إنطلاقاً من مفهوم “الأغيار” والنظرة الحاخامية الدونية للآخرين, مارست إسرائيل ولا زالت تمارس أبشع أشكال العنف والتنكيل بالفلسطينيين, فوفق مفهومها هذا لا أدمية أو حياة لأي أحدٍ من الآخرين “الأغيار” إلا إن كان عبداً ذليلاً لهم, حيث أن غيرهم خُلق في الأصل لخدمتهم, وإن لم يكن كذلك, فموته لا يعني شئ عندهم, هذا هو منطقهم ومنطلقهم للتعامل مع البشرية جمعاء, وليس مع الفلسطينيين أو العرب فقط كما يعتقد البعض, إنه كيان نشأ وترعرع على فكرة إضطهاد الآخرين وظلمهم وكرههم وعدائهم لليهود في العالم, ويظهر ذلك جلياً في تبريرات إسرائيل في كل مرة تمارس فيها شهوة القتل وتعتدي على الآخرين, وتدعي أنها تدافع عن نفسها, ففي العام 1948 توحدت العصابات الصهيونية وهاجمت القرى والمدن الفلسطينية تحت إسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”  ولا أفهم عما كانوا يدافعون حينها و هُم من كانوا يهاجمون ويقتلون  وييُشردون الآخرين من مدنهم وقراهم وبيوتهم! ولكنني أفهم ذلك الشعور المرضي المُسيطر عليهم منذ ذلك التاريخ, وهو أنهم في خطر وجودي دائم, وخوفهم هذا ناتج عن عدم قدرتهم لأكثر من ستون عاماً على جعل وجودهم طبيعياً, وعجزهم هذا حرمهم من التكيف وتكييف محيطهم مع وجودهم المزيف, وإن شعورهم هذا هو الدليل على عدم وجودهم الأصيل في المكان, فالناس بالطبيعة يشعرون بالإستقرار والأمان عندما يكونون في بيوتهم لأنها بيوتهم, و بالطبيعة أيضاً لا يمكنك ابداً أن تستقر أو تأمن في بيت سَرَقّتَه وطَرَدّت أهله منه عنوة, ولاحقتهم أينما حلوا قتلاً وتنكيلاً وكأنك تريد أن تقتل الحقيقة, والحقيقة ابداً لا تموت.

سبق أن أمعنت إسرائيل كثيراً وعميقاً في ممارساتها التي تُظهر مدى عنجهيتها وعدم إكتراثها بكل القيم والمبادئ الإنسانية, حينما ذبحت الأطفال والنساء والعجائز في دير ياسين, وحينما دفنت جرافاتها جثث الشهداء في جنين, وحينما ألقت بقنابلها الفسفورية فوق الأطفال المختبئين في مدارس وكالة الغوث الدولية,  وقتلت أكثر من 1500 إنسان جهاراً نهاراً في حربها على غزة في العام 2008, وحينما قصفت طائراتها ومدافعها مقرات الأمم المتحدة في لبنان وغزة عنوة, وحينما إستخدمت مخابراتها جوازات سفر عدة دول لتنفيذ عمليات إغتيال لقادة فلسطينيين وعرب وآخرين دون إحترام لقوانين تلك الدول أو لمنظومة القوانين والعلاقات الدولية.

لا زال لاوعي إسرائيل يُخيل لها أن أفعالها هذه ستؤدي لردود أفعال رسمية باهتة من دول العالم تكتفي بالتنديد والشجب والإستنكار كالعادة, أو تحرك بعض المظاهرات هنا وهناك, وستخمد نارها بعد فترة, هذه المعادلة قد تبدو صحيحة في شقها الأول حيث أصدرت الحكومات بيانات الشجب والإستنكار وبعضها لم يحرك ساكناً, لكن ما لا تدركه إسرائيل أن وعيها غائبا بفعل الغرور والصلف عن حجم الكراهية التي أصبح الكثيرون يحملونها لها في مختلف دول العالم, لقد آذتها كثيراً العولمة وثورة المعلومات بشكلها الحالي, فلا يمكنها الآن أن تمنع الصورة المباشرة والخبر العاجل عن عيون ومسامع الشعوب, حيث لم تعد تسيطر بشكلٍ مُطلق على كل وسائل الإعلام في العالم, وخصوصاً في الغرب بواسطة المال أو الاغتيال أو فبركة الفضائح الجنسية, أو الملاحقة القضائية لكل من ينتقدهم بتهمة “معاداة السامية” لا يمكنها أيضاً التحكم في ردود أفعالهم العاطفية والعقلية, حيث بدأت ممارساتها المفضوحة ثؤثر بشكلٍ متصاعد في الرأي العام العالمي, وعلى المدى البعيد سيؤثر ذلك حتماً على توجهات الشعوب عند إختيارهم لحكوماتهم, ويدققون في مواقفها تجاه إسرائيل حيث بدت الآن الكثير من الحكومات الغربية خجولة أمام شعوبها من التأييد المطلق لكل ما تفعله إسرائيل, و أخذت تُجري تعديلات حادة على مواقفها لصالح الشعب الفلسطيني المضطهد, ولصالح إنسانية شعوبها التي خدعتها لفترة طويلة من الزمن آلة الدعاية الصهيونية, حيث كانت الكثير من الشعوب تصدق الرواية الإسرائيلية وتًكذب الرواية الفلسطينية والعربية دائماً.

إن فجر31/5/2010 لن يؤرخ له كأي يوم آخر فاحت منه رائحة الدم من أيادي إسرائيل كالعادة, وسيُبَرر كالعادة, وإنما سيُسجل في تاريخ إسرائيل الأسود يوماً مارست فيه القتل العلني في مواطني أكثر من 32 دولة عندما كانوا يبحرون محملين بعبئ المواقف الإنسانية, ويتجهون إلى أخر مواقع الظلم والإستعباد في العالم الجديد, يتجهون إلى فلسطين, إلى غزة, ودون تفكير أو تردد وبغباء القوة وصلفها المعهود عنها إنقضت القوات الخاصة الإسرائيلية عليهم وأمعنت فيهم القتل والتنكيل, وحاولت التعتيم على جريمتها, إلا أن أنباء ما حدث قد وصلت للجميع, وبشكل تلقائي تفاعلت الشعوب مع الحدث, وحاولت التعبير عن إنسانيتها في وجه منظومة اللاقيم واللاأخلاق التي ينتهجها هذا الكيان القاتل ضد كل من يقول له لا.

إن تلك الممارسات المُمنهجة والمندفعة من غريزة العدوان تجاه الآخرين جعلت المجتمع الإسرائيلي نفسه مجتمعاً عدوانياً يحكم علاقاته العنف والخوف والتناقض وعدم الإستقرار, حيث ظهر بينهم الكثيرين ممن يرفضون التجنيد ويهاجرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا بعيداً عن هذا الكيان المنبوذ الذي أصبح عبئاً على حياتهم ومستقبلهم الشخصي.

إن إستعلاء إسرائيل على شعوب العالم, وإستقوائها على الفلسطينيين لن يستمر أكثر من ذلك, وها هو يعود عليها كل يوم بسخط الأحرار في العالم ورفضهم لها, وإن الجيتوهات التي تحاول أن تسجن الفلسطينيين بداخلها عبر الأسوار العالية والحواجز في الضفة, والحصار على غزة لم ولن تنجح في جعل الفلسطينيين يستسلمون لها, بل على النقيض تماماً, هذه الممارسات جعلت الإسرائيليين هم من يحيّون الآن في جيتو يُسمى إسرائيل, ويرزحون تحت حصار الكراهية والبغض الناتجة عن ممارساتهم, وسلوكهم العدواني اللاإنساني تجاه الآخرين, كما رزح تحته الحكم الاستعماري العنصري في جنوب أفريقيا قبل إندحاره بعد ثلاثة قرون من الفصل العنصري, وستون عاماً من سن قانون إقامة مناطق عزل للسود والملونين تُدار بالحكم الذاتي, حيث لم يستطيع هذا المنطق الصمود في وجه المقاومة والتعاطف الشعبي العالمي مع السود, وإنهارت في النهاية دولة القهر واللاإنسانية وتفكك نظامها العنصري وحل محله نظام إنساني ديمقراطي يساوي في الحقوق والواجبات بين سكان تلك الأرض, وحكم أصحاب الأرض الأصليين كل من عليها, ولم يظلموا أحد للونه أو لمعتقده أو لعِرقه, ولم يمارسوا أعمال إنتقامية ممن مارسوا الظلم سنيناً ضدهم, إن تلك الحتمية التاريخية ومهما حاولت إسرائيل وحلفاء منطقها وقيمها الساقطة الهروب منها, هي واقعة لا محالة وإن تطلبت ستون عاماً أُخرى.

Be Sociable, Share!