أعلى من صوت الحرب

أعلى من صوت الحرب

بقلم – محمود رمضان أبو الهنود

لم تكن حرباً عادية ، تلك التي واجهتتها غزة في  العام 2008 ، إنها أشبه بسيناريو ” مصغر ” لحرب نووية قذرة، كان الفسفور الأبيض سلاحها الفتاك الذي قتل الكبار وشّوه الصغار ، وكسى غزة هاشم البهية بلباس أسود ، فغزة الثقافة ، البسالة ، الحضارة ، غزة شمس الوطن ، و عاشقة البحر المتوسط ، تلك غزة .. العصية دائماً على الغزاة ، حاضنة القادة والمناضلين ، الياسر أبو عمار ، والياسين ، والشقاقي ، وبسيسو من بين عديد الشعراء ، وقبر هاشم بن عبد مناف جد الرسول محمد ما زال شاهد على كرمها ، “و العظيم شمشون الجبار” لم تمنع قوته من أن تقبره غزة .

غزة .. الحارات القديمة قدم الإنسان، حارة الزاوية ، حارة فراس ، سوق الذهب ، غزة مساجد عريقة ، المسجد العمري ، وابن عثمان ، غزة عنوان من عناوين الثقافة والتراث العربي ، قصر الباشا ، وقلعة برقوق ، وخان الأمير يونس النوروزي ، غزة تراث إسلامي ومسيحي عريق ، حمام السمرة ، كنيسة المخيتم البيزنطية ، وموقع الشيخة لقية ، وكنيسة البركة ، كل شيء هنا لا أجمل من الوقوف لحظة فوق جبل المنطار لتشاهد البحر ، والرمال ، والمنازل المتلاصقة ، وليس أعظم من مشاهدة جزء من أراضينا المحتلة المجاورة لغزة “المجدل، وإسدود، والسبع ” ،فالمنطار.. سيبقى شاهداً على جمال وسحر هذه المدينة ، و الشعراء العظام لن يتوانوا أو يكلّوا عن استراق لحظات الليل ليوصفوا تلك العروس المتوسطية ، والفنانين المبدعين سيرسمون بألوانهم الصامتة جمال غزة ، غزة هذه التي نعرفها وليس تلك التي يحاول الاحتلال أن يجعل عليها شاكلة مدينتنا ، هي ستبقى دائماً منارة للعلم وزاداً للعلماء ، وسيبقى بحرها رغم القذائف ناصع الزراق ، وسماءها صافية رغم هدير الطائرات ، وأطفالها سيبتسمون ، ويمسحون بأيديهم على قبور أعزائهم من الشهداء ، ونساءها سيضعون الذكور والإناث ولن يرهبهم صوت الرصاص ، ورجالها سيبقون هم نفس الرجال ، حيث الجود والكرم لا مثيل له ، والشجاعة والتضامن لا انقطاع له ، ستذهب تلك الغيوم المحيطة بسماء غزة ، وسيذهب الأعداء و كل شيء يؤلم غزة ،ولن يبقى الانقسام طويلاً يفرق الإخوة أبناء فتح وحماس ، فلا مجال للأحبة سوى المصافحة و العناق ، وذكريات الحرب الفظيعة لن تغيب عن أذهاننا ، وستبقى وصمة عار على جبين الأعداء والمتفرجين من عرب وعجم ، غزة ستستمر و أعدائها رغم تربصّهم بها سيتحطمون على جدارها الحصين ، بصبر وإيمان أهلها.

ستبقى غزة هي غزة بألوانها البهية .. آذان مرتفعة ، أسواق تضج بالمتسوقين ، بيوت إسمنتية وأخرى صخرية أثرية ، مقاهي ثقافية ، موالد كريمة ، جامعات شامخة ، حارات قديمة وأخرى جديدة ، نوادي ، متنزهات ، ملاهي ، أمسيات شعرية ، محال لبيع الفلافل ، وأخرى للحلويات العربية والنابلسية ، قهوى غزاوية، ضجيج لاينقطع من صوت الناس والسيارات والدراجات النارية ، .. هي فعلاً تسحرني غزة.

حرائق الكرمل .. هل هي طبخة إسرائيلية على نيران ملتهبة ؟

حرائق الكرمل .. هل هي طبخة إسرائيلية على نيران ملتهبة ؟

بقلم / محمود رمضان أبو الهنود

انشغلت وسائل الإعلام المحلية والدولية خلال الأيام الماضية بتناقل الأخبار العاجلة الواردة من مكان الحريق الضخم الذي شهدته سفوح وأحراش جبل الكرمل حيث أدى إلى حرق ألاف الدونمات الزراعية و وقوع عدد كبيرمن الضحايا بين جريح وقتيل غالبيتهم من الطائفة الدرزية ، وقد سارعت بعض الدول لتقديم المساعدة وإرسال الطائرات والفرق المدربة للمساهمة بإخماد الحريق الكبير الذي لم تشهد له إسرائيل مثيل من قبل حتى في أوج حروبها ومعاركها العسكرية مع بعض الدول العربية بما في ذلك حرب الخليج الأولى التي تعرضت فيها إسرائيل لوابل من صواريخ السكود العراقية التي أحدثت في حينه دماراً في البنية التحتية لبعض المدن الإسرائيلية ، وراقب الجميع باهتمام الإعلان عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء اشتعال الحرائق الأمر الذي عزاه تحقيق أولي من قبل شرطة الاحتلال الإسرائيلية إلى عمل فردي غير مقصود من قبل عائلة قضت بعض وقتها في شرب القهوة وتدخين الأرجيلة دون التأكد من إخماد النيران التي أضرمتها في المكان ، وهو ما أثار جدلاً وتساؤلات عند البعض من صدق تلك الرواية التي اعتبرها البعض متسرعة وتفتقد للشفافية في التعامل مع حوادث من هذا النوع تتطلب مزيداً من الوقت للكشف عن ملابساتها الحقيقية ومشاركة مؤسسات وجهات قانونية في ذلك.

إن حجم وضخامة الحريق الذي هب في أحراش الكرمل تجعلنا نشكك في رواية شرطة الاحتلال الإسرائيلية ونطرح بعض التساؤلات حول إذا ما كان هناك أسباباً أخرى تكمن وراء هذه الحادثة وعن الجهة التي تقف ورائها ، حيث أن تلك المسألة يمكن النظر لها من عدة زوايا ، فمن جهة يمكن القول بأنها كارثة طبيعية قد تحدث في أي دولة من دول العالم ، ومن جهة أخرى يمكننا الأخذ بالقول الذي يعتقد بأن إسرائيل نفسها هي الوحيدة صاحبة المصلحة في تلك الحرائق لتحقيق عدة أهداف من ضمنها لفت أنظار العالم عن قضية الحرب على غزة التي تصادف ذكراها في مثل هذه الفترة والتي أثارت حفيظة وسخط الكثير من دول وشعوب العالم و أكسبت الفلسطينيين مزيداً من التعاطف الدولي مع قضيتهم التحررية وهو ما انزعجت منه السياسة الإسرائيلية ، و بنفس السياق لا بد من التعامل مع الرأي الذي يعتقد بأنها تدخل في إطار كشف واختبار قدرة وصمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية لمواجهة أي هجوم بالصواريخ التقليدية أو البيولوجية قد تتعرض له إسرائيل في أي حرب كبيرة مع بعض الجهات والدول العربية وهو ما تتحضر له إسرائيل باستمرار ، كما لا نستطيع دحض وجهات نظر البعض التي تقول بإمكانية أن تكون جماعات يهودية متطرفة تقف وراء هذه الحرائق خصوصاً لو أخذنا بالحسبان قدسية ذلك المكان بالنسبة للديانات السماوية المختلفة وخصوصاً لدى اليهود والمسيحيين ، بالذات عند بعض الطوائف المسيحية التي تعتقد بأن عودة المسيح عليه السلام تسبقها عودة النبي ايليا وكلنا نعرف عن الاعتقادات والقناعات المختلفة للأحزاب والجماعات اليهودية فقد يكون لهم أهدافهم في ذلك.

حتى لو ثبت صدق الرواية الإسرائيلية التي جاءت نتاج تحقيق الشرطة الإسرائيلية، وفشل تلك الآراء التي عرضناها في الوصول للحقيقية ، فإن إسرائيل من وجهة نظري ستخرج من هذه الحادثة أقوى مما كانت عليه لو نظرنا في مدى الاستفادة التي ستحققها على صعيد جلب المزيد من المساعدات والتقنيات العسكرية الأمريكية والروسية والتي لا تتوفر لها وباتت بحاجة ماسة لها في إطار تحصين وتقوية جبهتها الداخلية للتعامل مع أي ظروف طارئة نتيجة هجوم صاروخي عنيف قد يؤدي إلى شل قدرة جبهتها الداخلية ، كما أن هذه الحرائق التي دمرت قرى وأراضي زراعية بمساحات شاسعة في منطقة الكرمل والتي ستكلف الخزانة الإسرائيلية الكثير من الأموال لإعادة إصلاحها وتأهيلها قد تستخدم من قبل إسرائيل لإحداث تغيير ديموغرافي معين تريده إسرائيل في تلك المنطقة المهمة جغرافياً وإستراتيجياً على حساب الأسر العربية ، بالإضافة إلى كونها مناورة ميدانية للداخل الإسرائيلي ستكشف العورات والثغرات الموجودة ومحاولة تجاوزها ، وستعمل إسرائيل على استغلالها لكسب التعاطف والمساندة الدولية الذين باتت تفتقدهم في ظل الانتقادات الموجهة لها على صعيد حرب وحصار غزة. .

إلى حين ثبوت حقيقة ذلك الحدث الكبير واتضاح الرؤية تبقى الأسئلة مفتوحة حول تأثير تلك الحرائق علينا نحن كفلسطينيين وخاصة ” فلسطينيي الداخل ” وهل ستستخدم حجة وذريعة جديدة من قبل الحكومة الإسرائيلية للتهرب من عملية السلام؟ ، التي أصبحت مع تلك المستجدات ضعيفة أمام الرأي العام الإسرائيلي وهو ما قد يؤدي إلى فشلها في إنهاء مدتها القانونية حيث ستكون أداة جيدة للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حومة نتنياهو التي حافظت إلى حتى اللحظة على ائتلافها الذي كان مرشحاً انهياره بسرعة نتيجة عدم تعاطيه بشكل جدي مع عملية السلام .