يونيو
08

 بقلم : محمد الكرافس

مجلة البيان الكويتية

عدد ماي 2013

مدخــل :

 

        يطرح موضوع الكتابة بلغة الأنثى تساؤلات مربكة أحيانا لدى مجموعة من النقاد الذين لا يؤمن بعضهم بمصطلح الكتابة النسائية في مجالي الإبداع و النقد، مثلما أن آخرين يعتبرون الكتابة عامة – فكرا و إبداعا و نقدا- لا تحتمل هذه التقسيمات البسيطة حسب الجنس Gender ، حيث يجب تذوق الأدب بما هو خطاب إنساني، بعيدا عن  ’جندر’ الذات التي أنتجته و هذا ما ينتصر له عدة نقاد بنيويين و اتجاهات المناهج ‘النصانية’ عموما. إنهم بهذا التوجه يتعاملون مع ما يقوله النص و ليس مع ‘الناص’ في حد ذاته. غير أن ما نسعى إلى تناوله ها هنا يروم بالدرجة الأولى مقاربة الشرارات الجنينية التي أسهمت في ظهور النقد الأدبي بإمضاء المرأة في الغرب خلال المرحلة ما بعد الكولونيالية، لا سيما أن عدة تفاعلات أفضت بالنقد الأدبي  خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى تلمس إطاره الأكاديمي ‘الممأسس’ Institutionalized بالدرجة الأولى عبر بلورة قاعدة ‘مقارباتية’ ذات توجهات كبرى تنظر إلى إبداع المرأة برؤية متجددة.

 وقد انعكس هذا الأمر أساسا في مجالات النشر و التلقي و كل ما له علاقة بالأسئلة الجديدة التي بدأت تطرحها الأنثى، ليتجدد الخطاب الأدبي و يخلق لدى القارئ وعيا جديدا. لذلك ستكون مهمتنا الأساس  في هذه الورقة البسيطة العودة إلى الخيوط الهلامية الأولى التي تغذت منها الكتابة النقدية بقلم المرأة التي أسالت الكثير من المداد في الغرب، مثلما أن العدوى انتقلت إلى الرقعة العربية لاحقا بحكم المثاقفة و التلاقح الثقافي و الترجمة. و سنقتصر هنا على النقد الأدبي ‘النسائي’ و محاولة تقديم رؤية استقرائية  في إطار سانكروني لهذا النوع من الكتابة الذي ارتبط بالمجتمعات الصناعية الغربية، و ما خلفته التغيرات الكبيرة التي عرفها إيقاع الحياة اليومية للمرأة بما هي عنصر مهم في تشكيل الأسرة و بما هي ذات واعية تمارس طقوسا ‘ثقافية’ بمفهوم شتراوس تتجسد في الفن و صحبة القلم و  الكتابة بوجه عام.

 

1) – الأبعاد السياسية والطقوس الأولى للنقد بلغة الأنثى:

 

        تنطلق التجربة النقدية لدى المرأة في الغرب من تحطيم الجسور العالية التي شكلها الرجل عبر سلطة الأيديولوجيا و ‘الوصاية المعرفية الزائفة’ التي سيج بها مملكته منطلقا من الموروث ‘الباطريركي’ الكبير الذي اقتاتت منه المخيلة الذكورية، سواء في إبداعها أو في كتابتها النقدية التي اعتبرتها غير آثمة في علاقتها بالنص الأنثوي . كل هذه العوامل دفعت تيار السبعينيات من القرن العشرين إلى إعادة النظر في حضور اللغة ذاتها بما هي وسيلة للتعبير  كما نلمسها في كتابات الناقدة الفذة ايفا فيكس Eva Figes  التي هاجمت غير ما مرة المقاربات البطريركية المهيمنة و احتقار المرأة و اعتبارها ذاتا منتجة لنص من درجة أقل. قد يفاجأ المرء حين يقرأ ذلك على اعتبار الثقافة الغربية بالمستوى الحقوقي الذي وصلت إليه و بتكافؤ الفرص الكبير الذي فتح المجال أمام المرأة كي تقتحم عوالم كانت إلى عهد قريب محتكرة من طرف الرجل، و لكن هذا واقع لا ينبغي التهرب منه فعلا. لقد سعت المرأة ناقدة و كاتبة منذ ظهور بوادر موجة الأدب ما بعد الكولونيالي إلى إسماع صوتها بخلطة متجددة و مغايرة للصورة المشوهة و المرآة المشروخة التي يحاول الرجل أن يعكس عبرها صورتها.

لقد حاولت ايفا فيكس كاتبة و ناقدة إعادة تشكيل صورة جديدة للغة الإبداعية التي أنتجتها المرأة سابقا، كما أنها رسمت من خلال مقارباتها خارطة طريق جديدة للكتابة بوعي مختلف و بإحداثيات مغايرة. و لتحقيق ذلك المبتغى قدمت الباحثة مجموعة من التصورات التي تنتقد الكتابة من منطلق ‘باطريركي’ قبلي/مسبق لدى الرجل. و هو ما لَمَسَتْهُ مثلا في كتابات هنري ميلر و نورمان ميلر و جان جينيت و توماس هاردي و غيرهم، حيث قدمت الكاتبة ايفا فيكس نقدا لاذعا لكتاباتهم و اعتبرتها لا تخلو من النفس الإيديولوجي الباطريركي المهيمن. بل الأدهى من ذلك أن الكاتبة المذكورة قبل قليل انتقدت حتى الكتابة النسائية ممثلة في نموذج فيرجينيا وولفVirginia Wolf  التي اعتبرت أن بعض كتاباتها لم تكن موفقة في تشخيص الوضعية الحقيقية للمرأة    و خدمت بالتالي التصور الأيديولوجي الذكوري، و لم تسمع (بكسر ما قبل آخره) صوتها بوعي احتجاجي، و إنما قامت بمجاراة التيار المهيمن بدل مجابهته          و محاولة التصدي له.

إن عودتنا هنا تروم النبش  في البنى الأركيولوجية المعرفية الهامة التي ساهمت  طوال خمسة عقود في تشكيل ميكانيزمات تيار ‘النقد الأدبي النسائي’ على المستوى الغربي، و ذلك لأن هذا التيار إن صح التعبير قد بدأ في التشكل          و الظهور حسب الناقدة الأمريكية  هيلين كار Helen Carr خلال أواخر  الستينيات   و بداية السبعينيات من القرن العشرين. و هذه المرحلة هي الفترة التي عرفت نشر مجموعة من الأعمال النقدية بأقلام نسائية من قبيل كايت ميليت و جورمين كريرر و إيفا فيكس و أخريات، حيث نبنهن إلى الصوت النسائي لأول مرة في مجال النقد و لذلك تعتبر كتابتهن ذات طابع تأسيسي في مجال الكتابة النقدية و ذلك رغم هجومهن على المؤسسات الأكاديمية الأدبية [1] في عديد الجامعات الأمريكية و الأوربية آنذاك. فقد قدمت هؤلاء الباحثات مجموعة من الدراسات التي تعيد الاعتبار للكاتبات الكلاسيكيات و تنفض الغبار عنهن بإحياء أعمالهن من جديد و إعادة اكتشاف الأبعاد الجمالية في إبداعهن بِعُدةٍ نقدية ‘حداثوية’ متجددة و مواكبة للإيقاع العام الذي تسير به وتيرة النقد الأدبي عامة.

لقد آمنت بعض الناقدات منذ مطلع السبعينيات بخصوصية النص الذي تنتجه المرأة الكاتبة/ المبدعة بوعي مختلف و بلغة موسومة بالاحتجاج و الرفض للسلطة الذكورية التي مورست عليها منذ القدم، منذ الحضارات البابلية و الإغريقية/ الهيلينية التي اعتبرت المرأة مجرد جسد  يحمل في طياته شهوة جنسية و ينتج من وراء الإشباع الغريزي الأطفال،” و هي صورة  تتواتر ثقافيا و حضاريا لتزداد رسوخا مع الزمن حيث تظل الحضارة المعاصرة لنجد المرأة في الفن الحديث       و في الدعاية و في النحت و السينما و كأنها جسد فحسب” [2]. هذه الكليشهات الموروثة– بتعبير القلم  النقدي النسائي- ضمن التصور الثقافي و الرأسمال الرمزي للذاكرة الجمعية الغربية جعلت الكاتبة تسعى للخروج من بوتقة الهيمنة الذكورية لتحدث لنفسها مرجعية و خلفية فكرية تستند عليها في مسألة النقد، حتى لا يبقى بذلك الرجل الناقد يمارس على المرأة المبدعة سطوته المعرفية. فمن بؤرة إثبات الذات خرج النقد الأدبي المكتوب بلغة الأنثى لينظّر للكتابة الأنثوية ذاتها بعيدا عن أي انزلاق ‘هرمينوطيقي’ يمارس وصاية معينة على الكتابة الإبداعية لدى المرأة، و يعطيها بالتالي أبعادا غير حاضرة ضمن إحداثيات التأويل المنطلقة أحيانا من معطيات و ترسبات إيديولوجية مسبقة لا تنظر إلى النص  بقدر ما تنظر إلى جنس منتج النص.

قد يبدو صحيحا أن الصوت الواحد لا يمكن له إلا أن يكون صدى لنسف في واد سحيق لا تسمع فيه إلا آهات الرجل منذ الأزل، إلا أن الأمر يتطلب شجاعة حقيقية تشابه الشجاعة التي قادتها مجموعة من الأقليات عبر التاريخ بداية بنضال الزنوج في أمريكا و وصولا إلى نضال التيبت في الصين. فعلى هذا الأساس  إذن انطلق النقد الأدبي النسائي ليسمع أصواتا تأويلية جديدة تقارب النص الذي أنتجته الأنثى بوعي مختلف و يجعل من مهمته سلاحا ذا حدين:

-         تقديم زاوية مغايرة للمقاربة التي تستهدف النص الإبداعي الذي تكتبه الأنثى

-         انتقاد الكتابة النقدية الذكورية التي حاولت الاستفراد بالنقد و وسمه بخلفياتها الإيديولوجية .

لقد حاولت الكتابة النقدية من هذا المنطلق التخلص من أحكام القيمة التي ارتبطت بها، بحيث أحدثت شرخا عميقا ضمن التصور الأجناسي الأرسطي للأنواع الأدبية، و أنتجت بذلك تصورات تنطلق من دوافع تعتبرها هيلين كار إنتاجا مكرورا لثقافة قديمة يتكلس بها المخيال الذكوري الغربي (إلى حدود الستينات و تعرضه للنقد)، و هذا في نظر النقد النسائي هو الخطير حينما يصير الإرث الرمزي للثقافة الإنسانية رهينا ب’شخصنة’ العقلية الذكورية و سلطتها الأبيسية التي لم ترد بعد التخلص  من سطوتها و من ترسبات إرث الأجداد الأولين.

فالمعنى واضح في التجربة السبعينية لكل من فيكس و جورمين كرير و ميلتز نت خلال الهجوم على فكر ‘الذكر’ المهيمن و نقد تفكيره و دعوته إلى إعادة برمجة ‘جينات’ فلسفته لتلائم منطق القرن العشرين آنذاك، بحيث تتطهر المقاربات الغربية من المعدات الإيديولوجية السابقة التي كانت تشتغل بها بخصوص مقاربة نصوص المرأة و عدم إنصافها، أو أحيانا من خلال اعتباره إبداعا ذي نبرة خاصة. و قد ابتدأت الكتابة النقدية التي أنتجتها المرأة في الغرب بتكتيك  مهاجمة النقد الذكوري و اعتباره نقدا لا يخلو من الأدلجة و التوجيه الفكري المغرض الذي يخدم أجندة استمرار التفوق الرمزي للرجل مبدعا و ناقدا، حيث أن النقد في هذه الحالة يخل بدوره الحقيقي الكامن في استنطاق النص بعيدا عن أية حمولة أيديولوجية خارجية قد تشوش على عملية التأويل و استكناه الدلالة.

فالحركة النقدية النسائية لم ترم سوى مساءلة النقد نفسه بما هو عملية تحليل محايثة تخدم عملية التأويل و لا تخدم أغراضا أخرى وراء المقاربة. لا يجب على النقد بهذا المنطق أن ينظر إلى جنس كاتب النص و لكن إلى النص ذاته كبنية و ككل غير قابل للتجزيء في إطار المقاربات النصانية التي انطلقت بدورها مع المناهج النقدية البنيوية و السيميائية و التفكيكية و التي تشير في أرضيتها النظرية إلى أنها مجرد عدة  و نموذج ‘براديغمي’ يتم إخضاع النصوص لمشرحته قصد المساعدة في استكشاف الدلالة و استنطاق ما يخبئه النص في بواطنه. إذن يبدو إن بنك المعطيات الذي وفره النقد النسائي في الغرب ينطلق من هذه الفرضيات و لو أنه هو الآخر لاقى نقدا شديدا من حيث خلطه في بعض الأحيان للأوراق و إدماجه للخطاب السياسي و الحقوقي ضمن التأويل الخاص بالخطاب الأدبي الذي يبقى  نصا متخيلا بشكل خاص.

 

  2)- الأدب الأمريكي  المعاصر و تعدد الأصوات: الإثنيات و سؤال ‘الجندر’:

 

       يطرح الأدب الأمريكي و تعدد الأصوات إشكالية حقيقية منذ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا  أواخر القرن الثامن عشر، و هو ما جعل النظرية الأدبية تمتح كثيرا من مقوماتها في أمريكا من التوجهات السياسية و الاجتماعية و أحيانا الاقتصادية التي عرفها المجتمع على مر القرون القليلة التي شيدت فيها الحضارة الأمريكية المعاصرة في شكلها ‘الحداثوي’. كما تنبع هذه الخاصية في تعدد إثنيات الوافدين إلى ‘العالم الجديد’ آنذاك و تعدد الأصوات داخله بتعدد الهويات و الأيديولوجيات. و لا عجب أن نرى الكتابة النقدية بدورها –كجزء من المعرفة الإنسانية- تتعرض لهذه العدوى، لاسيما بعد تحرر معظم دول العالم التي كانت مستعمرة فيما قبل خلال الستينيات  من القرن العشرين على أبعد تقدير،   و هو ما افرز تحررا  نوعيا على مستوى الفكر، الذي أفضى بدوره  إلى تحرر المناهج النقدية ذاتها من سطوة النقد الانطباعي و التاريخي و التأملي التي كانت سائدة خلال ردح من الزمن.

غير أن هذه الخطة لم تكتمل، و هذا التحرر بقي وفيا لرزنامة من التوصيات ‘المسكوكة’ الوافدة إليه من بطون الموروث الذكوري. و لذلك وجدت الحركة النسائية (كتيار فكري و سياسي) من داخل الأدب الفرصة مواتية للتحرر هي الأخرى من براثن سطوة الذكر و سلطته الضمنية التي مارسها على نصوص الأنثى و على إبداعها، وذلك لما قولها ما لم تقله. بل إن من الكتابات النقدية من اعتبرت الكتابة بصيغة المؤنث قاصرة و تحتاج إلى كثير من العمل لكي تصل إلى مرحلة النضج و تقايس بالتالي نظيرتها الذكورية. و هذا حكم فيه كثير من  أحكام القيمة و من المغالطات التي  سعت فيكس و جورمين كرير إلى دحضها بموجة الكتابات النقدية التي دشنتاها معا خلال بداية السبعينيات من نفس القرن .

فمن ثورة الإثنيات و تبجيل الخطاب الأدبي إلى الانسياق وراء الأدلجة بإيقاعات متسارعة فيما بينها، قدم الأدب الأمريكي الجديد في مرحلة السبعينيات موجة جديدة من الكتابة هي كتابة ‘الجندر’ التي مارست عنفا مضادا على كتابة الرجل، بما هو ناقد و حاولت أن تنظر لذاتها و تخلق لنفسها توليفا جديدا يصحح المسارات الخاطئة، و يقوض أحكام القيمة المغرضة التي ظلت لصيقة بالكتابة النسوية كما روجت الكاتبان لذلك آنذاك.

ولا عجب إذا ألفينا المرأة كناقدة تستفيد في هذا السياق  بشكل كبير من موجة المد الاشتراكي و حركات التحرر التي قدمنا لها سابقا، و التي ظهرت خلال فترة الستينيات بالولايات المتحدة الأمريكية، مستفيدة من المد التحرري العالمي و من أزمة الأخلاق التي سيطرت على كثير من الكتابات الفلسفية و الفكرية التي أعادت النظر في ماهية الكائن و في فلسفته و في سلوكه الثقافي، فرفضت بالتالي سيطرة عرق أبيض على عرق أسود مثلا بأية ذريعة كانت، و اعتبرت ذلك يصب في شريعة الغاب، و هو ما تحلله الكاتبة الأمريكية كايت ميليت في كتابها ‘Sexual Politics ‘ حينما تقر بالنقص الفادح الذي يعاني منه مجال حقوق الأقليات و منها طبعا حقوق الأنثى. نفس الأمر عاني منه الفكر الحر في بريطانيا حيث تنامت موجة رفض الامتياز و التسلط الذي فرضه الرجل الأبيض باسم التفوق       و باسم ارث الامبريالية البالية.

لقد استفادت موجة النقد الأدبي النسائي في الغرب من تنامي هذه الحركات المناهضة للاستعمار و التي سارعت إلى مهاجمة الامبريالية العسكرية            و حليفتها الفكرية الذراع الأيمن للزحف العسكري الذي عاث في الأرض فسادا    و همجية باسم الحضارة الزائفة و المد التوسعي الذي شرعنه عدة مفكرين (ذكورا) و نظّروا لاستمراره. و لذلك فإن عدة أصوات نسائية كجولييت ميتشيل مثلا تورطت بعمق في اليسار الجديد من خلال دعمها لهذه النضالات الوطنية المناهضة للامبريالية ، و أصبحت بذلك واعية بأن النساء قد جربن نفس المعاناة و يمكن لهن الاستفادة من حركات التحرر هذه لخدمة قضاياهن الخاصة[3].  فالكاتبة البريطانية و المناضلة الاجتماعية جولييت ميتشيل تعتبر أن النساء كن على الدوام ضحايا التعسف الذكوري و لم يكن صمتهن نتيجة لضعف أو خوف، و إنما كان نتيجة تراكمات تاريخية و موروث ضخم كرس وضعا معينا يكون فيه الرجل طرفا حاضرا كقاض و كمحام، و المقصود بهذا الكلام طبعا  أن السياق الذي كانت تبدع فيه المرأة لاقى تفاوتا و تغايرا  في الإقبال أو المدارسة من طرف الرجل.

 لذلك فتأسيس حركة نقدية بقلم النساء أخرج الإبداع النسائي من قمقم الخضوع لسلطة الرجل ‘النقدية’ في المجال الثقافي،  و بالتالي التحرر في الكتابة الإبداعية و الكتابة النقدية معا. إن المنطلق الأساس لموجة ‘النقد الأدبي النسائي’ في الغرب امتح قوته التأسيسية – كما أسلفنا الذكر-  من عدة أوضاع خلقت الجو المناسب لمقاربة الإبداع النسائي، من حيث أن الكاتبات” شعرن بدورهن في عملية التغيير و التحول الاجتماعي، من خلال إدانتهن لأشكال الظلم والاستغلال و الاضطهاد التي كانت تلحق بالشعوب و الأفراد ، فكثيرا ما نتلمس في كتاباتهن تجانس الإنجاز الفني مع الموقف الثوري. فلم تكن هؤلاء الكاتبات منعزلات عن أحداث الواقع الذي ألغى وجودهن و ركنهن في الظل ، و لم يكن أمامهن، و هن ينشدن الكتابة العميقة و الحياة الكريمة غير  هذا الواقع، لذلك حاولن تخطي محدودية التجربة الذاتية للمرأة بربطها بقضايا عامة للامتداد في الواقع الإنساني الرحب”.[4]

لقد آمن جيل الستينيات في ضفتي المحيط الأطلسي بأهمية تحدي الطبقية التقليدية في الفكر الإنساني التي مركزها الإنسان الأبيض بعتاده العسكري      و الفكري، و هو ما دفع مجموعة من الكاتبات إلى انتقاد هذا الموروث الذي كان يتم (حتى ذلك الوقت) تسويقه بما هو خطاب مستحكم و متغلغل في الثقافة الغربية، حيث خضعت عدة مفاهيم لإعادة المساءلة من قبيل: العرق و الانتماء الطبقي و السلطة الاجتماعية و الهيمنة الكولونيالية. بالتالي تعرضت للخلخلة الجذرية من طرف هذا الجيل الثائر الذي رفض رفضا قاطعا أن يهضم هذه الأفكار الموروثة من الماضي، و التي كانت لتكرس وضعا مأساويا للفرد و للمرأة و للذات  الأنثوية المبدعة لو استمر تناقلها. فخلخلة القيم بشكل يضمن إعادة تشكيلها على أساس توافقي اعتبر رهانا حقيقيا خلال مرحلة الستينيات لاسيما وان الكاتبة جولييت ميتشيل قد تقمصت هذا الدور و استطاعت إخضاع القاموس الذكوري بسلطته الرمزية للمساءلة و لإعادة الاعتبار لمكونات جديدة فرضتها نظم الثقافة و التطور الذي يسير فيه  المجتمع الغربي و العالم بصفة عامة.

و من الأعمال الإبداعية التي ظهرت خلال هذه المرحلة نجد أعمال دوريس ليسينغ بروايتيها “الرواية الذهبية” سنة 1962، و “أطفال العنف” سنة 1966، ثم سيلفيا بلاث بروايتها “جرس الجرة” الصادرة سنة 1963، و  أعمالا أخرى لا تتسع هذه الدراسة البسيطة للإحاطة بها. إن النقد الأدبي الذي أنتجته المرأة  في الغرب لم يَرُمْ فقط مقاربة الأعمال الإبداعية المعاصرة مثل التي ذكرنا قبل قليل، بل إنه سعى أكثر من ذلك إلى العودة للوراء قصد إعادة تقديم مجموعة من الروائع الكلاسيكية بوعي مختلف، و الأهم إعادة تقديم هذه الأعمال من وجهة نظر الأنثى  كناقدة انعتقت من هيمنة النقد الذكوري لتوها.

يتعلق الأمر في تشكل الخطاب النقدي النسائي بجعل قضايا المرأة المعبر عنها إبداعيا تثار من جديد لأجل التأصيل لنظرية’ نسائية’ ممكنة ، و هذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه بعض هذه الكتابات النقدية. و  مع الخروج من مرحلتي الستينيات و السبعينيات لم يقتصر الأمر فقط على التعبير عن المعاناة و إثبات الوجود  و إسماع الصوت في مجال احتكره الرجل لعقود، بل حاولت الأنثى الكاتبة لاحقا أن تشخصن إبداعها لتحرير ذاتها من الأوهام و الترسبات التي التصقت بها طيلة قرون.

 

 

خاتمة:

 

 لقد سعى الخطاب النقدي الذي أنتجته المرأة في الغرب خلال سبعينيات القرن الماضي إلى تحرير الكتابة الإبداعية النسائية من الشوائب الأيديولوجية و التهم التي ظلت لصيقة بها، حيث لم تنتقص الكتابة النقدية النسائية من كتابة المرأة لأجل الموهبة، بل اعتبرت أن هذه الكتابات و إن شابتها نقائص فالسبب يعود بالأساس  إلى عدم استقلال المرأة ماديا و إلى  نقص في الاستقرار و عامل الوقت الذي لا يخدمها بتاتا، بحكم الدور التقليدي الذي تقوم به إضافة إلى الأدوار الأخرى التي اصطنعها لها الرجل باسم الثقافة و الايدولوجيا و أشياء أخرى.

كما أن البوادر الأولى التي ساهمت في تأسيس النقد الأدبي لدى المرأة قد نهلت من التصورات الأخلاقية التي عرفها المد التحرري للشعوب و الأقليات خلال تلك الفترة من القرن العشرين ، حيث غذت الفكر الإنساني بكل ما من شأنه تصحيح مسار مجموعة من المغالطات التي ظلت لصيقة بكتابة المرأة و بإنتاجها الأدبي.

 

الإحالات و الهوامش:

 

 


[1] -  Helen Carr, A History Of Women’s Writing, Feminist literary criticism, Cambridge university press, 2007. 1st published, p : 120.

  [2] – عبد الله الغدامي، المرأة و اللغة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت طبعة 3 2006 ص 30.

[3]-  Helen Carr, A History Of Women’s Writing, Feminist literary criticism, Cambridge university press, 2007. 1st published, p : 12.2

[4] – نورة الجرموني، تطور متخيل الرواية النسائية العربية، مجلة الراوي، عدد 22، ربيع الأول 1431 هـ/مارس 2010، ص 95/96.

Be Sociable, Share!


التعليقات

replica watches for sale بتاريخ 17 يوليو, 2013 الساعة 3:59 ص #

الأبعاد السياسية والطقوس الأولى للنقد بلغة الأنثى:


وي كير جيرماني بتاريخ 16 يوليو, 2014 الساعة 1:26 م #

مشكوور

مدير موقع وي كير جيرماني


نقل عفش بتاريخ 16 يوليو, 2014 الساعة 1:30 م #

مشكوور
مدير موقع نقل عفش


Mysurprise بتاريخ 1 سبتمبر, 2014 الساعة 1:19 م #

مشكوور
مدير موقع Mysurprise


Mysurprise بتاريخ 1 سبتمبر, 2014 الساعة 1:32 م #

مشكوور

مدير موقع وي كير جيرماني


شركة تنظيف بتاريخ 20 أكتوبر, 2014 الساعة 2:48 م #

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash