فبراير
18

بقلم : محـمد الكرافـس

جريدة ” العرب” الدولية 13/02/2011

صحيفة “الوفاق”الإيرانية 16/02/2011

******

بدأت بوادر انهيار المخطط الأمريكو- صهيوني  في الشرق الأوسط تتشكل في الأفق خاصة مع  ظهور جيل جديد من الشباب في البلدان العربية ، جيل يؤطر ذاته بعيدا عن دواليب السياسة و لا يؤمن بالتبعية الأيديولوجية  و  يؤمن بضرورة التخلص من التبعية المخزية للغرب التي انتهجها النظام العربي ، النظام الذي نسي في يوم من الأيام انه يتولى إدارة شؤون الشعب و ليس إدارة شؤون أمريكا في المنطقة.

منذ تنظيرات كوندوليزا رايس و تخطيطات  رامسفيلد و الشرق الأوسط يعتبر بمثابة حقل تجارب حول نوع السياسة التطويعية التي يجب انتهاجها  قصد  تطويع شعوبه و إخضاعها في ظل استمرار تقوي العدو الصهيوني الذي يعتبر الخاسر الأكبر من انهيار أكبر الأنظمة العميلة للحلف الأمريكو – صهيوني ، حيث لوحظ استنفار النخبة الإسرائيلية لكل قواها  في إطار محاولة الالتفاف حول الثورة المصرية و الدفع باتجاه تخويف الغرب من احتمال تولي الإخوان المسلمين للسلطة و بالتالي انهيار جبهة عربية خارجية موالية لإسرائيل و مفرملة للرغبة العربية في اتخاذ قرارات تعيد للأمة كرامتها.

لقد انتهج مبارك منذ توليه سياسة تخريبية للعقيدة القومية التي بناها عبد الناصر و ذلك  رهين بقتل  الممانعة العربية  و تزييف وعي جمعي عربي حول القضية و هو ما سمعناه البارحة من الرئيس الصهيوني شيمون بيريز الملطخة يداه بدماء الفلسطينيين الأبرياء حين أمطر مبارك بالمديح و الإطراء

و الرضا  و اعتبره من  أقوى الحلفاء، فهكذا يكون خدام الامبريالية الصهيونية وحين  يطرد مبارك من مصر من المحتمل جدا أن يستقر في إسرائيل التي ستستقبله بالورود و الرقصات ، ستستقبل خادمها الأمين خلال ثلاثة عقود و لم لا تقيم له تمثالا نظير تقويضه للقومية و الكرامة العربية   و نظير تآمره على الشعب الفلسطيني و   قطاع غزة بالخصوص .

إن التاريخ  لا يحتمل الكذب  يا كوندوليزا رايس  و أنت تقبعين الآن في قمامته، أظهر هذا التاريخ  أن تخطيطك مفلس أمام قوة الشعوب، و أن استعداء الجماهير و التآمر عليها مع الأنظمة العميلة ليس مفتاحا للاستقرار، و قد كذب التاريخ أمريكا فيما قبل حيث لا ننسى أن  أهم حلفاء الغرب  في بلاد فارس الذي هو  شاه إيران كان يقول عنه نظام عبد الناصر أنه خائن حتى انقلب عليه طلاب الثورة الإسلامية   و صارت الأمور منقلبة اليوم  بحيث أصبح النظام الإيراني معاديا لأمريكا و صار في مصر نظام عميل لم تشهد له العمالة و التبعية المخزية  للغرب في التاريخ مثيلا.

إن ما كانت تنظر  له رايس في  هندستها لشرق أوسطي كبير ، حمل اليوم عيدان لـَحْـدِهِ شباب الانتفاضة المصرية  و التونسية قبلهم ، حيث أن التحرير و تخليص القضية الفلسطينية من براثن النفاق الغربي بتعبير المفكر العربي عبد الباري عطوان يجعل هذا الغرب يتنازل عن نفاقه و نظرته للأمور بازدواجية.

و من ذلك نستشف أن القضية الفلسطينية لن تحل حتى يتحرر العرب من أنظمة العمالة للغرب و الذي يتستر على دهس القيم و حقوق الإنسان مقابل خدمة مخططاته و مصالحه الاستراتيجية في المنطقة ككل.

فلو كان الأمر في بلد آخر غير مصر، لكانت أمريكا قد هاجت و ماجت و شحذت همم حلفائها حول ضرورة التدخل ، لكن لغة الخشب الأمريكية و التخبط في التصريحات بين أوباما و كلينتون و موفد

الإدارة الأمريكية إلى مصر يظهر بالملموس  أن هذا الغرب لازال  غير مستعد للتخلي عن أهم خدامه الأوفياء ، بل يدير ظهره لصوت الشعب المصري المدوي و المجلجل  و للأنباء عن قتل الصحفيين و مطاردتهم و يستمع فقط  للتخوفات الآتية من تل أبيب و التي جعلت الصهاينة في موقف لا يحسدون عليه.

إن الاستقرار الذي تنشده أمريكا و من يدور في فلكها  في المنطقة بمفهومها و مقاربتها  لن يكون هذه المرة ضد  رغبة الشعوب ، بل  يمر بالأساس من بوابة الديمقراطية  و الكرامة و احترام مشاعر الآخر بدل محاولة  تطويعه و تجويعه و هو ما ولد حقدا دفينا في نفوس الشباب العربي الذي لم يعد قادرا على الاستمرار في المعاناة و اجترار ويلات الخيبة و التبعية بينما الغربي يرسم إحداثيات وعيه و يتلاعب بجينات هويته بل و يفرض عليه  اتباع  نسق معين للحكم كله إذلال و خنوع.

فلينصت النظام العربي لصوت شعبه و لو مرة واحدة بدل الاستهتار به و التآمر عليه مع مخابرات الغرب التي تتدخل في كل صغيرة و كبيرة  في هذا الوطن المكلوم الذي استفاقت أجياله الجديدة من الوهم و الخوف و هي أجيال لها مطالبها التي تتعدى الآفاق الضيقة التي يرسمها التضييق على الحريات ؛ أجيال  تتواصل فيما بينها  و تتقصى الأخبار من وسائط إعلامية جديدة بديلة عن الوسائط الملجمة لأفواه الشعوب التي تمتلكها الأنظمة .

و في إطار آخر بدأ النظام المصري في  وقت معين بتصدير كذا مليون متر مكعب من الغاز يوميا  إلى إسرائيل بينما المصريون يقضون أيامهم في طوابير طويلة بحثا عن قارورة غاز طائشة، فهل بهذا الاستخفاف بالمواطن و مساعدة العدو نستطيع كسب ثقة الجماهير العريضة؟

لقد أفلست تنظيرات رايس و من  كان يسعى لاستضافتها في شرم الشيخ ، هذا المنتجع السياحي الذي ارتبط في المخيلة العربية و الوعي الجمعي للذاكرة العربية بالمؤامرة و طبخ ملفات و “كولسة ” مواقف معينة تخرج في النهاية مخجلة متعثرة في سذاجتها،حيث يستبلد النظام العربي مواطنيه و يحاول دحرجتهم عبر لعبة القبول بالأمر الواقع إلى الاستكانة و الجمود، لكن هذه المرة اختلطت عليه الأوراق

و قلبت عليه الشعوب الطاولة  حيث كل شيء يتم الصبر عليه إلا الحرية مادامت هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لتشكيل  معالم الانتقالات و التغيرات الجذرية عبر التاريخ في مجموعة من المجتمعات .

إن سنة 2011 ستكون سنة عربية بامتياز حيث من المرجح أن يعرف العالم العربي كله ثورات و انتفاضات الشعوب ضد الأنظمة السياسية،  و هي مقاربة تبدو إلى حد ما كرد فعل ضد المقاربات الغربية للشرق الأوسط حيث لم يخل اجتماع كبار القوم  في ألمانيا من محادثات حول هذا الملف الشائك الذي يشغل بال أمريكا و يؤرقها أكثر، على الأقل منذ تخلصها من عدوها اللدود : نظام صدام حسين  في العراق .

على هذا الأساس أصبح  هذا  الغرب يجنح  دائما  في فرض سيطرته إلى الاتجاه شرقا، شرق أوربا فيما سبق و الشرق الأوسط  اليوم و ذلك كنوع من بسط نفوذه على مناطق العالم وتطويعها و إيجاد أنظمة عميلة تحافظ على مصالحه  و إسرائيل نفسها تدخل ضمن هذا التنظير و زوالها مرتبط بالأساس بتحرر المجتمعات العربية الإسلامية من ربطة الاستعباد الداخلي و إسكات الأصوات بطريقة أو بأخرى بل وصل الأمر حتى إلى خلق أصوات مأجورة  تنادي و تهتف لهذه الأنظمة، هي أصوات تقتات على احتياجات الفقراء و أمية البعض و على احتكار وسائل الإعلام المحلية.

لقد قدم الفايس بوك و الانترنيت و المنتديات الاجتماعية اختراقا حقيقيا للخطاب السياسي الأوحد التي تروجه الأبواق الرسمية   في وسائلها  و التي لا تعبر بتاتا عن صوت الشعوب بقدر ما تركز على خطاب النظام العربي  الذي من كثرة تكراره يسعى إلى القيام بغسيل دماغ الشعب العربي و تدجين لاءاته

من جهة و من جهة أخرى، فالمتأمل لتغطية القنوات الغربية كذلك يلمس  طبيعة الخطاب الفكري المراد إيصاله  و الذي يتناغم مع مؤسسة الأدلجة السياسية الغربية التي لا ترى فينا سوى سوق استهلاكية عريضة لبيع  السلع ؛ مؤسسة لا ترى في العرب سوى بدو همج  يتيهون في الصحراء و يركبون الجمال و هي البروباغندا المغرضة التي تحاول تسويقها عبر وسائل  مشبوهة  و مملوكة بخيوط “كراكيزية”  لجهات تابعة للنفوذ الصهيوني.

الرئيس الأمريكي أوباما يقدم تصريحات بمقاس ميليمتري و يزن كلامه مخافة أن تنفلت الأمور من يده

و يسخط عليه مراقبوه في تل أبيب و لذلك يستمع بأذن صاغية لإسرائيل و يعطي لصوت الشعب العربي أذنا صماء ، مادامت الأولوية و المصلحة العليا هي لإسرائيل الخاسر الأكبر من الثورة العربية المجيدة استراتيجيا و اقتصاديا و سياسيا.

و يوم يتخلص الشعب العربي من تبعيته للغربي و من عمالة أنظمته، و يوم تصير مواقف ساسته متناغمة مع مواقف الجماهير التي تنشد فكرا تحرريا من الطغيان، آنذاك يمكن القول أن صوت إسرائيل سيصير مبحوحا عبر العالم  و لا بوق له مادامت أصوات الشعوب العربية تصدح فوقه عالية في الآفاق.

أما التغيير المهزلة  الذي أقدم عليه النظام المصري من خلال إقصاء وجوه في الحزب الوطني و تغيير وجوه في حكومة جامدة فيشبه إلى حد كبير تغيير فردة حذاء بأخرى بدل تغيير اللباس كاملا داخليا و خارجيا ، حيث أننا نعلم جميعا طبيعة الدساتير العربية التي تساوي خردة حقيقية في سوق الحريات و حقوق الإنسان و حقوق المواطنة مادامت تضمن للحاكم –الرئيس حصانة ضد كل الأعراف و الحقوق المتفق عليها و من يقرأ هذه الدساتير يصاب بخيبة أمل في مسألة التداول على السلطة التي هي مبدأ الديمقراطية الحقة ، كما أن الحكومات العربية ما هي في الحقيقة سوى حكومات إدارية لتصريف الأعمال و ليست حكومات سياسية تملك سلطة القرار حتى و لو صوت عليها الشعب  بأكمله، لأن سقف اشتغالها محدود بطبعه و لا تستطيع أن تتجاوز ذلك السقف.

المصيبة الأخرى هي الفساد المستشري  و الذي أصبع قطاعا  نسقيا يبتلع خيوط الاقتصاديات العربية

و يلهف  عائداتها و يجعلها تصب في مصلحته حيث بتنا نسمع عن مداخيل مهمة  في كذا و كذا بينما لا يلمس المواطن العربي من ذلك سوى لهيب الزيادة في الأسعار و الضرائب و غلاء المعيشة . و المثال هنا  هو الزراعة  التي تم إقبارها في مصر و هي التي ارتبطت في تاريخ الوجود البشري بكون المصريين من أول الشعوب التي زرعت و أخرجت من الأرض بقلها و  ثمارها؛ مصر البقعة الطاهرة التي يمر فيها أكبر نهر  في العالم تعاني أزمة غذاء بفعل سياسة عميلة أدخلت البلاد في تبعية عمياء لأمريكا  مقابل معونة سنوية .

في الأخير، تجدر الإشارة إلى أن الشرق الأوسط بما هو عليه من ثروة طبيعية و طاقية و بشرية اليوم، يتجاوز كل التنظيرات المشؤومة التي دعت إليها  كونكوليزا رايس ، حيث الشعوب العربية أعلنت صراحة شهادة وفاة هذا المخطط الأمريكو- صهيوني بمطالب  باتت تتجاوز هذا الجمود و الاستعباد  السياسي الضيق إلى الانعتاق و  الكرامة و العدالة الاجتماعية و الاستفادة المباشرة من الثروات و هو مؤشر صريح على ضرورة استفادة أمريكا من هذه الدروس ، دروس يكتبها الشعب  بمداد التضحية على جبين التاريخ و لا تمحي أبدا  بمرور الدهر.

Be Sociable, Share!


التعليقات

replica watches for sale بتاريخ 17 يوليو, 2013 الساعة 4:12 ص #

ستستقبله بالورود و الرقصات ، ستستقبل خادمها الأمين خلال ثلاثة عقود و لم لا تقيم له تمثالا نظير تقويضه للقومية و الكرامة العربية و نظير تآمره على الشعب الفلسطيني و قطاع غزة بالخصوص


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash