا لا حضور لها في القياس… فهي تقف عاجزة أمام ما تحيل عليه”. (2)
و دائما في إطار التراث الإغريقي اعتبر مجموعة من الباحثين و على رأسهم العراقية فريال غزول، أن الارتباط وثيق بين المدرسة الشكية و المنطلق الابستيمي لديها و المجسد في التشكيك في المعرفة ذاتها و فيما تقدمه لنا ظاهراتيا، هذا من جهة أما من جهة أخرى، فقد كان هذا التفكير أوليا و نمطيا، و لكنه كان إشكاليا و أدى إلى نقل التفكير العلاماتي من مجال الكليات إلى مجال المحيط الخاص بالإنسان، حيث أن الفيلسوف إينيديموس قد اعتبر أن العلامات مضمرة و غير متجلية و غير متاحة للكل إلا بواسطة عُدّة مجهرية تستنبط مكنوناتها و تفسر دلالاتها. فالمدرسة الشكية بهذا التفكير في ضمنية العلامة، قد فسحت الطريق و عبدته أمام انشغالات عديد من الفلاسفة اللاحقين الذين سعوا بدورهم إلى بلورة تصور حول الحياة داخل عالم من العلامات، و داخل نسق متشابك من الرموز .
هذا التفكير بقي رهين أسئلة إشكالية تتبلور داخل أنساق معرفية غير خالصة؛ بمعنى أن الإغريق و هم يقاربون العلامة لم يفعلوا ذلك داخل نظرية سيميائية متكاملة و خارج نسق الفلسفة، و إنما هو تفكير جزئي ضمن الانشغال ‘الكلياني’ بالمعرفة كما يذهب إلى ذلك أرسطو. و للبرهنة على هذا الكلام نجد أن مفكري الاتجاه ‘الإمبريقي’ المهتم أصلا بمجال العلوم الطبية المعترضة على ‘طيش’ الميتافيزيقا إلى الاهتمام بمجال الطب، قد أشاروا، هم الآخرون، إلى العلامة، حيث اهتمت هذه المدرسة “بدراسة الطب بفرعه الإمبريقي الذي يعتمد على اكتساب المعرفة عبر التجربة، و قد قام الطبيب الفيلسوف سيكتوس أمبريكوسSextus Empricus (ق2م) بتصنيف العلامات المستترة كما قام الطبيب جالينوس Galenus (ق3م) بالتمييز بين العلامات العامة، التي تدل على أكثر من شيء و العلامات التي تدل على شيء محدد “. (3)

إن الأصول الأولية للتفكير في العلامة ليست وليدة القرن العشرين كما قد يتصور البعض، و لكنها متجذرة في التراث العالمي من حيث التفكير أصلا في ماهية المعرفة و العلاقة الترميزية التي تربط الإنسان بباقي أنساق العلامات، و هذا التطور نلمسه كذلك في الانعطافات الابستيمية التي قامت بها المدرسة الرواقية Stoiciens على مستوى التفكير بجدية في ثنائية العلامة إذ اعتبروا ” أن لها جانبين: دال و مدلول؛ ليست العلامة اللغوية فحسب، بل وكما يوضح إيكو … كل أنواع السيميائيات، أي ليست العلامة اللغوية فقط ، و إنما العلامة المنتشرة في شتى مناحي الحياة الاجتماعية “. (4)
و إذا كنا نرجع بهذه الطريقة إلى الماضي، فإنما ننشد ربط الماضي بالحاضر و محاولة إخراج النظرية السيميائية من “أحيازها” الضيقة التي يحاول البعض لصقها لصقا بالمدرستين الأوروبية و الأمريكية فقط و قطع الصلة بالماضي، و الحال أن التفكير العلاماتي بما هو لازمة للتفكير الإنساني برمته قد تبلور فعلا في الدرس الفلسفي و الإمبريقي و النقدي القديم ، كما قدمنا لذلك سلفا و كما سنحاول تقديمه لاحقا من حيث الإثراء النوعي الذي قدمته مجموعة من النظريات ذات الخلفيات الفكرية و الأرضيات و المنطلقات العلمية المختلفة، و التي ساهمت بشكل غير مباشر –لكنه حاسم- في تأسيس السيميائيات سواء كعلم قائم الذات أو كمنهج علمي سيعمل مجموعة من الباحثين و الدارسين و الأكاديميين لاحقا على إخضاع النصوص إلى مشرحته النقدية.

لقد تبلورت السيميائيات عن طريق تراكم إنساني بعيد النوى يعود إلى التاريخ القديم ،حيث حاول القدامى تفسير مجموعة من الظواهر التي صادفتهم و التي عجزت ‘الأراجيز’ و الأساطير عن فك طلاسمها من جهة أخرى، أو أن العلم الذي تسلحوا به من خلال عُدّة التنجيم و السحر و الماورائيات لم يعد كافيا لإيجاد الأجوبة الكافية لما حملوه من هم الأسئلة الحارقة و من عنفوان الإشكالات الصاعدة. و يذهب فيصل الأحمر إلى أن الرواقيين و من خلال زعيمهم زينون، وبعد قدومهم إلى بلاد اليونان من بلادهم الأصلية كنعان في هجرة معروفة في بطون كتب الفلسفة و التاريخ ، قد انشغلوا بالاختلاف الجوهري في اللهجات التي حملوها معهم، و انتبهوا إلى اختلاف الأصوات و تشابه الطاقة المخزنة (5). هذه الإرهاصات الجنينية هي حتما ما سنلمسه لاحقا في التصور السوسيري المميز بين الدال و المدلول و المنتصر للمقاربة التزامنية ‘السانكرونية’ على حساب المدارسة التعاقبية ‘الدياكرونية’ للغة، و بعيدا عن أي تنميط لها بشكل وصفي لا يغوص في أعماق التسنينات اللفظية و النسقية التي تقدمها كبنية و كنظام.
و لاحقا و عند أفول نجم المدرسة اليونانية على الأقل بعد ظهور الثقافة المسيحية الرومانية و الامتداد الذي عرفته المسيحية مكتسحة البقع التي كان يسيطر فيها الفكر الهيليني بما فيها مصر القديمة و شمال إفريقيا ، سيظهر المفكر المسيحي أوغسطين الذي استوطن الجزائر القديمة خلال القرن الخامس الميلادي و هو بالمناسبة القرن الذي تم خلاله الإجهاز على إرث الثقافة اليونانية (المدرسة المشائية مثلا) و تشريد أتباعها و مطاردتهم على اعتبار انتمائهم إلى ثقافة ‘وثنية’ تدجن الكائن البشري وتحنط قدراته.
ضمن هذا النسق الثقافي الخاص، نجد أن التفكير في العلامة ليس وليد اليوم ” حتى و إن كانت قد اختلطت خلال زمن طويل مع التفكير حول اللسان، بسبب أهمية العلامات الكلامية في التواصل الإنساني. و هكذا فإنه توجد نظرية علاماتية ضمنية في التأملات اللسانية التقليدية، في الصين كما في الهند و في اليونان أو في روما. و سيكون من العبث إذن أن نرغب في البحث عن الأصل التاريخي للعلاماتية عند مؤلف بعينه، حتى و إن كنا تقليديا نعزو هذا الشرف إلى سانت أوغسطين، و خاصة بالنسبة إلى تمييزه بين وظيفة العلامات عند الحيوانات و عند البشر “. (6)

و يمضي التطور التاريخي عبر العصور الوسطى إلى عصر النهضة الذي اتسم بدوره بإرهاصات قوية في مجالات فكرية قاربت العلامة من منطلقاتها الابستيمية الخاصة، حيث برز ” الفيلسوف الألماني ليبنتز الذي وضع تصورات (سيميائية) ناضجة تشمل المقتضيات الأخلاقية و الوجودية و الابستيمولوجية و الذي رسم في كتابه ‘ فن التركيب’ … مشروعا ضخما لتأسيس المنطق الرمزي الحديث، وهذا الأمر جعله مقتنعا بوجود لغة كونية (رياضياتية)… تتشكل من عدد قليل من العلامات “. (7) من هذا المنطلق فإن أية مقاربة للجذور الفكرية و الدلالات العميقة للسيميائيات تستمر بحضور التفكير العلاماتي ضمن الانشغالات الفلسفية و العلمية القديمة، حيث نجد أن حلقة هذا الانشغال تستمر إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ” لكي نرى انبثاق اسم (العلاماتية) نفسه، محددا بوصفه « معرفة بالعلامات» و متضمنا في الوقت نفسه للأفكار الذهنية و علامات التواصل البين إنساني (دراسة فلسفية تتعلق بالتفاهم الإنساني)… وذلك لأنه لا يعفينا من التمييز بين الحالات القصدية (الأفكار) و التجليات الحساسة لهذه الحالات (العلامات بالمعنى الأوغستي للمصطلح) “.(8)
كخلاصة لهذا المحور، نعتبر العودة الدياكرونية بتعبير سوسير في تاريخ السيميائيات خطوة أساسية في إطار البحث في الخيوط الأولى التي ساهمت في تشكلها، و بالتالي المساعدة الجوهرية في التأصيل للمنابع الفكرية التي ساهمت في تبلورها و في إيجاد الأرضية التي تستند عليها، و هو الشيء نفسه الذي نلمسه في التراث العربي الذي احتضن بدوره تفكيرا جنينيا في مفهوم العلامة بلوره بلاغيون و فلاسفة و نحاة .

التفكير “العلاماتي” في التراث العربي :

يحاول كثير من الدارسين العرب الذين ينشطون في مجال السيميائيات اليوم إيجاد إرهاصات قديمة في التراث العربي اشتغلت من قريب أو بعيد على ملامسة مفهوم العلامة بما هي مكون من مكونات الدرس البلاغي أحيانا، و بما هي حيز لتشغيل نواميس الفكر الفلسفي أحيانا أخرى، رغم الاختلافات الجوهرية و الجذرية التي نظرت إلى ” السيمياء” سواء على المستوى اللغوي المحض أم على المستوى الاصطلاحي و الذي نسوق من خلاله مجموعة من التصورات التي تقدم لنا بعض هذا الذي يسميه أصحابه تفكيرا أوليا في العلامة، من أمثال الباحثين السيميائيين عبد الواحد المرابط و فيصل الأحمر و رشيد بنمالك و غيرهم.
على هذا الأساس و ” فيما بتعلق بالتعريف المعجمي لمصطلح ‘سيمياء’ و الذي وجدنا أنه يعني علامة مما يجعلنا نرى أنه هناك تقاربا في المفاهيم و المصطلحات بين العرب و الأمم الأخرى، و قد يكون هذا المصطلح قد انتقل إلينا من اللغة اليونانية، وأخضع لقوانين لغتنا، كما قد يكون العكس، ذلك أن ‘سيمياء’ العربية تشبه semiotic الغربية، إذ يشتركان في ثلاثة حروف”(9)، هي (س ي م). الأمر نفسه نجده يتكرر في الإطار الفلسفي و العلمي إذا ما استحضرنا كلام الفيلسوف ابن سينا الذي يقول : ” علم السيميا علم يقصد به كيفية تمزيج القوى التي في جواهر العالم الأرضي ليحدث عنها قوة يصدر عنها فعل غريب، و هو أيضا أنواع”(10)، و هو هنا يقصد شيئا غير العلامة بمفهومها المعاصر ، لكن الشاهد أنه استعمل لفظة ” السيميا” القريبة من “السيمياء” نطقا و المختلفة عنها دلالة.

إن رجوعنا إلى الأصول التاريخية ها هنا إنما يتقصد بالأساس الوقوف على الجذور النظرية العامة للسيميائيات التي يعتريها نوع من الشتات، و رغم ذلك فإننا لا نهتم بتجميع هذه المعلومات بشكل غير متجانس بقدر ما نسعى إلى رصد ترابط التراث العربي مع السيميائيات و العلامة، وهو الترابط الذي لم يتم و بشهادة السيميائيين أنفسهم ” إلا في إطار ما هو خارج عن المألوف، أما مفهومه الذي يعرف به اليوم، فإننا لا نجده إلا عبر إشارات من بعض بلاغيينا و فلاسفتنا، ضمن أبحاثهم المختلفة وذلك في شذرات متفرقة هنا و هناك”(11).
فمن خلال الكلام السابق، يظهر لنا أن العرب و رغم تفكيرهيم ‘البدئي’ في العلامة، فإن ذلك لم يتم بشكل متكامل و متماسك استطاع أن يفرز لنا نظرية أو ما شابه، لأن السيميائيات علم غربي بامتياز حاول بعض الدارسين التحجج بوجود جذور عربية لهذا العلم، سعيا إلى التنصل من بعض الخصوصيات المنهجية الغربية التي يصادفونها أثناء تطبيقهم للمنهج على النص العربي، و هذا ما سنترك الخوض فيه لاحقا إلى الفصل الثالث للوقوف على مدى براعة هؤلاء في تطبيق المنهج السيميائي الذي ولد في الغرب في رحم مجموعة من التراكمات المعرفية و الإيديولوجية التي يجرها وراءه و التي تكتسي صبغة خاصة، و هو ما يجعلنا نقارنه بالعبارات المسكوكة التي تحمل دلالات ثقافية و سوسيو-اقتصادية تصير الترجمة معها مستعصية إن لم نقل خاضعة لتحوير يلائم الخصوصيات المحلية. فعلا نجد شذرات في التفكير حول العلامة عند الجاحظ و ابن جني و الجرجاني و ابن سينا لا يسمح المقام بالوقوف عندها، لكنها لا ترقى إلى بناء نظرية سيميائية.

المدرسة الأوربية و الاتجاهات السيميائية المعاصرة:

لقد ارتبطت هذه المدرسة بشكل كبير بالخلفية اللسانية البنيوية التي جاء بها العالم السويسري فرديناند دوسوسير (1857-1913) الذي أحدث كتابه “دروس في اللسانيات العامة” رجة فكرية مهمة و نقدية على مستوى الانقلاب على ‘كلاسيي’ الفيلولوجيا و المقاربات السطحية للغة لأجل استنباط الأنساق الدالة التي لم يكن أحد ليجرؤ الحديث عنها قبل سوسير، خاصة و أن العالم الفرنسي إيميل دوركايم قد قارب اللغة و لكن بما هي ظاهرة اجتماعية و بما هي جزء من المكونات المجتمعية التي تتأسس داخل الوعي الجمعي الكلي المتمثل في الجماعة و العلاقة مع الآخر. إذن حتى نلامس موضوعنا أكثر ،نجد أن علاقة سوسير ب’السيميائيات’ هي علاقة قاعدية من خلال تسمية سوسير نفسه لهذا العلم الجديد الذي بشر به مطلقا عليه اسم “السيميولوجيا”. و على مستوى العلامة اللسانية التي بشر بها دوسوسير، فهي تتكون من مكونين أساسيين هما الصورة السمعية Image Acoustique و المفهوم Concept اللذين يسميهما سوسير على التوالي : الدال و المدلول، حيث الأول هو البصمة النفسية للصوت المادي و الثاني عبارة عن فعل شعوري نفسي و مجرد .
لقد جاء سوسير بمجموعة من المفاهيم التي تصب في قالب نظريته من ضمنها الاعتباطية بين الدال و المدلول و المقاربة السانكرونية بدل الدياكرونية للغة، و التمحيص في الجوانب التي ترصد وصف اللغة بعيدا عن المقاربات الفيلولجية أو الفيلولجية المقارنة وفقه اللغة الذي لا ينفذ إلى عمق اللغة ومكوناتها. و ما يهم بالأساس في نظرية سوسير على الأقل في ارتباطه بالعلامة، أنه أشار بشكل واضح لا لبس فيه إلى علم” السيميولوجيا” خاصة في كتابه ” دروس في اللسانيات العامة” (أو علم اللغة العام حسب الترجمة) إذ يقول دوسوسير : ” لقد رأينا أن اللغة نظام اجتماعي، و هنا تدخل في الحسبان أمور أخرى عدا الأنظمة السياسية و القانونية و غيرهم، إذ يجب علينا أن نستعين بصنف جديد من الحقائق لتلقي الضوء على الطبيعة الخاصة للغة. فاللغة نظام من الإشارات System of signs، التي تعبر عن الأفكار، و يمكن تشبيه هذا النظام بنظام الكتابة، أو الألفبائية المستخدمة عند فاقدي السمع و النطق، أو الطقوس الرمزية أو الصيغ المهذبة أو العلامات العسكرية أو غيرها من الأنظمة، و لكنه أهمها جميعا “. (12)

هذا التصور الذي يبلوره سوسير يعتبر بالنسبة للدراسات السيميائية اللاحقة بمثابة خارطة طريق عبدت المسار أمام مجموعة من تلامذته للمضي قدما نحو مقاربة الأنظمة الدالة، و الابتعاد أكثر ما يمكن عن المقاربات السطحية و المبتذلة التي كان يقوم بها فقه اللغة المقارن، ثم على مستوى آخر رسخ سوسير من منطلق الباحث المهتم بالمدارسة العلمية للغة مبادئ “السيميولوجيا” و ارتكز في ذلك على وعي ابستيمي يؤمن بالفروق الجوهرية التي تتأسس بين العلوم، و بالاختلافات المنطقية التي يحتويها كل علم، و لذلك فقد كان يحاول، من منطلق لساني، أن يجد تفسيرا صائبا و نمطيا للأنساق الدالة التي يحيا وسطها الإنسان. و لتوضيح الرؤية أكثر يقول دوسوسير: ” و يمكننا أن نتصور علما موضوعه دراسة حياة الإشارات في المجتمع؛ مثل هذا العلم يكون جزءا من علم النفس الاجتماعي، و هو بدوره جزء من علم النفس العام وسأطلق عليه علم الإشارات ( Semiology) و هي لفظة مشتقة من الكلمة الإغريقية semeion = الإشارة. ولما كان هذا العلم لم يظهر إلى الوجود إلى حد الآن، لم يمكن التكهن بطبيعته و ماهيته و لكن له حق الظهور إلى الوجود، فعلم اللغة هو جزء من علم الإشارات العام… و تقع على علماء النفس مسؤولية تحديد الموضع الدقيق لعلم الإشارات”.(13)
لقد اهتم دوسوسير بشكل كبير بعلم الإشارات الذي أطلق عليه علم ‘السيميولوجيا’ فاتحا بذلك المجال أمام العلماء و الدارسين للنبش في ماهية هذا العلم و طبيعته، و بالتالي تحديد المواضيع التي من المحتمل أن يتبعها و يتضمنها بقواعده و انشغالاته. و على هذا الأساس اللساني المحض، بقيت العلامة عند سوسير ثنائية و مرتهنة إلى المحدد اللسني الخالص، و مع ذلك فإن التصور السوسيري لثنائية الدلالة فيه بتر كبير لأسيقة خارجية متمثلة في المرجع و هي عناصر لم ينتبه إليها،مما جعل البؤرة التداولية في نظريته مغيبة و غير مستحضرة. لذلك ف” إذا كانت السيميولوجيا السوسيرية تمتاز بالمحايثة أي بحصر دائرة الاهتمام في العلاقات القائمة بين الدلائل مركبيا و بدليا و بين الدوال و المدلولات، فقد ظلت الكثير من العناصر الأساسية في اللغة بمنأى عن المعالجة العلمية التي تنور معرفتنا بهذا الجهاز الذي هو اللغة. إن النزوع السوسيري المتسم بنزعة المحايثة قد أغفل المرجع أو الأشياء التي تحيل عليها الكلمات كما ترك المبهمات أو الإشاريات في الظل، و لم يلتفت إلى العناصر النصية التي تتخطى الجملة ناهيك عن العناصر النفسية و الاجتماعية و الثقافية و الحضارية التي لا يمكن بدونها التمكن من الفهم المناسب لنسق اللغة “. (14)
و على خطى سوسير تأسست مجموعة من الاتجاهات السيميائية وسعت مجال السيميائيات، لكنها بقيت وفية للمنطلق السوسيري بما هو منهل رئيس و أرضية لسنية صلبة تستند عليه، وبالتالي اعتبر بمثابة إغناء أولي لهذه الاتجاهات السيميائية،التي تغذت إضافة إلى ذلك من روافد فكرية و فلسفية أحيانا جعلتها ترتوي بترياق التنويع النظري و تثري التصور الخاص بالمنهج أحيانا أخرى. لذلك و حتى يكتمل تصورنا للمنهج السيميائي في شموليته سنحاول في المحطة اللاحقة الوقوف على أهم هذه الاتجاهات السيميائية راصدين بذلك الأبعاد الفكرية و الفلسفية التي تغذيها، فضلا عن الإضافات التي قدمتها للمنهج السيميائي من حيث قدرتها على الانفتاح على باقي أنواع القول الإنساني من عدمه، و من حيث ملاءمتها لمدارسة كافة الأشكال الرمزية التي تختزلها الثقافة الكونية و الوعي الجمعي للكائن البشري .
كما سبقت الإشارة إلى ذلك تنهض السيميائيات المعاصرة على مجموعة من الموروثات النظرية و المعرفية التي راكمها الإنسان خلال سعيه لفهم علاقة المعنى و الفعل الإنساني فلسفيا وعلميا و ‘فانيروسكوبيا’ بتعبير الفيلسوف الأمريكي ش.س بورس (1839-1914)، و من خلال علاقة الكائن العاقل الحربائية بالمحيط و الموجودات التي تتقاسم معه فلسفة الوجود و تتعايش معه في إطار وضعاني فوق طبيعي أو في إطار ثقافي يحايث وظائف كنوز الطبيعة العذراء بالمفهوم الإناسي و يستخرج منها دلالة العلامات و يتواضع على بعضها لكي تنتظم مملكة المعنى على الأقل في هذا الوضع الدياكروني بالمفهوم السوسيري و يتنازل معها المعنى عن الضبابية و الانفلات الأبدي من براثن القبض الإنساني و من مسامات العقل و مجسات الذهن .
إن العلامة بما هي لون من ألوان الدلالة في الوجود الإنساني بؤرة فلسفية عميقة قد يختزن فيها الكائن البشري أنساقه التواصلية و الدلالية و الثقافية كما نظرت لذلك المدرسة الأوربية سليلة السيميولوجيا اللسانية السوسيرية مثلما قد يعتبرها الفلاسفة – و هذا ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي بورس – أساسا لفهم أقانيم هذا الوجود و محاولة دفعه لفهم دلالته الترميزية و وعي إحداثيات وجوده بالمفهوم الأنطلوجي بعد الوجود المطلق بتعبير ابن عربي و لكي يحس الإنسان بتفرده داخل منظومة الكائنات الأخرى التي تنتج بدورها علامات منوجدة أصلا في ذاتها هي علامات حيوانية/ طبيعية .

من هذا المنطلق إذن ف’السيميوطيقا’ بما هي مقاربة فلسفية متعالية و فوق- لسنية للعلامة التي تنتجها دلالة الوجود الإنساني ليست وليدة اليوم أو البارحة كما يتصور بعض المنقطعين عن سيرورة التاريخ أو بعض الحداثيين الذين يتصورون السيميوطيقا نزوة فلسفية طائشة لا أصل لها ، و الحال أن التراث الفكري و الفلسفي العالمي يزخر بكنوز سيميائية متناثرة هنا و هناك في شتى المجالات المعرفية تلتقي مع هذا النهج السيميائي و لا تحتاج إلا إلى من يخرجها من دهاليز المتاهة لأجل خلخلة بنية الوعي الماضوي و الدفع إلى استقواء عروة الاتصال بهذه الذاكرة العلاماتية الذي تتجذر فيها هوية الكائن الإنساني عامة .

ولذلك فالتاريخان الحديث و المعاصر استفادا كثيرا من هذه الرجعات المتتالية في الزمن الثقافي و الفكري حيث أحدث مجموعة من الفلاسفة و الدارسين رجات كوبيرنيكية و توجهات مغايرة للبحث في العلامة و محاولة توجيه الفكر بشتى تلاوينه لدراستها و خلق وعي جديد بأهميتها القصوى و ضرورة التعمق في فهم كيفية وجودها و سر انكشافها. فقد أخذت بعض التيارات المعاصرة على عاتقها النهوض بهذه المهمة المستعصية لأجل فك طلاسم العلامة و مقاربتها من زوايا و منظورات فكرية مغايرة بحيث كانت دراسات سوسير في أوربا مشتلا رائدا في التمهيد للتفكير الرئيس في العلامة من منظور المشتغل اللساني الذي توالت بعده تيارات أخرى انزاحت قليلا عن السياق اللسني لكنها بقيت حبيسة العلامة لسانيا و لم تبتعد عن مجال اللغة من منظورها الوصفي إلا مع تياري سيميولوجيا ” الدلالة” و ” الثقافة”.

في نفس الوقت و في جهة أخرى من العالم كانت تحاك في الغرب الأمريكي نظرية جديدة تروم التفكير في العلامة من وجهة مغايرة تماما للتوجه الأوروبي ذي القاعدة اللسنية. فقد قام الفيلسوف الذرائعي الأمريكي شارل سندرس بورس بسن نظرية مغايرة للعلامة سماها ب”السيميوطيقا”، و حسب تعريفه ف ” المنطق في معناه العام ،ليس سوى تسمية أخرى للسيميائيات،تلك النظرية شبه الضرورية و الشكلية للعلامات “(15)، و هذه المقاربة يبنيها على أسس فلسفية و فكرية عميقة تنظر إلى العلامة من منطلق رياضي ظاهراتي ذي بعد ثلاثي و ليس ثنائي كما فعل سوسير .
في هذا المحور سنسعى إلى تقديم أرضية نظرية تروم قراءة سيميوطيقا بورس من خلال بسط الخلفية الابستيمولوجية التي تنطلق منها فلسفته ذات الأسس المقولية الثلاث و من خلال العمل كذلك على تقديم تصوره للعلامة و مختلف أبعادها و تفريعاتها كما سنحاور بعض خصوصيات سيرورة التدلال (السيميوزيس) و بعدها التأويلي.
المدرسة الأمريكية و ‘السيميوطيقا’ : بورس و موريس :

أ) – شارل.س.بــورس و المدرسة الأمريكية :

تميز القرن التاسع عشر بثورة فكرية و أدبية حقيقية امتدت لتشمل مجموعة من مناطق العالم منطلقة من الحراك الاجتماعي و الثقافي الذي شمل أوربا بالخصوص ليمتد إلى الولايات المتحدة التي كانت قد خرجت لتوها من الحرب الأهلية بين الشمال و الجنوب (ستينيات القرن 19) و التي يعتبرها البعض بمثابة علامة فارقة في التاريخ الأمريكي الحديث . هذا السياق السياسي وازته حركة أدبية و فكرية مغايرة تماما لما ظهر في الغرب الأوربي حيث أعطى ذلك بداية انطلاقة حقيقية لبداية تشكل فلسفة جديدة هي الذرائعية الواقعية كثمرة لمجهود كبير قام به شارل ساندرس بورس منطلقا مما راكمه من قراءاته العميقة لفلسفات أفلاطون و أرسطو و هوسرل و كانط و مؤسسا لمنهج فلسفي مغاير سيعمل على تطعيمه مجموعة من الفلاسفة و المفكرين الأمريكيين خاصة وليم جيمس و جون ديوي كتيار جديد في الذرائعية و فيما بعد تشارلز موريس كأهم “الشراح” للمقاربة البورسية للعلامة ذات المنطلق المنطقي و الفلسفي.

في خضم هذه الانزياحات الفكرية و التيارات الجديدة التي ظهرت إضافة إلى أعمال المفكرين وليم جيمس و جون ديوي تأسست منطلقات جديدة للتفكير الأدبي و النقدي العميق لدى نخبة من الأدباء مثل إدغار ألان بو ، هيرمان ميلفيل ، مارك توين ، هنري جيمس و والت ويتمان و آخرين، غير أن ما يهمنا في هذه الورقة بالأخص هو بورس و فلسفته الذرائعية التي بناها على أسس رياضية و منطقية و فلسفية و هي نظرية متكاملة تقوم على مقاربة “فانيروسكوبية ” للإدراك و للوعي مثلما تعتبر أن كل المجالات المعرفية يجب إخضاعها إلى أسس المقاربة السيميوطيقية .

لقد تأثر بورس بالمناخ الفكري الذي سمحت به الفلسفة ما بعد الكانطية و اختلاطها بالعلم و انمحاء الحدود الفاصلة بينها و بين التجربة من خلال تكون النزعة التجريبية للفلسفة ذاتها، و هي معطيات استفاد منها بورس مثلما استفاد من الميل الأمريكي نحو الديمقراطية في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية و الثقافة الأمريكية الناهضة ، و في المناخ العام آنذاك” قبل البراجماتيون… ( المنهج العلمي-النزعة التجريبية الفلسفية- البيولوجيا الفلسفية-البيولوجيا التطورية و المثال الديمقراطي) التي أصبحت تشكل نسيج “الإشكالية” التي أبرزتها المشكلات الفلسفية للبرجماتية الأمريكية… لقد تكون هذا النسيج من تلك الملامح الأربعة معا، يمكن أن تميز اتجاه تطورها الفلسفي. و قد أثرت هذه العناصر الأربعة على معظم البرجماتيين و لكن بدرجات متفاوتة ،فكان تأثير المنهج العلمي أكثر وضوحا عند تشارلز بيرس “.(16)
و قد بلور بورس في إطار ذلك نظرية سيميوطيقية شاملة للعلامة تقوم على أساس علمي منطقي محض تختلف عن المقاربة العلاماتية اللسانية الضيقة التي تنظر إليها من جانب لسني، و السبب راجع بالأساس إلى الخلفية النظرية الفلسفية و العلمية التي طبعت التصور البورسي .

ب) – ذرائعية شارل موريس :

بخلاف مجموعة من الدراسات السيميوطيقية التي تعاملت مع السيمياء كخليط غير متجانس من التيارات المعرفية و الفكرية المختلفة خلال فترة من الزمن امتدت إلى بداية السبعينات، فقد ارتبط اسم شارل موريس (1901- 1979) كثيرا بالنظرية السيميوطيقية التي تستمد مقوماتها و أسسها الفلسفية و الفكرية من سيميوطيقا شارل سندرس بورس ونظريته البراغماتية من جهة، من جهة أخرى انطلاقا من النظرية السلوكية الأمريكية التي ترجع إلى كلارك هول و تولمان في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد “قبل البراجماتيون… العناصر الأربعة الأساسية (المنهج العلمي- النزعة التجريبية الفلسفية- البيولوجيا التطورية و المثال الديمقراطي)… للبراغماتية الأمريكية وشكلت إطار العمل الذي تناولته… والحلول المقترحة لها والتي على أساسها يتم الحكم عليها. لقد تكون هذا النسيج من تلك الملامح الأربعة مع ما يمكن أن تميز اتجاه تطورها الفلسفي. وقد أثرت هذه العناصر الأربعة على معظم البراغماتيين ولكن بدرجات متفاوتة… عند تشارلز بورس…لدى وليم جيمس”. (17)

فقد اعتبر موريس في كتابه ‘ العلامات و اللغة والسلوك’ Signs, Language And Behavior الصادر سنة 1946 أن السيميوطيقا دراسة لا زالت في بداية التشكل وغير مكتملة، من حيث أنها لم تستقر بعد على أسس قاعدية صلبة و ثابتة، و هي بذلك عرضة للتطور و التغير بحكم الانفتاح الدائم على علوم تصورية و معرفية أخرى و بحكم تغير نمط العيش و السلوك الثقافي الإنساني بشكل متسارع . و هو بذلك ينتصر كثيرا للمدلول ‘سيميوطيقا’ Semiotic بدل ‘سيمانطيقا’ Semantic من خلال إيجاد أداة/منهج كفيل بتطوير فهمنا لمشاكل الذات الفكرية والثقافية و الشخصية و الاجتماعية. (18)

لقد انشغل موريس في مشروعه السيموطيقي كثيرا بإيجاد عدة ‘إيتيمولوجية’ لتحليل العلامات و الأنساق الدالة من حيث انه يعتبر ‘المسألة العلامية’ ذات أسس طبيعية و تحيل على وظائف اجتماعية قابلة لأن يتم إخضاعها للدراسة و هو يستفيد بذلك من الانجازات التي قدمت في مجال علم النفس و خاصة في التيار السلوكي الذي تأثر فيه بالسلوكية الغائية مع تولمان و نظرية كلارك هول حول نظرية التعلم و هي في الأصل إنما تطور ملحوظ لأعمال واطسون و بافلوف أوائل القرن العشرين. فقد سعى موريس من خلال انفتاحه على النظرية السلوكية الخاصة بالحيوانات إلى اعتبار الحيوانات في مستوى رد الفعل مثلها مثل البشر (على الأقل حسب النظرية السلوكية) من حيث أنها علامات و سلوكها يتضمن تمظهرات لسيرورة ‘علاماتية’ و هي السيرورة التي تشكل الإحداثيات الكبرى ‘للسيميوزيس’ البورسي الذي يقابل استعمال الرموز لدى الإنسان.

ولعل هذا الانفتاح على السيميوطيقا و النظرية الفلسفية البورسية قد ساهم بشكل كبير في ترسيخ أسس و قواعد المدرسة الأمريكية في إطار تيارها المسمى بالذرائعية pragmatism الذي يتزعمه موريس إضافة إلى جون ديوي و وليم جيمس و شارل سندرس بورس، كفلسفة ترجع في أصولها إلى أمريكا خلال القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف وليام جيمس (1842- 1910) و الفيلسوف المنطقي شارل سندرس بورس (1839-1914)، وهي الفلسفة ” التي أعادت الاعتبار لأهمية ‘العمل’ في السيرورة المعرفية دون إغفال الاكتشافات التي وصلت إليها مختلف الميادين، على حساب السيكولوجيا و السوسيولوجيا و البيولوجيا”. (19)

لقد لعب موريس دورا هاما خلال فترة الثلاثينيات من القرن العشرين من حيث قدرته على خلق رابط قوي مع حلقة ‘فيينا’ من خلال أعمال رودولف كارناب. و من أهم الكتب التي طبعت مسيرة موريس هناك كتابه الذائع الصيت أسس نظرية العلامات Foundations Of The Theory Of Signs الصادر سنة 1938 و الذي يقترح فيه تفريعه الثلاثي للعلامة: ” ما يقوم بدور العلامة و يسمى ‘حامل العلامة’ Sign Vehicle، ما تدل عليه العلامة أي ‘ المدلول’ designatum’، و الأثر الذي يحدث في المتلقي للعلامة، ويسميه موريس نقلا عن بورس ‘التعبير’ interpretant ” (20) ، و هو الذي يقابل عند بورس ‘المؤول’ Interpreter مستفيدا بذلك من الأثر البورسي (ماثول و موضوع و مؤول)، و مقسما السيميوطيقا إلى جوانب تركيبية و جوانب دلالية ثم الجوانب التداولية وهي التي ترتبط داخلها العلامات بعلاقات مع مؤوليها و مستعمليها، و هذا التمييز استندت فيه التداولية الأمريكية آنذاك إلى الإرث البورسي و إلى الدراسات ‘السياقية’ للغة و التي تمظهرت بشكل ضمني في فلسفة كل من جون ديوي و لودفيك فتغنشتاين و السلوكي إدوارد سابير و غيرهم.

إن المقاربة التي يقدمها موريس للعلامة تستند إلى التمييز بين العلامات اللسانية و غير-اللسانية و دورها في التأثير في السلوك الإنساني العام من جهة ، ومن جهة أخرى تنبني هذه الرؤية لدى موريس على وصف الدور الذي يلعبه علم العلامات في دراسة اللغة و مقاربتها بما هي نظام اجتماعي من العلامات المتساوقة و المتعارضة أحيانا، و لذلك فالسيميوطيقا تلعب دورا حاسما في نظرية اللغة عموما ليس من جهة المفاهيم كما تسوقها الاتجاهات العقلية و لكن من جهة التصرفات و ردود الفعل المرصودة كسلوكيات داخل وضعيات اجتماعية، وبناء عليه يقدم موريس تقسيما إجرائيا بناء على الاستعمال التركيبي و السيمانطيقي و التداولي.

خاتمة :

في ختام هذه الورقة تجدر الإشارة إلى أن مختلف المدارس السيميائية المعاصرة و الأسس التي قامت عليها، تبرز أن السيميائيات مجال شاسع و عريض و من العسير التطرق إلى كل اتجاهاته بالتفصيل، حيث أن التفكير العلاماتي من المسائل التي اشتغل بها الفكر الإنساني منذ القدم و لو بشكل غير مباشر، إلى أن تبلور هذا الاشتغال في قوالب نظرية مكتملة و ناضجة هي القوالب التي دشنها الاشتغال اللسني لفرديناد دوسوسير و الاهتمام الفلسفي لشارل سندرس بورس كربانين رئيسين للسيميائيات المعاصرة التي تفرعت لاحقا إلى مدارس و توجهات متعددة ترتهن إلى أرضيات إيديولوجية محكومة بخلفيات نظرية و فكرية متغايرة.

الإحالات و الهوامـش:

1- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، منشورات الاختلاف (الجزائر/ (بيروت) ط 1، 1431هـ/ 2010م ، ص 21.
2- أحمد يوسف ، السيميائيات الواصفة، المركز الثقافي العربي، منشورات الاختلاف، 2005، ص 20.
3- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ص 22.
4 – فيصل الأحمر، المرجع نفسه ص 23.
5- فيصل الأحمر، نفسه .
6- منذر عياشي، العلاماتية و علم النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2004، ص 14.
7- عبد الواحد المرابط، السيمياء العامة و سيمياء الأدب ، منشورات مشروع البحث النقدي و نظرية الترجمة ، فاس ، 2005، ص 26.
8- عبد الواحد المرابط، المرجع نفسه، ص15.
9- فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ، ص 30.
10 – قولة لرشيد بنمالك وردت في كتاب فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ص 31.
11- فيصل الأحمر معجم السيميائيات ص 32.
12- فرديناند دوسوسير، علم اللغة العام، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، درا آفاق عربية ،1985،
ص 34.
13- فرديناند دو سوسير، علم اللغة العام، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، ص 34 .
14- محمد الولي، السيميوطيقا و التواصل، مجلة علامات، مكناس عدد 16. 2001 ، ص 87 .
15- سعيد بنكراد ، السيميائيات مفاهيمها و تطبيقاتها، منشورات الزمن، سلسلة شرفات 11، الدار البيضاء، 2003 ،ص 58.
16- تشارلز موريس، رواد الفلسفة الأمريكية، ترجمة د. إبراهيم مصطفى إبراهيم، منشورات شباب الجامعة، الإسكندرية، 1996، ص 17.
17- تشارلز موريس، رواد الفلسفة الأمريكية،ترجمة د. إبراهيم مصطفى إبراهيم، ص 17.
– 18G .Hemphill، The Kenyon Review,Vol. 9, No. 2 (Spring, 1947), pp. 303.
– 19Susan Petrilli, From Pragmatic philosophy to Behavioural Semiotics : Ch.W. Morris after Ch.S.Peirce, Semiotica, Issue 148, 2004. P 277.
20- عادل فاخوري، تيارات في السيمياء، دار الطليعة للطباعة و النشر، بيروت، 1990، ط 1، ص 71.

Be Sociable, Share!


التعليقات

شركه تنظيف بتاريخ 13 يناير, 2015 الساعة 10:28 ص #

جزاكم الله خيرا”

شركه تنظيف


مؤسسة تنظيف بتاريخ 27 يناير, 2015 الساعة 2:29 م #

jawad بتاريخ 14 مارس, 2015 الساعة 1:36 م #

tres bien


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash