حمام السمرة.. غزيون يقصدونه هرباً من ضيق الحصار

تقرير – محمود أبو الهنود

في ” قلب مدينة غزة التي تضج بالحياة ” تحتضن أزقة حي الزيتون ” حمام السمرة الاثري ” بتاريخه العريق وماضيه الذي يعود الى زمن العهد المملوكي ، حيث ما تزال جدرانه القديمة ، وسقفه الدائري ، وأرضيته المرصفة بمداور رخامية مختلفة الاشكال والالوان ، تقاوم جميعها بعنفوان وتفرض نفسها في وجه الحداثة والتغيرات المعمارية التي طرأت على المدينة خلال السنوات الخمسين الماضية ، في زقاق ضيق في الجهة الخلفية للحمام يعمل ابو محمد صباح كل يوم على اشعال النيران بأكوام من الحطب استعدادا لقدوم الزائرين الذين يجد بعضهم في مياهه الساخنة وبخاره المتصاعد فرصة للعلاج ، بينما يهرب اليه البعض الآخر طلباً للاستجمام و الراحة من هموم الحياة ، وضيق الحصار ، لتي المت بمعظم السكان الغزيين.

بمجرد وصولك الى بوابة ” الحمام ” يصادفك سلم حديدي يهبط بك بضع الامتار تجد في داخله حوض صغير تقتحمه أشعة الشمس من فتحات قبة دائرية تعلو المكان ، وقد أنار ضؤهاعتمة المكان ، ما أن تدير عيناك يميناً أويساراً لاستكشاف المكان حتى تشعر بعظمته ويشدك اليه ذلك ” المجلس العربي الشامي ” بمسانده المريحة و سجاداته التراثية القديمة ، أجمل ما تجد هناك تلك الحلقات والرسومات التي زينت بعض جدرانه وأرضياته ، وأكثر ما يدفعك للرغبة بالمزيد من الاستكشاف الراحة والسكينة التي تستشعرها نفسك والتي تجعلك تمكث في المكان دون أن تتمني مغادرته ، بخار ، مياه ساخنة ، حجرات غطس ، واستجمام يذهب الاوجاع ويخفف من هموم الحياة التي باتت تثقل كاهل الغزيين .

ويعتبر حمام السمرة نموذج رائع للحمامات العامة في فلسطين، وهو الحمام الوحيد الباقي لغاية الآن في مدينة غزة، حيث روعي في تخطيطه الانتقال التدريجي من الغرفة الساخنة إلى الغرفة الباردة والتي سقفت بقبة ذات فتحات مستديرة معشقة بالزجاج الملون يسمح لأشعة الشمس من النفاذ لإضاءة القاعة بضوء طبيعي يضفي على المكان رونقاً وجمالاً، هذا بالإضافة إلى الأرضية الجميلة التي رصفت بمداور رخامية ومربعات ومثلثات ذات ألوان متنوعة، وقد رمم الحمام مؤخراً وأصبح أكثر جمالاً وروعة .

محمد الصفدي 37 عام سمع كثيرا عن الفوائد التي يمنحها الاغتسال بحمام السمرة فما كان منه سوى زيارته ، يقول محمد أن زيارته هي الاولى من نوعها ولن تكون الاخيرة حسب ما يضيف ، مشيرا الى أنه شعر براحة كبيرة ويعتقد أن ذلك النوع من الحمامات يختلف تماما عن حمامات الساونا الحديثة كونه فرصة للعلاج الطبيعي وليس له أضرار ، ويقول أبو الفهد شهاب في الثلاثينيات من عمره أنه يزور الحمام مرة واحدة كل شهر بهدف الخروج من أجواء الحصار والهموم الاقتصادية التي تحيط بمعظم شباب غزة ، يجد أبو الفهد هناك المتعة والراحة النفسية ويتخلص كما يؤكد من ضغوطات الحياة ، وأوضح رائد أبو شبيكة 24 عام أنه قرأ عن ” الحمام ” في كتب التاريخ وسمع عنه أيضاً من الكثيرين من أصدقاءه وهو ما دفعه لزيارته ، مشيراً الى أنه فرصة للخروج من واقع الحصار الذي نعيشه في قطاع غزة ، رائد يقول أيضاً أن الحمام له فوائده عديدة للعقل والجسم يجب على الجميع الاستفادة منها، مشيراً الى أن ما رآه ووجده فاق ما سمع عنه من الاصدقاء .

سليم الوزير ” أبو عبد الله ” مدير عام حمام السمرة ،  يؤكد على المكانة التاريخية الكبيرة التي يحتلها الحمام بين الاماكن الاثرية العديدة الموجودة في مدينة غزة ، مشيراً إلى أن تاريخ إنشاء الحمام يعود الى مايقارب الف عام ماضية ، حيث تشير قطعة حجرية معلقة على احدى جدران الحمام أن اعادة انشاءه وتجديد بناءه تم في عهد ” العبد الفقير الى الله سنجر بن عبد الله الايوبي في العهد المملوكي عام 658 ه ” ، وهو مايثبت قدمه وتاريخه العريق ، مضيفاً أن الحمام ينقسم الى ثلاثة أجزاء ( صالة الاستراحة ، وقسم آخر مخصص لتغيير الملابس والاستعداد للحمام ، و يتمثل القسم الثالث في “الحمام الساخن ” حيث تقدر درجة السخونة ب 50 درجة مئوية ، وينتقل الزائر الى غرفة التدليك التي يعمل بها متخصص ، موضحاً أن حمام السمرة له فوائد صحية ونفسية عديدة ، وقد قسم العمل فيه الى فترتين ” صباحية ” ومسائية ، ويتم تلقي رسوم زهيدة تقدر ب 20 شيقل من الزائرين مقابل جلوسهم لعدة ساعات .

من جهته فقد أكد أسعد عاشور مدير المتاحف بوزارة السياحة بغزة ”  أن ” حمام السمرة ” هو الوحيد المتبقي من بين عدة حمامات كانت موجودة سابقاً في قطاع غزة ، مشيراً إلى أنه يعود الى زمن العهد المملوكي ، وقد عمل فيه جماعة من السمرة ، ثم اشتروه فيما بعد حتى أصبح ملك لهم وحمل اسمهم ، مضيفاً بأن الحمام تنقلت ملكيته عبر التاريخ حيث تملكه الآن عائلة ” الوزير ” بغزة ، موضحاً أن فكرة الحمامات العامة نشأت في العالم الاسلامي بسبب صعوبة انشاءها في البيوت ، حيث اندثرت معظمها باستثناء بعض الحمامات التي بقيت صامدة وحافظت على نفسها ، مشيراً إلى أن الحمام تم ترميمه قبل عدة سنوات بدعم احدى الجهات المانحة وباشراف وزارة السياحة والآثار ، مضيفاً أن الوزارة تعمل بشكل مستمر على الاهتمام والمحافظة على الاماكن الاثرية ومحاولة احياءها في الذاكرة الفلسطينية .

وبحسب دراسة جامعية حول ” تاريخ الحمامات الشعبية في البلاد العربية ” أعدها من الجزائر ادريس بن مصطفى فقد أشار إلى أن إنشاء الحمامات الشعبية يعود الى العصر الروماني في ايطاليا أو في الولايات الرومانية، في القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت الفكرة في إنشائها بسيطة للغاية، تقوم على مجموعة من الأحواض الصغيرة التي تحتوي على الماء البارد والساخن، وبعض دهانات المساج وبعض التدليك، وكانت مفتوحة أمام العامة صغارا وكبارا دون مقابل، وتواجدت حمّامات خاصة بالأباطرة مثل نيرون و دقلديانوس وغيرهم، اتسمت بضخامتها إذ ضمّت في جنباتها مكتبات وملاعب وحدائق، فكانت بذلك تقوم بدور ترفيهي استجمامي الى جانب دورها في عملية الاغتسال.
ويضيف بن مصطفى في دراسته أن الحمامات الشعبية أو العامة في البلاد العربية الإسلامية، ظهرت مع بداية العصر الإسلامي وتحديدا بمصر،إذ أنشأ عمرو بن العاص أول حمام بالفسطاط، ويعتبر أول حمام عمومي في مصر أيضا، أما في العصر الفاطمي فيذكر المقريزي أن الخليفة العزيز بالله هو أوّل من بنى الحمامات بمصر، وازدادت ازدهارا وانتشارا بشكل خاص في العهد العثماني، ومن الحمامات المصرية التي لا تزال قائمة، حمام الملاطيلي الواقع في حي باب الشعرية والذي يزيد تاريخ تشييده عن الخمسمائة وثمانين عاما، وحمام قلاوون وحمام السلطان أينال وحمام باب البحر،و باتساع رقعة الدولة الإسلامية وازدياد عدد المسلمين، ازدادت أعداد هذه الحمامات بشكل مذهل، فقد اشتهرت بلاد الأندلس المفقود بحماماتها الكثيرة وخاصة مدينة قرطبة، التي تجاوز عدد الحمامات بها التسعمائة، فكانت ملازمة لدور العبادة ، وتقرن دوما بكلمة المسجد،فنجد ابن حيان يروي قائلا» إن عدة المساجد عند تناهيها-أي قرطبة- في مدة ابن أبي عامر ألف وستمائة مسجد والحمامات تسعمائة حمام، وفي بلاد الشام، التي يقول عنها ابن بطوطة حين زيارته لها «وأكثر قرى دمشق فيها الحمامات والمساجد الجامعة، وينطبق الأمر ذاته على فلسطين ولبنان، ومن بين الحمامات الرائعة فيها حمام القاضي القرمي» بطرابلس ،الشرق، وحمام «سمندور» ،ويذكر ابن جبير أنه كان بدمشق عند زيارته لها سنة 580هـ/1185م ما يقارب المائة حمام ونحو أربعين دارا للوضوء يجري بها الماء، ومن أشهر هذه الحمامات حمام نور الدين في محلة البزورية الذي أنشئ في عهد نور الدين بن زنكي، الملك العادل و المتوفي سنة سبعين وخمسمائة،حسب صاحب البرق الشامي، والذي لايزال متواجدا، وقد رمّم وأصبح من المعالم السياحية السورية، هذا الى جانب حمام التّوريزي الذي يعود بناؤه الى العهد المملوكي، أمّا ما يعود منها الى العهد العثماني، فهناك حمام فتحي وحمام الرّفاعي، وفي مدينة حلب انتشرت الحمامات في معظم أحيائها، حتى بلغ عددها حسب بعض المؤرخين المائة وسبعة وسبعين حماما حسب ابن الشحنة في كتاب الدر المنتخب في تاريخ حلب وكامل الغزّي في كتابه نهر الذهب في تاريخ حلب، ومن أشهر تلك الحمامات، حمام يلبغا الناصري الذي يعود بناؤه الى بداية العصر المملوكي في حلب في منتصف القرن الثامن الهجري، الذي أهمل منذ مجيء المغول حتى نيابة الأمير المملوكي سيف الدين يلبغا الناصري الذي قام بترميمه حوالي سنة 1417م ،فحمل اسمه منذ ذلك الوقت،ثم أعيدت عملية ترميمه سنة 1960م.

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash