لقد بات واضحاً التواجد الإيراني التركي في المنطقة العربية, ولكن ما لم يتضح أكثر حتى الآن هو الأهداف الحقيقية للدولتان من التدخل المباشر والغير مباشر وإمتداد نفوذهما الطوعي أو الإجباري في المنطقة العربية, وكذلك مناصرة تلكا الدولتان للقضية العربية المركزية القضية الفلسطينية وخصوصاً غزة, حيث وصلتا بذلك للصدام المباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية, فهل حقاً أنهما تناصران الفلسطينيين أم أنهما تستخدمان قضيتهم كدرع في حرب النفوذ والسيطرة المستعرة في المنطقة؟ في ظل غياب واضح ومؤكد لأي مشروع عربي أو توجه عربي يغلق أبواب القلعة أمام الطامعين, وليس هناك أكثر من محاولات للظهور وكأن هناك بدائل عربية تستطيع ملئ الفراغ في المنطقة العربية, وحتى هذه المحاولات تبدو حتى الآن كلها قُطرية فمن جهة تحاول مصر التدخل لصد النفوذ الإيراني في العراق وفلسطين ولبنان والسودان واليمن إلخ…, و من جهة أخرى تحاول السعودية الدفاع عن نفسها وعن مجالها الحيوي في وجه النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة, وليس هناك أي تحرك وحدوي عربي -وقد صار طبيعياً- لقطع كل الأذرع التي تمتد إلى داخل حدودنا القومية وأولها إسرائيل.

تعمل إيران منذ مدة طويلة -وخاصة بعد الإحتلال الأمريكي البريطاني للعراق-  وإزدياد الضعف والخلافات العربية أكثر على تأكيد ذاتها كقوة أساسية في المنطقة حيث أقامت عدة مشاريع إستراتيجية عملاقة وبالتحديد في مجال التسلح وتطوير قدراتها الصاروخية وشراء تقنيات حديثة من روسيا, وأهم هذه المشاريع المشروع النووي والذي يثور الجدل حول ماهيته إن كان سلمياً أم لا, ولا أحد يعلم غير القيادة الإيرانية ماهية مفاعلها النووي, وهل لو إمتلكت إيران القنبلة النووية أو عدة قنابل نووية أو حتى القدرة على تصنيع القنبلة النووية ستخلق بذلك رادعاً إستراتيجياً لإسرائيل في المنطقة, وكيف سيكون ذلك وإيران تعلم تماماً أن أي ضربة عسكرية غير تقليدية لإسرائيل سوف يكون ثمنها ضربة ساحقة من الولايات المتحدة لإيران إذا لم تستطع إسرائيل تحمل تلك الضربة المفترضة في تصريحات القيادة الإيرانية؟, أم ستكون هذه القدرة سيفاً على رقاب الدول العربية والإقليمية, وتكون بمثابة الإعلان عن قيام الإمبراطورية الفارسية وسيطرتها على معظم أجزاء المنطقة العربية وخصوصاً منطقة الخليج العربي الذي تطلق عليه “الجمهورية الإسلامية” الخليج الفارسي!, فلو أطلقت إيران على الخليج إسماً إسلاميا لسكت الجميع إحتراماً وخصوصاً أن كل الدول المطلة على الخليج تدين بالإسلام, وبتلك القنبلة تستطيع إيران أن تحدث الخلل الاستراتيجي الأكبر لصالحها في المنطقة, وحينها ستتمكن إيران من مد يدها أينما تشاء في المنطقة العربية دون الحاجة لحلفاء داخل تلك الدول يعملون على أحداث الفوضى والتشرذم ويفتحون أبواب دولهم للتدخل الإيراني, كما حدث في فلسطين ولبنان وكما يحدث الآن في العراق واليمن, وقد يحدث غداً في البحرين أو الإمارات, كأي دولة عُظمى تصول وتجول في المنطقة دون رادع, وحينها أيضا ستظهر أنياب المشروع الإيراني الإقليمي, ذلك المشروع الذي بدى جلياً في تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد  في يوم الجيش أثناء عرض عسكري حيث قال: أن إيران أهم دولة في منطقة “الشرق الأوسط” والشعب الإيراني هو أقوى أُمة في العالم, و”الشرق الأوسط” أهم منطقة في العالم ومن يريد السيطرة على العالم عليه السيطرة على “الشرق الأوسط”, تحدث نجاد هنا عن الشعب الإيراني أي عن قومية وليس عن ديانة, وتحدث عن أهمية إيران المطلقة في المنطقة مستخدماً مصطلح “الشرق الأوسط” وهو يعلم تماماً أن هذا المصطلح البريطاني الأمريكي يُدخل إسرائيل في المنطقة كما يُدخل إيران, ويبدو أنه قد قصد ذلك كرسالة للولايات المتحدة وحلفائها بأن يضعوا في حساباتهم المصالح والنفوذ الإيراني في المنطقة مطالباً بين السطور بإعطاء إيران ما تستحقه من مكانة في “الشرق الأوسط” بناءً على المعطيات الإقليمية القائمة وبما يتلائم مع قوتها, وحينها يمكن لإيران القوية المتحكمة في المنطقة أن تُعطي إسرائيل إعترافاً ضمنياً أو صريحاً بوجودها وتضع حلفائها في مركب الحلول السياسية المطروحة للصراع, فالقضية الفلسطينية لدى إيران ليست أكثر من إستخدام ذكي للمحرك الأساسي والنمطي للعواطف العربية والإسلامية في إطار المصالح الإيرانية في المنطقة, فالقاعدة بسيطة وناجحة من يناصر الشعب الفلسطيني المكلوم سيمتلك قلوب الملايين العربية والإسلامية, وتعلم الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما أن إيران يمكنها تبادل الملف الفلسطيني معهم إذا حصلت على ثمن مناسب له في أي وقت.

بنفس الذكاء وكمنافس أساسي تقدمت تركيا “العثمانية” إلى المنطقة العربية مطالبة بجزء من النفوذ والسيطرة على المنطقة كحق تاريخي “عُثماني”, فدخلت تركيا أيضاً عبر بوابة الحق الفلسطيني والظلم الإسرائيلي إلى المنطقة, ذلك الظلم الذي لم تكن تركيا تراه عندما وقعت على التحالف الأمني والعسكري الإستراتيجي بينها وبين إسرائيل في 24/ فبراير/1996م, والمناورات والتدريبات المشتركة التي أجرتها إسرائيل وتركيا عدة مرات, وقد إستفادت تركيا من تجارب إسرائيل في قمع الفلسطينيين في محاولاتها لقمع الأكراد, قَدِمَت تركيا إلى المنطقة بحفنة من المواقف الكلامية المثيرة كإنسحاب أردوغان من مؤتمر دافوس في العام 2009م إحتجاجاً على حديث شمعون بيرس حيث صفق له الحضور ومن بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى, حيث صفع أردوغان “النظام العربي” بهذه الحركة الإعلانية, التي كان ظاهرها صفعة لإسرائيل إلا أنه قد إستغل وجود عمرو موسى وكل فضائيات العالم ليظهر وكأنه الفارس, ويظُهِر العرب مُمَثَلين بجامعة الدول العربية وكأنهم عاجزون حتى عن الكلام.

يطمح الأتراك العثمانيين -كما الفرس- إلى مد نفوذهم والسيطرة على المنطقة ضمن مصطلح “الشرق الأوسط”, ويقدمون أنفسهم للعرب كأصدقاء وأصحاب مصير واحد دون فك تلك التحالفات الأمنية والعسكرية مع إسرائيل!, ويقدمون أنفسهم للغرب بأنهم النموذج للدولة الإسلامية “السنية” المتحضرة والتي يجب أن يعطيها الغرب دور يتناسب وحاجته لها في المنطقة وكذلك وما يتناسب مع قوتها ومدى تأثيرها في المحيط, ومحاولة مد نفوذها في المنطقة قد يجعل الإتحاد الأوروبي في حاجة لوجودها داخله, وتصبح هي بوابته للشرق المُسلم, فتركيا “العثمانية” ترى أنها الأحق بمد نفوذها وسيطرتها على ولاياتها القديمة, فقد خاطب أردوغان العرب يوم إفتتاح قناة تركيا الناطقة بالعربية قائلاً: على مر التاريخ عندما شعرت جيبوتي وأبو ظبي  وصنعاء والجزائر وطرابلس بالفرح شعرت اسطنبول بالسعادة, وكونوا على ثقة أنه عندما تحزن القدس وبيروت والخرطوم والكويت ونواكشوط ومقديشو والمنامة, تشعر اسطنبول بالحزن, ومصير اسطنبول ليس منفصلاً عن مصير القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وعمان ومكة والمدينة, خاطب أردوغان تلك المدن العربية من اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية وربط أحزانها وأفراحها بإسطنبول ولا أعلم إن كان قد تقصد أن يكون خطابه من اسطنبول وأن يذكر مدناً عربية وليس دولاً عربية, أو أنها هفوة أعطت إشارة واضحة لطموح تركيا العثمانية وأطماعها في المنطقة, حيث وقف أردوغان أكثر من مرة مدافعاً ومجملاً للإستعمار العثُماني للمناطق العربية تحت راية “الخلافة الإسلامية” ومذكراً بأمجادها.

دخلت تركيا للمنطقة والكل في أزمة, العرب والغرب وإيران وإسرائيل, وطرحت نفسها عراباً للجميع, على أن يدفع الجميع ثمناً لدورها الذي يبدو أنهم في حاجة ماسة له ويُقرون بمكانتها الريادية في المنطقة, فتدخلت مباشرة في مفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل وأشرفت عليها بالوكالة عن الولايات المتحدة, وكذلك تدخلت ولا زالت بين الغرب وإيران محاولة التوسط في أزمة الملف النووي الإيراني والذي تخشاه تركيا نفسها, كما أنها توسطت بين بعض الدول العربية وإيران في أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية, وكذلك لعبت دوراً فاعلاً في إنهاء الأزمة التي اندلعت بين العراق وسوريا بعد إتهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا بالوقوف خلف عدة تفجيرات حدثت في بغداد, ولا أعلم كيف تجمع تركيا بين تحالفها الذي لا زال قائماً مع إسرائيل, وبين تحالفها مع سوريا وإجرائها مناورات عسكرية برية معها في العام 2009م!, وكيف تقبل سوريا بذلك وتركيا تحتل لواء الاسكندرونة العربي السوري؟ وكذلك العلاقة السورية الإيرانية الإستراتيجية, وإيران تحتل جزر أبي موسى وطنب الكبرى والصغرى, أفهمه وفق ما أفهم السياسة كمجموعة من المصالح المتبادلة, ولا أصدقاء ولا أعداء دائمون فيها, فوفق قاعدة المصالح التي تقوم عليها العلاقات بين الدول يمكننا فهم طبيعة ما يدور في المنطقة وطبيعة التواجد والدورين الإيراني والتركي فيها وحقيقة أهداف الدولتان, فالدولتان تسعى كل واحدة منهما لفرض نفسها كمركز للقوة والبوابة الرئيسية للمنطقة, والتي يجب أن يمر الغرب وغيرهم عبرها إلى المنطقة وكذلك يمر العرب عبرها إلى باقي العالم, وتكون هي الوكيل الحصري للمصالح الدولية في المنطقة, كل واحدة منهما تبحث منفردة وبأساليبها الخاصة ووسائلها الخاصة عن الدور الريادي في مشروع “الشرق الأوسط” وكل واحدة منهما تستخدم الملفات العالقة في المنطقة كلٌ على طريقته وبما يخدم مصالحه الذاتية فقط ودون النظر إلى مصالح الآخرين حتى وإن كانوا أصحاب القضية نفسها, فإيران مثلاً قدمت للولايات المتحدة نموذجاً للتعاون وتبادل المصالح معها في الملف العراقي, وكذلك تبادل المعلومات والتنسيق الأمني في “الحرب الأمريكية على الإرهاب” في أفغانستان وباكستان, وكذلك تركيا التي قدمت للولايات المتحدة نموذجاً في التعاون وتبادل المصالح في الملف العراقي وتعاونت عسكرياً مع الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب على أفغانستان, فهناك ما يحدث ليس احتلالاً وما تقوم به طالبان ليس مقاومة وفق المصالح والرؤية الأيدلوجية الإيرانية من جهة والتركية من جهة أُخرى.

لا زالت أزمة النظام العربي الرسمي تكمن في أنه يعي تلك المخاطر تماماً إلا أنه لم يضع حتى الآن ولو إطاراً واضحا لمشروع عربي كبير يجعل من العرب القوة المركزية في المنطقة ويحافظ على مصالحهم الإستراتيجية وسيادتهم عليها, ويعطيهم حقهم الطبيعي والأصيل في مد نفوذهم وسيطرتهم على المنطقة وعلى مجالها الحيوي.

Be Sociable, Share!