صدرت في الآونة الأخيرة عدة تصريحات من بعض قادة حركة حماس لا نعلم إن كانت تكتيكية أم إستراتيجية أو أنها في سياق التصورات الفردية أو المنفردة للتنظيمات الفلسطينية لشكل ومضمون الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية, حيث صرح إسماعيل هنية مؤخراً في مؤتمر صحفي للصحفيين الأجانب في غزة وفي معرِض إجابته على سؤال أحد الصحفيين حول موقف حماس لو نجحت مفاوضات التسوية, صرح بأن حماس ستقبل بنتيجة إستفتاء فلسطيني على أي إتفاقية سلام تبرم مع إسرائيل في المستقبل، مضيفاً أن حركته لا تعارض إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين، بما في ذلك الإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية, و أن عرض الموضوع على الشعب الفلسطيني للإستفتاء يعني أن حماس ستحترم نتائجه، حتى إن خالفت قناعاتها, وإشترط هنية أن يضم الإستفتاء كل الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات , لكنه أبدى شكوكاً كبيرة حول جدية إسرائيل وأن لا أمل لديه بنجاح جهود إحياء العملية التفاوضية, وكانت تلك التصريحات قد أثارت ردود فعل داخلية متفاوتة, حيث عقب القيادي في حركة الجهاد خضر حبيب على حديث هنية بالقول: إن الإستفتاء غير وطني وديني ولا منطقي وأنه من الغير المنطقي أن يتم طرح الإستفتاء من حركات إسلامية مقاومة وماذا لو قال الشعب الفلسطيني (نعم) للإعتراف بـإسرائيل كدولة على الأراضي الفلسطينية, هل سنقبل بهذا الإعتراف؟ و رد طاهر النونو على تصريحات حبيب بأن الإستفتاء موجود في وثيقة الوفاق الوطني التي حازت على توقيع كل الفصائل الفلسطينية.

وتلى تلك التصريحات حديث لعضو المكتب السياسي لحركة حماس محمود الزهار نشرته صحيفة الدستور قال فيه: إن حماس لا تقبل بأي إستفتاء على الثوابت والإستفتاء يمكن أن يجرى على آليات ولكن لا يمكن الإستفتاء على المقدسات أو على العقيدة أو الأموال والأرض وقيمة الإنسان ، واللجوء إلى الاستفتاءات على نمط جنوب السودان غير وارد لدى الفلسطينيين “فهل يستفتى الفلسطيني على القدس والمسجد الأقصى المبارك أو على حقه في العودة إلى بيته و أرضه و أهله و ماله ؟, وأضاف حماس لا تطالب بهدنة وليس لها أي شروط بذلك، وليس هناك أي مطالب لنا بأي هدنة مع الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن الحالة القائمة هي عملية وقف متبادل لإطلاق النار بين حركته والاحتلال الإسرائيلي, ومساء الخميس وخلال إستقباله لمسيرة خيول ضمن فعاليات إنطلاقة حماس الثالثة والعشرين قال الزهار مخاطباً المسيرة: ” إن ثوابتنا ليست خاضعة للاجتهاد البشري، و إن أرضنا مقدسة ليست خاضعة لا للإنتخاب ولا للإستفتاء أو المساومة أو البيع أو الشراء، وإن مقدساتنا ليست ملكاً للإحتلال ” و قام بإحراق علم إسرائيل أثناء المسيرة.

وفي لقاء مع القيادي في حماس ايمن طه الجمعة الماضية على فضائية بي بي سي حول موقف حماس أكد طه بأن حركته مع إقامة دولة فلسطينية في حدود العام 67 مقابل هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل, وأن يتم ذلك بإستفتاء للشعب الفلسطيني وكحل مرحلي وأن هذا التصور نابع من رؤية الشيخ احمد ياسين عام 87 بإمكانية القبول بحل مرحلي مع إحتفاظ حماس بثوابتها وأساسها أن فلسطين من البحر إلى النهر.

قد أكون أطلت في عرض التصريحات ولكن هذا يأتي في إطار الحفاظ على الموضوعية, حيث أن المراقب للتصريحات السابقة يرى فيها جملة من المواقف التي تتفاوت بين الخطاب السياسي البرجماتي الواقعي والخطاب الثوري المُطلق, فقد حاور هنية الصحفيين الأجانب بمنطق برجماتي نابع من الحسابات السياسية, وخاطب الزهار جماهير حماس في المسيرة بمنطق ثوري مُطلق ويتضح ذلك في تصريحاته التي أوردتها سابقاً, وخاطب طه الداخل والخارج في لقائه على بي بي سي بالمنطقين معاً منوهاً للمرونة السياسية التي تبديها حركة حماس ومؤكداً عدم قدرتها على تجاوز ميثاقها والإعتراف بإسرائيل محاولاً الجمع بين المنطقين وتوحيد الخطاب والإبتعاد عن مدرسة الحمائم والصقور التي تحكم التفاعلات الداخلية لأي حركة سياسية أو منظمة وخصوصاً في مرحلة التحرر الوطني من الإحتلال, ولكن تلك التفاعلات لا تحكم التصور الإستراتيجي لتلك الحركة أو المنظمة, فهي تحكم فقط وسائلها وتكتيكاتها حيث أن رؤيتها الإستراتيجية يجب أن تكون واضحة ومباشرة لأنها أساس بنائها وتتضمن أهدافها الإستراتيجية والتي بالضرورة تكون مُعلنة لحشد غالبية الجماهير حولها ومخاطبة أو مصارعة الآخر باسمهم وبشرعيتهم وذلك يستوجب العودة للشعب كل مدة محددة لنيل الشرعية وإستفتاءه في قضاياه المصيرية, فالأهداف الإستراتيجية تكون نابعة في الأصل من تطلعاته ومطالبه وثوابته الوطنية و وعيه وإدراكه وصموده وكفاحه ومساندته ومشاركته الأساسية الحية في ملحمة التحرر الوطني, فالشعب هو مصدر القوة والمُشَرِع والباعث لكل الحركات والمنظمات الوطنية وليس العكس صحيح, وليس غائباً عن الوعي كما جاء في رد القيادي في الجهاد خضر حبيب على تصريحات هنية, حيث إنطوى رده على إتهام صريح للشعب الفلسطيني بأنه من الممكن أن يتأثر بالدعاية والإعلام والضغوط ويعترف بإسرائيل وكأن شعبنا لا يمتلك من الوعي والقدرة للتمييز بين الخيارات, ويحتاج دائماً لمن يضبط له توجهاته وخياراته و يأخذه إليها.

لم يسارع الإسرائيليون تحت ضغط و وطأة الصواريخ التي سقطت على بعض المدن الإسرائيلية إبان حرب غزة وقبلها لإنتخاب قوى السلام ( إن وجدت ) في إسرائيل كي تتفاوض مع الفلسطينيين وتعيد لهم حقوقهم وتخرجهم من الضغط النفسي الذي عاشوه بل على العكس سارعوا لإنتخاب اليمين وأقصاه, إن شعبنا الفلسطيني وعلى مدار تاريخ نكبته المستمرة قدم نموذجاً رائعاً في الصمود والتحدي, فكلما إزداد عليه الضغط إزداد تمسكه بحقوقه وثوابته فهو ليس شعباً وظيفياً يحيا ليقوم بالأنشطة البيولوجية والفسيولوجية فقط وإنما هو الشعب الذي قلب هرم ماسلو للحاجات الإنسانية رأساً على عقب وقدم الحرية والكرامة الوطنية على حاجاته الفردية الأساسية, وهو بالتأكيد ليس غائباً عن الوعي ويستطيع التمييز جيداً بين الخيارات المتاحة ولديه رصيد كبير جداً من الحس الوطني والوعي السياسي يؤهله لقيادة نفسه وتحديد أولوياته الوطنية وإن العودة له في قضاياه المصيرية عبر إستفتاء أو أي شكل ديمقراطي آخر هو إنتصار لإرادته الجمعية على الإرادات الفردية أو الفؤية أو الحزبية الضيقة لأي حركة أو منظمة, وهو وحده -إن تمكن من الإختيار- يستطيع أن يتخذ القرار الصحيح والمناسب, ويكون المصدر لقوة قيادته التي يختارها.

Be Sociable, Share!