يستعينون بالبحر في مواجهة عواصف الحياة

يستعينون بالبحر في مواجهة عواصف الحياة

اللاجئون : الحلم بمستقبل أفضل يجعل أعينهم
متجهة صوب العودة للديار .

كتب / محمود رمضان أبو الهنود

رغم سوداوية المشهد على بحر غزة الذي يشكو من قرصنة زوارق الاحتلال ، وتلوث شاطئه ” بمياه الصرف الصحي “،لا يجد الحاج أبو محمد 65 عام من سكان مخيم الشاطئ مكاناً يلجأ إليه هرباً من صعوبة الحال ،وصغر مساحة منزله سوى قضاء ساعات طويلة من كل يوم فوق تلة صغيرة تطل على البحر بصحبة عدد من أصدقاءه وجيرانه .

الحاج أبو محمد يعيش مع أسرته المكونة من ” 10 ” أفراد في منزل متواضع لا تتجاوز مساحته “100 متر مربع ، وظروفه الصحية لا تساعده على العمل نتيجة تعرضه قبل عدة سنوات لجلطة دماغية أدت إلى معاناته من ” شلل في الجزء الأيسر من جسمه ” و يقول واصفاً حاله ” الأرض والحياة ضاقت علينا، فليرحب بنا البحر ” مشيراً إلى أنه أصبح يفضل الجلوس على شاطئ البحر على البقاء في المنزل بفعل الراحة النفسية الكبيرة التي يشعر بها عند تأمله في منظر البحر والأمواج و سربان الطيور المحلقة في السماء دون أن يعترض طريقها أحد ” معتبراً أن ذلك المشهد كفيل بالتفريغ عن همومه ومعاناته ،بالإضافة إلى اعتقاده بأنه يساعد على التخفيف من أزمة ضيق المسكن ، المكون من غرفتين بالإضافة لصالة ومطبخ صغيرين .

وتابع الحاج أبو محمد حديثه متسائلاً بعد أن تنهد قليلاً وعيناه سارحة في أمواج البحر المتلاطمة ” كيف برأيك ستكون حالة أي شخص يصل عمره إلى أواسط الستينات ولم يستطع أن يحصل على فرحة توفير منزل يجمعه مع أبناءه وأحفاده؟ ” مجيباً: ” بالتأكيد سيكون شعوره سيئاً ” ،حيث اضطر بعض أبناء الحاج أبو محمد في الفترة الأخيرة إلى ترك المنزل و استئجار شقق للعيش مع زوجاتهم وأبناءهم ، وهو ما لجأ إليه كل من أبناءه “محمد وعادل ” الذين يعيل كل واحد منهم أربعة أطفال ، موضحاً أنه فكر كثيراً في إيجاد حل لمشكلة أسرته من خلال ” إعادة بناء المنزل على شكل طوابق ” لكن صعوبة الظروف المالية لم تجعله يتمكن من تحقيق ذلك ، وعن المعيل للأسرة في ظل ظروفه الصحية أفاد ” بأن أسرته كمعظم الأسر في مخيمات اللاجئين تعتمد على بعض المساعدات المقدمة من وكالة الغوث بالإضافة إلى أن عدد من أبناءه الكبار خصوصاً ” محمد وعادل ” يوفرون الجزء الباقي من احتياجات الأسرة .

وعن الإصرار الذي يبديه في الوصول إلى شاطئ البحر رغم معاناته الصحية أضاف الحاج أبو محمد ” لا يوجد مكان آخر يمنحني الهدوء والطمأنينة مثل البحر ، وهو ما يجعلني أنتظر بفارغ الصبر لحظة رفع آذان الظهر حيث أذهب لأداء الصلاة ومن ثم أتجه إلى الشاطئ بمساعدة أبنائي الصغار، حيث يبقى جالساً على الشاطئ لغاية وقت العصر ، بصحبة بعض أصدقاءه وجيرانه ،الذين يتبادل معهم الأحاديث المختلفة سواء أكانت في أمور السياسة أو أوضاع الناس ، وفي بعض الأحيان يبقى وحيداً مع البحر متأملاً في عظمة خلقه وجمالية منظره ،إلا أنه عبر عن انزعاجه بسبب تدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر والتي أدت إلى تلوثه وتغيير لونه في بعض الأماكن من الزرقة إلى السواد ، بالإضافة إلى انتشار الروائح الكريهة التي تجلب البعوض إلى سكان المخيم.

ولم يغب عن ذهن الحاج أبو محمد الذي تعود أصوله لقرية “هربيا ” إحدى قرى قضاء غزة والواقعة على ساحل البحر المتوسط العودة بذاكرته إلى أحاديث ” أمه ” عن تلك الكروم والبساتين التي ورثها والده عن جده أحمد والتي كانت مزروعة ” بأشجار مختلفة من بينها البرتقال والعنب والزيتون “، مشيراً إلى أنه لم يستطع رؤية تلك البساتين حيث لم يتجاوز سنه عند الهجرة سوى 3 أعوام ، مؤكداً في الوقت ذاته أنه مازال يحتفظ بالأوراق التي تثبت ملكية والده لحوالي 50 دونماً من الأراضي الزراعية في قريتهم ،على أمل العودة إليها ولو بعد حين ، مرجعاً سبب معاناته الحالية إلى تهجيرهم عن ديارهم.

ومعاناة الحاج أبو محمد ليست الوحيدة بين سكان المخيمات ، الذين تنتشر بينهم البطالة والفقر حيث يعيش جزء كبير منهم على المساعدات المقدمة لهم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ” الأونروا ” ، والتي لا تلبي حاجة الأسر لضمان سبل العيش الكريم ، في حين أصبحت الأجيال الجديدة تتمرد على واقعها المرير ويحاول البعض الخروج من مأزقهم عن طريق إنشاء مشاريع صغيرة ، و التغلب على مشكلة السكن من خلال استئجار شقق خارج المخيم لكنهم سرعان ما يصطدمون بارتفاع أسعار الإيجار بحكم محدودية حركة البناء الناتجة عن الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على قطاع غزة .

و بحسب معلومات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ” الأونروا ” فإن ما يزيد عن 82,000 لاجئ يعيشون في مخيم الشاطئ الذي تبلغ مساحته أقل من كيلومتر مربع واحد. حيث تنعكس الكثافة السكانية العالية على “الخدمات التعليمية والصحية “المقدمة لهم من المؤسسات المعنية، ويفتقر السكان الذين يعيشون في المخيمات المكتظة إلى إمكانية الوصول إلى إمدادات كافية من مياه الشرب والكهرباء. ووصلت البطالة بين صفوف اللاجئين معدلات غير مسبوقة ، حيث أن هناك أكثر من 40% من القوة العاملة لا تعمل.

وعلي صعيد الصحة النفسية العامة في أوساط السكان اللاجئين.ونتيجة طبيعية للظروف الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسكنية بالإضافة لواقع الحصار فقد أظهرت وثيقة إستراتيجية أعدتها مؤخراً منظمة الصحة العالمية وجهات إنسانية وحقوقية بخصوص واقع الفلسطينيين أن % 100 من عموم السكان قد أفادوا بأنهم يشعرون بالتوتر، فيما شعر % 92 بأنه ليس لديهم أمل في المستقبل، وعبر 84% عن مشاعر الغضب المتواصل بسبب الظروف الخارجة عن تحكمهم، وتملكت % 52 من الأشخاص المبحوثين أفكار بوضع حد لحياته .

وأوضح :” إياد أبو حجير” مدير فرع غزة بالمركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات “أن مخيمات اللجوء تعتبر من أصعب الأماكن للعيش قي قطاع غزة ،حيث تشهد تكدس سكاني عالي الكثافة ، ومعظم المنازل قديمة البناء ، وتنتشر البطالة والفقر بين صفوف الأهالي فمن الطبيعي أن يشكل هذا المكان الصعب للعيش ضغوطاً نفسية على ساكنيه ، وهو ما يدفعهم إلى اللجوء للبحر للتفريغ عن أنفسهم ” حتى يمكنننا القول ” أن ساكن المخيم هو كتلة من اللهب القابلة للانفجار في أي لحظة ، والبحر هو من يطفأ هذا اللهب ” ،مشيراً إلى أن عدم وجود أماكن واسعة للتنزه والترويح جعل الكثير من الأهالي يقضون جزء من أوقاتهم على شاطئ البحر بدلاً من أن يصطدموا بجدران المخيم .

وعلى طول شارع البحر الرئيسي في مخيم الشاطئ تقف مئات المنازل المتلاصقة والمسقوفة بألواح الاسبست والزينكو ، شاهدة على مأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا عن أراضيهم قبل 63 عاماً ذاقوا خلالها ألواناً مختلفة من العذاب ، في الوقت الذي ينعم فيه غرباء المكان برغد العيش وخيرات البلاد، وليس من المستبعد أن تزول تلك البيوت أو تسقط على رؤوس قاطنيها، لكن أعين الحاج أبو محمد لم تكف عن النظر نحو الشمال حيث المجدل وهربيا و حلم لم يكمله الأجداد بات هدفاً للأبناء.