Home > الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي > إسرائيل تحتمي بالجدار النووي .. د. مصطفى يوسف اللداوي

إسرائيل تحتمي بالجدار النووي .. د. مصطفى يوسف اللداوي

مايو 5th, 2010

(1)

يتفق دارسو التاريخ اليهودي، خاصة الذين يهتمون بدراسة طبيعة الشخصية اليهودية، على وجود جامع مشترك أعظم بين اليهود جميعاً، في كل العصور والعهود التي عاشوها، قديماً وحديثاً، وهي سمة الخوف الدائم، والقلق المستمر على الوجود والمستقبل، والافتقاد المستمر للإحساس بالأمن والأمان، نظراً لسوء أخلاقهم، وخبث معاملاتهم، وإفسادهم المستمر بين البشر، وقد انعكس هذا الاحساس على النمط الحياتي العام لليهود، على المستويين الخاص والعام ، سواء كانوا أفرداً، أو منتظمين في دولة أو مجتمع، مما يجعل السلوك الفردي والجماعي لليهود ينصب على غاية واحدة، وهي البحث المستمر عن الأمن المطلق غير المحدود، الذي يحميهم من ظلمهم وبغيهم المستمر في الأرض، مما يفسر لديهم نزعة التحكم والسيطرة، والخوف من الآخر، والتربص به، وصولاً إلى مباغتته والغدر به، ولهذا فإننا نجد فيهم دائماً رغبةً لجوجة في امتلاك وتعظيم مصادر القوة على اختلافها، وإرهاب الآخرين وترويعهم، ومحاولة اخضاعهم بالقوة، وإجبارهم على القبول بواقع تفوق دولتهم على محيطهم كله والجوار.

وانطلاقاً من هذا المفهوم اليهودي العام، الذي شكل نمط حياتهم، وصبغ سلوكهم، وحدد اتجاه سياستهم، فكان ناموساً لا يخرجون عنه، وسمتاً عاماً يتميزون به، ووضع إطاراً عاماً لتشكيل علاقاتهم، التي تقوم على الاستحواذ والاستغلال، وحرمان الآخر مما تطمع في أن يكون لها وحدها، ولهذا يخطئ من يظن أن إسرائيل لا تمتلك أسلحةً رادعة، تنتمي إلى منظومة الأسلحة النووية، وأنها لا تسعى لامتلاك المزيد من التقنية النووية العالية، وتطوير قدراتها النووية الرادعة، وأنها لا تسلك كل السبل –المشروعة وغيرها- لتحقيق أهدافها، والعالم كله، فضلاً عن الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول أوروبا، التي كان لها دورٌ كبير في تمكين إسرائيل من امتلاك هذه القدرات المرعبة، أصبح يعرف أن إسرائيل قد دخلت منذ عقود ضمن نادي الدول النووية، وأنها باتت تمتلك ترسانة ومخزوناً نووياً كبيراً.

فأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية أضحت معروفة للجميع، رغم محاولات التستر الدولي عليها، ومحاولات إسرائيل المحمومة –منذ نشأتها- إنكار ملكيتها لهذا النوع من السلاح، ولكن الخبراء النوويين يؤكدون ملكيتها لهذا السلاح، ويعرفون خطورة قدراتها النووية على سبيل اليقين، ويعرفون ضخامة ترسانتها من الأسلحة النووية وغيرها، رغم أنهم غير متأكدين بعد من حجم وموجودات هذه الترسانة، ولكنهم باتوا على يقين أن إسرائيل أصبحت من الدول العشر النووية الأولى في العالم، وأنها تمتلك إلى جانب القدرات النووية، صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوسٍ نووية، وغواصاتٍ تجوب بحار العالم، وتهدد أمن كثيرٍ من الدول، وهي مزودة بصواريخ نووية، وإسرائيل التي لا تعترف رسمياً بامتلاكها أسلحة دمارٍ شامل، فإنها في الوقت نفسه لا تنكر أنها تمتلك أسلحةً نووية، ولا تخفي أن لها الحق في امتلاك الخيار النووي، والحق في استعماله، في الوقت الذي تحرض دول العالم على محاربة الدول العربية والإسلامية الساعية لامتلاك هذه القدرات.

إن احتكار إسرائيل للسلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، والدعم الأمريكي الكبير لتحقيق التفوق الإسرائيلي في المنطقة، جعل دول حوض البحر الأبيض المتوسط، في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط عامةً، في مجال الخطر النووي الإسرائيلي المباشر، إذ أنها ستكون المتضرر الأكبر في حال استخدام السلاح النووي في أي معركةٍ قادمة، كما أن دول المنطقة تتعرض يومياً لخطر الموت الكامن بسبب النفايات النووية المتراكمة، نتيجة التجارب والأبحاث النووية الإسرائيلية، لذا فإن من مصلحة هذه الدول أن تحث المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، لجعل هذه المنطقة خالية تماماً من السلاح النووي، ومن أسلحة الدمار الشامل، وأن تطالب بإنهاء برنامج التسلح الإسرائيلي المحموم، والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا ومن قبل فرنسا، وفي الوقت نفسه، على المجتمع الدولي أن يدعو إلى توجيه النفقات الهائلة التي تصرف على أبحاث التسلح، إلى مشاريع اقتصادية وإنمائية سلمية، خاصةً وأن مناطق كثيرة وكبيرة في العالم تفتقر إلى التنمية والتقنية، وتعيش التخلف والمجاعة، إلا أن إسرائيل ترفض هذه التوجهات الدولية، ولا تصغي السمع إلى شكوى دول المنطقة، ولا إلى الإنذارات الدولية بخطورة الأسلحة النووية التي تملكها، ولا تعير قرارات الأمم المتحدة أي اهتمام، وترفض -حتى الآن- التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل، كما تعارض قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بمراقبة وتفتيش منشآتها النووية، الأمر الذي يشكل خطراً كبيراً على المنطقة كلها والعالم، وتدعمها وتساندها في مواقفها الرافضة، حكوماتُ الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسكت عن برامجها النووية، وتجاوزاتها تجاه شعوب جيرانها، بل وتدافع عن حقها في التفرد بامتلاك هذه القدرات، وفي نفس الوقت تقف بالمرصاد لشعوب الدول الأخرى، التي تسعى لتطوير برامجها النووية السلمية، فتهدد إيران وكوريا وسوريا، وتدعي أن هذه الدول مارقة، وأنها جزء من محور الشر، بينما تسكت عن إسرائيل التي ترتكب كل الموبقات والمحرمات الدولية، وتمارس أبشع أنواع الظلم عبر قتل أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني، وحصارها وتدميرها للبنى التحتية في البلدين، ومحاولاتها طرد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه، وما يتخلل ذلك من أعمال قتلٍ للأطفال والنساء والشيوخ، وتدميرٍ للمؤسساتِ والمنشآت والبنى التحتية، وتدنيسٍ للمقدسات، وتستخدم في ذلك كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، وتستقوي بما تملكه من أسلحةٍ فتاكة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وضد الشعوب العربية الأخرى، وهي بممارساتها هذه تخرق بوضوحٍ وجلاء، كل شرائع حقوق الإنسان، وتخالف الأنظمة الدولية.

إن صمت العالم إزاء تمرد إسرائيل على القوانين الدولية، ورفضها الخضوع للشرعية الدولية، ورفضها إخضاع مؤسساتها ومنشآتها النووية لرقابة وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يزيد من حجم الظلم، ويدخل المنطقة والعالم في دوامةٍ من العنف، ويفرض حالةً من عدم الاستقرار في المنطقة، فإحساس إسرائيل بالتفوق يزيد من حالة الغرور لديها، ويدفعها لممارسة المزيد من الاعتداءات ضد الدول العربية المجاورة، وهي تدرك أن الحكومات العربية أصبحت مسكونة بالرعب النووي الإسرائيلي، ولهذا فإنها تسعى لفرض تصوراتها على المنطقة بالقوة، وتنسق مع الولايات المتحدة الأمريكية نحو إعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة، بما ينسجم ومصالح إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، وبدا ذلك جلياً –رغم فشل مسعاهم- خلال الحرب السادسة التي أعلنتها إسرائيل على لبنان في الثاني عشر من تموز / يوليو 2006، عندما أعلنت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، أن هذه الحرب تأتي ضمن الخطة الأمريكية لتشكيلِ شرق أوسطٍ جديد في المنطقة، تكون فيه لبنان الدولة الأولى.

فحتى يستطيع المجتمع الدولي أن يضع حداً للظلم، وأن يوقف نهر الدم الجارف، وأن يضع حداً لمأساةِ شعبٍ بكامله، بل يضع حداً لمعاناة شعوب المنطقة كلها، وحتى يسود الأمن والسلام المنطقة، وتتحقق العدالة الدولية، لابد من لجم القوة الإسرائيلية، ووضع حدٍ لغطرسة القوة التي تعيشها، ولابد للمجتمع الدولي أن يفرض هيبته، وأن يخضع إسرائيل للشرعية الدولية، كما يطالب بإخضاعِ دولٍ أخرى إليها، وعليه أن يرغمها على التخلص من المظلة النووية، وأن تتخلى عن الجدار النووي الذي تتسلح به في ظلمها وعدوانها.

ولن يجدي إسرائيل نفعاً إنكارها الرسمي أنها تمتلك أسلحةً نووية، كما لن ينفعها هذا السلاح، إذ ستكون عاجزةً عن استخدامه، لأنها ستكون أول وأكثر المتضررين من استخدام السلاح النووي، وأنها عندما تقرر استخدام هذا السلاح، فإنها ستحكم على نفسها بالموت والفناء، فقد كان هم إسرائيل وقصدها المعلن عندما سعت لامتلاك هذا السلاح، الحفاظ على الذات، وصون الحياة، وهذه هي الجبلة اليهودية التي فطروا عليها، حباً في الحياة، وكراهيةً للموت، ولهذا وانسجاماً مع صفاتهم وجبلتهم، فإنهم لن يقدموا على هذا الخيار أبداً، والذي سموه في حرب رمضان عام 1973 بخيار شمشون، ومع أزمتهم وتعرضهم للخطر خلال الحرب، إلا أنهم لم يستطيعوا استخدام “خيار شمشون”، ولم يتمكنوا من اللجوء إلى الخيار النووي، واستعاضوا عنه بدعمٍ وضغطٍ أمريكي ودولي على مصر وسوريا.

كما أن امتلاكها للسلاح النووي لن يحقق لها الأمن والسلام، ولن ينعم شعبها بالطمأنينة والسلامة، لأن الشعب الإسرائيلي بات يدرك أن هذا السلاح ليس له، بقدر ما سيكون وبالاً عليه، استخداماً وتخزيناً ونفاياتٍ، وأن إسرائيل بامتلاكها هذا السلاح ستدفع دول المنطقة بأسرها، نحو مزيدٍ من البحث والعمل الجاد، لامتلاك التكنولوجيا النووية، وستدخل المنطقة في سباقٍ محموم نحو امتلاك السلاح النووي، وصولاً إلى توازنٍ آخر يفقد إسرائيل أهمية سلاحها النووي.

كاتبٌ وباحث فلسطيني

يتبع -

Be Sociable, Share!

الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash