ديسمبر
02
في 02-12-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

sijmatin@yahoo.fr

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي 26/08/2010

حوار الحضارات هو خلاصة مجموعة من المقالات و الأبحاث التي قام بها المفكر المغربي د.المهدي المنجرة قبل عقود لما كان يومئذ مسؤولا في الأمم المتحدة و هو استباق فكري  من مفكر  المستقبليات  الذي ينتمي إلى ثقافة دولة من دول الجنوب و هو كذلك المشروع الفكري الذي يتضمن الحفاظ على مقومات كل ثقافة دون الانصهار الكلي في ثقافة أخرى حيث تصير القيم نهجا للتقدم بالتوازي دون التدخل في خصوصيات الآخر.

لكن الغرب عقب انهيار المعسكر الشرقي كان له رأي آخر، حيث انه منذ 1993  بدأنا نسمع بنظرية صدام الحضارات و هو مذهب أطلقه المفكر الأمريكي صموئيل هتنغتون ليعبر عن الأفق المسدود الذي وصل إليه العالم بعدما أجهزت الرأسمالية على نظيرتها الاشتراكية المتمثلة في انهيار القطب الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك حيث أن العالم اليوم بزعامة أمريكا صار عبارة عن ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الأمريكي. و المقصود بالتوسعي هنا ليس التوسع الجغرافي الفيزيقي كما كان سابقا خلال عصر ما بعد  النهضة الأوربية الذي استعمرت فيه الدول  الغربية مناطق في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية و لكن هو امتداد من نوع جديد للأنا الغربية  في إحداثيات الآخر بحيث يصير اللباس و التغذية و الأدوية و حتى السلاح  تموضعا للغرب في هوية هذا الآخر المتخلف الذي لا ينتج شيئا بحكم مجموعة من العوامل الداخلية بالأساس.

الصدام ما بين الحضارات الذي تحدث عنه هتنغتون ما هو إلا تنظير لبزوغ السيطرة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي و هذا النوع  من التفكير هو  إلى  حد بعيد الدور نفسه  الذي كان يلعبه الاستشراق لتدجين المجتمعات الشرقية و لأجل  خلخلة بنية  الوعي لديها و تطويعها . و ما كنا  نسمعه  في الغرب من تنظير للتفوق  الغربي لا أساس له  لا بيولوجيا و لا أنتربولوجيا  و هو تنظير عرقي عنصري  في سبيل تكريس مزيد من  الفشل في دول (العالم الثالث) و تحسيس  الإنسان المنتمي إليها  بدونيته و عدم أهليته للقيادة ، و هي كلها تنظيرات تمييزية  لبقاء الامبريالية الجديدة و إطالة عمرها في السيطرة على العالم و الاستفادة من الثروات قدر الإمكان .

لكن هذا المنظور العنصري  سرعان ما تم الانقلاب عليه من خلال مجموعة من الكتاب و الأكاديميين مثل المفكر الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد الذي فضح الدور التخريبي للاستشراق ،فاستجابت لهذه الكتابات بعض المؤسسات الغربية تحت الضغط  و حولته  إلى” الاستعراب” و هذا النوع من الصمود مطلوب من المفكرين و العلماء المسلمين و العرب بدل الانصياع وراء التنظريات الغربية التي و إن  كانت تقدم  للبشرية نهجا علميا رصينا عن وعي ،  فإن بعضها عن وعي كذلك يقدم مناهج  فكرية غير بريئة أحيانا  لترويض مناطق غير خاضعة للتبعية  الغربية  بحيث يصير الفكر  وعاء وغطاء لشرعنة الممارسات السياسية المختلفة .

فالحركات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي و الإسلامي على أنقاض المشروع  القومي و العروبي المنهار  أعطت توجها جديدا لقطبية  العالم نحو محاربة الإسلام خاصة بعد  أحداث 11 شتنبر و هي البؤرة التي مازالت تبعاتها  إلى اليوم  تؤثث فضاء التكالب الغربي على الإسلام لما في هذا الأخير من قوة و  دعوة إلى العدل حتى أنه يمكن طرح سؤال عريض على أنفسنا و على الآخر: كيف نجح الغرب في  امتحان الازدهار و الرخاء الاقتصادي و الفكري بقوانين وضعية  يريد عولمتها و تصديرها إلينا ، في حين لازالت أمة العرب و المسلمين تغرق ذاتها وتحارب وجودها بأسلحة الجهل؟ و هي التي تمتلك القرآن الكريم كأسمى دستور للعدل و الكرامة الإنسانية على الإطلاق بشرط أن يتم استثمار  تعاليمه  لصالح الشعوب و ليس  في تحوير معانيه و  ليّ أعناق النصوص الدينية . إنه السؤال الوجودي الحقيقي الذي لا إجابة له إلا إذا  رأينا العلماء و المفكرين و الأكادميين  يقومون بدورهم الحقيقي و ليس الصوري كأنهم في متاجر الجمود و الغريب هو حينما ينظر (برفع الياء و كسر الظاء) – بعض- هؤلاء العلماء الذين قال عنهم الحبيب صلى الله عليه و سلم : ” إن العلماء ورثة الأنبياء” بغير ما  يقوله النص الديني مثل فتوى طنطاوي بجواز بناء سور على حدود غزة .أي  منطق هذا الذي يبيح حصار مليون ونصف و التواطؤ مع العدو ؟

نعم ورثة بالمفهوم العقلاني الذي يعني المحافظة على الدين و التصدي للفكر الغربي التخريبي للعقيدة و حمايته من الاستغلال لمصلحة الحكام بحيث يكون العالِم حكما و حاميا للإرث الديني و العلمي الرمزي الملقى على عاتقه.

إن مصيبة  العرب والمسلمين في ظل عولمة الفكر التي تنتهجها الامبريالية الجديدة هي في امية شريحة واسعة منهم  في ظل  إعاقة  نمو الأفكار و تداولها ، ثم في سوء فهمهم لدينهم و هناك اليوم على الصعيد العالمي بؤر حقيقية لقوة الدين الإسلامي و عزته قد لن تظهر في بلد عربي  بحكم عدم توفر شروط الأرضية الصالحة لذلك و هي الديمقراطية و العدل و الكرامة، حتى أنه قيل من بعض السلف  أن” الله ينصر الدولة العادلة و لو كانت كافرة و لا ينصر  الدولة الظالمة و لو كانت مؤمنة”. الإيمان نعم  لكن يجب  أن نجني ثماره و أن نلمس جدوى التدين كسلوكيات  قويمة تنعكس  في الشارع و في الحياة اليومية للناس لا أن يجمد الدين  و يتم حصره  في شعائر  و عبادات لأن وضع سبحة الإيمان في يد و الاستبداد و الظلم  في اليد الأخرى هو التناقض بعينه ، و الظلم حرمه الله سبحانه و تعالى على نفسه فكيف له أن يقبله  على الأرض من عباده؟

لقد نجح الغرب فيما مضى  لأنه اهتدى إلى العلم عبر ترجمة الفكر العربي الإسلامي انطلاقا من الأندلس و بنيت أسس التقدم الغربي بمقومات داخلية كالثورة على  القمع الكنسي و الإقطاع  لإقامة العدل و في نفس الوقت نهل من الجوار،من الحضارة  العربية الإسلامية و من الحضارة الإغريقية و هما رافدان أسياسيان لنهضة أوروبا ، أما خلاص  العرب و المسلمين فيكمن في التصدي للأفكار المعولمة التي تغزو مجتمعاتنا ، ثم في  الرجوع  إلى القرآن ليس كنص يقرأ في المناسبات و المساجد و لكن كنص إلهي ارتضاه الله لنا  ليكون مصدرا  للتشريع  ، ولينور العقول و يحبس السلوكيات التي من شأنها الإخلال بوجودية الإنسان (بالمفهوم الإسلامي و ليس  حسب وجودية سارتر أو هايدغر).

Be Sociable, Share!


التعليقات

entrümpelung بتاريخ 24 سبتمبر, 2012 الساعة 2:33 م #

اتمنى عرض المزيد من الموضوعات القيمة :)

entrümpelung
entrümpelung wien


cheap watches بتاريخ 16 يوليو, 2013 الساعة 3:36 ص #

اتمنى عرض المزيد من الموضوعات القيمة


replica watches بتاريخ 16 يوليو, 2013 الساعة 3:50 ص #

This is a good article, thank you share


replica watches for sale بتاريخ 17 يوليو, 2013 الساعة 3:55 ص #

للتشريع ، ولينور العقول و يحبس السلوكيات التي من شأنها الإخلال بوجودية الإنسان (بالمفهوم الإسلامي و ليس حسب وجودية سارتر أو هايدغر).

Be Sociable, Share!

Tweet
inShare

(3) تعليقات قراءة المزيد



أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash