مارس
10
في 10-03-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محـمد الكرافس

العرب أونلاين


اتسعت رقعة الثورة  الشعبية عبر ربوع  العالم العربي لتشمل دولا كان يقول أصحابها أنهم بمنأىعن السخط الشعبي الذي جرف نظامي بن علي و مبارك في طريقه الهائج ، حتى أصحبت قاب قوسينأو أدنى من جرف علي عبد الله صالح و مجرم الحرب الكذافي و أنظمة أخرى مرشحة هي الأخرى للسقوط .لو تأملنا هذه الصورة في الوطن العربي ، الوطن الذي كشر فيه حكامه عن أنيابهم وهم يعتقدون أن الشعوب لا تستطيع الحراك لأنهم خدروا نخبها السياسية بمجموعة من الطرق من أبرزها الإغراءات لذوي النفوس الميتة والملاحقات من طرف الأمن و المخابرات لذوي المبادئ الثابتة و هي صورة مقيتة حين تصبح الدبابات و القوات الوطنية التي مهمتها الأساسية  الحرص على أمن الدولة من أعداء الخارج فإذا بها تصير ألعوبة في أيدي النظام الذي يأمرها بتوجيه فوهة  مدافعها  وقمع الشعب و حماية النظام الديكتاتوري من السقوط و هو حال الكذافي و غيره ، هذا الرجل الذي يحكم ليبيا بلا  مؤسسات دولةو يضحك على الشعب الليبي بمهزلة  اللجان الشعبية و  مقولة “الشعب يحكم نفسه بنفسه ” طوال أكثر من أربعين سنة ، مهزلة دكتاتور و مجرم حرب في  دولة غنية بتروليا و طاقيا و لا يصل إلى  الشعب إلا الفتات من ذلك .

إن ما يقوم  به الكذافي اليوم  من قصف للمدن الليبية بالمدفعية الثقيلة و القصف الصاروخي يثير الدهشة حقا من الفعل الإجرامي  لهذا الرجل الذي طالما نوم الشعب العربي بمواقفه المزيفة و خرجاته الإعلامية و السياسية عن العادة و التهجم على الغرب و إسرائيل بأسطوانة مشروخة سرعان ما تهاوت على مطالب الحرية و الكرامة الليبية.

فالشعب الليبي لا يثور من أجل لقمة عيش مادام يتوفر على دخل فردي سنوي معدله يتجاوز 10 آلاف دولار سنويا و مزايا أخرى ،  و إنما المسألة هنا مسألة كرامة و حرية و ثورة من أجل بناء المؤسسات الحقيقية و دستور يضمن للشعب حقوقه و ليس هذا المسخ المشوه الذي ألفه العلامة الفهامة الكذافي و الذي أتحفنا بتسميته ب “الكتاب الأخضر” الذي لا يملك من الخضرة إلا الاسم و الذي سرعان ما أبان عن أنيابه و تحول إلى ذئب أحمر يفترس المواطنين الليبيين الأبرياء و يرتكب المجازر الفظيعة بحقهم.هذه المعطيات تجعلنا نتوقع أي سيناريو مستقبلا في ظل غياب شروط حقيقية وتوافقية  تضمن حماية  قانونية للشعوب  و تتمثل بالأساس في مؤسسات ديمقراطية حقيقية تضغط بقوة ضد من يريد المزايدة أو من يريد استغلال سلطته لصالح نفوذه و هي المؤسسات ذاتها  التي تفرمل من يريد الاقتيات على اللحم الآدمي و تبييت المكائد للشعب.المسألة الأخرى المثيرة للقلق في هذه الظرف الاستثنائي هي النفاق الغربي المقزز و الذي أبرز على مدى الثورة العربية التي شرعت في الإطاحة بأزلام العصور القروسطية ، تورط هذا الغرب المنافق في المؤامرة على عدة أصعدة من قبيل التستر على القمع و قهر الشعوب ليس حبا في سواد أعين الأنظمة و لكن حبا في بترولهم و ثروتهم، و يوم ينتهي دورهم في المنطقة  يقلب عليهم الغرب الطاولة .

قصة الكذافي- كما يسميه الليبيون-  تبدأ قبل تصالحه مع الغرب و كيف كان يصعد و يلهي الشعب على مدار عقود  بملهاة أن ليبيا مستهدفة من الغرب و كل ذلك لتلهية الشعب الليبي عن قضاياه الأساسيةو تحسيسه بضرورة الوحدة الوطنية ضد الغرب/الشر بمفهوم الزعيم الخالد الذي حانت ساعة قطافه.لكن بعد ذلك قدم مجموعة من العطايا لهذا الغرب قصد المصالحة و أمطره بتنازلات خاصة مع إيطاليا العدو الأول للثورة الليبية اليوم و التي يشتبه في ضلوع مسئولها الأول  المتطرف المتصهين” برلسكوني” في قصف الليبيين بالطائرات الإيطالية .

إذا تأملنا هذا الوضع  لا نملك سوى القول بأن  السحر انقلب على الساحر ،  و هو السحر الذي لم يعد  ينفع معه الكلام المعسول الذي يشبه إلى حد كبير كلام زعماء العصابات   و الذي يغلفه الكذافي بتوظيفه للمرتزقة الأفارقة  في البطش و كبح  جماح الشعب الليبي الأعزل  و هي ليست عادة جديدة لدى الرجل الذي سمى نفسه ملكا لإفريقيا وكان يتقرب منها أكثر و أكثر حيث سبق له أن  تآمر مثلا  على الوحدة الترابية للمغرب خلال السبعينات لكنه لم يفلح آنذاك  و هو ما يفسر لنا اليوم سر هذا التقرب المشبوه لتعود  حليمة إلى الفن الذي تتقنه ؛  هذه المرة فن  قتل الليبيين و ترويعهم و هو الخطاب السخيف  الذي نلمسه من الكلمة التي وجهها نجله سيف الإسلام يوم الأحد  الأخير  وفيه هدد الليبيين بوقاحة  إما  بقاء الكذافي و إما الحرب الأهلية  حيث شرعت المدفعية الثقيلة  في تنفيذه  حسب وكالة رويترز.

هذا الخطاب حمل إلى الغرب نفس النبرة المغلوطة  التي استخدمها مبارك قبل تنحيه عن السلطة ،إذ أن ابن  الكذافي لم ينس أن يحذر الغرب من قيام “إمارة إسلامية” جنوب  البحر الأبيض المتوسط  في بنغازي على بعد نصف ساعة من إيطاليا كما يقول و لم ينس  العزف على وتر ما يسمى ب”التطرف الديني ” و إثارة  العاطفة  التي تلجم الأمريكان بالخصوص  و لكنها نبرة خالية من رائحة الإقناعو أسطوانة فاسدة بات يرفضها  الشارع الليبي و معه العربي جملة و تفصيلا منذ قيام شرارة تونس التي أظهرت بالملموس هشاشة الأنظمة و سرعة تهاويها مثل أوراق التوت.

من جهة أخرى، تتبع الأجهزة الحاكمة نفس المقاربة في قمع الثورة :  حصار تداول المعلومات في وسائط الاتصال البديلة عن الوسائط الرسمية ،البدء بالتضييق على خدمات الإنترنيت و إيقافها، قطع  خدمات الهاتف عن المواطنين، منع الإعلام الأجنبي من مواكبة الأحداث ، منع الصحفيين من القيام بدورهم في التغطية، خلق فئة من البلطجية التي تشكلها وحدات الأمن بزي مدني ، منع قناة الجزيرة بالذات و التشويش على التقاطها ، التزوير الإعلامي المحلي و المغالطة في تغطية الأحداث و ذلك راجع إلى كون وسائل الإعلام العمومية تعتبر بمثابة بوق لأنظمة الطاغوت التي تقتات من سمها الفاسد وتتهم المتظاهرين بالعمالة لأجندة خارجية، ثم في الأخير العمل على إثارة النعرة الطائفية و محاولة الدفع في اتجاه خلق حرب أهلية.إذن كل هذه الوسائل غير المشروعة  التي تستعملها هذه الأنظمة لم تعد مجدية ما دام الوضع العربي الراهن لن  يسمح لهؤلاء مجددا  بحبس أنفاس الشعب و التضييق عليه ، كما يجب على النخب السياسية أن تتوقف عن التآمر على الشعوب و محاولة تلميع صورة الأنظمة  العاجزة  و هي إلى حد ما متواطئة معها  لأن الكل بات يعي أن نضج الشعوب  يخترق كل الطابوهات الحمراء التي تكرست و  يرتفع سقف المطالب  في هذا الوطن العريض الذي يستحق أكثر من هكذا أنظمة و يستحق فعلا أن تكون سلطته التشريعية أقوى سلطة و هي رمز الديمقراطية الحقة، و ليس ديمقراطية الذل التي ذبلت ملامحها من كثرة استعمال مساحيق  التجميل .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash