رحلت الغالية .. فهل من مغيث للباقين !!

 

بقلم/ محمد نافذ السوافيري

دموعي بللت أوراقي قبل أن أبدأ بترجمة احتراقي, لأنني أدركت أن قلمي لن يستطيع ترجمة حروفي الملتهبة على أوراق باردة, ولكني سأحاول أن أخلط بعضاً من دموعي مع حبر قلمي لأكتب عن معاناة أهل لنا تُركوا في عرض البحر بين أوطان عربية لا يملك حكامها إلا شعارات لمناصرة القضية, عن جرح ابنٍ لحاجة قتلها البرد والألم والعرب.

 

قبل أن أبدأ في كتابة هذا المقال, كنت أشعر بالبرد الشديد القارس وأنا جالس في بيتي وعندها وكأي أحد مثلي ما كان مني إلا ان أحضرت الأغطية وتمددت على سريري بكل راحة وطمأنينة عندها شعرت بالسعادة وحمدت الله كثيراً على هذه النعمة, ولكن ما عكر صفو هذه الليلة أنني استشعرت معاناة حجاج القطاع العالقين في عرض البحر الأحمر ولا يوجد معهم إلا القليل من الأغطية التي لا تكفي لتغطية طفل صغير, فكيف وهم في برد قارس وشديد وفي عرض البحر, هنا فقط انهمرت دموعي لتحرك في قلبي الشجون, فانتفضت من فراشي بسرعة وأنا أحاول أن أكتب ما يجول في صدري عن معاناتهم وما يمكنني أن أقدم لهم بعد أن تخلى عنهم القريب والبعيد.

 

استوقفتني كلمات حاج فلسطيني عالق وهو يصرخ عبر الإذاعة بصوت مخنوق: “واسلامااااااااااااااه … أين أنتم يا عرب”, وآهات النساء من حوله تنادي وتناشد وكأن صوت صراخهم وآهاتهم لا يصل إلا إلى غزة المنكوبة الحزينة.

 

لقد انتابتني مشاعر مختلطة عندما سمعت بخبر وفاة ثلاثة من الحاجات العالقات سقطن واحدة تلو الأخرى وبقية باقية تنتظر.

 

الحزن الكبير الذي ألم بي وبكل من سمع بمعاناة الحجاج وعرف عنهم, حيث لا يبعدهم عن بيوتهم وبلادهم سوى بعض الكيلو مترات, ولكن يأبى الرؤساء العرب أن يسجلوا لهم موقفاً مشرفاً في هذا التاريخ ويأبى العرب بأن يقفوا وقفة واحدة تجاه معاناة آلاف الحجاج المقهورين.

 

دفعتني مشاعري لأن أتحدث بما يعتصر قلب ابن إحدى هؤلاء الحاجات الشهداء اللواتي توفين برداً وقهراً وظلماً فكتبت والدموع ما فتأت تفارق عيوني: “أمي العزيزة الغالية .. يا نبع الحنان ومهجة القلب الولهان .. أمي الحبيبة لقد سمعتُ صرخات موتك قبل أن تسمعي أناشيد الفرح بقدومك .. لقد وصلتني دعواتك لي في أطهر بقاع الأرض قبل أن تصلني المسبحة وسجادة الصلاة ..آآآه يا أمي .. لماذا لم تصبرين حتى أُقبل جبينك المعطر بمسك الجنة ؟! ..

 

لماذا لم تنتظري حتى أُقبل يداك التي رُفعت لي بالدعوات الصادقات ؟! أمي الغالية.. لقد جهزت البيت بالزينة الجميلة لاستقبالك كما يستقبل كل الناس حجاجهم, ولكن سامحك الله يا أمي فقد أصررت أن تتمتعي بزينة الجنة قبل أن تشاهدي زينة البيت .. لكن أجيبيني يا أمي ؟؟ من الذي تسبب في قتلك ؟! .. ولماذا قتلوك ؟! .. أليس العرب بل كل العرب أول من تورط في قتلك يا أمي ؟!.. سامحيني يا أمي لأنني لم أستطع أن أفعل شيئاً .. سوى أن أرفع أكفي لله بالدعاء بأن يعيدكِ إلينا سالمة غانمة ولكن يبدو أن أحبابك في الجنة قد اشتاقوا إليكِ يا أمي .. ولتكن كلماتي هذه دعوة تصل إلى قلب كل عاقل يشعر بمعنى أن يفقد أحد أغلى ما مَنَّ الله عليه في هذه الدنيا ” الأم “, وصرخة في وجه كل ظالم حرم الحجاج من العودة إلى بيوتهم  بأن يفتش عن ذرة نخوة وضمير في قلبه بألا يقتل ما تبقى من الحجاج المقهورين كما قتلك يا أمي”.

 

دمعة تتلوها دمعة .. والحزن ما زال يعشش في قلبي, والرجاء والأمل معقود بوجه الله عز وجل بأن يعيد ما تبقى من الحجاج إلى أهليهم وبيوتهم سالمين غانمين معافين, وأعتقد أن الدعاء هو السلاح الوحيد الذي لا ينفذ .. فالدعاء الدعاء لعله أن يكون من بيننا من هو مستجاب الدعوة .. فلا رجاء ولا استغاثة إلا بالله سبحانه وتعالى.

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash