بحكم النرجسية الوطنية التي تحكم تصور الإنسان لنفسه و لشعبه و لوطنه أعتقد أننا أصبحنا مبدعون في كل شئ و خصوصاً في المجال الإعلامي , حيث فازت قناة القدس الفضائية ( الفلسطينية ) بجائزة أفضل برنامج وثائقي عن برنامج ” أحلام بسيطة ” في المؤتمر الرابع لاتحاد التلفزيونات والإذاعات الإسلامية في طهران , و دفعني هذا الخبر لمشاهدة ذلك البرنامج الذي يهدف على ما فهمت لتحقيق أحلام بعض العائلات المستورة و المحتاجة في قطاع غزة , لكن و للأسف لم أجد فيه ما يستحق الجائزة سوى بعض الإبداع المهني فقط , و قبل أن تنتهي الحلقة نفذ صبري و أغلقت التلفاز , فقد كنت و لا زلت متحفظاً على مثل هذه البرامج التلفزيونية الشهيرة و التي تستخدم البسطاء و الفقراء و تجعل من حاجتهم و قلة قدرتهم و فضح سترهم مادة أو موضوعاً مُثيراً لحصد اكبر عدد من المشاهدين لتلك البرامج , و كذلك جذب المزيد من الداعمين و الممولين لها و الذين يحبون ان يظهروا بمظهر المُحسن , حتى أصبحت لا أفضل مشاهدتها لأنها تثير الكثير من التحفظات و التساؤلات بداخل الإنسان , فمن جهة تتعاطف كثيراً إلى حد البكاء احياناً مع تلك العائلات أو الحالات التي يتم عرضها في تلك البرامج و شدة حاجتها و فقرها , و من جهة آخرى تثور بداخلك تساؤلات تلقائية , اين الدولة ؟ … , اين الحكومة ؟ … , اين المؤسسات الأهلية التي تقوم اساساً على رعاية مثل هؤلاء ؟ … , و اين تذهب تلك الأموال التي تُجمع بأسمهم و تحت شعارات متعددة إنسانية أو دينية تقوم كُلها على أوجاعهم و مُعاناتهم ؟ … , و من جهة ثالثة يثور بداخلك التحفظ الأساسي و الإنساني و هو حقهم في الستر و عدم فضحهم على شاشات القنوات الأرضية و الفضائية , على قاعدة أن لا ترى يدك اليُسرى و المشاهدين ما أعطته يدك اليُمنى !!! حيث أن حاجتهم الماسة لا تعني أن تُستباح إنسانيتهم و فضح سترهم إجتماعياً و إن كان ذلك بهدف مساعدتهم , ففي تلك البرامج يحدث أن يتم سترهم مادياً و تعريتهم معنوياً , و إنني أتحدى كل تلك البرامج و الفضائيات أن تساعدهم دون أن يظهروا أمام الكاميرات , فأنت ترى الكثير من المشاهد المؤذية و المُستبيحة لهم , تقترب الكاميرا أكثر من وجه تلك العجوز لتنقل لك انهمار الدموع من عينيها و خجلها الشديد ليس من فقرها بل من تلك الكاميرا التي تنتهك إنسانيتها , و ثلاث فتايات في مُقتبل العمر يختبئن خلف جدار اسمنتي ينهار فلا يُردن أن يظهرن في البرنامج فتراهن زميلاتهن في المدرسة بهذا الشكل , و يحاولن التحايل على مقدم البرنامج كي لا يدفعن ثمن الخزانة أو الثلاجة التي جلبها معه بظهورهن القسري في برنامجه إلا انهن يستسلمن و يتقدمن بحذر لفتح أبواب تلك الخزانة و إبداء الفرح المغموس بالذل و الدموع أمام كاميرا البرنامج الشهير , ثم يأتي السؤال التقليدي التافه لهؤلاء الفقراء , بماذا تشعر الآن ؟ اشعر أنني مُباح و مُنتهك و بلا كرامة و أن كل شئ في الحياة له مُقابل … أشعر بالفرح و أشكرك يا أستاذ و أشكر أهل الخير ….. ليس هكذا تقدم المساعدة للناس يا سادة إذا كانت مجردة من اي شئ آخر , أو إذا كانت مدفوعة بقيمة الخير كما تدّعون , ليس بالدوس على كرامات الضعفاء و استغلال حاجتهم لأهداف قد لا يعونها , ليس هكذا يكون الإبداع و لا حتى التجارة .