سياسات الدفاع عن حقوق الإنسان/ بقلم: المحامي محمد حمدان

لا يختلط الزيت بالماء، فالزيت زيت والماء ماء حتى وإن وضعا في ذات الإناء، هذه هي حكمة الحفاظ على هوية كل شيء، وعدم مزج الشيء أو مساواته بالآخر عنوةَ، وكذلك الحال بالنسبة للحقوق، فهل تستوي الضحية مع الجلاد؟، وهل يستوي الميزان إن جلسا في كفتيه؟
تختلف الإجابة من منظور السياسة الحقوقية للمدافعين و المدافعات عن حقوق الإنسان وليس من منظور فكرهم ومعتقداتهم الشخصية، فأنا أجزم بأن الحقوقي والحقوقية هم حماة العدل وأنصار المستضعفين وضحايا الإنتهاكات، وأن عملهم الدفاعي مفيد للمجتمع أي كان مستوى هذه الإفادة، ومهما إصطدم هذا العمل الحقوقي ببعض المصالح الشخصية للمدافعين والمدافعات.
أما من منظور السياسة الحقوقية للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان فهناك مدرستين وهما مدرسة السياسة الناعمة والسياسة الحازمة، و يرى الحقوقيون من أنصار مدرسة السياسة الحازمة أنها مدرسة لا عنفية، لكنها تعتبر الضحية والجلاد خصمين متناحرين في حضرة العدالة الى أبد الآبدين و لا يمكن أن يساوى بينهما بالحقوق والمعاملة بأن شكل من الأشكال، وأن هذه المساواة المصطنعة تهز أركان العدالة وتضيع هوية القيم الفاصلة فصلاً حازماً بين الخير والشر، وأن تحقيق العدل يتطلب معاقبة الجناة، وإنصاف الضحايا خارج إطار المسايسة والتدخل الناعم، معتقدين بأن التدخل الناعم لن يحقق الردع للجاني، ولن يحقق الرضا للضحية.
في حين يرى أنصار مدرسة السياسة الحقوقية الناعمة، أن العدل لن يتحقق إلا بالتعاون الوثيق ما بين السلطة الشعب، ما بين الجاني والضحية، ما بين القوي والضعيف، وأن المهم حل المشكلة وليس توصيفها، ويوجهون الأسئلة بدون إرتباك، كيف نحمي حقوق الإنسان إن لم تتعاون السلطات الحكومية؟، وكيف نحمي سيادة القانون والأمن المجتمعي إن لم تتعاون السلطات الحكومية؟.
لكن نظرة المجتمع بفئاته الشعبية والفكرية تجاه مدرسة السياسة الحقوقية الناعمة لا تتعمق في فهم مقاصد هذه المدرسة، وإنما تتوقف عند بعض المشاهد المربكة والمثيرة للإستغراب، فهذا مواطن يرى مدافع و مدافعة يجتمعان بقائد سياسي، يتبادلون الإبتسامات والمصافحة الحارة، ثم يراهم ذاتهم في اليوم التالي يزورون الفقراء و يربتون على أكتاف المستضعفين فيصاب بالدهشة.
وهذه إعلامية ترى مدافع يستقبل المتهم بإرتكاب الإنتهاك ويحاوره، ثم تراه يستقبل ويحاورالضحية في اليوم التالي فيصيبها الذهول وتقرر كتابة مقال بعنوان”صديق الجاني والضحية”، وهذا ناشط سياسي يشاهد مشاركة على الفيسبوك ينتقد فيها أحد المدافعين قراراً ما لأحد وزراء الحكومة، ثم تغطي الصحف في الأسبوع التالي خبر إجتماع بناء عقد بين المدافع والوزير، فيفرك عينيه ليشاهد الصورة مرة أخرى، وهذه ضحية طلبت مساعدة المدافع وأن يقتص لها من المسؤول الأمني الفلاني، فيهاتفها المدافع بعد ساعات من مكتب المسؤول الأمني، فتصاب بالإرباك وتعتقد بأن المدافع موظف يعمل لدى ذلك الجهاز الأمني وأنه خدعها وغرر بها.
وبين تناقضات سياسة المدرستين وما تتركه من إنطباعات على الشارع والحراك المدني، تجدر الإشارة الى انه لا خسارة من تبني أي من المدرستين أو كلتيهما كمنهج لتحسين حالة حقوق الإنسان، اذ ان العمل الحقوقي هو عمل لا عنفي يستند الى القانون والإجراءات السلمية و السليمة، وأن أفضل الإسهامات في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان هي سياسة البناء على الإيجابيات، ونفض غبار السلبيات، ومحاورة الاطراف ذات العلاقة، والتأثير في أصحاب السياسات الخاطئة وتصحيح أعوجاجها، ودعم المبادرات والآراء المؤمنة بحقوق الإنسان
، فحماية حقوق الإنسان عملية سياسية ديناميكية تحتاج الى تخطيط وتفكير معمق، وفهم لطبيعة الحدث، وتحديد أفضل الطرق للتدخل، وإدارة حوار بين أطراف الحدث و الجهات الفاعلة والمؤثرة في حركة حقوق الإنسان على المستوى الوطني.
لكن التحدي الوحيد الذي يواجه أنصار السياسة الناعمة يكمن في مدى إلتزامهم بقيم ومعايير الدفاع عن حقوق الإنسان ونطاق السياسة الحقوقية، وليس الإتكاء على نعومة هذه المنهجية في التفريط بحقوق الضحايا، وتحقيق الامجاد والمصالح الشخصية، وغض الطرف عن إنتهاكات حقوق الإنسان لأغراض شخصية، فإن وقع ذلك كانت حقوق الإنسان أكبر الخاسرين.

 

عبيد الأحزاب بقلم المحامي محمد حمدان

الحزب السياسي هو فكرة جامعة يلتقي حولها مجموعة من الأفراد لتحقيق غاية سامية، وتستمد هذه الفكرة وجودها من حب الوطن وقدر أبنائه في الدفاع عنه و التضحية من أجله، فيرفع الحزب السياسي شعار الصالح العام فوق المصالح الفردية والفئوية، ويضع لتحقيق ذلك سياسات وأدوات محددة لكنها قابلة للتجديد بحيث توصل للاهداف المرجوة ولا تخرج عنها.

وفي علاقة الأحزاب السياسية ببعضها البعض نجد الصالح العام أكثر وضوحاً كونه يرتبط بالوطن ولا شيء غيره، و من الطبيعي أن تختلف الأحزاب في السياسات كونها إجتهادات ووجهات نظر قابلة للنقد والتقييم، ولكن يجب أن تلتقي هذه السياسات عند ذات الهدف، وليس من المستغرب أن نجد منافسة شديدة بين الاحزاب نحو من يعانق الوطن أولاً، ويحقق تطلعات الشعب، فيكون المجتهد هو الحزب، والفائز هو الوطن، والمستفيد هو المواطن.

و يوفر أي حزب سياسي مناخ ديموقراطي لتبادل الآراء بين أنصاره، فتطرح الأفكار والرؤى وتضرب ببعضها البعض ليتبلور أقربها للهدف وأنجعها للوصول اليه، وتذوب القرارات الفردية في الرأي الموحد للجماعة، ولا تقود الإختلافات بين الأنصار الى خلافات، بل يكون منطلق حججهم عظم المسؤولية وسمو الرسالة. فينتخبون زعيمهم المفدى اللذي تفوق بالحكمة والعمل والإنتماء، لكنه يبقى تابعاً لهم وتابعين له لتحقيق رسالة الحزب العامة، لكن عمل زعيم الحزب المنتخب يعتبر من أعقد المهام وأثقل المسؤوليات، فهو حامي مبادىء الحزب، ويعبر عن آراء وآهات أنصاره، وهو الجندي الأول في معركة الذود عن الوطن ووجهه في الداخل والخارج، فإذا حاد عن حدود تكليفه أو أخطأ أو قصر في عمله حاكمه الأنصار بتهمة مخالفة مبادىء الحزب، وحاكمه الشعب بتهمة خذلان الوطن، وشتان بين التهمتين والنتيجتين.

فالحزب ليس وطن، بل هو فكرة والوطن أسمى من كل الأفكار، الحزب وسيلة والوطن غاية، الحزب محاولة والوطن حقيقة، الحزب خيار والوطن قدر، الحزب قد ينتهي والوطن لا ينتهي، فهل نؤمن بالحزب ونكفر بالوطن؟

تنقلب الصور في تشخيص مشهد الإنتماء للأحزاب والفصائل الفلسطينية التي وجدت لغاية تحرير فلسطين وإستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، فقد تحولت الأحزاب من الوفاق الى اللاإتفاق، و تحول الحزب عند البعض الى ديانة، في نقده ذنب لا يغفر، وفي إنتقاده كفر، وفي مطلب تفعيله تهور، وأصبحنا نرى الوطن بعيون الأحزاب فقط، وأصبح حب الوطن غير مثبت الا بإستمارة العضوية لحزب معين، وأصبح الحديث عن الوطن يحتاج لزي معين كي يسمع، وأصبح تعيين الكفؤ في وظيفة معينة يحتاج لإعتناق حزب معين كي يقنع، والمشاركة في مسيرة لدعم الأسرى مثلاً تحتاج أولاً لمعرفة الانتمائات الحزبية للمشاركين.

في الحوارات الوطنية، لا نقبل بفكرة ما الا بعد مقارنتها مع متطلبات الحزب، فقد نقبل بفكرة سيئة فقط لكونها مقبولة من سادة حزب ما، وهنا يتولى عبيد الأحزاب مهمة تجميل هذه الفكرة، وقد نرفض فكرة جيدة فقط لتعارضها مع قناعات سادة حزب ما، وهنا يتولى عبيد الأحزاب مهمة جعل هذه الفكرة خاطئة ومضرة بالمصلحة الوطنية.

في الصلاة لا يقول بعض المصلين آمين على دعوة قد تمس حزبهم السياسي، أو حتى فيها شبهات بأن خطيب المسجد يقصد بدعوته السيد فلان، ويقول البعض آمين بصوت عالي وواثق عندما يمدح خطيب المسجد السيد فلان لأنه ينتمي لحزبهم السياسي.

لا يعقل أن يكون الإنتماء للحزب أكبر من الإنتماء للوطن أو حتى يوازيه، ولا يعقل أن تجند الأحزاب عبيداً لها بدلاً من الأحرار، فحياة الأحزاب في الفكر الحر، وحياة الوطن في الأحزاب الحية.

ماذا بعد الإستعراض الدوري الشامل لإسرائيل

كتب المحامي والناشط الحقوقي محمد حمدان

إعتمد مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يوم الجمعة الماضي الموافق 1-11-2013 وبشكل أولي تقرير اسرائيل الذي أعده الفريق العامل المعني بالإستعراض الدوري الشامل، وكانت ثلاثة وسبعون دولة قد شاركت بتقديم توصيات وتوجيه أسئلة لدولة الإحتلال الإسرائيلي والتي بدت ضعيفة ومرتبكة أمام الاجماع الدولي على ادانة الانتهاكات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته.

وقد احتوى التقرير على 238 توصية أكدت على الحقوق الفلسطينية في إنهاء الإحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وعودة اللاجئين وإطلاق سراح الأسرى وووقف الاستيطان و رفع الحصار عن قطاع غزة ووقف سياسات تهويد مدينة القدس وتهجير سكانها، كما تضمنت مطالب متخصصة كوقف المحاكمات العسكرية للأطفال والتحقيق في حالات التعذيب لهم في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، كما تضمنت التوصيات الطلب من دولة الإحتلال المصادقة على إتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الملحقة ونظام روما الأساسي المنشأ للمحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

عدد التوصيات كان كبيراً قياساً باستعراض حقوق الانسان في دول اخرى، أحالت دولة الإحتلال 231 توصية لجهات الإختصاص للدراسة وتقديم المشورة، لكنها ملزمة بتقديم ردودها على تلك التوصيات قبل إنطلاق أعمال الجلسة الخامسة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان وذلك في مارس من العام 2014، 7 توصيات رفضتها اسرائيل وطلبت شطبها من التقرير كونها تضمنت الإشارة لفسطين كدولة معترف بها بالأمم المتحدة الأمر الذي ترفضه اسرائيل رفضاً قاطعاً، وهي توصيات قدمت من السعودية والاردن وفلسطين والبحرين.

لكن هناك كثير من الأسئلة تطرح حول أثر آلية الإستعراض الدوري الشامل على حالة حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة والدور المناط بالمؤسسات الفلسطينية، خاصة في ظل النقد المستمر لضعف اداء الامم المتحدة في حماية حقوق الشعب الفلسطيني و محاسبة اسرائيل على خروقاتها الجسيمة للقانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان.

غير صحيح أن اسرائيل غير مكترثة بفضح إنتهاكاتها لحقوق الإنسان في أروقة الأمم المتحدة، فلو كان ذلك صحيحاً لما عملت جاهدة على إلغاء البند السابع من جدول اعمال مجلس حقوق الانسان والخاض بمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، ولما سعت لتغيير مواقف العديد من دول العالم وتحسين صورتها من خلال لعب دور الضحية المستهدفة والمظلومة من غالبية دول العالم، اسرائيل تريد لمجلس حقوق الإنسان وآلياته بما في ذلك الإستعراض الدوري الشامل أن ينتهي من الوجود لأنه أصبح يشكل هاجس لدولة الإحتلال الاسرائيلي.

وعلى الصعيد الفلسطيني فهي ليست فرصة فحسب للمنظمات الحقوقية والاعلامية الفلسطينية والمدافعين عن حقوق الإنسان لفضح الإنتهاكات الإسرائيلية وتعرية سياسات النظام الصهيوني الاستعماري، وانما التزام بمواصة النضال الحقوقي لتحقيق العدالة ومعاقبة مرتكبي الجرائم بحق أبناء شعبنا وممتلكاته، من خلال رصد و توثيق الانتهاكات وإعداد تقارير اصحاب المصلحة التي تقدم وفق هذه الآلية والتي تحتوي على معلومات وحقائق تشكل شهادة ورواية المجتمع المدني الفلسطيني بمكوناته الفردية والمؤسساتية حول إنتهاكات حقوق الانسان في مواجهة تقرير اسرائيل الحكومي بما يحتويه من مغالطات واكاذيب لتحسين صورة اسرائيل امام العالم.

لقد قدمت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية في هذه الدورة من الاستعراض تقارير مهمة وقيمة وان كانت قد تغيبت عن جلسة الاستعراض وخسرت فرصة الضغط على سفراء دول العالم وحشد الدعم والتاييد للحقائق المقدمة من طرفها، لكن هذه التقارير شكلت ركيزة اساسية للحوار التفاعلي في جلسة الاستعراض.

اسرائيل على موعد مع جلسة الاعتماد النهائي للتقرير في مارس من العام القادم، وفي هذه الجلسة سيكون من حق المنظمات الحقوقية المشاركة بتقديم مداخلات شفهية في مجلس حقوق الانسان، لكن ذلك يتطلب متابعة ردود اسرائيل على التوصيات المقدمة من دول العالم والحصول على النسخة النهائية من تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض، ويتطلب أيضاً بدء التحضير لتنظيم نشاطات موازية لمناصرة حقوق شعبنا، وهنا لا بد من مشاركة وسائل الاعلام الرسمية والمستقلة في متابعة هذه الجلسة وتغطية ونشر أخبارها سواء مباشرة من قاعة مجلس حقوق الإنسان أو من داخل الوطن، بالاضافة لضرورة أن تبادر المؤسسات الاعلامية الفلسطينية لتنظيم نشاطات مناصرة للحقوق الفلسطينية وتسليط الضوء الإعلامي على الإنتهاكات الاسرائيلية لا سيما تلك المرتكبة ضد الصحفييين والاعلاميين الفلسطينيين.

اما ما بعد جلسة الاعتماد النهائي، فسيصدر تقرير اسرائيل عن مجلس حقوق الإنسان متضمناً ما وافقت عليه اسرائيل من توصيات(ان وجد)، والتوصيات المرفوضة، وهذا يتطلب مباشرة العمل الحقوقي بغية تحويل التوصيات المعتمدة في جلسة الاستعراض الى أجندات للعمل الحقوقي ووضع استراتيجيات لابقاء هذه التوصيات حية ورصد كيفية تعامل اسرائيل معها خلال الاربع سنوات ونصف القادمة، على اعتبار ان توثيق هذه المتابعة الحثيثة بمختلف انشطتها ستشكل جوهر تقارير الدورة القادمة للاستعراض عام 2017 وستكون أدلة هامة تقدم لدول العالم حول مدى التزام اسرائيل بتوصياتهم المسجلة بالدورة السابقة.

التغذية القسرية نوع من أنواع التعذيب

كتب المحامي محمد حمدان سفير النوايا الحسنة للإنسانية في فلسطين التغذية القسرية نوع من أنواع التعذيب

أعطى المستشار القانوني لدولة الإحتلال الإسرائيلي مؤخراً الضوء الأخضر للمضي قدماً بمناقشة مشروع قانون “التغذية القسرية” للأسرى المضربين عن الطعام وإقراره من الكنيست الإسرائيلي، ورغم أن الإحتلال يمتلك القوة المادية ويمتلك مفاتيح الأبواب المغلقة على الأسرى الفلسطينيين، لكنه لا يزال عاجز عن إمتلاك حريتهم الحقيقية و إرادتهم وقدرتهم على الإبتكار و الصمود في وجه الجلاد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. وعادة ما تفشل أدوات الإحتلال القوية أمام قوة كامنة من نوع آخر تمتلكها الشعوب الحرة، فالتاريخ يشهد على الفشل المتواصل للبندقية في سجالها مع الفكرة، والقنابل في مواجهة القلوب المؤمنة، والقيود أمام العقول، والباطل أمام الحق وإن كان مدججاً بالسلاح، لكن الإحتلال الإسرائيلي يأبى أن ينخرط في طابور المستعمرين وفشلهم المعتاد أمام تلك القوة الكامنة، فيقوده التخبط لمحاولة شرعنه جرائمه بنص قانوني من وضع يديه ليصد به عن نفسه شبهة الإجرام وإنتهاكات حقوق الإنسان. وفي معرض الحديث عن الإنتهاكات فإنني أربط هذا القانون بجريمة التعذيب ربطاً مباشراً وهي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، فمن جهة سيشكل إقرار هذا القانون (إن تم) سابقة خطيرة في تكريس التعذيب بنص قانوني إذ تلتزم الدول في الوضع الطبيعي بإتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية لمنع أعمال التعذيب وليس شرعنتها خلافاً لنص المادة الثانية من الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺿﺮوب اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ أو اﻟﻌﻘﻮﺑﺔ اﻟﻘﺎﺳﻴﺔ أواﻟﻼإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ أو اﻟﻤﻬﻴﻨﺔ لعام 1984، ومن جهة أخرى فإن هذا القانون يطلق العنان لإرتكاب جرائم تعذيب على مستوى واسع ضد الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام أو من سيقدمون على الإضراب بالمستقبل للمطالبة بحقوقهم المشروعة. إن التغذية القسرية جريمة تعذيب لا يمكن إنكارها، فالتهديد حاصل وهو نوع من أنواع التعذيب النفسي، حيث سيستخدم الإحتلال من خلال هذا القانون أدوات الترهيب والتهديد والعنف النفسي ضد الأسرى المضربين عن الطعام بأنه سيتم تغذيتهم قسرياً إن لم يتوقفوا عن الإضراب، كما أن التغذية القسرية فيها إهدار للكرامة الشخصية ومساس بالحرية الشخصية و حق الإنسان في التعبير عن رأيه وحقه في الإختيار، والتغذية القسرية أيضاً تعد من قبيل المعاملة اللاانسانية لأن فيها إكراه للأسير على إتخاذ قرار على عكس قناعاته وسلباً لإرادته بشكل قسري وبأسلوب منافي للقيم الإنسانية، كما أن التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام تعني إرتكاب جريمة التعذيب الجسدي والإكراه البدني كالضرب والتقييد وغيرها من الممارسات العنفية التي ستصاحب إرغام الأسرى على التغذية. جريمة التغذية القسرية لا تزال في إطار مشروع قانون يتم تداوله في الأروقة الأمنية والتشريعية الإسرائيلية، وهذا يتطلب ملاحقة لهذه الجريمة محلياً ودولياً ومحاولة وأدها قبل أن تصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الأسرى الفلسطينيين الذين خاضوا وسيخوضوا حرب الامعاء الخاوية كوسيلة نضالية أخيرة لإنتزاع حقوقهم ووقف جرائم الإحتلال بحقهم، وإن كان الأسرى في سجون الإحتلال هم الأقدر على التصدي لجرائم الإحتلال أكثر ممن هم خارج القضبان.