انفاق غزة.. عالم سفلي قد تخرج منه سالما

قطاع غزة – محمود أبو الهنود

بما يعادل دولارين نقلتني سيارة من نوع مرسيدس قديمة الصنع من مدينتي غزة إلى جنوب القطاع حيث “رفح”.

بعد مهمة بحث ليست سهلة وصلت بمساعدة أحد سكان المدينة إلى منطقة الحدود المصرية الفلسطينية، حيث عالم ليس كأي عالم.

في رفح مجتمع إن اردت ان تشاهده فعليك أن تنظر الى الأسفل. سألت مرافقي: هل نحن في واد النمل؟ فابتسم ولكنه طلب مني الصمت فالمنطقة خطرة وتنتشر بها عناصر شرطية مكثفة ، فلا يحبذ تواجد الصحافة.

اصطحبني مرافقي الى إحدى الاستراحات التي يرتادها في العادة عدد من العاملين في الانفاق، فالهدف هو الوقوف على معاناتهم.

كما يمكن ان تتوقع كانت ملامح رواد الاستراحة تعبة وشاقة، بينما ملابسهم متسخة وأحيانا مهترئة، فيما تتوزع الجروح على اجسادهم المرهقة.

طلب مني شاب – لم يخف التعب والتراب وسامته – النظر الى أسفل النفق “عرف الانسان مهنة حفار القبور منذ زمن أما غزة فالحفار فيها يحفر الانفاق حيث العمل على مدار الساعة ليلاً ونهارا.

هنا – واشار الى النفق – الموت يأتيك طميا وترابا واختناقا.. ولكن لا بأس ان كان شفيعنا لقمة عيش، يقول الشاب الذي عرفت ان اسمه محمد في حديث لـ “مضمون جديد”.

قصص وحكايات يعيشها حفاروا الانفاق .. قصص لنجاتهم وموت بعضهم وطمر اخرين. الشاب محمد لا يجد عملا آخر غير هذا، وهو فيه منذ 4 أعوام. وعلى حد قوله كان الموت دائماً فيها الأقرب لولا لطفه سبحانه وتعالى ورحمته.

إحدى تلك القصص المرعبة التي عاشها والتي يعزو لها كثافة الشيب في رأسه رغم صغر سنه وقعت عندما كان داخل وسط أحد الانفاق المستخدم لضخ البنزين، في الوقت الذي وضع فيه عامل أخر داخل النفق سيجارة في فمه حال بينه وبين تفجير النفق على من فيه فقدانه للولاعة.

وفي واقعة أخرى أفزعت محمد كانت لحظة وجوده على رأس احدى الانفاق المستخدمة لتهريب الاسمنت المصري حينها سقطت على رأس احد أقربائه الذي كان في أسفل النفق مجموعة من اكياس الاسمنت أدت الى فقدانه حياته.

محمد يعرف كما كل الغزيين عمال حرقوا داخل الانفاق وآخرين كسرت أيديهم وقطعت أصابعهم وأيضاً والبعض دفنوا هناك .. في الأسفل.

ولكن لماذا يا محمد لا تترك العمل وتهرب بعيداً الى حيث فوق الاض سألت محمد؟ ما افصح عنه الشاب انه يعيل أسرة مكونة من 11 فرداً: ” أب وام وأخوة.

يقول: أدرك جيدا انه لا عمل لي فوق الأرض، إلا ان اردت الانضمام إلى صفوف البطالة.

يتلقى الشاب 100 شيكل يومياً وقد لا يعتبر الرقم عامل جاذب للعمل في ذلك المجال الخطير، لكنها بالنسبة لمحمد تعني الشيء الكثير اذا ما تعلق الامر بلقمة العيش وتوفير الدواء لوالديه الذين أتعبهما الكبر والمرض مشيراً أنه كان يتلقى في السابق مائة دولار كأجرة يومية لكن ازدياد عدد المقبلين على العمل في الانفاق جزء كبير منهم من الاطفال وتتراوح أعمارهم بين 14- 16 عام ادى الى تدني تلك الاجرة.

انهى محمد ابن الثانية والعشرين من عمره كلامه وغاب في عتمة أحد أنفاق غزة على الحدود المصرية الفلسطينية.

دية الانفاق

بينما اكمل عنه زميل له: لقد دخل النفق من دون اي ضمانة ان يعود حيا، إنه الموت بكل تفاصيله المرعبة دون ان تخرج الروح من جسدها.

سألنا آخرين هل من تأمين أو ضمانة على حياتكم فنفوا جميعا ذلك. ولكن هناك تعويض لاسرته. يقول احدهم: بتنا نعلم أننا اذا ما متنا في اصابة عمل ستقام لنا “برزة” ثمنها ثلاثة آلاف دولار وستحصل أسرنا على دية تقدر ب 7000 الاف دولار وذلك فيما بات يعرف عند الغزيين “بدية الأنفاق”.

اما سمير فيلعن الحصار الذي أحوج الغزيين للعمل في تلك الانفاق. يقول: في الداخل يصطادنا الموت كالعصافير، لكننا لا نستطيع الطيران.

وأعرب مركز الميزان لحقوق الإنسان في بيان صدر مؤخرا عن أسفه الشديد لاستمرار سقوط الضحايا من العاملين في الأنفاق ممن دفع الفقر والفاقة أغلبيتهم للمغامرة بحياتهم من أجل لقمة العيش ، لافتاً إلى أن استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ خمسة أعوام ، دفع الغزيين لحفر الأنفاق كبديل عن المعابر المغلقة و أجبر قطاع واسع من شريحة الفقراء والعاطلين عن العمل إلى العمل في الأنفاق كسبيل لتوفير مصادر الرزق.

أبو عبد الله 44 عام عبر عن انزعاجه من “مالكي الأنفاق” الذين تحولوا برأيه من مجرد أصحاب أعمال صغيرة إلى رجال أعمال يتنافسون على جمع الأموال أيهم يجمع أكثر ويشتري السيارات الأفخم، ونسوا وراءهم عمالاً يخاطرون بحياتهم من أجل لقمة عيش أطفالهم ، ولتوفير حاجات ومتطلبات أبناء شعبهم الأساسية واللازمة لضمان استمرارية حياتهم ، موضحاً أن الأنفاق ضرورة وطنية اكتسبت شرعيتها بفعل الحصار الخانق الذي فرضته اسراييل على القطاع منذ ما يقارب الخمسة أعوام ، لكنها باتت فرصة للثراء والكسب السريع عند الكثيرين، وكل ذلك على حساب عمال الأنفاق والمواطنين المغلوبين على أمرهم، مايقلق أبو عبد الله بالفعل هو استغلال البعض للأنفاق لإدخال الممنوعات” من مخدرات وترامال والأخطر وجود الأنفاق المستخدمة لتهريب الأشخاص والتي قد يستغلها بعض المجرمين والهاربين من العدالة من كلا الجانبين المصري والفلسطيني للنجاة من يد العدالة.

ومن الجدير ذكره أن الحكومة المقالة بغزة تحظر على أصحاب الأنفاق تهريب المواد الممنوعة أو أشخاص مطلوبين وتقوم بتسيير دوريات شرطية مكثفة لمراقبة الحدود .. لكن هناك من يعتقد أن المهربين يقومون بتهريب المحظورات بوسائل غير مباشرة .

وقالت مؤسسة الضمير لحقوق الانسان في بيان صدر مؤخرا أنها تتابع بقلق شديد حوادث الوفاة المتلاحقة في أنفاق مدينة رفح الناتجة عن ظاهرة تشييد واستخدام الأنفاق الأرضية وعمل المواطنين بها، والتي تسفر عن سقوط ضحايا من بينهم وبشكل خاص الأطفال، جراء انهيار الأنفاق الأرضية التي تربط الأراضي الفلسطينية بجمهورية مصر العربية، فضلاً عن حالات الاختناق و المس الكهربائي واشتعال النيران وحدوث إنفجارات داخل هذه الأنفاق.

وأشارت الضمير أن الضحايا يسقطون نتيجة لأسباب مختلفة ومتعددة، تدلل على عدم احترام القائمين والتجار على شق وتشيد واستخدام أنفاق مدينة رفح للتدابير التي من شانها أن تحمى العاملين داخل هذه الأنفاق، وتقلل إمكانية انهيارها فوق رؤوسهم، و طالبت مؤسسة الضمير الجهات المسئولة في غزة بتشديد التعليمات للجهات المختصة بضرورة اتخاذ التدابير والخطوات العملية من أجل وضع حد لارتفاع عدد ضحايا الأنفاق، من خلال الحرص على وضع الضوابط اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة.

ويعيش 38 بالمائة من سكان غزة تحت خط الفقر، بسبب الحصار الإسرائيلي على القطاع، ووفق احصاءات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “أوتشا” فإن “26% من القوى العاملة في غزة، 38% منهم من الشباب، عاطلون عن العمل”.

كما يعاني 54 % من سكان غزة من انعدام الأمن الغذائي وأكثر من 75% منهم يعتمدون على المعونات الإنسانية، معتبراً أن استمرار حصار غزة أدى إلى حرمانهم من الحقوق الإنسانية الأساسية، وهو مخالف للقانون الدولي بحيث يصل إلى مستوى عقاب جماعي”.

عالم سفلي

يقول سامي ابن السادسة والعشرين من عمره “إنه عالم سفلي مخيف مليء بالمغامرات والمخاطر”.

ووفق لآخر احصاءات مركز الميزان لحقوق الانسان حول الوفيات الناتحة عن الأنفاق فقد ارتفاع عدد ضحايا الانفاق منذ العام 2006 ، إلى (197) قتيلا من بينهم (10) أطفال، مشيرا إلى تواصل سقوط الضحايا بين قتلى ومصابين في صفوف هؤلاء العاملين، وأشار التقرير أن (20) من بين ضحايا الأنفاق القتلى سقطوا بسبب قصف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الأنفاق، كما بلغ عدد المصابين (583) مصابا، وبلغ عدد ضحايا الأنفاق منذ مطلع العام الجاري 2011 (17) قتيلا و(42) مصاباً.

عروس الانفاق

بين نفق وآخر تختلف القصص والحكايا ، فعند فوهة أحد الانفاق، انهمك عدد من العمال في محاولة تسهيل عبور “عروس” قادمة من إحدى دول الخليج بصحبة والدها حيث وقفت عاجزة تخفي خشيتها من اجتياز النفق لتزف إلى عريسها الذي ينتظرها على الجانب الاخر من رفح الفلسطينية برفض والدها ذلك، فلم تفلح الوساطات من قبل أهل العريس التي قررت اجتياز النفق لتشجيع الوالد وابنته على دخول النفق لاتمام الزواج المتبقي عليه مدة يومين حيث منعهم عامل الوقت وظروف أخرى من إنتظار إجراءات السفر الطويلة والمعقدة حتى قرروا العبور عن طريق الانفاق، وهو ما دفع والد العروس للهروب.

وفي مشهد اخر وقف احدهم في منطقة الانفاق يدخن سيجارة ” رويال مصري ” وعيناه تحدق بالمتواجدين هناك معللا لهم قيامه بذلك بحجة بحثه عن شخص نصب عليه بمبلغ مالي كبير بعد أن منحه إياه لتشغيله في تجارة الانفاق حيث لم يحالفه الحظ وكانت عاقبته الخسارة .

يقول د. ماهر الطباع مدير العلاقات العامة بالغرفة التجارية بمحافظات غزة في حديث لـ “مضمون جديد” إن الأنفاق باتت أمر واقع فرض نتيجة حصار قطاع غزة من قبل الجانب الإسرائيلي وإغلاق كافة المعابر التجارية بحيث أصبحت الأنفاق الخيار.

واضاف إنها البديل الوحيد المتاح لجلب الاحتياجات الأساسية في البداية لقطاع غزة من الخارج.

ورغم من ذلك لم تصبح الأنفاق بديلا شرعيا وقانوني لإدخال البضائع والمواد الأساسية حيث أن تجارة الأنفاق تعتبر غير شرعية وعشوائية لأنها لا تخضع للاتفاقيات والقوانين التجارية ولا يوجد عليها رقابة كما أنها لا تلبي كافة احتياجات قطاع غزة من مختلف أنواع البضائع.

* أعد التقرير لصالح مشروع مضمون جديد.

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash