سماؤنا زرقاء فلماذا بحرنا أسود؟ .. إسرائيل تحاصر بحر غزة بالمياه العادمة


قطاع غزة – محمود ابو الهنود – أعد التقرير  لصالح مشروع مضمون جديد للصحفيين

المياه العادمة تجتاح مناطق على طول شاطئ بحر غزة، مما أدى إلى تغيرات صحية واجتماعية واقتصادية على القطاع الذي تطبق اسرائيل عليه بحصار منذ أربع سنوات، وهو ما جعل الغزيين يصفون تلوث بحرهم بأنه “حصار من نوع جديد هذه المرة”.
ولكن هذا ليس كل ما في الصورة. المواطنون باتوا يربطون كثيرا من الأمراض الجلدية والتنفسية التي بدأوا يلاحظونها على أجسادهم مع بحر ٍتحولت زرقته الى السواد.
الغزي عادل الشريف البالغ من العمر 49 عام يسأل: سماؤنا زرقاء فلماذا بحرنا أسود؟ هو لم ير فيه حياته بحرا أسودا. يقول: “ولكني رأيته في غزة”.
إلا أن رئيس سلطة جودة البيئة بالحكومة المقالة بغزة الدكتور يوسف إبراهيم يشير إلى حيث الاحتلال، ويقول: ل – “مضمون جديد”( وهو مشروع صحافي عربي يركز على القضايا الصحافية البيئة): ”
“.انه الحصار يا عادل”.
الشريف لا يسأل ليسمع إجابة هو يعلمها. فقد لاحظ، منذ زمن، “تغّير لون بحر غزة في بعض المناطق من الزرقة إلى السواد” كما يقول، ويعلم “لماذا هو أسود”.
يقول: “سوّد الحصار بحرنا سوّد الله وجهوههم”. الشريف قلق للغاية من تبعات “سواد البحر” بالمياه العادمة، ولديه كما باقي الغزيين الكثير من القصص المقلقة حيال ذلك.
يبدو أن بحر غزة سيتذكر كثيرا ما فعله الاسرائيليون به سواء عندما كانوا على شاطئه او بعد انسحابهم منه.
قبل حصار القطاع عانى البحر من المياه العادمة التي تضخها المستعمرات الاسرائيلية. ففي عام 2004 حمل تقرير أصدرته السلطة الوطنية الفلسطينية المستوطنين في قطاع غزة مسؤولية تلوث مياه البحر المتوسط.
ووفق التقرير فإن المستوطنين – آنذاك – كانوا يصبّون في مياه البحر ما يعادل 20% من كمية المياه العادمة غير المعالجة، أو ما يعادل 50000 متر مكعب يومياً، مما يلحق أضراراً جسيمة بالأحياء المائية، وترافق المياه العادمة إلقاء النفايات الصلبة الملقاة على الشواطىء، مما يخلق الكثير من المشاكل.
وبعد حصار دولة الاحتلال لعزة ومنعها دخول مواد البناء اللازمة لتوسيع أحواض المعالجة الموجودة، أو إدخال معدات وأجهزة صيانة جديدة لمحطات المعالجة بما يتناسب مع زيادة كميات المياه العادمة، عادت المعاناة للبحر، فكان على الجهات المسؤولة اعتماد اجراء سريع وإلا غرقت القطاع بالمياه العادمة، فجاء القرار بتصريف كميات مياه الصرف الصحي التي تعجز المحطات عن معالجتها داخل البحر.
ويقدر مدير مركز الدراسات البيئية والريفية بالجامعة الإسلامية بغزة رائد الخالدي كمية المياه العادمة التي تصل إلى محطة المعالجة الرئيسة في قطاع غزة  “المنطقة الوسطى” لوحدها  بـ 70 ألف متر مكعب بينما سعة المحطة لا تزيد عن الـ 40 ألف متر مكعب الأمر الذي يؤدي إلى تصريف الكميات الزائدة عن القدرة الاستيعابية للمحطات إلى البحر، وهو ما يشير الى تلوث بعض المناطق دون غيرها.
ويقول الخالدي في تصريح لـ “مضمون جديد”: هناك وجود خطر حقيقي على الثروة السمكية في بحر غزة ويقول إن مادتي الفوسفور والنيتروجين الناتجتين عن المياه العادمة تعتبران جاذبتين للطحالب التي بدورها تتغذى عليها بعض أنواع  الأسماك، وهو ما يعني موت بعضها خصوصاً القريبة من مناطق التلوث.
ودعا الخالدي الجهات المختصة والدول المانحة للعمل على تنفيذ مشاريع البنية التحتية وترميم وبناء محطات معالجة جديدة في قطاع غزة بشكل عام.
ويبلغ عدد سكان قطاع غزة ما يقارب 1،5 مليون نسمة، يسكنون المستطيل الطويل والضيق الواقع جنوب غرب فلسطين، والذي يمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 45 كم، ومن الشرق إلى الغرب بعرض يتراوح ما بين 6 كلم إلى 11 كلم، وبمساحة إجمالية تقدر بـ 365 كلم مربع.
ويتكون قطاع غزة من خمسة محافظات (شمال غزة، وغزة، ودير البح، وخان يونس، ورفح)، ويحد غرباً البحر المتوسط، والأراضي المحتلة عام 48م من الشرق والشمال، ومصر جنوباً.

ليس المياه فقط .. الرمال أيضا
وكما مياه البحر تعاني رمال الشاطئ أيضا، فلا يقتصر التلوث المايكروبيولوجي الجراثومي على مياه البحر، حيث تصاب رمال الشواطئ المناطق القريبة من مصبات المياه العادمة الواردة للبحر بمستويات ثلوث عالية أيضا، ومن هناك تأتي التحذيرات من الإصابة بالأمراض المعدية والجلدية نتيجة ضخ مياه الصرف الصحي والعوادم، وإلقاء كافة النفايات والمخلفات في البحر.
بالنسبة لغزة، المسألة هي كما كل شؤونها، مسألة حياة، فالثروة السمكية – كما الثروة البشرية – عماد الدخل الوطني في ظل قطاع محاصر مهددتان.
من هنا باتت مسألة “تشميس” محاصري غزة لأنفسهم – على حد تعبير السجناء –  أو ما يصفه سكان العالم بالترويح عن النفس، مطلبا مترفا أمام المشكلات الأخرى التي يعانيها بر وبحر غزة ومن فيهما، من بشر وسمك. فأهل الشواطئ يستقبلون الصيف احتفالا، أما أهل غزة يستقبلونه روائح كريهة وذباب وأمراض.
ويصف آخر تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مطلع هذا الشهر مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي تشددها في حصارها قطاع غزة، وعزله بالكامل عن محيطه الخارجي منذ أكثر من أربع سنوات، بانه حول نحو 1،5 مواطن فلسطيني الى سجناء في سجن جماعي، منتهكة حقوقهم  البشرية.
وبحسب التقرير فقد استمر تدهور الأوضاع الإنسانية، في ظل فرض حصار شامل على واردات القطاع من مواد البناء والإنشاء التي تمثل حاجة قصوى وطارئة، لإعادة بناء وترميم المنشآت التي تعرضت لعمليات تدمير شامل وجزئي خلال العدوان الحربي على القطاع.
هذه الايام، ليس من حديث للغزيين أهم من حلول الصيف. بالنسبة لهم لا يعني ذلك حلول موعد العطلات، بل اشتداد الحر وانحباس الهواء، مما يؤدي الى انبعاث روائح كريهة لا يمكن الصمود أمامها، إضافة إلى انتشار البعوض والذباب. وفي النهاية كل ذلك يعني الأمراض.
“لماذا لا يجدون بديلا آخر غير البحر” يسأل الغزي الشريف وهو يدرك أن الحصار يحول دون تنفيذ اي خطط مجدية.
وفق الخبير الدولي مارك باتيل الذي يعمل في مؤسسة oxfam  البريطانية فإن 80 مليون متر مكعب من المياه العادمة المعالجة جزئياً تضخ يومياً إلى البحر.
وتتلقى محطة معالجة المياه الواقعة جنوب مدينة غزة لوحدها ما بين 50 إلى 60 مليون متر مكعب من المياه العادمة يومياً، بينما تستوعب المحطة 32 مليون لتر، مشيراً إلى أن ما ترويه الكثير من وسائل الإعلام ومنها واشنطن بوست ونيويورك تايمز و BBC والجزيرة ، هو نتيجة نشاطات الضغط والتأثير للمؤسسات المهتمة، وهو ما جعل الخبير تاتيل يحذر من أن مشكلة تصريف المياه العادمة للبحر لها أثار ضخمة وتستوجب العمل لإيجاد حل سريع لها.
وينفي رئيس سلطة جودة البيئة بالحكومة المقالة بغزة اتساع رقعة التلوث. ويقول: المناطق الملوثة لا تتعدى الـ 10% على طول المسافة على الشاطئ، وتتركز في ثلاثة مناطق لخصها منطقة خانيونس، والمحافظة الوسطى، وادي غزة، ومعسكر الشاطئ.
ولكن أليس هذه النسبة كافية لتعتبر مشكلة حقيقة تستدعي البحث عن حلول سريعة لها؟
يدرك الغزيين كما غيرهم انه لا حل لهذه المشكلة من دون ايجاد حل للحصار نفسه الذي يعانيه القطاع.
يقول رئيس سلطة جودة البيئة بالحكومة المقالة: “ليست لدى محطاتنا قادرة على العمل بكفاءة، بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة”.
ولكن الحكومة المقالة لا تتعامل مع المسألة على أنها قدر، رغم أنها تعمل في الوقت الراهن وفق قدرتها على معالجة الاعراض وليس السبب.
يقول د. ابراهيم: سلطة البيئة تتعاون مع عدد من المؤسسات لتنفيذ حملات توعية للمواطنين بضرورة عدم الاقتراب من المناطق التلوث، إضافة الى مكافحة انتشار البعوض والروائح الكريهة على شاطئ البحر.
ويضيف، إن التخلص من مشكلة تصريف المياه العادمة إلى البحر يحتاج إلى بناء محطة معالجة رئيسة في المنطقة الوسطى، وبناء محطة معالجة جديدة في منطقة خانيونس، وإجراء صيانة لمحطة معالجة  الشيخ عجلين.
ويعلم د. إبراهيم أن عودة بحر غزة خاليا من التلوث يحتاج الى الوقت. هو الوقت الذي يرجو محمود مصطفي مراد الصياد البالغ من العمر 26 عام ان يكون في صالحه.
ورغم ان المواطنون على علم بمخاطر السباحة في مياه البحر الملوثة، لكنهم لا يعرفون أن الاحتكاك بالرمال الملوثة ينقل الأمراض أيضا. واستنادا الى الدراسات الطبية فان نسبة عالية من مرتادي الشواطئ الملوثة، يصابون بأمراض جرثومية متنوعة تتراوح شدتها ما بين التهابات طفيفة وإصابات خطيرة كالتهاب السحايا القاتل.
وتقع حالات الإصابة نتيجة تعرض الأفراد لماء البحر الملوث والرمال بالتلامس والابتلاع واستنشاق الرذاذ أو التعامل مع الأسماك بالصيد أو البيع أو الشراء.
محمود صياد من مخيم الشاطئ بغزة، هو لا يعرف منذ كان طفلاً مهنة سوى الصيد، لهذا فانه يحمل تلوث البحر مسؤولية اصابته بالفشل الكلوي.
لم يجزم أطباء غزة لمحمود علاقة مرضه بالبحر، إلا أن محمود وأسرته والجيران يبدون متأكدين من ذلك. يقول أحد جيرانه: محمود لم يعرف غير البحر، فلماذا نحمل المسؤولية للارض ومن فوقها.
يضطر محمود زيارة المشفى 3 مرات في الأسبوع ليجري عملية “غسل الكلى”، وهو يأمل ان يسعفه الوقت من اجل زرع ” كلية جديدة” فينجو وتنجو معه زوجته وطفليه.
وأكد آخر تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مطلع هذا الشهر أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل تشديد حصارها على قطاع غزة، وعزله بالكامل عن محيطه الخارجي منذ أكثر من أربع سنوات، الأمر الذي أدى إلى وضع نحو 1،5 مواطن فلسطيني داخل سجن جماعي، وانتهاكها لحقوقهم  الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ورغم دعم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لحق الاشخاص في الحياة بمستوى حياة تضمن رفاهيته. ولكن يبدو ان هذا الحق غير مقصود منه الفلسطينين. تقول المادة 52 من هذا الاعلان: “لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وقد كفل القانون الدولي الإنساني في العديد من الإعلانات والمواثيق الدولية الحق قي الصحة كحق أصيل من حقوق الإنسان التي لاغني عنها للتمتع بالحقوق الأخرى”.
وتدعم قصص المواطنين الغزيين بعضها بعضها في شأن الامراض الجلدية والتنفسية التي تصيب بعضهم.
أيمن منير البالغ من العمر 19 عام والذي يعمل منذ سنوات في مهنة الصيد. لديه ما يقوله في هذا الصدد يقول: “تعرضت أكثر من مرة للإصابة “بحكة وحبوب”. وما أفزع ايمن منير يوما انه وجد خلال عملية الصيد مخلفات من المستشفيات والمطاعم”.
أما عندما عرضنا على أكرم مراد الشاب الغزي البالغ من العمر 32 عاما المادة 52 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ابتسم ساخرا، وكشف عن اجزاء من جسمه وهو يقول: ضعوا اذاً الاعلان العالمي لحقوق الانسان على جسمي علها تشفيه من الحبوب التي انتشرت وحفرت فيه حتى العظم.