” شجرة برتقال” من رائحة النكبة

” شجرة برتقال” من رائحة النكبة

الكاتب / محمود أبو الهنود

لم ترها عيناي منذ رُحّل والدي عن قريته

لم يُسمح لهُما

كان ذلك قبل أكثر من ستون عام

حكايتي و” شجرة برتقال ” لم تنتهي .. ويبدو أنها لن تنتهي

كانت كالعروس الدمشقية تزين ساحة المنزل

تدلي أغصانها .. وتقترب في كل صباح من والدي كأنها تغازله

أحبها.. حتى عشقها من شدة طيب رائحتها الزكية

كان يروي لي عند كل منام شيء قليل عنها

يحيرك طعمها .. برتقال هو أم تفاح أحمر معطر

لم يجد مثلها بين كروم البرتقال

بقيت في ذاكرته خالدة

لم تفارقه لحظة

رغم أنها رحلت

سُرقت من والدي كأشياء أخرى

المنزل لم يعد يمنحه الفرحة

كالسابق!

لانه أيضاً سرق؟

كشجرة البرتقال تماماً

البستان سرق

الناقة سرقت

فرن الطابون سرق

الابريق لم يعد والدي يصب منه الماء على بذور الزرع

لانه سُرق

مسجد القرية هُدم

المدرسة حولوها مستعمرة

غيروا التاريخ!

كان لهم ما أرادوا

نجحوا في ذلك

لكنهم نسوا

أن يسرقوا مفتاح الدار وأوراق ورثها والدي عن أجداده

هو أخفاهم .. تشبث بهم بأسنانه

أصبحوا له كل شيء

وهم لي كذلك من بعد فراقه


.. انتهت حروفي هنا ولم تنتهي بعد حكاية شجرة البرتقال.


تل المنطار: سياحة غائبة ومستثمرون يبحثون عن مشروعات أكثر استقراراً وربحا


تل المنطار: سياحة غائبة ومستثمرون يبحثون عن مشروعات أكثر استقراراً وربحا

قطاع غزة – محمود أبو الهنود

بحر غزة، ورمالها، وأبراجها السكنية الشاهقة التي تعلو سماء المدينة، تبدو لمن يصعد فوق “تلة المنطار” شرقي حي الشجاعية كأنها مبسوطة بين كفي يديه.
إنه سحر المكان الذي يحاول أبو أحمد 44 عام أحد سكان المنطقة – كما يقول – فهمه أو حتى وصفه في كل مرة يجلس فيها فوق التلة.
ابو أحمد لا يعلم أن كثيرين ممن سبقوه عشقوا ذات المقعد الذي جلس عليه، وعجزوا مثله عن تحديد وصف دقيق لتلة تختصر حاضر وتاريخ غزة العريق .
تحت ظل شجرة “جميز” ترقد منذ مئات السنيين على قمة التلة يجد أبو أحمد فرصته للهروب من زحمة المدينة التي يقطنها أكثر من نصف مليون مواطن.
هو يشرح ” لمضمون جديد كيف أن المكان رغم أهميته الاستراتيجية والتاريخية، أصبح اليوم مهملاً وتتهدده أخطار عديدة من بينها مياه الامطار التي باتت تجرف معها خلال الاعوام الاخيرة أجزاء من الطرق الطينية المؤدية للتلة بفعل عدم تأهيلها وتعبيدها، اضافة الى عزوف المستثمرين عن إنشاء المشاريع السياحية والترفيهية واستغلال الارث الثقافي والحضاري لتلك التلة التي كانت على مدار التاريخ بمثابة القلعة التي تصون غزة وتحميها من أي أخطار خارجية قد تحدق بها.
إمام مسجد المنطار المقام فوق التلة الحاج خليل حرارة له كلمة في ذلك، يقول: إن هناك خطر حقيقي يتهدد الطرق المؤدية للتلة والتي أصبحت تشهد في أجزاء منها تعرية جراء مياه الامطار، داعياً الى ضرورة تحسين البنية التحتية، بما يضمن الحفاظ على التلة.
وأشار حرارة الى الاهمية الكبيرة التي يحتلها المنطار ، باعتباره ارثاً ثقافياً وتاريخياً لمدينة غزة هاشم يستوجب اهتماماً أكبر والعمل على النهوض بالموقع سياحياً واقتصادياً، معبراً عن انزعاجه من الاعتداءات التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي بين الحين والآخر بحق التلة والمسجد المقام فوقها والذي يضم بجانبه قبر يعتقد أن ولياً يدعى على المنطار دفن به ، مشيراً إلى أن التلة كانت على مدار التاريخ تغيظ الاعداء وتقهر جبروتهم.
المؤرخ الفلسطيني سليم المبيّض يصف تلة المنطار في دراسة تاريخية له، فيقول: إنها عبارة عن أراضٍ سهلية منخفضة تبدو كواد قديم قد هجرته المياه، وتتميز بخصوبتها وكثرة بساتينها، مشيراً إلى أنها ترتفع بنحو تسعين مترا فوق مستوى سطح البحر، وهي تحتل بذلك المرتبة الأولى من حيث الارتفاع على سلسلة التلال التي تحف القطاع من جهة الشرق ممتدة من شماله حتى اقصى جنوبه.
ويبدو التل منتصباً وسط أراضي سهلية شاسعة يشرف عليها، جعلته اشبه بظاهرة المونادنوك Monadnoc، حيث كانت تلك الأراضي في الماضي بمثابة “سلة الخبز ” لمدينة غزة خاصة، وللقبائل العربية القاطنة إلى الشرق منه.

واكتسبت التلة أهمية تاريخية على مر العصور، ، فقد تحصن بها الجنود الاتراك والمصريين وقوات من جيش التحرير الفلسطيني حيث سقط عدد كبير من الشهداء فوق التلة، كما استفاد منها العرب المسلمون أيام الفتح الإسلامي فاستعملوه كموقع لـ “النطرة”، فاذا ما تعرضت المدينة للغزو أشعلوا فوق هذا التل النيران ليلاً، أو الدخان نهاراً ليبلغ سكان المدينة بسرعة عن العدو القادم.
وتؤكد بعض الروايات أن هذا السبب يعود الى تسميته “بالمنطار”، وينتشر هذا الاسم في معظم المدن الفلسطينية، وكذلك الأردنية على المواقع المرتفعة أو الجبال التي تشرف على المدن أو القرى.
ويحيط بقطاع غزة عدة تلال من أهمها تل “ام عامر”. ويقع إلى الجنوب من معسكر النصيرات، بالاضافة الى تل المنطار ورفح و الرقيش و تل العجول، الذي يقع جنوب مدينة غزة على الضفة الشمالية لوادي غزة، وهو من أهم المواقع الأثرية في القطاع وكانت تقوم عليه مدينة بيت جلايم الكنعانية.
وبحسب دراسات تاريخية فإن المكان يعتقد أنه موقع مدينة غزة القديمة التي أنشأت على هذا التل في حوالي سنة 2000 ق.م.
وأهم المكتشفات سور عرضه2.5 وارتفاع 50 قدماً، و تم العثور في موقع تل العجول على نفق بطول 500قدم، وخمسة قصور ضخمة قام بعضها فوق بعض، وتؤكد الدراسات أن أقدم هذه القصور يعود إلى 3000 ق.م. وجد فيه غرفة حمام رحبة وقصر واحد يعود إلى زمن الأسرة المصرية الثامنة عشر 1580-1350 ق.م، حيث تعود بقية القصور إلى زمن الأسر السادسة عشر والخامسة عشر والثانية عشر.
يقول د. عبد القادر حماد الاستاذ المساعد في جامعة الاقصى وباحث في الشئون السياحية لـ “مضمون جديد” إن منطقة ” تل المنطار متعطشة لمشروعات سياحية يمكنها النهوض بموقع التلة، موضحاً أهمية استغلالها سياحياً من خلال خطة مدروسة ومعدة مسبقاً.
وتوقع حماد نجاح أي مشروعات استثمارية في المنطقة، مع ضرورة الاخذ بعين الاعتبار أن تل المنطار يشكل امتداد تاريخي وسياحي لباقي المعالم السياحية في مدينة غزة، بحيث لا يمكن الحديث بشكل منفصل عن باقي المواقع السياحية الاخرى,.
واضاف أن ذهاب معظم المشروعات الاستثمارية لاستغلال المناطق الساحلية الغربية من مدينة غزة أثر ذلك على محدودية الفرص الاستثمارية الموجهة للمناطق الشرقية للمدينة وجعلها بحاجة ماسة لعدد كبير من المشاريع.
وأوضح د. نهاد الشيخ خليل رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الاسلامية بغزة أن أهمية تل المنطار نشأت من الاحداث التاريخية التي مرت عليه، التي دفعت السكان الغزيين أن يطلقوا عليه اسم “جبل” تعظيماً له، مشيراً إلى أن المنطار كان مركزاً للثورة قبل العام 1948م وبعد ذلك التاريخ.
وتميز التل بتلك المواسم الدينية التي كانت تشهد زحفاً بشرياً رهيباً بحيث كان يهدف صلاح الدين الايوبي من وراء اطلاقها الى ابقاء الناس في حالة استعداد وتأهب لمواجهة خطر الجيوش الصليبية. ودعا الشيخ خليل وزارة السياحة بغزة الى تحويل “التل” الى معلماً سياحياً وإنشاء متحف يضم آثار المنطقة ، مضيفاً إلى أن هناك شواهد على وجود بعض الاثار والمغارات القديمة.
وأكد على أهمية توفير الدعم والميزانيات الكافية التي تساعد الباحثين على اعداد الدراسات والبحوث للتعريف بتاريخ هذا التل ومكانته الثقافية والحضارية.
وقال علي الحايك رئيس جمعية رجال الاعمال بغزة إن منطقة تلة المنطار تستحق اهتمام المستثمرين لما تحتله من مكانة تاريخية وأثرية قديمة، مشيراً الى أن المشاريع الاستثمارية في القطاع السياحي في مدينة غزة تذهب معظمها الى استغلال منطقة البحر غربا، بينما يوجد اهتمام أقل بالمنطقة الشرقية وهو ما يتطلب اهتمام حكومي اكبر نحو تشجيع رجال الاعمال للاستثمار في تلك المنطقة، حيث أنها ملائمة للاستثمار، وما يزيد من فرص نجاح مشروعات استثمارية سياحية ما تتميز به التلة من ارتفاعها الكبير عن سطح البحر واطلالتها بشكل مباشر على المدينة.
وأوضح أنه لم يسبق أن كانت مبادرات للاستثمار في تلك المنطقة نتيجة عدة عوامل من بينها عدم وجود دراسات وتوعية سابقة من قبل الحكومات المتعاقبة نحو تشجيع المستثمرين لاستغلال التلة، اضافة الى تعرض المناطق الشرقية في مدينة غزة الى عمليات اجتياحات وتجريف مستمرة من قبل الاحتلال بحكم قربها من الحدود.
وقال مدير دائرة المتاحف بوزارة السياحة التابعة للحكومة المقالة بغزة أسعد عاشور لـ “مضمون جديد” إن أهمية منطقة تل المنطار جاءت من المكانة الكبيرة لها عبر التاريخ، فقد قام صلاح الدين الايوبي بعمل أول موسم شعبي في المنطقة حيث كان يطلق عليه “موسم خميس تل المنطار.
واضاف إن التل يتميز من حيث ارتفاعه على معظم التلال المحيطة في قطاع غزة، مشيراً الى أن وزارة السياحة والآثار ومنذ إنشاء السلطة الفلسطينية عملت على الحفاظ على المواقع الأثرية المتناثرة والمعروفة لحمايتها وترميمها بحيث تعبر عن تاريخ الشعب الفلسطيني، موضحاً أنه لم تكن هناك خطط سابقة للاستثمار في تلك المنطقة واستغلالها سياحيا ، وقد يكون ذلك بفعل قرب المنطقة من الحدود وتعرضها في بعض الاحيان لاعتداءات من قبل قوات الاحتلال المتمركزة فوق المكان ، داعياً للاستثمار في المنطقة واستغلالها سياحياً.

حكم وتطلعات

حكم وتطلعات

الكاتب / محمود أبو الهنود

* الفاشلون يتطلعون لأي نصر.. والناجحون واثقون دائماً أنهم في حالة نصر.

* رب كلمات عابرة تصحح سلوك قوماً.. ورب كلمات هادفة تزيد السوء سوءاً .. فاعلموا ما تقولون تجدوا ما اليه تطمحون.


* وراء كل امرأة عظيمة انسان.

* المسلحون ضعفاء … والمجردون أقوياء.

* لاتلمني يا صديقي ان قاطعتك.. اتخذتك للدهر رفيقاً .. فما كنت سوى للدينار عابداً وكاهناً وراهباً في وقت الضيق.

* الفقر ليس عيباً .. العيب أن ترضى بالفقر ان كنت قادرا.

*الهزيمة تتولد من اليأس .

* حاول أن تساعد غيرك .. تتفتح لك المزيد من الآفاق.

* المجد يصنعه العمل .

* رب كاتب يهزم بأسطره جيشاً .. ورب جاهل يدمر بفكره نظاماً.

* لاتكن للسيف مطأطأ الرأس.

* أنت حر مالم ترضى بالعبودية لغير خالقك.

* الاحرار يأتون بالنصر .

* اترك الجاهل لجهله ما لم يقتنع بالفكر الآخر.

*المرأة شجرة طيبة .. فروعها تثمر بلا توقف.

* ساعد الفقير .. يتمنى لك الغنى.

* لا تيأس من الفشل .. واجعله طريقك للنجاح.

* اذا كنت في الاربعين من عمرك .. اجلس مع أصحاب الثمانين .. يصبح عمرك مائة وعشرون.

* احسن الى من احسن اليك وقت كنت ترقب الاحسان.

* لو كان الخلد لسلطانك لاعطاه الله لانبياءه.

* استمتع في عملك ولاتنظر أن تصبح مسئولاً لايجد متعة سوى بالنظر الى ما تصنع بيدك.

* اعمل بصمت .. وانتظر أن تكافئك جهودك.

* لاتدعي العظمة فهي من صفات الله وحده.

* الناس أنواع .. بعضهم من ذهب وآخرون لامعدن لهم.

* اعلم أن مستقبلك من حاضرك.

* انصت الى من أكبر منك بساعة.

* كلنا بنو آدم .. لنا بداية ونهاية..

* الكريم تحبه الناس والبخيل تكرهه نفسه.

بوردو وباريس وأشياء أخرى

بوردو وباريس وأشياء أخرى

قصة قصيرة – الكاتب -محمود أبو الهنود
( الجزء الأول )

دقات عقارب الساعة تشير الى الثامنة صباحاً ، محطة قطارات أوسترليتيز في باريس تزدحم باعداد كبيرة من المسافرين المتوجهين الى مناطق مختلفة من فرنسا ، يسارع خالد خطواته مستقلاً إحدى القطارات في طريقه الى مدينة بوردو في الجنوب الغربي من فرنسا ، المكالمة الهاتفية التي تلقاها خالد في السادسة صباحا من موظفة ادارة فندق Adagio Bordeaux Gambetta ، أكدت له وصول الوفد الاماراتي المقرر مشاركته بعد عدة أيام في مؤتمر دولي حول البيئة والتغيرات المناخية الذي سيعقد في باريس حيث يقوم بجولة سياحية في المدينة الاجمل من فرنسا ، فبوردو المدينة الدافئة تمتلك الكثير من المعالم السياحية التي تدفع بضيوف فرنسا للاطلاع على تاريخ وسحر هذه المدينة التي تقع على الساحل الجنوبي لنهر جيروند الكبير ، بالاضافة لقصور النبلاء والحكماء ، ومزارع الدالية في ريفها الرائع، هناك الفنادق والمتنزهات والاماكن الساحرة في وسط وشمال المدينة ، يسير القطار بسرعته الرهيبة ، وأنظار خالد تراقب بين الحين والاخر عقارب الساعة ، حيث يفترض تواجده في الفندق عند الساعة الثانية عشرة ظهراً ، ليصطحب الوفد الإماراتي في جولته السياحية فهو يعمل منذ عدة سنوات كمرشد سياحي ومترجم ، ولديه معرفة كبيرة بالاماكن والاثار العريقة التي تحتويها المدينة ، بالفعل وصل خالد الى الفندق عند الموعد المحدد وذلك بعد أن شرب فنجان من القهوة مع بعض الحلوى الفرنسية الفاخرة من مقهى شهير في ضاحية ( Rue Sainte-Catherine ) وسط المدينة ، رحبت موظفة الادارة بفندق Adagio Bordeaux Gambetta بخالد ورافقته الى مكان تواجد الوفد .. هناك تفاجأـ خالد بكلمات الترحيب التي بدأ يطلقها الجرسون بينما كان يقدم وجبة غذاء سريعة لاعضاء الوفد ، الصوت ليس غريباً عليه ، نظر خالد الى الجرسون باهتمام كبير ، هذا أنت يقول خالد ! ، إنه رائد مصري الجنسية ، صديق الطفولة لخالد ، تعانقا بمحبة وشوق كبير ، فلم يشاهدا بعضهما منذ أن ترك خالد مدينة بور سعيد قبل حوالي ثمانية أعوام ، أين أنت يا رجل ؟ وما الذي أتى بك الى فرنسا ، يجيب رائد على سؤال خالد ، إنه العمل ياصديقي ، لقد وجدت فرصة للعمل في هذا الفندق الرائع ، وأنت تعرف البطالة وعدم توفر فرص عمل في مصر ، هز خالد رأسه مكرراً نعم نعم يا رائد ، وقبل أن يتركا بعضهما تبادلا حفظ أرقام هواتفهم النقالة ، وتواعدا بلقاء قريب ، توجه خالد نحو الوفد، راداً التحية على الجميع ، ” هلا بيك أـخوي” رحب به ” سلطان ” رئيس الوفد معرفاً إياه على أسماء الأعضاء ، بعضهم خبراء في مجال البيئة ، والمناخ ، بالاضافة لاساتذة جامعات وممولي مشاريع وصحفيون ومصورون يعملون في كبرى الصحف ووسائل الاعلام الإماراتية ، يكرر خالد ترحيبه مطلعهم على طبيعة عمله وخبرته في مجال العمل السياحي ، تناولوا وجبة الغذاء ، وانطلقوا في جولتهم الى قلب المدينة ، وضواحيها وريفها الذي تكسوه الورود وأغصان الدالية الرائعة ، أول ما وصلوا الى شارع سانت كاثرين التجاري حيث ساحة الكوميديا ، شاهدوا المحال الفخمة ، والمقاهي والمطاعم التي يقبل عليها السياح بشكل كبير ،إنها ساحة تضج بالحياة ، يغيب فيها اللون الفرنسي ، ليحل محله سياح من أجناس عديدة ، توجهوا بعد ذلك لاكتشاف المعالم الثقافية للمدينة ، مبنى الاوبرا الذي بني في عهد الماريشال دي ريتشيليو حاكم غويين Guyenne وأشرف على بناءه المهندس المعماري الأشهر في ذلك الزمن فيكتور لويس قبل تسعة أعوام من اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789م، أعجبوا كثيراً بفن الهندسة النيكولاسيكية التي تميز المبنى مع معزوفات الأوركسترا السمفونية أشهر الفرق الموسيقية في أوروبا، انتقلوا بعد ذلك في زيارة لجامعة ” بوردو العريقة ، حيث كان في استقبالهم رئيس الجامعة ورئيس قسم البيئة وعلوم الارض “، الذي اصطحبهم في جولة داخل الجامعة للاطلاع على قسم البحوث والدراسات الخاص بالبيئة ، استشعر الوفد الاهتمام الكبير الذي تبديه ادارة الجامعة بالبحوث المتعلقة بالتغيرات المناخية والبيئة ، حيث دهش الوفد بالمساحة الكبيرة التي تخصصها الجامعة لطلاب القسم لاجراء تجاربهم المختلفة ، مشاريع عديدة لانتاج الكهرباء ومعالجة مياه البحار، ومراقبة التغيرات المناخية ، اختراعات فريدة من نوعها تحظى باهتمام من قبل الجامعة وتفرد لها الصحافة جزء كبير من اهتماماتها ، وفي ختام زيارتهم لمبني الجامعة وزع عليهم رئيس الجامعة هدايا تذكارية ، وتلقى بسرور دعوتهم لزيارة جامعة أبو ظبي التي قدمها له عميد كلية العلوم بالجامعة ، ثمة مزيد من الاماكن يقول لهم خالد يتوجب عليكم زيارتها ، توجهوا الى الريف ، كانت زخات من الثلج المتقطع تهطل على المدينة ، المنظر من نوافذ الباص رائع بكل معاني الوصف ، مساحات شاسعة من الأراضي مزروعة بالوردو و بأشكال هندسية وفنية مدهشة ، طرق واسعة ، وبيوت قرميدية وسط المزارع تغطي الثلوج أسطح بعضها ، اصطحبهم خالد الى منزل صديقه جاك فرنسي الجنسية ، وهو يعمل في أحد البنوك الفرنسية الكبيرة ، كان المسكن يتواجد به جاك لوحده ، حيث سأله سلطان ، هل تعيش لوحدك هنا ، تبسم جاك وأخبره بأنه يفضل البقاء في منزله وسط الريف ، وأنه متزوج ولديه طفلين يعيشان في مدينة باريس ، ضحك سلطان وأعضاء الوفد وتفهما رغبته بالعيش وحيداً وسط الريف ، كانت زيارة منزل جاك فرصة ليستريح أعضاء الوفد قليلاً ، بدأ خالد وجاك بتجهيز وجبة جمبري جلبها الاخير من ثلاجته المليئة بأنواع مختلفة من المثلجات ، انتهى خالد وصديقه جاك من تحضير الطعام ، كان خلالها معظم أعضاء الوفد قد غرقوا في نوم جراء تعب السفر ، عمل جاك وخالد على ايقاظ الجميع ، ودعوهم لتناول وجبة الطعام ، وبدأوا بتناول الجمبري اللذيذ ، وفجأة بدا أن أحداً يطرق باب المنزل .
الجزء الثاني:

إنها لوران  ، صديقة جاك ، كانت ترتدي بلوزة تي شيرت وشرط ، دخلت المنزل وكان الجميع يتناولون طعامهم ، رحبت لوران ، بأعضاء الوفد مردة باللغة الفرنسية  Bonjour  ، احمرت وجوه معظم أعضاء الوفد ،و شعروا بأمر غريب ، فهد وهو يعمل مصور صحفي راح يحدق بلوران ، التي كانت تجلب معها زجاجة بيرة وضعتها على سفرة الطعام، ملامح الاعجاب بلوران باتت تغزو أعين فهد ، فقد سقط الصحن وبقيت السكين والشوكة ترتجفان مع أصابع يديه من شدة اعجابه بجمالها ، أطلق  خالد ضحكة عالية ، وقال باللغة الفرنسية أهلا لوران ، اجلسي معنا لتناول الجمبري ، بدأ جميع أعضاء الوفد ينظرون إلى بعضهم ، وراح يتساءل البعض منهم ، ما الذي يحصل ؟ ، وفجأة طلب سلطان من الجميع الخروج من المنزل فقد شعروا بحيلة ما تدبر لهم ، لكن سلطان لم يستطع إكمال كلماته حتى سقط على الارض ، وراح الجميع يتساقطون من على كراسي سفرة الطعام ، ليستغرقوا في نوم عميق ،  بقي فهد وحيداً مع جاك  وخالد و لوران ، فلم يتناول ما   يكفي من الجمبري حيث سقط الصحن من بين يديه، لكن فهد لم يكن يحتاج وجبة جمبري لتغرقه في النوم ، فقد راح يتجرع كأساً من البيرة الذي أعطته اياه  لوران  ، سقط هو الاخر من شدة ما شرب من البيرة فهو لم يكن يعرف حتى شكلها من قبل ، بعد وقت قصير راح أحدهم يطرق الباب مرة أخرى ، سارع خالد لفتح باب المنزل الذي كان يطرقه صديقه رائد وهو القرصون الذي قابله في الفندق، أصبح جاك وخالد ورائد و لوران في المنزل، وجميع أعضاء الوفد مستلقين على الارض في نومهم العميق ، طلب خالد من الباقين ، نقل حقائب وكل ما لدى أعضاء الوفد الإماراتي في سيارة الجيب الخاصة بجاك ، كان من بين الحقائب ، حقيبة خاصة بسلطان يحمل بها عدد من قطع الماس والالماز والخرائط الخاصة التي تعود لعهد  الأمير عبد الرحمن الداخل الذي كان قد اقتحم المدينة في  العام 731 م ، وكان سلطان قد أخفاها عن العاملين في مطار بوردو لحظة وصول الوفد المدينة، انطلق جاك وفريقه بسيارة الجيب الى قصر “بالاس دي تشابيليه” ،، حيث أرشدتهم الخريطة التي أصبحت بحوزتهم الى مكان يعتقد أنه يحتوي على كنز من الذهب بالاضافة  لعتاد وأسلحة قديمة وخرائط غالية الثمن عثر عليها أحد الجنود الفرنسيين وخبأها في نفق أسفل القصر ، بعد 4 ساعات  بدأ مفعول المنوم الذي وضع لاعضاء الوفد في طعام الجمبري يفقد مفعوله ، استيقظ سلطان على صوت رنات هاتفه النقال ، كانت المكالمة التي أجراها مع مكتب سياحة وسفر أبو ظبي ، بمثابة صاعقة بالنسبة له ، فقد راحوا يستفسرون عن مكان وجود أعضاء الوفد ، ليتسنى لهم الالتقاء بالمرشد السياحي والمترجم خالد  الذي سيرافقهم  في رحلتهم الى مدن فرنسا بوردو وباريس ، ارتفع صوت سلطان ، وهو يعيد سؤال موظفة المكتب ، ماذا قلتم؟ ، خالد ، ومن يكون ذلك الشخص الذي قدم  الينا الى الفندق في بوردو واصطحبنا في جولتنا في المدينة الى أن وصلنا الى هذا المكان في الريف  ، اليس هو المترجم ؟ ، وراحت أعين سلطان وهو يتحدث مع موظفة المكتب السياحي ترقب عدد من أعضاء الوفد الذين ما زالوا تحت آثار المنوم ، قطع سلطان المكالمة مع موظفة المكتب السياحي  ، وذهب مسرعاً يفتح باب المنزل حيث خشي أن يكون مقفلاً، لكنه كان قد ترك مفتوحاً ، عاد سلطان الى داخل المنزل وبدأ يحاول ايقاظ بقية أعضاء الوفد ، كما طلب من الآخرين الخروج من المنزل ، وبالفعل أصبح الجميع خارج المنزل حيث تفاجئوا بعد ذلك بعدم وجود سيارة الجيب التي نقلتهم في جولتهم الى الريف ، تلقى سلطان مكالمة هاتفية جديدة ، إنه مدير مكتب الامارت السياحي يريد الاستفسار عن ما حدث مع أعضاء الوفد ، وبدأ سلطان يشرح له كل الاحداث التي مروا بها ، ويرشده على المكان الذي يوجد به الوفد .

انتهى الجزء الثاني.


أضغاث أحلام .. وحقيقة

أضغاث أحلام .. وحقيقة

( قصة قصيرة ) .. الكاتب – محمود  أبو الهنود

لم تستطع مقاومة شدة النعاس ، على غير عادتها أغلقت كراستها المليئة بالأحداث والذكريات في وقت مبكر من الليل ، تفاصيل وجهها وتمشيطة شعرها انصرفتا معها في نوم عميق ،أكوام من الجرائد ، جاتوه ، قهوة ، برينجز ، بقيت جميعها تبعثر غرفة نومها الزوجية وتدخل فيها أجواء توحي بالحيوية والنشاط ، انتقلت ” نور ” سريعا الى عالم تحكمها فيه الاحلام ، أوقات سعيدة تملكتها هناك، مرح ، ضحكات ، قطع خضراء وأخرى رسمت بعدة ألوان ، أحمر ، بنفسجي ، أصفر ، أزهار زينت المكان ، فراشات بيضاء ، راحت تكسو السماء وكأنه يوم للفرح يعلن عن نفسه ، موسيقى من أصوات جميلة باتت تعزفها عصافير من أنواع عديدة ، كل شيء حولها يوحي بالسعادة ، إبتسامة غيبت وهلة نور ، لحظة ضمت يدها بيد شريك عمرها ” سامي ” وهما يتوسطان المشهد ، حلم يتعمق ، غادرت الفراشات السماء ، مطر غزير يهطل بينما أبصرا ضوءاً يقترب منهما .

فجـأة ، انتقلا الى مكان مختلف ، منطقة مخيفة ، كثيفة الاشجار ، ” إننا في أدغال أفريقيا ” يعلو صوت سامي وعيناه تبتسمان في وجه نور ، قابلته بوجه عبوس يخشى المشهد ، قبضت على يده وركضا سريعاً يبحث كل منهما عن مكان آمن ، اختارا السير في إتجاه واحد ، ركضا حتى تعبا واشتد بهما العطش ، اتفقا على مواصلة السير فلا منجى أمامهم ، ضباع ، عناق ، نمور أفريقية تنتظر فريسة ما، توقف ركضهما .

في الجانب الآخر ، في غرفة الزوجية ، فقدت نور توازنها من شدة الحلم ، عرق يتصبب ، البواب وسكان العمارة تجمعوا على صوت طرقات سامي باب الشقة ، رنين الهاتف والجوال لم يتوقف ، ” يا الله ” يعلو صوت سامي والتوتر يسيطر عليه ، ، قرر أخيراً كسر باب الشقة بعدما فقد الامل وخشي على زوجته.

في الادغال ، وبينما نور تحلم ، استوحشت النمور ، عينان حمر ، أسنان جاهزة للافتراس ، ، تفصلهما عن النمور مسافة بسيطة ، لاتتعدى بضع الامتار ، صرخ سامي بصوت يرتجف طالباً من نور الفرار ، ركضا بسرعة ، طمعاً في النجاة بأرواحهما ، سقطت نور أرضاً ، ودقات قلبها تعلن قرب النهاية .

بعيداً عن أحلام نور ، أفلح البواب بكسر باب الشقة ، دخل سامي يصرخ باحثاً عن نور ،وهو ينادي ، زوجتي الحبيبة ، نور ، أين أنتِ ، فتح باب الغرفة ، ونور غارقة في حلمها ، ” قلبها” أوشك أن يصبح بين فكي أسنان النمور ، سارع سامي لكي يسند نور ، فقد أوشكت على السقوط عن السرير، تشهدت نور في حلمها ، إنها النهاية ، أمسك بها سامي ، استيقظت فزعة من نومها العميق ، ما هذا ، من أنت ،راحت تتفحص جسمها ان كانت قد أكلت منه النمور شيئاً ، يداي ، وجهي ، أـنا بخير تقول لسامي ، هذا أنت ، هل نجوت مثلي ، ألم تأكلك النمور ، أجبني ،أجبني زوجي العزيز ، كيف حصل ذلك ، ضمها الى صدره ، وبات يهدئ من روعها ، طلب منها شرب كأس مياه ، وقد أخذت الدموع تذرف من عينيها ، وراحت تردد ” أشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله ، احمني يا الله ، احمني ، انه حلم فظيع .

في نفس الوقت ، وفي شقة أخرى ، صغيرة الحجم ، كانت امرأتان تجمعهما الحقد والغيرة ، يقابلان تلك العجوز الشمطاء ، والدخان يتصاعد في غرفتها ويغطي وجهها ، اقتربت منهما ، تسألهما ، ماذا تريدان ؟ .. حدثوني ، على من اتفقتما ، هيا أجيبوني ، نظرت الامرأتان الى بعضهما ، وأجسادهما ترتجف ، لم يستطيعا قول شيء ، وفجأة ، سارعا الى باب شقة العجوز ، وفتحا الباب ، وهربن ، أصبحن خارج العمارة .
انتظروني في ” الجزء الثاني “.

تطلب الربيع تخشى المطر

تطلب الربيع تخشى المطر

الكاتب / محمود أبو الهنود

لا تملُكَ من الحب سوى إعجابَ الكونَ

في الربيعِ تعشق للأشجارِ سُكونً

وتلهو تداعبُ بسحرِ ألوانها

الأزهارَ من حولها تتفتح

تغارهُا الكائنات فقد سرقت

عُيون ً وحُبً لايوُصف

هي فراشةُ لا لونً واحداً فيها

حتى يتغنى بجماله عازفً

أو يرسُم فنانً منها طبق الاصلَ

بين الفصولِ الاربعِ واحُدً يظهرُ

وراء ضعفها رقةَ

فلا حبات مطرٍ تحتمل

أو ريحُ قد لا تبينُ فيه

و لا يُبدي لها أثراً

في الخريف ترقب الاوراقَ

تتساقطُ من أغصانٍ الشجر

تضُم جناحيها وترحَل

لان الصيف جافُ تقصُد النهرَ

الربيع في نسيمه يُبقيِ

لالوانها زهواً وبرقً

متى تُغادر أيها الشتاء

لتأذن للفراشاتِ التزود من ماءكَ

رحيقاً تجده في الازهارِ سائغاً عذباً

نداء من حواء


نداء من حواء

الكاتب – محمود أبو الهنود

هناك عند سيد القمح

وقفت حواء تطلب قليلاً

من قوت القوم

تسد به جوع طفليها

وراحت تقطف أوراق من شجر

تدفيء بهما صياح من برد وثلج

مجنون هو الحلم

اذا ما كان رؤى ترسم ابتسامة

على وجه طفلي حواء

فما خلقت هي لجوع أوفقر

فالكون كله حواء تمليء الدنيا

أملاً .. سعادة.. شيء من خير السماء

يا طارقً إن الفقر جوع

وإن الجوع موت

نادت بأعلى ما تملك من صوت

هل هناك قلب يخلو من جشع

هل هناك من لا يصم أمام طغيان

أو لا يعمى أمام حلم صغار

تركوا مجبرين بطون أمهاتهم

باحثين عن أمن ودفيء

عن حبل سري يشبه من جعلهم في المهد

بكت حواء

شكت للسماء

لحاف لا يقي من برد

ووعاء خالٍ سوى من هواء

مجنون أنت أيها الفقر

مجنون من لايحب الحياة

ma_jornalist@hotmail.com

انفاق غزة.. عالم سفلي قد تخرج منه سالما

قطاع غزة – محمود أبو الهنود

بما يعادل دولارين نقلتني سيارة من نوع مرسيدس قديمة الصنع من مدينتي غزة إلى جنوب القطاع حيث “رفح”.

بعد مهمة بحث ليست سهلة وصلت بمساعدة أحد سكان المدينة إلى منطقة الحدود المصرية الفلسطينية، حيث عالم ليس كأي عالم.

في رفح مجتمع إن اردت ان تشاهده فعليك أن تنظر الى الأسفل. سألت مرافقي: هل نحن في واد النمل؟ فابتسم ولكنه طلب مني الصمت فالمنطقة خطرة وتنتشر بها عناصر شرطية مكثفة ، فلا يحبذ تواجد الصحافة.

اصطحبني مرافقي الى إحدى الاستراحات التي يرتادها في العادة عدد من العاملين في الانفاق، فالهدف هو الوقوف على معاناتهم.

كما يمكن ان تتوقع كانت ملامح رواد الاستراحة تعبة وشاقة، بينما ملابسهم متسخة وأحيانا مهترئة، فيما تتوزع الجروح على اجسادهم المرهقة.

طلب مني شاب – لم يخف التعب والتراب وسامته – النظر الى أسفل النفق “عرف الانسان مهنة حفار القبور منذ زمن أما غزة فالحفار فيها يحفر الانفاق حيث العمل على مدار الساعة ليلاً ونهارا.

هنا – واشار الى النفق – الموت يأتيك طميا وترابا واختناقا.. ولكن لا بأس ان كان شفيعنا لقمة عيش، يقول الشاب الذي عرفت ان اسمه محمد في حديث لـ “مضمون جديد”.

قصص وحكايات يعيشها حفاروا الانفاق .. قصص لنجاتهم وموت بعضهم وطمر اخرين. الشاب محمد لا يجد عملا آخر غير هذا، وهو فيه منذ 4 أعوام. وعلى حد قوله كان الموت دائماً فيها الأقرب لولا لطفه سبحانه وتعالى ورحمته.

إحدى تلك القصص المرعبة التي عاشها والتي يعزو لها كثافة الشيب في رأسه رغم صغر سنه وقعت عندما كان داخل وسط أحد الانفاق المستخدم لضخ البنزين، في الوقت الذي وضع فيه عامل أخر داخل النفق سيجارة في فمه حال بينه وبين تفجير النفق على من فيه فقدانه للولاعة.

وفي واقعة أخرى أفزعت محمد كانت لحظة وجوده على رأس احدى الانفاق المستخدمة لتهريب الاسمنت المصري حينها سقطت على رأس احد أقربائه الذي كان في أسفل النفق مجموعة من اكياس الاسمنت أدت الى فقدانه حياته.

محمد يعرف كما كل الغزيين عمال حرقوا داخل الانفاق وآخرين كسرت أيديهم وقطعت أصابعهم وأيضاً والبعض دفنوا هناك .. في الأسفل.

ولكن لماذا يا محمد لا تترك العمل وتهرب بعيداً الى حيث فوق الاض سألت محمد؟ ما افصح عنه الشاب انه يعيل أسرة مكونة من 11 فرداً: ” أب وام وأخوة.

يقول: أدرك جيدا انه لا عمل لي فوق الأرض، إلا ان اردت الانضمام إلى صفوف البطالة.

يتلقى الشاب 100 شيكل يومياً وقد لا يعتبر الرقم عامل جاذب للعمل في ذلك المجال الخطير، لكنها بالنسبة لمحمد تعني الشيء الكثير اذا ما تعلق الامر بلقمة العيش وتوفير الدواء لوالديه الذين أتعبهما الكبر والمرض مشيراً أنه كان يتلقى في السابق مائة دولار كأجرة يومية لكن ازدياد عدد المقبلين على العمل في الانفاق جزء كبير منهم من الاطفال وتتراوح أعمارهم بين 14- 16 عام ادى الى تدني تلك الاجرة.

انهى محمد ابن الثانية والعشرين من عمره كلامه وغاب في عتمة أحد أنفاق غزة على الحدود المصرية الفلسطينية.

دية الانفاق

بينما اكمل عنه زميل له: لقد دخل النفق من دون اي ضمانة ان يعود حيا، إنه الموت بكل تفاصيله المرعبة دون ان تخرج الروح من جسدها.

سألنا آخرين هل من تأمين أو ضمانة على حياتكم فنفوا جميعا ذلك. ولكن هناك تعويض لاسرته. يقول احدهم: بتنا نعلم أننا اذا ما متنا في اصابة عمل ستقام لنا “برزة” ثمنها ثلاثة آلاف دولار وستحصل أسرنا على دية تقدر ب 7000 الاف دولار وذلك فيما بات يعرف عند الغزيين “بدية الأنفاق”.

اما سمير فيلعن الحصار الذي أحوج الغزيين للعمل في تلك الانفاق. يقول: في الداخل يصطادنا الموت كالعصافير، لكننا لا نستطيع الطيران.

وأعرب مركز الميزان لحقوق الإنسان في بيان صدر مؤخرا عن أسفه الشديد لاستمرار سقوط الضحايا من العاملين في الأنفاق ممن دفع الفقر والفاقة أغلبيتهم للمغامرة بحياتهم من أجل لقمة العيش ، لافتاً إلى أن استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ خمسة أعوام ، دفع الغزيين لحفر الأنفاق كبديل عن المعابر المغلقة و أجبر قطاع واسع من شريحة الفقراء والعاطلين عن العمل إلى العمل في الأنفاق كسبيل لتوفير مصادر الرزق.

أبو عبد الله 44 عام عبر عن انزعاجه من “مالكي الأنفاق” الذين تحولوا برأيه من مجرد أصحاب أعمال صغيرة إلى رجال أعمال يتنافسون على جمع الأموال أيهم يجمع أكثر ويشتري السيارات الأفخم، ونسوا وراءهم عمالاً يخاطرون بحياتهم من أجل لقمة عيش أطفالهم ، ولتوفير حاجات ومتطلبات أبناء شعبهم الأساسية واللازمة لضمان استمرارية حياتهم ، موضحاً أن الأنفاق ضرورة وطنية اكتسبت شرعيتها بفعل الحصار الخانق الذي فرضته اسراييل على القطاع منذ ما يقارب الخمسة أعوام ، لكنها باتت فرصة للثراء والكسب السريع عند الكثيرين، وكل ذلك على حساب عمال الأنفاق والمواطنين المغلوبين على أمرهم، مايقلق أبو عبد الله بالفعل هو استغلال البعض للأنفاق لإدخال الممنوعات” من مخدرات وترامال والأخطر وجود الأنفاق المستخدمة لتهريب الأشخاص والتي قد يستغلها بعض المجرمين والهاربين من العدالة من كلا الجانبين المصري والفلسطيني للنجاة من يد العدالة.

ومن الجدير ذكره أن الحكومة المقالة بغزة تحظر على أصحاب الأنفاق تهريب المواد الممنوعة أو أشخاص مطلوبين وتقوم بتسيير دوريات شرطية مكثفة لمراقبة الحدود .. لكن هناك من يعتقد أن المهربين يقومون بتهريب المحظورات بوسائل غير مباشرة .

وقالت مؤسسة الضمير لحقوق الانسان في بيان صدر مؤخرا أنها تتابع بقلق شديد حوادث الوفاة المتلاحقة في أنفاق مدينة رفح الناتجة عن ظاهرة تشييد واستخدام الأنفاق الأرضية وعمل المواطنين بها، والتي تسفر عن سقوط ضحايا من بينهم وبشكل خاص الأطفال، جراء انهيار الأنفاق الأرضية التي تربط الأراضي الفلسطينية بجمهورية مصر العربية، فضلاً عن حالات الاختناق و المس الكهربائي واشتعال النيران وحدوث إنفجارات داخل هذه الأنفاق.

وأشارت الضمير أن الضحايا يسقطون نتيجة لأسباب مختلفة ومتعددة، تدلل على عدم احترام القائمين والتجار على شق وتشيد واستخدام أنفاق مدينة رفح للتدابير التي من شانها أن تحمى العاملين داخل هذه الأنفاق، وتقلل إمكانية انهيارها فوق رؤوسهم، و طالبت مؤسسة الضمير الجهات المسئولة في غزة بتشديد التعليمات للجهات المختصة بضرورة اتخاذ التدابير والخطوات العملية من أجل وضع حد لارتفاع عدد ضحايا الأنفاق، من خلال الحرص على وضع الضوابط اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة.

ويعيش 38 بالمائة من سكان غزة تحت خط الفقر، بسبب الحصار الإسرائيلي على القطاع، ووفق احصاءات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “أوتشا” فإن “26% من القوى العاملة في غزة، 38% منهم من الشباب، عاطلون عن العمل”.

كما يعاني 54 % من سكان غزة من انعدام الأمن الغذائي وأكثر من 75% منهم يعتمدون على المعونات الإنسانية، معتبراً أن استمرار حصار غزة أدى إلى حرمانهم من الحقوق الإنسانية الأساسية، وهو مخالف للقانون الدولي بحيث يصل إلى مستوى عقاب جماعي”.

عالم سفلي

يقول سامي ابن السادسة والعشرين من عمره “إنه عالم سفلي مخيف مليء بالمغامرات والمخاطر”.

ووفق لآخر احصاءات مركز الميزان لحقوق الانسان حول الوفيات الناتحة عن الأنفاق فقد ارتفاع عدد ضحايا الانفاق منذ العام 2006 ، إلى (197) قتيلا من بينهم (10) أطفال، مشيرا إلى تواصل سقوط الضحايا بين قتلى ومصابين في صفوف هؤلاء العاملين، وأشار التقرير أن (20) من بين ضحايا الأنفاق القتلى سقطوا بسبب قصف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الأنفاق، كما بلغ عدد المصابين (583) مصابا، وبلغ عدد ضحايا الأنفاق منذ مطلع العام الجاري 2011 (17) قتيلا و(42) مصاباً.

عروس الانفاق

بين نفق وآخر تختلف القصص والحكايا ، فعند فوهة أحد الانفاق، انهمك عدد من العمال في محاولة تسهيل عبور “عروس” قادمة من إحدى دول الخليج بصحبة والدها حيث وقفت عاجزة تخفي خشيتها من اجتياز النفق لتزف إلى عريسها الذي ينتظرها على الجانب الاخر من رفح الفلسطينية برفض والدها ذلك، فلم تفلح الوساطات من قبل أهل العريس التي قررت اجتياز النفق لتشجيع الوالد وابنته على دخول النفق لاتمام الزواج المتبقي عليه مدة يومين حيث منعهم عامل الوقت وظروف أخرى من إنتظار إجراءات السفر الطويلة والمعقدة حتى قرروا العبور عن طريق الانفاق، وهو ما دفع والد العروس للهروب.

وفي مشهد اخر وقف احدهم في منطقة الانفاق يدخن سيجارة ” رويال مصري ” وعيناه تحدق بالمتواجدين هناك معللا لهم قيامه بذلك بحجة بحثه عن شخص نصب عليه بمبلغ مالي كبير بعد أن منحه إياه لتشغيله في تجارة الانفاق حيث لم يحالفه الحظ وكانت عاقبته الخسارة .

يقول د. ماهر الطباع مدير العلاقات العامة بالغرفة التجارية بمحافظات غزة في حديث لـ “مضمون جديد” إن الأنفاق باتت أمر واقع فرض نتيجة حصار قطاع غزة من قبل الجانب الإسرائيلي وإغلاق كافة المعابر التجارية بحيث أصبحت الأنفاق الخيار.

واضاف إنها البديل الوحيد المتاح لجلب الاحتياجات الأساسية في البداية لقطاع غزة من الخارج.

ورغم من ذلك لم تصبح الأنفاق بديلا شرعيا وقانوني لإدخال البضائع والمواد الأساسية حيث أن تجارة الأنفاق تعتبر غير شرعية وعشوائية لأنها لا تخضع للاتفاقيات والقوانين التجارية ولا يوجد عليها رقابة كما أنها لا تلبي كافة احتياجات قطاع غزة من مختلف أنواع البضائع.

* أعد التقرير لصالح مشروع مضمون جديد.

“السياسة” تحتل الإذاعات المحلية الفلسطينية و”البيئة” اهم الضحايا

قطاع غزة – محمود أبو الهنود

“الاشجار الخضراء التي تزين شارع صلاح الدين وتقسم غزة الى جزأين مهددة بالزوال جراء التمدد العمراني!”

سمع سائق سيارة الأجرة ابو أحمد البالغ من العمر 52 عام بما يهدد هذه الاشجار ولكنه استغرب ذلك وقال لم اسمع بهذا سابقا.

وفي إحدى مقاهي غزة يجلس ياسر 27 عام وهو يشرب النرجيلة .. ياسر كما يزعم لم يسمع عن مخاطر الارجيلة. يقول: “دعك من الارجيلة وتعال اسمع عن المستوطنات التي تنهك الرئة الفلسطينية كلها”.

أحمد جبر طالب بجامعة الأزهر بغزة يحمل مسؤولية الجهل البيئي لوسائل الاعلام الغزية المحلية وخاصة الإذاعات المنتشرة في أثير غزة. يسأل: ماذا تقدم هذه الاذاعات إن لم تسمعنا تفاصيل همومنا اليومية؟

على حد تعبير المواطن أسامة العشي احد أشد المتابعين للإذاعات الفلسطينية ان هذه الاذاعات سياسية كثيرا.

يقول: يجب ان تكون كذلك ولكن اليس الجوانب السياسة والاقتصادية كثيرة ومنها المواضيع البيئية؟ هل يجب على الموضوعات التي يتم تناولها تقليدية مكررة وكأنها برامج معادة يوما بعد يوم؟

العشي هو الاخر يقول ان الاذاعات مقصرة في الحديث عن المشكلات والاخطار التي تحدق بالبيئة الغزية.

يستشهد العشي بما تعانيه منطقة سكناه بالقرب من بحر غزة. يقول: رغم كارثة التلوث ولكن لم اسمع يوما طرح هذه القضية بالطريقة التي يجب ان تتم فيها.

مطر: الاعلاميون مستعدون

هاني مطر من قسم البرامج في اذاعة القدس يؤكد في حديث لـ “مضمون جديد بأن موضوعات البيئة تعاني من نقص كبير في الحديث عنها من قبل معظم الإذاعات الفلسطينية، ويعود ذلك حسب رأيه إلى الاهتمام بشكل كبير في نقل الأخبار والأحداث السياسية.

واشار إلى أن إذاعة القدس تقدم برامج عديدة ومتنوعة من ضمنها “برنامج” بانوراما القدس ” حيث يتم التطرق لقضايا مختلفة تهم المواطن الفلسطيني من ضمنها قضايا بيئية.

وحول وجود برنامج متخصص يتناول موضوعات البيئة قال إن الاذاعة تسعى دائماً لارضاء مستمعيها ولفت انتباههم الى كل ما يتعلق بحياتهم والحفاظ على بيئتهم نظيفة، لكن وجود برنامج متخصص يحتاج برأيه لوجود متخصصين في تلك القضايا.

بالنسبة الى مطر فإن إذاعة القدس على استعداد كامل للتنسيق مع الجهات المختصة للاهتمام بتلك القضية المهمة اعلامياً بهدف توعية الجمهور بضرورة المحافظة على بيئتهم.

وتابع مطر مهما قدمت الاذاعات الفلسطينية في هذا المجال، إلا أن الاهتمام يبقى غير كاف بالنظر لحجم المشكلات البيئية التي تعاني منها الاراضي الفلسطينية، وهو ما يستدعي برأيه تضافر جهود المؤسسات الاعلامية لتوعية الجمهور الفلسطيني بالاخطار التي تحدق بنا جراء الاهمال البيئي، وتعزيز المؤسسات الدولية والجهات المهتمة لدورها في ذلك.

ريما الجمرة

بدورها قالت ريما الجمرة مقدمة ومعدة برنامج “أرض وسماء” في راديو صوت فلسطين إن هناك اهتمام عالمي متزايد في موضوعات البيئة ومعالجة الاثار الناتجة عن الاستخدامات الخاطئة من قبل الافراد والمجموعات لعناصر البيئة المختلفة، إلا أن منطقتنا العربية وخاصة فلسطين ينقصها الكثير من الاهتمام في ظل وجود عدد كبير من المشكلات البيئية التي تؤثر بشكل سلبي على المواطنين ويجب العمل السريع على ايجاد الحلول لها.

واشارت الى أن برنامجها “أرض وسماء” استطاع تحقيق نجاحات عديدة على صعيد تعزيز تفاعل المواطنين مع قضايا بيئتهم.

وفاز برنامج الجمرة العديد من الجوائز. وعن ذلك قالت إن فكرة البرنامج جاءت من الشعور بالحاجة للتحدث عن قضايا البيئة التي يوجد تجاهل كبير من قبل وسائل الإعلام في الحديث عنها، مشيرة أنه من خلال الاعلام يمكن حل مشكلات مهمة لها علاقة بصحة وحياة المواطن.

وتمكن برنامج “سماء وأرض” من حل مشكلة قيام بعض الأفراد “بحرق لصور الأشعة” في إحدى ضواحي رام الله، حيث نتج عن ذلك ظهور حالات إجهاض بين نساء المنطقة.

وأفلحت الجهود التي بذلها البرنامج في الكشف عن تلك القضية وتسليط الأضواء عليها بحل تلك المشكلة واغلاق المكان الذي كان يستخدم لاغراض حرق تلك الصور من قبل الجهات المعنية، مشيرة إلى أن البرامج التي تعالج قضايا البيئة تبقى محدودة الاثر، وهو ما يتطلب من جميع الإذاعات بما فيهم راديو صوت فلسطين العمل ضمن خطة إعلامية شاملة بهدف تعزيز وعي أفراد المجتمع بقضايا بيئتهم ودفعهم نحو الحفاظ عليها .

محمود قنيدة

اما محمود قنيدة مدير دائرة البرامج في إذاعة منبر الحرية “الخليل” فقال لـ “مضمون جديد” مهما قدمت قضايا البيئة سنبقى بحاجة الى المزيد، خصوصاً وان المشكلات البيئية التي تعاني منها الاراضي الفلسطينية كثيرة.

واضاف أن اذاعة منبر الحرية ومن خلال برنامجها “الصحة والبيئة” استطاعت التواصل مع الجمهور في القضايا والمشكلات البيئية، لكن المشكلات البيئية الموجودة في فلسطين، تستدعي اهتمام أكبر من قبل الجهات والمؤسسات المهتمة، بما فيها المؤسسات المانحة من خلال اعداد مشروعات معينة تفيد الافراد في التعرف على بيئتهم والحفاظ عليها نظيفة وصحية.

خليل حبيب

بينما أكد خليل حبيب مدير إذاعة الايمان بغزة لـ “مضمون جديد” أهمية تعزيز دور المؤسسات الاعلامية في تناول قضايا البيئة، حيث تحتل تلك القضايا أهمية كبيرة وخاصة في اة اليومية.

وقال ان ذلك يتطلب جهد أكبر من قبل إذاعاتنا الفلسطينية في تخصيص برامج متخصصة للحديث عن قضايا البيئة، نظرا لحجم وخطورة المشكلات التي تتهددنا.

واضاف أن اذاعة الايمان تولي أهمية خاصة لموضوع البيئة من خلال التطرق لها عبر زوايا مختلفة، كما أن الإذاعة لديها برنامج متخصص بقضايا البيئة، يتم اذاعته بشكل شهري، وسيتم قريبا إذاعته بشكل منتظم حيث يشرف على البرنامج متخصص في القضايا البيئية.

وتابع حبيب أن موضوع البيئة له أهمية كبيرة وأهميته تنبع في بلادنا كونه واقع تحت الاحتلال الذي يريد تدمير البيئة الفلسطينية، وهو ما أدى إلى تفاقم المشكلات البيئية بفعل الحصار ورفض ادخال الكثير من المعدات والمستلزمات الضرورية لقطاعات مختلفة مثل المياه والكهرباء والبنية التحتية ، كما وجه دعوة عبر مضمون جديد للجهات المختصة من بلديات ومؤسسات مهتمة للتنسيق مع الاذاعة بهدف اعداد برامج متخصصة تفيد المواطن الفلسطيني في الحفاظ على كل ما يتعلق بحياته وصحته وتمتعه بأجواء وبيئة نظيفة ، موضحاً أن ذلك سيكون بمبادرة من الاذاعة وبدون أي مقابل لان أن الهدف هو حماية الانسان الفلسطيني.

د. عيسى: المطلوب تبني إستراتيجية بيئية شاملة

من جهته أوضح د. طلعت عيسى المتخصص في الاعلام البيئي في حديث لـ “مضمون جديد” أن ما يميز العمل الاذاعي قدرته على الوصول الى جميع فئات المجتمع، حيث يقع عليه دور كبير ومهم في تناول قضايا البيئة.

واشار إلى أهمية التركيز على خطورة المشكلات البيئية التي تحيط بنا، وسبل الوقاية والخروج من تلك المشكلات، عن طريق زيادة الوعي البيئي لدى الجمهور، والعمل على خلق أنماط سلوكية حسنة في موضوعات البيئة.

وأضاف عيسى أن فلسطين تعاني من مشكلات بيئية خطيرة، تتطلب اهتماماً وجهد أكبر من قبل الجهات المعنية، موضحاً أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد وبشكل مقصود إلحاق الضرر في البيئة الفلسطينية، مذكراً أن قطاع غزة يقع ضمن نطاق الاشعاع النووي بفعل مفاعل ديمونة القريب من المنطقة، وينتج عن ذلك مخاطر صحية وبيئية كبيرة.

ودعا عيسى إلى تبني إستراتيجية شاملة تشرف عليها جهات حكومية عليا بالتنسيق مع وسائل الإعلام بما فيها الإذاعات بهدف العمل على إثارة قضايا البيئة وتوعية الجمهور بمتطلبات الحفاظ على البيئة ، موضحاً أن عملية تغيير الوعي تعتبر عملية بطيئة حيث تحتاج الى تكامل جميع الجهود لتحقيق الاهداف المرجوة من أي عملية توعوية.

* أعد التقرير لصالح مشروع مضمون جديد.

بعد تقلص مساحات الأراضي المزروعة بفعل الاحتلال .. غزة تستورد زيتونها من مصر!!

قطاع غزة – محمود أبو الهنود

يصعد المزارع جبريل الدحدوح 38 عام على سلم صغير ليتسلق عليه شجرة زيتون في مزرعته الواقعة شرق غزة بالقرب من السياج الحدودي والمقدرة مساحتها ب 60 دونم.

الدحدوح يرقب بعين الحسرة أشجاره التي تتساقط منها حبات الزيتون من دون ان يستطيع الوصول اليها خشية من رصاص الاحتلال المتربص بكل من يقترب من المنطقة ،30 دونم فقط تعادل نصف مساحة أرضه المزروعة بالزيتون.

يستطيع جبريل أن يقطف ثمار أشجارها المعمرة هناك منذ مئات السنين بينما باتت المساحة المتبقية تحت رحمة الاحتلال الذي قام بتجريف جزء كبير منها وأبقى على الجزء الآخر في مرمى جنوده وقذائف دباباته المنتشرة على طول الحدود.

يقول جبريل لـ “مضمون جديد” ما حصل لأرضه: انهم يحرقون بقذائفهم أرضنا وزرعنا ويحاربون شجرة السلام”.

واضاف أنه طالما زرع وإخوانه ووالدهم هذه الأرض التي ورثوها عن أجدادهم، لكن الاحتلال لا يكتفي بحصاره الذي يطبقه علينا منذ خمسة أعوام، حتى لجأ إلى محاصرة أرضنا ولقمة عيشنا من خلال تجريف مساحات واسعة من تلك الاراضي التي هي كل شيء بالنسبة لنا.

ما يقلق جبريل أن هناك خطر حقيقي أصبح يتهدد شجرة الزيتون بحكم تقلص مساحة الاراضي المزروعة بهذه الشجرة التي ارتبط بها الشعب الفلسطيني ارتباط كبير، وهوما يؤثر على القدرة الانتاجية ويعمل على تعويض أي نقص عن طريق الاستيراد الخارجي ، حيث تم خلال الفترة الاخيرة استيراد الزيتون المصري عن طريق الانفاق ، وانعكس ذلك على الاقبال على شراء الزيتون المنتج محلياً بسبب رخص ثمن الزيتون المصري الذي يقدر ب 10 شيقل ثمن الرطل الواحد مقابل 25 و30 شيكل للزيتون المحلي والذي يتمتع بجودة عالية.

بينما أشار المزارع محمود دلول 47 عام والذي يمتلك وإخوانه 115 فدان شرق حي الزيتون بغزة أن ما بقي له من مساحة أرضه 25 دونم فقط بعدما قام الاحتلال بتجريف 90 دونم من أراضيهم المزروعة معظمها بأشجار الزيتون حيث يصل عمر البعض منها الى 400 عام.

وقال لـ “مضمون جديد” أنه لا يستطيع الوصول الى جزء كبير من تلك المساحة، بحكم القذائف والرصاص والذي أدى لاصابة أحد أبنائه نتيجة تعرضه لاطلاق الرصاص من قبل جنود الاحتلال الاسرائيلي المتمركزين فوق الأبراج العسكرية خلال الحرب الإسرائيلية الاخيرة على قطاع غزة.

واضاف أن كميات الزيتون المنتج محلياً في تناقص مستمر بحكم تناقص المساحات المزروعة والناتج عن تجريف الاحتلال لمساحات واسعة من أراضي المواطنين ، وهو ما أثر على انتاج ” الزيت البلدي ” الذي تناقصت كمياته أيضاً ، الامر الذي يؤدي الى ارتفاع أسعاره ، ولجوء البعض لشراء الزيت المستورد.

أما الحاج خضر أبو عصر 56 عام من منطقة السودانية بغزة فقد توجه الى معصرة ” كشكو ” حاملاً معه هذه المرة بدلاً من عشرات شوالات الزيتون، بـ “شوال” واحد فقط هو ناتج شجرتي زيتون من نوع k18 ، بقين له من بين عشرات أشجار الزيتون التي كانت مزروعة في أرضه، والتي قام الاحتلال بتجريفها خلال الحرب الاخيرة على قطاع غزة في نهاية عام 2008 ، لعل الابتسامة التي تكسو باستمرار وجه الحاج خضر خففت عليه كثيراً لحظة سلمه صاحب المعصرة 3 كيلو من الزيت بعدما كان يسلمه ما بين 5أو 6 تنكات ، قبل تجريف أرضه .

يقول المزارع سكر أنه يمتلك 6 دونمات زراعية شرق مدينة غزة، بقي له منها ثلاث دونمات فقط، بعدما جرف الاحتلال نصفها الاخر، مشيراً أن أرضه كانت مزروعة بأشجار الزيتون ويبلغ عمر الواحدة منها 12 عام، لكن الاحتلال يسعى دائماً إلى تدمير كل ما هو فلسطيني.

واشار الى أنه لا يذهب الى أرضه سوى عند الضرورة حيث يتعرض كل من يقترب من المنطقة لاطلاق النار في أحيان كثيرة ، وطالب سكر المؤسسات الدولية والمهتمة التدخل لحماية المواطن الفلسطيني الذي يحارب بأرضه وماله وحياته ، ومنع الاحتلال من الاعتداء على المزارعين الفلسطينيين وإعطاءهم حرية الزراعة والفلاحة في أراضيهم .

وبحسب آخر تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الانسان حول سياسة الإغلاق على الصادرات الزراعية في قطاع غزة فقد ظهر الأضرار الجسيمة التي نجمت عن تجريف قوات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الزراعية في قطاع غزة.

ونتج عن هذه السياسة تقلص مساحة الأراضي الزراعية بسبب عمليات التجريف بنحو 7.5% من المساحة الإجمالية للأراضي المزروعة في القطاع. ويتضمن التقرير إحصاءات حول حجم الأراضي التي تعرضت لعمليات تجريف منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي قدرت بنحو 48051 دونماً، و 2358 بئراً للمياه تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، 392 بركة مياه، 1262 دفيئة زراعية و 76585 متراً مربعاً، مقام عليها غرف زراعية ومبان لآبار المياه.

وتشير الإحصاءات إلى أن شجرة الزيتون تشكل ما يقارب 45% من مساحة الأراضي الزراعية في فلسطين وتعتبر الشجرة الأكثر انتشارا حيث تبلغ مساحة الزيتون 80% من مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الفواكه، و تبلغ مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون في الضفة الغربية ما يقارب 900 ألف دونم ، وفي قطاع غزة ما يقارب 30 ألف دونم ، ويصل عدد أشجار الزيتون بحدود عشرة ملايين شجرة .

ويبلغ إنتاج زيت الزيتون في فلسطين في السنوات الجيدة إلى أكثر من 35 ألف طن زيت وينخفض هذا الرقم إلى اقل من سبعة آلاف طن في السنوات قليلة الإنتاج وبشكل عام يقدر المعدل السنوي العام لإنتاج الزيت على مدار السنوات الثلاثين الماضية بحوالي 15 ألف طن.

ويصل معدل الملكية للمزارع الفلسطيني من بساتين الزيتون في حدود 8 – 10 دونم وبذلك فان حوالي100 ألف عائلة تعتاش جزئياً أو كلياً على هذه الشجرة المباركة.

من جهته قال المهندس ثائر عابد مدير الجمعية الاهلية لحماية شجرة الزيتون بغزة لـ “مضمون جديد إن الاحتلال الإسرائيلي تعود على محاربة كل ماهو فلسطيني من بشر وشجر وحجر، مشيراً إلى أن شجرة الزيتون التي تعبر عن ” أصالة الشعب الفلسطيني ” كان لها النصيب الاكبر من الحرب التي يشنها الاحتلال ومستوطنيه في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء، حيث قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتجريف مساحات واسعة من أراضي المواطنين على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة، وتدمير ابار وخطوط المياه التابعة للمزارعين.

و أوضح أن سلطات الاحتلال تسعى من خلال اجراءاتها لزيادة نسبة مساحة الاراضي الممنوع على المواطنين الزراعة أو الاقتراب منها حيث كانت 300 متر بعد السياج الحدودي الا ان الاحتلال يسعى لزيادتها وهو ما يؤثر على المزارعين الذين فقدوا جزء كبير من أراضيهم وأدى إلى خسائر كبيرة لهم خصوصاً في ظل موسم قطف الزيتون الذي يستبشرون به خيراً.

وأضاف عابد أن هناك خطر حقيقي يتهدد شجرة الزيتون في فلسطين ، وهو ما يستدعي اهتمام أكبر من قبل الجهات الحكومية والمؤسسات المهتمة من خلال زيادة نسبة المشاريع الهادفة لدعم المزارعين ، وعمل حملات وطنية لانقاذ تلك الشجرة عن طريق اتباع الأسلوب الاتجع ” هم يقلعون ونحن نزرع ” ، منبها إلى أن تقلص مساحات الأراضي المزروعة بالزيتون أدى خلال السنوات الاخيرة إلى استيراد كميات محددة من الزيتون من بعض الدول العربية ، وأثر على انتاج الزيت ، الحل الوحيد لمشكلة اعتداء قوات الاحتلال المستمر على شجرة الزيتون في الأراضي الفلسطيني كما يراه عابد ” هو شجرة تخلع ، شجرة تغرس ” ، حتى يتم التغلب على خطر أشار اليه يتمثل بامكانية انقراض شجرة الزيتون في فلسطين بعد 15 عام اذا ما تم تلافي ذلك الخطر من خلال تعزيز الجهود المختلفة للحفاظ على شجرة السلام.

التقرير أعد لصالح “مضمون جديد”