صار أصعب مما كان الآن تعزيز ثقة الفلسطينيين بالقوى الدولية كوسيلة لإسترداد حقوقهم الوطنية من خلال الضغط على إسرائيل التي حصلت لتوها على عضوية منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية, وهي القوة التي لم تزل تحتل أرضهم, وتمارس ضدهم أقبح أساليب التفرقة العنصرية وبأعنف وأقذر الوسائل, وسوف يعزز موقف تلك المنظمة الدولية لدى الفلسطينيين أكثر مما سبق الشعور بعدم الثقة بجدية عملية السلام في المنطقة وإمكانية التعايش المشترك, حيث لا يوجد ما يبرر لمنظمة التعاون منحها إسرائيل مكافأة كبرى نظير قتلها للأطفال والنساء والعجائز وتشريد الشعب الفلسطيني, و تنكرها لحقوقه, فهل يُعقل أن يكون الرد على تقرير جولدستون الذي أدان إسرائيل بإرتكاب جرائم حرب في غزة, منحها المزيد من الامتيازات!, وكيف يتم ضمها إلى مثل هذه المنظمات الدولية, وهي التي تخالف كل معايير “الايزو الإنسانية”؟!, و هي الدولة التي تواصل رفضها تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية, إن ذلك الموقف لن يُفهم لدى شعبنا إلا في سياق إمعان تلك القوى في تدليل قاتله ومغتصب أرضه وإسقلاله وحريته.

إنها حقائق ومواقف عملية واضحة تأتي لتُظهر الفارق الكبير بين الخطاب الموجه للعرب والفلسطينيين من تلك القوى, والمواقف الفعلية لها من إسرائيل, فتطلق هذه الدول الدعوات كل فترة لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط, وتطالب إسرائيل بوقف إستيطانها في الضفة الغربية ورفع الحصار عن قطاع غزة, وفي نفس الوقت الذي ترفض إسرائيل فيه حتى الإصغاء لتلك المطالب, وفي ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة, تمنحها هذه الدول العضوية الكاملة في منظمة التعاون!, مستبعدة من ذلك كل المعايير السياسية والأخلاقية لعضوية المنظمة, وفي نفس الوقت ترفض دول المنظمة إنضمام روسيا والصين إليها وهي قوى إقتصادية عملاقة بالمعايير الإقتصادية!

سوف تستفيد إسرائيل من عضوية هذه المنظمة عن طريق جذب إستثمارات لها تتجاوز خمسة مليار دولار, وكذلك الإستفادة من خبرات المنظمة وبلدانها في شتى المجالات الاقتصادية, والمفارقة هنا أن هذه البلدان قد قبلت بتقرير الناتج الإسرائيلي السنوي والذي يتجاوز الثمانين مليار دولار, والتي شملت ناتج المستوطنات في الضفة الغربية وكذلك الجولان السوري المحتل, حيث إعترضت سويسرا والنرويج على ذلك, ولم يتغير شيء, حيث رفعتا إعتراضهما مقابل “وعد” من نتنياهو برفع ناتج المستوطنات من الناتج الإسرائيلي العام بعد عامين, وليس إيقاف الإستيطان أو الإنسحاب من الأراضي المحتلة, وللحقيقة أنه وطوال مدة تفاوض إسرائيل مع المنظمة لم يطالبها أحد من المفاوضين بذلك.

تضم هذه المنظمة الدول الجديدة لعضويتها بإجماع أعضائها, حيث كان بإمكان صوت واحد فقط  لدولة عضو في المنظمة أن يمنع إسرائيل من دخولها, وعقد الكثيرون -وأنا لست بينهم- الأمل على تركيا “العثمانية” الدولة العضو في المنظمة أن تصوت ضد ضم إسرائيل للمنظمة, وخصوصاً في ظل الخطاب الحماسي الذي يلقيه على مسامعنا أردوغان كل حين ضد بلطجة وعنف الإحتلال الإسرائيلي, وبعد مسلسل “صرخة حجر المُسف”, إلا أن تركيا العثمانية وكالعادة إدعت على لسان وزير إقتصادها علي بابا جان أن عدم تصويتها ضد إنضمام إسرائيل كان لإعطاء دفعة لعملية السلام في المنطقة, وطبعاً لن يصدقها حتى مجنون, ومن ينتظر منها غير ذلك يحتاج لإعادة قراءة متأنية للتاريخ, ودراسة للمصالح الإستراتيجية للدول, فمن جهة تناطح سفنها البحر لتوصل الغذاء إلى أهل غزة المنكوبين, ومن جهة أُخرى تدُخِل القابض على غزة وفلسطين ومن قتل من أهلها الآلاف إلى منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية, لِمَ لا؟ فكلهم غرباء وطامعون وطامحون, لِمَ لا؟ ما دامت كل أموال العرب وتحالفاتهم لم تُجلسهم على مقعد العضوية في تلك المنظمة, لأنهم لا زالوا متخلفون إقتصادياً وضعفاء, ولأن لغة السياسة لا تعترف بالإستجداء والعويل,  ولا تُحصي الضحايا ولا تزن الدماء, فهي تعترف بالقوة وبالمصالح الإستراتيجية فقط.