فبراير
05
في 05-02-2011
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 31/01/2011

أظهرت الثورة المصرية  أن الشعب العربي مجددا  ليس جامدا مفرمل التفكير كما نظّر له مجموعة من الغربيين ذوي التوجهات غير البريئة حيث الأنظمة القمعية من قبيل نظام مبارك وبن علي  و من والاها كانت تغذي هذه الافتراضات إلا أن  جرت رياح التاريخ نحو تكريس الحق و لا ندري كيف ستكون مكانة  مبارك و بن علي و من سيسقط بعدهم،  في ذاكرة الشعب العربي الذي لن يرضى بأكثر من محاكمتهم و رميهم في مزبلة التاريخ بعدما  بدأت تلفظهم الجغرافيا العربية واحدا و احدا  بضربات الكرامة و العدالة الاجتماعية و كسرة الخبز الضائعة .

هؤلاء الحكام الذين يجثمون على صدور الشعوب العربية لم يتوانوا  قط عن تسخير آلاتهم القمعية مع المزيد من التفنن في المحاصرة و ليس اليوم شعب عربي حر أكثر من تونس و مصر  و إن كان لكل شعب خصوصيته و لكن الديماغوجية التي  تنادي به هذه الأنظمة و محاكمة كل من ينتقدها بتهمة الإرهاب بالنسبة للإسلاميين و تهديد أمن الدولة بالنسبة للآخرين هي تهم مجانية ما دامت ذراع القضاء في مجموعة منها  ملوية من طرف الأنظمة السياسية التي أفلست و  لم تعد قادرة على تجديد خطابها  رغم حملات التلميع الديماغوجية التي تسوقها ليل نهار عبر أبواقها الإعلامية إن لم تكن هي نفسها أصبحت تعطل السير التنموي لبلدانها من خلال السطو على قطاعات  بأكملها    و خيرات الدولة.

لسنا هنا بصدد تعداد انتقادات لهذه الأنساق السلطوية بقدر ما نحن نرصد تصورها للحكم و هو تصور خاطئ لأنه يعتمد الإكراه بدل السلطة الناعمة بالمفهوم الفوكوي حيث الدولة في خدمة الشعب و ليس الشعب في خدمة السلطة كما يظهر بالعيان في أنظمة الدول العربية التي تبلور تصورا يحافظ على مصالحها و امتيازاتها.

الوجه الآخر لبدء تهاوي الأنظمة العربية هو اقتسام أبناء الشعب العربي لنفس المعاناة  خبزيا و  حقوقيا لاسيما على مستوى الطبقة المتوسطة التي لم تعد قادرة على مجاراة الارتفاع الصاروخي للأسعار و التحقت هي الأخرى بالطبقة الكادحة  المتسعة ،فكانت الثورة  التونسية و بعدها المصرية ثورة خبز و كرامة و انتفاضة ضد الجوع و الذل معا على حد تعبير المفكر العربي د.عزمي بشارة.

و ليس تسويق صورة التنمية الاقتصادية المغلوطة هو من يمكن تحقيق السلم الاجتماعي إذا لم تصاحبها عدالة اجتماعية كرامة و شعور  و الأمان و بالمواطنة الحقة بدل هذه الشعارات الرنانة التي تطلقها حكومات عربية لا تملك غير السمع و الطاعة و لا تطبق منها سوى منظومة تخويف الشعوب.

لن يستمر النظام الرسمي العربي طويلا إن آجلا أم عاجلا إذا لم يتصالح مع مواطنيه على مستوى الكرامة  لأن مفهوم الدولة الراديكالي التسلطي مفهوم متجاوز في وقتنا هذا إذا لم تكن في نية الدولة الشعور بخدمة الشعب و تسيير شؤونه  و إشعاره بالحق في ثروة البلد و ليس السهر على أمن الأنظمة و مطاردة كل من ينتقدها لإطالة عمرها.

لقد أثبتت الحالة العربية في تونس و مصر  اليوم أن الضغط يولد  الانفجار لاسيما حينما يتعلق الأمر بالحريات ليس كلغة إنشائية يتم ترويجها من قبل أبواق الدعاية الرسمية التي تطبل و تزمر ليل نهار لأنظمة متسلطة و لكن أن يلمسها المواطن كسلوك في الشارع ،في الإدارة،في كل مكان ، أن لا يشعر بالخوف ،الخوف من المجهول كظل يلازمه و هي حالة المواطن العربي المرعوب من أجهزة الشرطة و الخوف من مصير لا يعرفه.

و الرعب في الوطن العربي متبادل  حيث النظام العربي الرسمي  بدوره  أصبح مرعوبا هذه الأيام  من تصاعد الرفض ضده و يجتهد كل يوم من أجل تطوير أساليب تطويق و تزييف الوعي الجمعي لدى الجماهير.

حتى الغرب الذي كان يسكت على هذه الأنظمة لم يكن  يفعل ذلك حبا فيها  و لكن لأنه كان يعي تماما مدى استفادته منها وهي تراعي مصالحه مع العلم أنه قادر على التخلي عنها في أي لحظة و رميها في خردة التاريخ  إذا  رأى بوادر ثورة كما حدث لبن علي صديق فرنسا  الدائم و الذي رفض ساركوزي حتى استقباله  فكان أن لفظه التاريخ  بعدما لفظته الجغرافيا في قمامة الطغاة..

لم تنجح لحد الساعة الخطط الاستنزافية التي شنتها الأنظمة العربية على شعوبها منذ خروج المستعمر الأجنبي و ظهور  المستعمر المحلي في إطار  استنزاف الثروات و قمع الحريات، فبقي المواطن العربي  يصارع قوت يومه و لم ينسى أبدا أن يطالب بحريته المسلوبة و لو بشكل موسمي.

اليوم نستطيع أن نقول أن النضج و الوعي العربيين قد بدءا في التشكل مع تحقق وعي حقيقي لدى الشباب  و ارتفاع سقفهم المطلبي و مثقفين ملتزمين شريطة أن يبتعد عنه أشباه المثقفين الذي يقرعون أنخاب السكر مع أزلام الأنظمة ليلا و في الصباح  يتشدقون بكلمات مفضوحة تحاول أن تدجن الشعوب و كدلالة على التنصل من مبادئهم و لبس عباءة تروج الخطاب الرسمي لأنظمة دخلت منذ مدة مرحلة الموت الإكلينيكي.

Be Sociable, Share!


التعليقات

replica watches for sale بتاريخ 17 يوليو, 2013 الساعة 4:07 ص #

الاجتماعي إذا لم تصاحبها عدالة اجتماعية كرامة و شعور و الأمان و بالمواطنة


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash