ماذا يحدث؟!

1,639 مشاهده
الكاتب مؤمن شقفة في ديسمبر 11th, 2010

صدرت في الآونة الأخيرة عدة تصريحات من بعض قادة حركة حماس لا نعلم إن كانت تكتيكية أم إستراتيجية أو أنها في سياق التصورات الفردية أو المنفردة للتنظيمات الفلسطينية لشكل ومضمون الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية, حيث صرح إسماعيل هنية مؤخراً في مؤتمر صحفي للصحفيين الأجانب في غزة وفي معرِض إجابته على سؤال أحد الصحفيين حول موقف حماس لو نجحت مفاوضات التسوية, صرح بأن حماس ستقبل بنتيجة إستفتاء فلسطيني على أي إتفاقية سلام تبرم مع إسرائيل في المستقبل، مضيفاً أن حركته لا تعارض إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين، بما في ذلك الإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية, و أن عرض الموضوع على الشعب الفلسطيني للإستفتاء يعني أن حماس ستحترم نتائجه، حتى إن خالفت قناعاتها, وإشترط هنية أن يضم الإستفتاء كل الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات , لكنه أبدى شكوكاً كبيرة حول جدية إسرائيل وأن لا أمل لديه بنجاح جهود إحياء العملية التفاوضية, وكانت تلك التصريحات قد أثارت ردود فعل داخلية متفاوتة, حيث عقب القيادي في حركة الجهاد خضر حبيب على حديث هنية بالقول: إن الإستفتاء غير وطني وديني ولا منطقي وأنه من الغير المنطقي أن يتم طرح الإستفتاء من حركات إسلامية مقاومة وماذا لو قال الشعب الفلسطيني (نعم) للإعتراف بـإسرائيل كدولة على الأراضي الفلسطينية, هل سنقبل بهذا الإعتراف؟ و رد طاهر النونو على تصريحات حبيب بأن الإستفتاء موجود في وثيقة الوفاق الوطني التي حازت على توقيع كل الفصائل الفلسطينية.

وتلى تلك التصريحات حديث لعضو المكتب السياسي لحركة حماس محمود الزهار نشرته صحيفة الدستور قال فيه: إن حماس لا تقبل بأي إستفتاء على الثوابت والإستفتاء يمكن أن يجرى على آليات ولكن لا يمكن الإستفتاء على المقدسات أو على العقيدة أو الأموال والأرض وقيمة الإنسان ، واللجوء إلى الاستفتاءات على نمط جنوب السودان غير وارد لدى الفلسطينيين “فهل يستفتى الفلسطيني على القدس والمسجد الأقصى المبارك أو على حقه في العودة إلى بيته و أرضه و أهله و ماله ؟, وأضاف حماس لا تطالب بهدنة وليس لها أي شروط بذلك، وليس هناك أي مطالب لنا بأي هدنة مع الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن الحالة القائمة هي عملية وقف متبادل لإطلاق النار بين حركته والاحتلال الإسرائيلي, ومساء الخميس وخلال إستقباله لمسيرة خيول ضمن فعاليات إنطلاقة حماس الثالثة والعشرين قال الزهار مخاطباً المسيرة: ” إن ثوابتنا ليست خاضعة للاجتهاد البشري، و إن أرضنا مقدسة ليست خاضعة لا للإنتخاب ولا للإستفتاء أو المساومة أو البيع أو الشراء، وإن مقدساتنا ليست ملكاً للإحتلال ” و قام بإحراق علم إسرائيل أثناء المسيرة.

وفي لقاء مع القيادي في حماس ايمن طه الجمعة الماضية على فضائية بي بي سي حول موقف حماس أكد طه بأن حركته مع إقامة دولة فلسطينية في حدود العام 67 مقابل هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل, وأن يتم ذلك بإستفتاء للشعب الفلسطيني وكحل مرحلي وأن هذا التصور نابع من رؤية الشيخ احمد ياسين عام 87 بإمكانية القبول بحل مرحلي مع إحتفاظ حماس بثوابتها وأساسها أن فلسطين من البحر إلى النهر.

قد أكون أطلت في عرض التصريحات ولكن هذا يأتي في إطار الحفاظ على الموضوعية, حيث أن المراقب للتصريحات السابقة يرى فيها جملة من المواقف التي تتفاوت بين الخطاب السياسي البرجماتي الواقعي والخطاب الثوري المُطلق, فقد حاور هنية الصحفيين الأجانب بمنطق برجماتي نابع من الحسابات السياسية, وخاطب الزهار جماهير حماس في المسيرة بمنطق ثوري مُطلق ويتضح ذلك في تصريحاته التي أوردتها سابقاً, وخاطب طه الداخل والخارج في لقائه على بي بي سي بالمنطقين معاً منوهاً للمرونة السياسية التي تبديها حركة حماس ومؤكداً عدم قدرتها على تجاوز ميثاقها والإعتراف بإسرائيل محاولاً الجمع بين المنطقين وتوحيد الخطاب والإبتعاد عن مدرسة الحمائم والصقور التي تحكم التفاعلات الداخلية لأي حركة سياسية أو منظمة وخصوصاً في مرحلة التحرر الوطني من الإحتلال, ولكن تلك التفاعلات لا تحكم التصور الإستراتيجي لتلك الحركة أو المنظمة, فهي تحكم فقط وسائلها وتكتيكاتها حيث أن رؤيتها الإستراتيجية يجب أن تكون واضحة ومباشرة لأنها أساس بنائها وتتضمن أهدافها الإستراتيجية والتي بالضرورة تكون مُعلنة لحشد غالبية الجماهير حولها ومخاطبة أو مصارعة الآخر باسمهم وبشرعيتهم وذلك يستوجب العودة للشعب كل مدة محددة لنيل الشرعية وإستفتاءه في قضاياه المصيرية, فالأهداف الإستراتيجية تكون نابعة في الأصل من تطلعاته ومطالبه وثوابته الوطنية و وعيه وإدراكه وصموده وكفاحه ومساندته ومشاركته الأساسية الحية في ملحمة التحرر الوطني, فالشعب هو مصدر القوة والمُشَرِع والباعث لكل الحركات والمنظمات الوطنية وليس العكس صحيح, وليس غائباً عن الوعي كما جاء في رد القيادي في الجهاد خضر حبيب على تصريحات هنية, حيث إنطوى رده على إتهام صريح للشعب الفلسطيني بأنه من الممكن أن يتأثر بالدعاية والإعلام والضغوط ويعترف بإسرائيل وكأن شعبنا لا يمتلك من الوعي والقدرة للتمييز بين الخيارات, ويحتاج دائماً لمن يضبط له توجهاته وخياراته و يأخذه إليها.

لم يسارع الإسرائيليون تحت ضغط و وطأة الصواريخ التي سقطت على بعض المدن الإسرائيلية إبان حرب غزة وقبلها لإنتخاب قوى السلام ( إن وجدت ) في إسرائيل كي تتفاوض مع الفلسطينيين وتعيد لهم حقوقهم وتخرجهم من الضغط النفسي الذي عاشوه بل على العكس سارعوا لإنتخاب اليمين وأقصاه, إن شعبنا الفلسطيني وعلى مدار تاريخ نكبته المستمرة قدم نموذجاً رائعاً في الصمود والتحدي, فكلما إزداد عليه الضغط إزداد تمسكه بحقوقه وثوابته فهو ليس شعباً وظيفياً يحيا ليقوم بالأنشطة البيولوجية والفسيولوجية فقط وإنما هو الشعب الذي قلب هرم ماسلو للحاجات الإنسانية رأساً على عقب وقدم الحرية والكرامة الوطنية على حاجاته الفردية الأساسية, وهو بالتأكيد ليس غائباً عن الوعي ويستطيع التمييز جيداً بين الخيارات المتاحة ولديه رصيد كبير جداً من الحس الوطني والوعي السياسي يؤهله لقيادة نفسه وتحديد أولوياته الوطنية وإن العودة له في قضاياه المصيرية عبر إستفتاء أو أي شكل ديمقراطي آخر هو إنتصار لإرادته الجمعية على الإرادات الفردية أو الفؤية أو الحزبية الضيقة لأي حركة أو منظمة, وهو وحده -إن تمكن من الإختيار- يستطيع أن يتخذ القرار الصحيح والمناسب, ويكون المصدر لقوة قيادته التي يختارها.

فضـح السـتر …

1,304 مشاهده
الكاتب مؤمن شقفة في نوفمبر 23rd, 2010

بحكم النرجسية الوطنية التي تحكم تصور الإنسان لنفسه و لشعبه و لوطنه أعتقد أننا أصبحنا مبدعون في كل شئ و خصوصاً في المجال الإعلامي , حيث فازت قناة القدس الفضائية ( الفلسطينية ) بجائزة أفضل برنامج وثائقي عن برنامج ” أحلام بسيطة ” في المؤتمر الرابع لاتحاد التلفزيونات والإذاعات الإسلامية في طهران , و دفعني هذا الخبر لمشاهدة ذلك البرنامج الذي يهدف على ما فهمت لتحقيق أحلام بعض العائلات المستورة و المحتاجة في قطاع غزة , لكن و للأسف لم أجد فيه ما يستحق الجائزة سوى بعض الإبداع المهني فقط , و قبل أن تنتهي الحلقة نفذ صبري و أغلقت التلفاز , فقد كنت و لا زلت متحفظاً على مثل هذه البرامج التلفزيونية الشهيرة و التي تستخدم البسطاء و الفقراء و تجعل من حاجتهم و قلة قدرتهم و فضح سترهم مادة أو موضوعاً مُثيراً لحصد اكبر عدد من المشاهدين لتلك البرامج , و كذلك جذب المزيد من الداعمين و الممولين لها و الذين يحبون ان يظهروا بمظهر المُحسن , حتى أصبحت لا أفضل مشاهدتها لأنها تثير الكثير من التحفظات و التساؤلات بداخل الإنسان , فمن جهة تتعاطف كثيراً إلى حد البكاء احياناً مع تلك العائلات أو الحالات التي يتم عرضها في تلك البرامج و شدة حاجتها و فقرها , و من جهة آخرى تثور بداخلك تساؤلات تلقائية , اين الدولة ؟ … , اين الحكومة ؟ … , اين المؤسسات الأهلية التي تقوم اساساً على رعاية مثل هؤلاء ؟ … , و اين تذهب تلك الأموال التي تُجمع بأسمهم و تحت شعارات متعددة إنسانية أو دينية تقوم كُلها على أوجاعهم و مُعاناتهم ؟ … , و من جهة ثالثة يثور بداخلك التحفظ الأساسي و الإنساني و هو حقهم في الستر و عدم فضحهم على شاشات القنوات الأرضية و الفضائية , على قاعدة أن لا ترى يدك اليُسرى و المشاهدين ما أعطته يدك اليُمنى !!! حيث أن حاجتهم الماسة لا تعني أن تُستباح إنسانيتهم و فضح سترهم إجتماعياً و إن كان ذلك بهدف مساعدتهم , ففي تلك البرامج يحدث أن يتم سترهم مادياً و تعريتهم معنوياً , و إنني أتحدى كل تلك البرامج و الفضائيات أن تساعدهم دون أن يظهروا أمام الكاميرات , فأنت ترى الكثير من المشاهد المؤذية و المُستبيحة لهم , تقترب الكاميرا أكثر من وجه تلك العجوز لتنقل لك انهمار الدموع من عينيها و خجلها الشديد ليس من فقرها بل من تلك الكاميرا التي تنتهك إنسانيتها , و ثلاث فتايات في مُقتبل العمر يختبئن خلف جدار اسمنتي ينهار فلا يُردن أن يظهرن في البرنامج فتراهن زميلاتهن في المدرسة بهذا الشكل , و يحاولن التحايل على مقدم البرنامج كي لا يدفعن ثمن الخزانة أو الثلاجة التي جلبها معه بظهورهن القسري في برنامجه إلا انهن يستسلمن و يتقدمن بحذر لفتح أبواب تلك الخزانة و إبداء الفرح المغموس بالذل و الدموع أمام كاميرا البرنامج الشهير , ثم يأتي السؤال التقليدي التافه لهؤلاء الفقراء , بماذا تشعر الآن ؟ اشعر أنني مُباح و مُنتهك و بلا كرامة و أن كل شئ في الحياة له مُقابل … أشعر بالفرح و أشكرك يا أستاذ و أشكر أهل الخير ….. ليس هكذا تقدم المساعدة للناس يا سادة إذا كانت مجردة من اي شئ آخر , أو إذا كانت مدفوعة بقيمة الخير كما تدّعون , ليس بالدوس على كرامات الضعفاء و استغلال حاجتهم لأهداف قد لا يعونها , ليس هكذا يكون الإبداع و لا حتى التجارة .

إسـرائيل, طريق النهاية…

494 مشاهده
الكاتب مؤمن شقفة في يونيو 2nd, 2010

إنطلاقاً من مفهوم “الأغيار” والنظرة الحاخامية الدونية للآخرين, مارست إسرائيل ولا زالت تمارس أبشع أشكال العنف والتنكيل بالفلسطينيين, فوفق مفهومها هذا لا أدمية أو حياة لأي أحدٍ من الآخرين “الأغيار” إلا إن كان عبداً ذليلاً لهم, حيث أن غيرهم خُلق في الأصل لخدمتهم, وإن لم يكن كذلك, فموته لا يعني شئ عندهم, هذا هو منطقهم ومنطلقهم للتعامل مع البشرية جمعاء, وليس مع الفلسطينيين أو العرب فقط كما يعتقد البعض, إنه كيان نشأ وترعرع على فكرة إضطهاد الآخرين وظلمهم وكرههم وعدائهم لليهود في العالم, ويظهر ذلك جلياً في تبريرات إسرائيل في كل مرة تمارس فيها شهوة القتل وتعتدي على الآخرين, وتدعي أنها تدافع عن نفسها, ففي العام 1948 توحدت العصابات الصهيونية وهاجمت القرى والمدن الفلسطينية تحت إسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”  ولا أفهم عما كانوا يدافعون حينها و هُم من كانوا يهاجمون ويقتلون  وييُشردون الآخرين من مدنهم وقراهم وبيوتهم! ولكنني أفهم ذلك الشعور المرضي المُسيطر عليهم منذ ذلك التاريخ, وهو أنهم في خطر وجودي دائم, وخوفهم هذا ناتج عن عدم قدرتهم لأكثر من ستون عاماً على جعل وجودهم طبيعياً, وعجزهم هذا حرمهم من التكيف وتكييف محيطهم مع وجودهم المزيف, وإن شعورهم هذا هو الدليل على عدم وجودهم الأصيل في المكان, فالناس بالطبيعة يشعرون بالإستقرار والأمان عندما يكونون في بيوتهم لأنها بيوتهم, و بالطبيعة أيضاً لا يمكنك ابداً أن تستقر أو تأمن في بيت سَرَقّتَه وطَرَدّت أهله منه عنوة, ولاحقتهم أينما حلوا قتلاً وتنكيلاً وكأنك تريد أن تقتل الحقيقة, والحقيقة ابداً لا تموت.

سبق أن أمعنت إسرائيل كثيراً وعميقاً في ممارساتها التي تُظهر مدى عنجهيتها وعدم إكتراثها بكل القيم والمبادئ الإنسانية, حينما ذبحت الأطفال والنساء والعجائز في دير ياسين, وحينما دفنت جرافاتها جثث الشهداء في جنين, وحينما ألقت بقنابلها الفسفورية فوق الأطفال المختبئين في مدارس وكالة الغوث الدولية,  وقتلت أكثر من 1500 إنسان جهاراً نهاراً في حربها على غزة في العام 2008, وحينما قصفت طائراتها ومدافعها مقرات الأمم المتحدة في لبنان وغزة عنوة, وحينما إستخدمت مخابراتها جوازات سفر عدة دول لتنفيذ عمليات إغتيال لقادة فلسطينيين وعرب وآخرين دون إحترام لقوانين تلك الدول أو لمنظومة القوانين والعلاقات الدولية.

لا زال لاوعي إسرائيل يُخيل لها أن أفعالها هذه ستؤدي لردود أفعال رسمية باهتة من دول العالم تكتفي بالتنديد والشجب والإستنكار كالعادة, أو تحرك بعض المظاهرات هنا وهناك, وستخمد نارها بعد فترة, هذه المعادلة قد تبدو صحيحة في شقها الأول حيث أصدرت الحكومات بيانات الشجب والإستنكار وبعضها لم يحرك ساكناً, لكن ما لا تدركه إسرائيل أن وعيها غائبا بفعل الغرور والصلف عن حجم الكراهية التي أصبح الكثيرون يحملونها لها في مختلف دول العالم, لقد آذتها كثيراً العولمة وثورة المعلومات بشكلها الحالي, فلا يمكنها الآن أن تمنع الصورة المباشرة والخبر العاجل عن عيون ومسامع الشعوب, حيث لم تعد تسيطر بشكلٍ مُطلق على كل وسائل الإعلام في العالم, وخصوصاً في الغرب بواسطة المال أو الاغتيال أو فبركة الفضائح الجنسية, أو الملاحقة القضائية لكل من ينتقدهم بتهمة “معاداة السامية” لا يمكنها أيضاً التحكم في ردود أفعالهم العاطفية والعقلية, حيث بدأت ممارساتها المفضوحة ثؤثر بشكلٍ متصاعد في الرأي العام العالمي, وعلى المدى البعيد سيؤثر ذلك حتماً على توجهات الشعوب عند إختيارهم لحكوماتهم, ويدققون في مواقفها تجاه إسرائيل حيث بدت الآن الكثير من الحكومات الغربية خجولة أمام شعوبها من التأييد المطلق لكل ما تفعله إسرائيل, و أخذت تُجري تعديلات حادة على مواقفها لصالح الشعب الفلسطيني المضطهد, ولصالح إنسانية شعوبها التي خدعتها لفترة طويلة من الزمن آلة الدعاية الصهيونية, حيث كانت الكثير من الشعوب تصدق الرواية الإسرائيلية وتًكذب الرواية الفلسطينية والعربية دائماً.

إن فجر31/5/2010 لن يؤرخ له كأي يوم آخر فاحت منه رائحة الدم من أيادي إسرائيل كالعادة, وسيُبَرر كالعادة, وإنما سيُسجل في تاريخ إسرائيل الأسود يوماً مارست فيه القتل العلني في مواطني أكثر من 32 دولة عندما كانوا يبحرون محملين بعبئ المواقف الإنسانية, ويتجهون إلى أخر مواقع الظلم والإستعباد في العالم الجديد, يتجهون إلى فلسطين, إلى غزة, ودون تفكير أو تردد وبغباء القوة وصلفها المعهود عنها إنقضت القوات الخاصة الإسرائيلية عليهم وأمعنت فيهم القتل والتنكيل, وحاولت التعتيم على جريمتها, إلا أن أنباء ما حدث قد وصلت للجميع, وبشكل تلقائي تفاعلت الشعوب مع الحدث, وحاولت التعبير عن إنسانيتها في وجه منظومة اللاقيم واللاأخلاق التي ينتهجها هذا الكيان القاتل ضد كل من يقول له لا.

إن تلك الممارسات المُمنهجة والمندفعة من غريزة العدوان تجاه الآخرين جعلت المجتمع الإسرائيلي نفسه مجتمعاً عدوانياً يحكم علاقاته العنف والخوف والتناقض وعدم الإستقرار, حيث ظهر بينهم الكثيرين ممن يرفضون التجنيد ويهاجرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا بعيداً عن هذا الكيان المنبوذ الذي أصبح عبئاً على حياتهم ومستقبلهم الشخصي.

إن إستعلاء إسرائيل على شعوب العالم, وإستقوائها على الفلسطينيين لن يستمر أكثر من ذلك, وها هو يعود عليها كل يوم بسخط الأحرار في العالم ورفضهم لها, وإن الجيتوهات التي تحاول أن تسجن الفلسطينيين بداخلها عبر الأسوار العالية والحواجز في الضفة, والحصار على غزة لم ولن تنجح في جعل الفلسطينيين يستسلمون لها, بل على النقيض تماماً, هذه الممارسات جعلت الإسرائيليين هم من يحيّون الآن في جيتو يُسمى إسرائيل, ويرزحون تحت حصار الكراهية والبغض الناتجة عن ممارساتهم, وسلوكهم العدواني اللاإنساني تجاه الآخرين, كما رزح تحته الحكم الاستعماري العنصري في جنوب أفريقيا قبل إندحاره بعد ثلاثة قرون من الفصل العنصري, وستون عاماً من سن قانون إقامة مناطق عزل للسود والملونين تُدار بالحكم الذاتي, حيث لم يستطيع هذا المنطق الصمود في وجه المقاومة والتعاطف الشعبي العالمي مع السود, وإنهارت في النهاية دولة القهر واللاإنسانية وتفكك نظامها العنصري وحل محله نظام إنساني ديمقراطي يساوي في الحقوق والواجبات بين سكان تلك الأرض, وحكم أصحاب الأرض الأصليين كل من عليها, ولم يظلموا أحد للونه أو لمعتقده أو لعِرقه, ولم يمارسوا أعمال إنتقامية ممن مارسوا الظلم سنيناً ضدهم, إن تلك الحتمية التاريخية ومهما حاولت إسرائيل وحلفاء منطقها وقيمها الساقطة الهروب منها, هي واقعة لا محالة وإن تطلبت ستون عاماً أُخرى.

“إسـرائيل” عضو في منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية!

403 مشاهده
الكاتب مؤمن شقفة في مايو 29th, 2010

صار أصعب مما كان الآن تعزيز ثقة الفلسطينيين بالقوى الدولية كوسيلة لإسترداد حقوقهم الوطنية من خلال الضغط على إسرائيل التي حصلت لتوها على عضوية منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية, وهي القوة التي لم تزل تحتل أرضهم, وتمارس ضدهم أقبح أساليب التفرقة العنصرية وبأعنف وأقذر الوسائل, وسوف يعزز موقف تلك المنظمة الدولية لدى الفلسطينيين أكثر مما سبق الشعور بعدم الثقة بجدية عملية السلام في المنطقة وإمكانية التعايش المشترك, حيث لا يوجد ما يبرر لمنظمة التعاون منحها إسرائيل مكافأة كبرى نظير قتلها للأطفال والنساء والعجائز وتشريد الشعب الفلسطيني, و تنكرها لحقوقه, فهل يُعقل أن يكون الرد على تقرير جولدستون الذي أدان إسرائيل بإرتكاب جرائم حرب في غزة, منحها المزيد من الامتيازات!, وكيف يتم ضمها إلى مثل هذه المنظمات الدولية, وهي التي تخالف كل معايير “الايزو الإنسانية”؟!, و هي الدولة التي تواصل رفضها تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية, إن ذلك الموقف لن يُفهم لدى شعبنا إلا في سياق إمعان تلك القوى في تدليل قاتله ومغتصب أرضه وإسقلاله وحريته.

إنها حقائق ومواقف عملية واضحة تأتي لتُظهر الفارق الكبير بين الخطاب الموجه للعرب والفلسطينيين من تلك القوى, والمواقف الفعلية لها من إسرائيل, فتطلق هذه الدول الدعوات كل فترة لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط, وتطالب إسرائيل بوقف إستيطانها في الضفة الغربية ورفع الحصار عن قطاع غزة, وفي نفس الوقت الذي ترفض إسرائيل فيه حتى الإصغاء لتلك المطالب, وفي ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة, تمنحها هذه الدول العضوية الكاملة في منظمة التعاون!, مستبعدة من ذلك كل المعايير السياسية والأخلاقية لعضوية المنظمة, وفي نفس الوقت ترفض دول المنظمة إنضمام روسيا والصين إليها وهي قوى إقتصادية عملاقة بالمعايير الإقتصادية!

سوف تستفيد إسرائيل من عضوية هذه المنظمة عن طريق جذب إستثمارات لها تتجاوز خمسة مليار دولار, وكذلك الإستفادة من خبرات المنظمة وبلدانها في شتى المجالات الاقتصادية, والمفارقة هنا أن هذه البلدان قد قبلت بتقرير الناتج الإسرائيلي السنوي والذي يتجاوز الثمانين مليار دولار, والتي شملت ناتج المستوطنات في الضفة الغربية وكذلك الجولان السوري المحتل, حيث إعترضت سويسرا والنرويج على ذلك, ولم يتغير شيء, حيث رفعتا إعتراضهما مقابل “وعد” من نتنياهو برفع ناتج المستوطنات من الناتج الإسرائيلي العام بعد عامين, وليس إيقاف الإستيطان أو الإنسحاب من الأراضي المحتلة, وللحقيقة أنه وطوال مدة تفاوض إسرائيل مع المنظمة لم يطالبها أحد من المفاوضين بذلك.

تضم هذه المنظمة الدول الجديدة لعضويتها بإجماع أعضائها, حيث كان بإمكان صوت واحد فقط  لدولة عضو في المنظمة أن يمنع إسرائيل من دخولها, وعقد الكثيرون -وأنا لست بينهم- الأمل على تركيا “العثمانية” الدولة العضو في المنظمة أن تصوت ضد ضم إسرائيل للمنظمة, وخصوصاً في ظل الخطاب الحماسي الذي يلقيه على مسامعنا أردوغان كل حين ضد بلطجة وعنف الإحتلال الإسرائيلي, وبعد مسلسل “صرخة حجر المُسف”, إلا أن تركيا العثمانية وكالعادة إدعت على لسان وزير إقتصادها علي بابا جان أن عدم تصويتها ضد إنضمام إسرائيل كان لإعطاء دفعة لعملية السلام في المنطقة, وطبعاً لن يصدقها حتى مجنون, ومن ينتظر منها غير ذلك يحتاج لإعادة قراءة متأنية للتاريخ, ودراسة للمصالح الإستراتيجية للدول, فمن جهة تناطح سفنها البحر لتوصل الغذاء إلى أهل غزة المنكوبين, ومن جهة أُخرى تدُخِل القابض على غزة وفلسطين ومن قتل من أهلها الآلاف إلى منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية, لِمَ لا؟ فكلهم غرباء وطامعون وطامحون, لِمَ لا؟ ما دامت كل أموال العرب وتحالفاتهم لم تُجلسهم على مقعد العضوية في تلك المنظمة, لأنهم لا زالوا متخلفون إقتصادياً وضعفاء, ولأن لغة السياسة لا تعترف بالإستجداء والعويل,  ولا تُحصي الضحايا ولا تزن الدماء, فهي تعترف بالقوة وبالمصالح الإستراتيجية فقط.

إيران وتركيا والمنطقة العربية (حرب النفوذ والسيطرة)

785 مشاهده
الكاتب مؤمن شقفة في أبريل 18th, 2010

لقد بات واضحاً التواجد الإيراني التركي في المنطقة العربية, ولكن ما لم يتضح أكثر حتى الآن هو الأهداف الحقيقية للدولتان من التدخل المباشر والغير مباشر وإمتداد نفوذهما الطوعي أو الإجباري في المنطقة العربية, وكذلك مناصرة تلكا الدولتان للقضية العربية المركزية القضية الفلسطينية وخصوصاً غزة, حيث وصلتا بذلك للصدام المباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية, فهل حقاً أنهما تناصران الفلسطينيين أم أنهما تستخدمان قضيتهم كدرع في حرب النفوذ والسيطرة المستعرة في المنطقة؟ في ظل غياب واضح ومؤكد لأي مشروع عربي أو توجه عربي يغلق أبواب القلعة أمام الطامعين, وليس هناك أكثر من محاولات للظهور وكأن هناك بدائل عربية تستطيع ملئ الفراغ في المنطقة العربية, وحتى هذه المحاولات تبدو حتى الآن كلها قُطرية فمن جهة تحاول مصر التدخل لصد النفوذ الإيراني في العراق وفلسطين ولبنان والسودان واليمن إلخ…, و من جهة أخرى تحاول السعودية الدفاع عن نفسها وعن مجالها الحيوي في وجه النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة, وليس هناك أي تحرك وحدوي عربي -وقد صار طبيعياً- لقطع كل الأذرع التي تمتد إلى داخل حدودنا القومية وأولها إسرائيل.

تعمل إيران منذ مدة طويلة -وخاصة بعد الإحتلال الأمريكي البريطاني للعراق-  وإزدياد الضعف والخلافات العربية أكثر على تأكيد ذاتها كقوة أساسية في المنطقة حيث أقامت عدة مشاريع إستراتيجية عملاقة وبالتحديد في مجال التسلح وتطوير قدراتها الصاروخية وشراء تقنيات حديثة من روسيا, وأهم هذه المشاريع المشروع النووي والذي يثور الجدل حول ماهيته إن كان سلمياً أم لا, ولا أحد يعلم غير القيادة الإيرانية ماهية مفاعلها النووي, وهل لو إمتلكت إيران القنبلة النووية أو عدة قنابل نووية أو حتى القدرة على تصنيع القنبلة النووية ستخلق بذلك رادعاً إستراتيجياً لإسرائيل في المنطقة, وكيف سيكون ذلك وإيران تعلم تماماً أن أي ضربة عسكرية غير تقليدية لإسرائيل سوف يكون ثمنها ضربة ساحقة من الولايات المتحدة لإيران إذا لم تستطع إسرائيل تحمل تلك الضربة المفترضة في تصريحات القيادة الإيرانية؟, أم ستكون هذه القدرة سيفاً على رقاب الدول العربية والإقليمية, وتكون بمثابة الإعلان عن قيام الإمبراطورية الفارسية وسيطرتها على معظم أجزاء المنطقة العربية وخصوصاً منطقة الخليج العربي الذي تطلق عليه “الجمهورية الإسلامية” الخليج الفارسي!, فلو أطلقت إيران على الخليج إسماً إسلاميا لسكت الجميع إحتراماً وخصوصاً أن كل الدول المطلة على الخليج تدين بالإسلام, وبتلك القنبلة تستطيع إيران أن تحدث الخلل الاستراتيجي الأكبر لصالحها في المنطقة, وحينها ستتمكن إيران من مد يدها أينما تشاء في المنطقة العربية دون الحاجة لحلفاء داخل تلك الدول يعملون على أحداث الفوضى والتشرذم ويفتحون أبواب دولهم للتدخل الإيراني, كما حدث في فلسطين ولبنان وكما يحدث الآن في العراق واليمن, وقد يحدث غداً في البحرين أو الإمارات, كأي دولة عُظمى تصول وتجول في المنطقة دون رادع, وحينها أيضا ستظهر أنياب المشروع الإيراني الإقليمي, ذلك المشروع الذي بدى جلياً في تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد  في يوم الجيش أثناء عرض عسكري حيث قال: أن إيران أهم دولة في منطقة “الشرق الأوسط” والشعب الإيراني هو أقوى أُمة في العالم, و”الشرق الأوسط” أهم منطقة في العالم ومن يريد السيطرة على العالم عليه السيطرة على “الشرق الأوسط”, تحدث نجاد هنا عن الشعب الإيراني أي عن قومية وليس عن ديانة, وتحدث عن أهمية إيران المطلقة في المنطقة مستخدماً مصطلح “الشرق الأوسط” وهو يعلم تماماً أن هذا المصطلح البريطاني الأمريكي يُدخل إسرائيل في المنطقة كما يُدخل إيران, ويبدو أنه قد قصد ذلك كرسالة للولايات المتحدة وحلفائها بأن يضعوا في حساباتهم المصالح والنفوذ الإيراني في المنطقة مطالباً بين السطور بإعطاء إيران ما تستحقه من مكانة في “الشرق الأوسط” بناءً على المعطيات الإقليمية القائمة وبما يتلائم مع قوتها, وحينها يمكن لإيران القوية المتحكمة في المنطقة أن تُعطي إسرائيل إعترافاً ضمنياً أو صريحاً بوجودها وتضع حلفائها في مركب الحلول السياسية المطروحة للصراع, فالقضية الفلسطينية لدى إيران ليست أكثر من إستخدام ذكي للمحرك الأساسي والنمطي للعواطف العربية والإسلامية في إطار المصالح الإيرانية في المنطقة, فالقاعدة بسيطة وناجحة من يناصر الشعب الفلسطيني المكلوم سيمتلك قلوب الملايين العربية والإسلامية, وتعلم الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما أن إيران يمكنها تبادل الملف الفلسطيني معهم إذا حصلت على ثمن مناسب له في أي وقت.

بنفس الذكاء وكمنافس أساسي تقدمت تركيا “العثمانية” إلى المنطقة العربية مطالبة بجزء من النفوذ والسيطرة على المنطقة كحق تاريخي “عُثماني”, فدخلت تركيا أيضاً عبر بوابة الحق الفلسطيني والظلم الإسرائيلي إلى المنطقة, ذلك الظلم الذي لم تكن تركيا تراه عندما وقعت على التحالف الأمني والعسكري الإستراتيجي بينها وبين إسرائيل في 24/ فبراير/1996م, والمناورات والتدريبات المشتركة التي أجرتها إسرائيل وتركيا عدة مرات, وقد إستفادت تركيا من تجارب إسرائيل في قمع الفلسطينيين في محاولاتها لقمع الأكراد, قَدِمَت تركيا إلى المنطقة بحفنة من المواقف الكلامية المثيرة كإنسحاب أردوغان من مؤتمر دافوس في العام 2009م إحتجاجاً على حديث شمعون بيرس حيث صفق له الحضور ومن بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى, حيث صفع أردوغان “النظام العربي” بهذه الحركة الإعلانية, التي كان ظاهرها صفعة لإسرائيل إلا أنه قد إستغل وجود عمرو موسى وكل فضائيات العالم ليظهر وكأنه الفارس, ويظُهِر العرب مُمَثَلين بجامعة الدول العربية وكأنهم عاجزون حتى عن الكلام.

يطمح الأتراك العثمانيين -كما الفرس- إلى مد نفوذهم والسيطرة على المنطقة ضمن مصطلح “الشرق الأوسط”, ويقدمون أنفسهم للعرب كأصدقاء وأصحاب مصير واحد دون فك تلك التحالفات الأمنية والعسكرية مع إسرائيل!, ويقدمون أنفسهم للغرب بأنهم النموذج للدولة الإسلامية “السنية” المتحضرة والتي يجب أن يعطيها الغرب دور يتناسب وحاجته لها في المنطقة وكذلك وما يتناسب مع قوتها ومدى تأثيرها في المحيط, ومحاولة مد نفوذها في المنطقة قد يجعل الإتحاد الأوروبي في حاجة لوجودها داخله, وتصبح هي بوابته للشرق المُسلم, فتركيا “العثمانية” ترى أنها الأحق بمد نفوذها وسيطرتها على ولاياتها القديمة, فقد خاطب أردوغان العرب يوم إفتتاح قناة تركيا الناطقة بالعربية قائلاً: على مر التاريخ عندما شعرت جيبوتي وأبو ظبي  وصنعاء والجزائر وطرابلس بالفرح شعرت اسطنبول بالسعادة, وكونوا على ثقة أنه عندما تحزن القدس وبيروت والخرطوم والكويت ونواكشوط ومقديشو والمنامة, تشعر اسطنبول بالحزن, ومصير اسطنبول ليس منفصلاً عن مصير القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وعمان ومكة والمدينة, خاطب أردوغان تلك المدن العربية من اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية وربط أحزانها وأفراحها بإسطنبول ولا أعلم إن كان قد تقصد أن يكون خطابه من اسطنبول وأن يذكر مدناً عربية وليس دولاً عربية, أو أنها هفوة أعطت إشارة واضحة لطموح تركيا العثمانية وأطماعها في المنطقة, حيث وقف أردوغان أكثر من مرة مدافعاً ومجملاً للإستعمار العثُماني للمناطق العربية تحت راية “الخلافة الإسلامية” ومذكراً بأمجادها.

دخلت تركيا للمنطقة والكل في أزمة, العرب والغرب وإيران وإسرائيل, وطرحت نفسها عراباً للجميع, على أن يدفع الجميع ثمناً لدورها الذي يبدو أنهم في حاجة ماسة له ويُقرون بمكانتها الريادية في المنطقة, فتدخلت مباشرة في مفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل وأشرفت عليها بالوكالة عن الولايات المتحدة, وكذلك تدخلت ولا زالت بين الغرب وإيران محاولة التوسط في أزمة الملف النووي الإيراني والذي تخشاه تركيا نفسها, كما أنها توسطت بين بعض الدول العربية وإيران في أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية, وكذلك لعبت دوراً فاعلاً في إنهاء الأزمة التي اندلعت بين العراق وسوريا بعد إتهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا بالوقوف خلف عدة تفجيرات حدثت في بغداد, ولا أعلم كيف تجمع تركيا بين تحالفها الذي لا زال قائماً مع إسرائيل, وبين تحالفها مع سوريا وإجرائها مناورات عسكرية برية معها في العام 2009م!, وكيف تقبل سوريا بذلك وتركيا تحتل لواء الاسكندرونة العربي السوري؟ وكذلك العلاقة السورية الإيرانية الإستراتيجية, وإيران تحتل جزر أبي موسى وطنب الكبرى والصغرى, أفهمه وفق ما أفهم السياسة كمجموعة من المصالح المتبادلة, ولا أصدقاء ولا أعداء دائمون فيها, فوفق قاعدة المصالح التي تقوم عليها العلاقات بين الدول يمكننا فهم طبيعة ما يدور في المنطقة وطبيعة التواجد والدورين الإيراني والتركي فيها وحقيقة أهداف الدولتان, فالدولتان تسعى كل واحدة منهما لفرض نفسها كمركز للقوة والبوابة الرئيسية للمنطقة, والتي يجب أن يمر الغرب وغيرهم عبرها إلى المنطقة وكذلك يمر العرب عبرها إلى باقي العالم, وتكون هي الوكيل الحصري للمصالح الدولية في المنطقة, كل واحدة منهما تبحث منفردة وبأساليبها الخاصة ووسائلها الخاصة عن الدور الريادي في مشروع “الشرق الأوسط” وكل واحدة منهما تستخدم الملفات العالقة في المنطقة كلٌ على طريقته وبما يخدم مصالحه الذاتية فقط ودون النظر إلى مصالح الآخرين حتى وإن كانوا أصحاب القضية نفسها, فإيران مثلاً قدمت للولايات المتحدة نموذجاً للتعاون وتبادل المصالح معها في الملف العراقي, وكذلك تبادل المعلومات والتنسيق الأمني في “الحرب الأمريكية على الإرهاب” في أفغانستان وباكستان, وكذلك تركيا التي قدمت للولايات المتحدة نموذجاً في التعاون وتبادل المصالح في الملف العراقي وتعاونت عسكرياً مع الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب على أفغانستان, فهناك ما يحدث ليس احتلالاً وما تقوم به طالبان ليس مقاومة وفق المصالح والرؤية الأيدلوجية الإيرانية من جهة والتركية من جهة أُخرى.

لا زالت أزمة النظام العربي الرسمي تكمن في أنه يعي تلك المخاطر تماماً إلا أنه لم يضع حتى الآن ولو إطاراً واضحا لمشروع عربي كبير يجعل من العرب القوة المركزية في المنطقة ويحافظ على مصالحهم الإستراتيجية وسيادتهم عليها, ويعطيهم حقهم الطبيعي والأصيل في مد نفوذهم وسيطرتهم على المنطقة وعلى مجالها الحيوي.