سبتمبر
24
في 24-09-2010
تحت تصنيف (مقالات) بواسطة mohamedkrafess
   

بقلم : محمد الكرافس

القدس العربي/07.09.2010

صرح  قبل يومين نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته و الذي ذاق حلاوة الكرسي ، صرح بأن العراق “حصل اليوم على استقلاله” بعد انسحاب  القوات الأمريكية  و انتهاء العمليات العسكرية.

يبدو الأمر عاديا كأي تصريح رسمي لكن الغير عادي هو الحديث عن الاستقلال  مثل الحديث عن شيء  بسيط ، مثل الحديث عن البقالة أو ما شابه ، و الغريب أن  المالكي ينط مباشرة من تصريحه إلى عقد اجتماع مع جو بايدن نائب  الرئيس أوباما ليتباحث معه  حول تشكيل الحكومة العراقية.

تأملوا هذه الصورة الهزلية لرئيس وزراء انتهت مدة ولايته منذ شهور  في بلد يغلي على فوهة بركان، حيث إذا كان- كما يقول- أن العراق حصل على استقلاله فلابد له من إدارة شؤونه الداخلية بنفسه  بشكل تام. فمتى كانت الدول تتشاور مع دول أخرى في تشكيل حكوماتها؟

أنا هنا لست ضد المالكي أو غيره  و لكن الأمر واضح وضوح الشمس في أيام غشت كما يقول إخوتنا العرب. القضية معقدة بعض الشيء لكن الصورة واضحة وفاضحة. الرجل الذي حملته دبابة أمريكية على ظهرها إلى رئاسة الوزراء  لابد له أن يتشاور مع أولي العقد  و الحل في واشنطن الذين هم أولياء نعمته. و هو ما يجعله يحاول قطع الطريق على إياد علاوي الذي حصلت قائمته ” العراقية” على الرتبة الأولى في الانتخابات  و التي تخوله تشكيل الحكومة عرفيا و قانونيا و إذا كان الدستور هو المرجع فلابد من اعتباره كذلك بدل هذه المسخ  الذي ينسج بخيوط شائكة.

لم يبق للمالكي و هو يسبح في تناقضاته شيء غير الوهم الذي يحاول إرضاعه للعراقيين و طمأنة شركائه الخارجيين أن الأمور في يده.

فأمريكا حققت نسبة مهمة من مخططها الذي سعت له منذ 22 سنة (أي بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية) و هو إضعاف عراق صدام حسين و هدم ممانعته للغرب و إسرائيل ،كما  قضت مصلحتها في العراق بعدما  وضعت مغرفتها مباشرة في قلب  إناء البترول العراقي .و بعد اجتياح العراق هل وجدوا أسلحة دمار شامل لدى صدام كما كان يقول المسخ المشوه  بوش و قبله أبوه الطاغية و من تبعهم في غيهم ؟

طبعا تم نسيان  الحكاية بعدما أرجعوا العراق سنوات ضوئية إلى الوراء و كسروا شوكته  و افشوا فيه كل الأمراض السياسية  التي من بينها طبعا التناحر الداخلي و المصلحة الطائفية قبل الوطنية و لا أدل على ذلك  العجز عن تشكيل حكومة بعد شهور من الانتخابات و الطعون في مصداقيتها، و المالكي ماض في استنزاف  الوقت و التحايل على ولاية أخرى. كل ذلك جعل من العراق الذي  كان واجهة لبلاد العرب في العبور إلى آسيا ، جعلوا منه دولة معطوبة بين الحبو و محاولة الوقوف و  هم ماضون في إجهاض الحلم في أي يكون العراق مستقلا بمعنى الكلمة وليس  هذا الاستقلال المسخ المشوه الذي يتحدث عنه المالكي.

يا سلام على هذا الاستقلال العجيب الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الدول!

كأن لسان حال المالكي يقول:لقد حصلنا على الاستقلال لكننا نتشاور حول تشكيل الحكومة مع أمريكا التي تقيم بين ظهرانينا و مسئولوها يزورن العراق كما يزورون تكساس أو خليج المكسيك و بدو ن سابق إخبار..

أي استقلال هذا الذي تتحدث عنه يا رجل؟ و التفوه بمثل هذه الكلام  لا يدخل العقل و لا يقنع أحدا !

اتقوا الله في شعب كان مفخرة العرب و اليوم صارت صورته تبكي الغيورين، بعدما ترك لحاله و بعدما تكالبت عليه الأطماع الداخلية و الخارجية معا.

و هذا الكلام الذي يخرج من أفواهنا و  أقلامنا ليس حقدا على أشقائنا و لكنه دعوة لهم للاستفاقة من غيبوبتهم السياسية، فالعراق لا زال تحت مظلة الحاكم الأمريكي وهو الحاكم الفعلي للعراق و الاستقلال ليس كلمة سهلة تركب في جمل إنشائية ينطق بها أي كان، و لكن الاستقلال هو خلق هوية  سيادية قائمة بذاتها و ليس التأرجح بين الطائفية والمذهبية التي تغلب مصلحة الأفراد قبل مصلحة البلد، و محاولة زرع اليأس في النفوس بتبرير الحاجة إلى بقاء الجندي الأمريكي عند رأس كل عجوز و عند رأس كل صبي يلعب في الزقاق ،  بدعوى أن الجيش العراقي ليس جاهزا بعد لتقلد مسؤولية توفير الأمن و و ..

أما زيارة بايدن فهي حتما لتقاسم الأفكار حول مزيد من ضخ السموم في مخطط شيطاني يروم  تلهية العراقيين عن مصالحهم الحقيقية كما أنها  لا تخرج عن إطار التشويش على التوافق  السياسي من أجل قتل الرغبة في خلق إيقاع سياسي سليم و من أجل  الإجهاز على شرعية المؤسسات الدستورية و إفراغها من  مصداقيتها مع ترك فراغ كبير فيها و كذا إثارة النقط الخلافية و عدم ترجيح كفة على أخرى.

يجب ترك العراق لحاله حتى يسلك طريقه بنفسه ، يتلمس الطريق الذي يريده هو ، مقتربا من التوافقات الداخلية و مبتعدا عن الخيانة، فالذي يخون الوطن قد أتى إثما عظيما اسمه التآمر على المصلحة والهوية المحلية .

و تصريح المالكي لا يحمل في طياته جاذبية خاصة سوى أنه تصريح إنشائي  للجم  أفواه خصومه السياسيين وربما لتذكيرهم بأنه مازال رئيس الوزراء في ظل الفراغ السياسي و العجز عن تشكيل الحكومة  و الذي  يساهم  بنفسه في عرقلته .

أي” حاضيها  حراميها ” كما يقول المثل و هذه لعبة خطيرة لصيد مزيد من الدعم الغربي الذي يريد للعراق أن يكون الصدر الواقي لإسرائيل من المد الفارسي بعدما تحقق لأمريكا ما كانت تصبو إليه، عراق تائه في طائفيته ، متعثر في  صراعه السياسي ، مقيد بأصفاد الصراع الداخلي و خارج  التغطية عن إتباع الخطوات الرئيسية للنهوض من أزمته.

إنها مهزلة أن يطلب مسئول سياسي الدعم في تشكيل الحكومة من الخارج  كأن هذه البلاد ليس لها مرجع  دستوري أو عرفي ترجع إليه و يبين الأمور على حقيقتها ، و لا يزيفها.

ففي الوقت الذي تتخبط أمريكا في شرك إيران و شرك إسرائيل  التي تريد توريطها في حرب ،و في الوقت الذي تعاني قوات حلف الشمال الأطلسي أيما معاناة  على كل الأصعدة من مقاتلي طالبان و تريد الخروج كذلك من المستنقع الأفغاني بداية تموز القادم كما صرح بذلك قائد القوات هناك بيترايوس، في ظل هذه الظروف المواتية كان على العراقيين أن يستغلوا هذا الضعف الاستراتيجي لأمريكا و تخبطها في مشاكل تأمين مكانتها.

لا يمكن لبلد أن يكون مستقلا و مسئولو أمريكا يريدون حكومة بالرموت كنترول يتحكمون فيها عن بعد و هو ما تريده إدارة أوباما فعلا: أن تغادر العراق من بابه الواسع و تعود من باب ضيق اسمه خيط التبعية و تكريس صفقات مشبوهة للهف البترول و بقاء السيطرة الإستراتيجية على منطقة الخليج  و تأمين الحماية الجيوسياسية للثروة و لإسرائيل.

فالاستقلال يا مسيو المالكي كما تعرف و كما يعرف الجميع يكمن في القدرة على  اتخاذ القرار السيادي بعيدا عن الولاء لجهة ما و هو في النهاية  استقلال استراتيجي و كم من دولة في العالم تقول عن نفسها مستقلة و هي مستعمرة و تابعة للغرب بحكم الخنوع و عدم اتخاذ  قرارات سيادية إلا بعد التشاور  معه وهذه أذل أنواع التبعية. فهل بمغادرة الجنود الأمريكيين (ليس كلهم) يمكن القول أن العراق بات مستقلا؟

هذا كلام يعكس نوعا من القصور في التفكير و قلة النظر والتسرع، لأنه لا طريق إلى التحرر إلا بعد  أن يحرر  كل مسئول ذاته من الوهم الذي يعشش في دماغه و هذه حالة مرضية يعاني منها مجموعة من المسئولين السياسيين في الوطن العربي.

هل يمكن القول أن المالكي معذور في هذه الزلة الشيزوفرينية مع السياق العالمي  للأحداث؟

الخلاصة أنه لم يسبق أن أعلن مسئول سياسي في تاريخ الشعوب المتحررة استقلال بلاده دون أن يكون لذلك اليوم أثر عظيم في تاريخ البلد، بل يصير عيدا وطنيا و تكتب فيه الملاحم الحقيقية لنصرة الوطن   و لتحقيق ذلك للعراق  ينبغي طرد مصاصي الدماء العراقية و  مصاصي النفط دون استثناء .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash