أغسطس
24
في 24-08-2010
تحت تصنيف (فلسفة) بواسطة maarouf
    146 views

عن الاستقلال الذاتي في السياسة

الفرد المخوصص

كورنيليوس كاستورياديس المتوفى في 26 ديسمبر 1997 فيلسوف ومحلل . وقد كان أحد أقوى وجوه الحياة الثقافية الفرنسية . يوناني المولد ، حل بباريس سنة 1945 ، حيث قام بتسيير مجلة ” اشتراكية أو توحش ” ، نشر في سنة 1968 ، بمعية إدغار موران و كلود لوفور في ماي 68 ” لابريش ” .  وفي نهاية السبعينات ساهم في مجلة ” حرٌ ” ، وإلى جانب عمله الرئيس ” التأسيس المتخيل للمجتـــــمع ” ( 1975 ) ، ألف كتبا أخرى أساسية تم تجميعها في سلسلة انطلقت سنة 1978 تحت عنوان : ” مفترق طرق المتاهة ” (1) .

لا تكون الفلسفة فلسفة إذا لم تكن تعبيرا عن فكر مستقل ذاتيا . فماذا تعني : ” مستقل ذاتيا ” ؟ .. إنها تعني auto nomos “ ما يمنح لذاته قانونها الخاص ” . ومن الواضح في الفلسفة أن منح الذات قانونها الخاص يعني طرح السؤال وعدم قبول أية سلطة حتى وmce_markerلو كانت سلطة الفكرة السابقة لذات الفيلسوف .

هاهنا ، إضافة لذلك ، تكون نقطة الضعف هذه محرجة قليلا ؛ وذلك لأن الفلاسفة تقريبا دوما ، ينحتون أنسقة فلسفية مغلقة كانغلاق البيضة على ذاتها ( أنظر اسبينوزا ، وانظر على الخصوص إلى هيجل ، بل حتى إلى أرسطو وإن كان بشكل أقل ) ، أو يظلون متشبثين ببعض الصيغ التي خلقوها ولم يستطيعوا وضعها موضع التساؤل .

الأمثلة المغايرة هنا قليلة ، أفلاطون أحدها ، وفرويد مثال آخر عنها في مجال التحليل النفسي ، ولو أنه لم يكن فيلسوفا .

الاستقلال الذاتي في مجال الفكر هو مساءلة للذات لا تنتهي و لا تتوقف عند أي حد ، بل توضع هي ذاتها موضع تساؤل . وليست هذه المساءلة للذات مساءلة فارغة ؛ إذ أنه لا معنى للمساءلة الفارغة . وللحصول على مساءلة ذات معنى ، يجب أن نكون قبلا قد وضعنا عددا معينا من الحدود (= العبارات ـ الألفاظ ) ، باعتبارها لا تقبل الشك مؤقتا ، وإلا لظلت المساءلة علامة استفهام ولم تكن مساءلة فلسفية . إن المساءلة الفلسفية متمفصلة ، تنفصل لتعود إلى الانسحاب على الحدود التي تمفصلت انطلاقا منها .

فما معنى الاستقلال الذاتي في السياسة ؟ .. كل المجتمعات تقريبا ممأسسة في إطارتبعية وخضوع لإرادة الغير l’hétérémonie ، بمعنى في غياب الاستقلال الذاتي . وهذا معناه أنه ولو أنها تصنع كلها مؤسساتها بذاتها ، فإنها تدمج ضمن ومن خلال هذه المؤسسات الفكرة غير المتنازع فيها بالنسبة لأعضاء المجتمع ، وهي أن هذه المؤسسات ليست عملا أو إنجازا إنسانيا ، ، وأنها لم تصنع من طرف البشر ، وفي كل الأحوال لم تصنع من طرف الآدميين الذين يوجدون هنا في هذه اللحظة . إنها صنعت من طرف الأرواح والأسلاف والأبطال والآلهة ، ولكنها ليست صنعا آدميا .

وقد عرف هذا البنذ ضمنيا وحتى بشكل غير ضمني امتيازا هائلا في الديانة العبرية : فمسألة منح القانون لموسى من طرف الرب مسألة مكتوبة وموضحة ؛ وهناك صفحات وصفحات في العهد القديم تصف بتفصيل التقنين الذي منحه الله لموسى . لا يتعلق الأمر بالوصايا العشر وحدها ، بل بكل تفاصيل القانون . وكل أحكامه لا يمكن أن تكون موضع شك : فالشك فيها سيعني إما الشك في وجود الله أو في الصدق الإلهي ، أو في خيريته وعدالته ، في حين أن هذه الصفات هي صفات جوهرية لله . نفس الشيء ينطبق على المجتمعات الأخرى التابعة والخاضعة . والمثال العبري هنا مذكور بفعل صفائه الكلاسيكي .

لكن ، ما هي القطيعة الكبرى التي أحدثتها الديمقراطية اليونانية على شكل صيغة أولى ، ثم أحدثتها على شكل صيغة أخرى أكثر رحابة وأكثر تعميما ثورات العصور الحديثة والحركات الديمقراطية الثورية التي تلتها ؟ .. إنها بكل تحديد متمثلة في الوعي الصريح بأننا نصنع قوانيننا ، وإذن ، بأننا قادرون على تغييرها .

كل القوانين اليونانية القديمة تبدأ بالبنذ التالي”  édoxé té boulé kai to démo “  ” لقد بدا خيرا للمجلس وللشعب ” . ” لقد بدا خيرا ” وليس ” إنه خير ” ؛ أي ما بدا في تلك اللحظة . ولدينا في دساتير العصور الحديثة فكرة سيادة الشعب . مثلا ، يقول بيان حقوق الإنسان الفرنسي في ديباجته : ” السيادة في ملك الشعب ، يمارسها إما مباشرة وإما بتوسط ممثليه ” . وقد اختفت ” إما مباشرة ” هاته بعد ذلك وبقينا مع ” ممثليه ” فقط وحدهم .

4 ملايين دولار لتصير منتخبا

هناك إذن استقلال ذاتي سياسي ؛ ويفترض هذا الاستقلال الذاتي السياسي معرفة أن الناس يصنعون مؤسساتهم الخاصة . وهذا يتطلب أن نحاول وضع هذه المؤسسات عن بصيرة في إطار الشفافية ، بعد مداولة جماعية . وهذا ما أسميه الاستقلال الذاتي الجماعي الذي يعتبر الاستقلال الذاتي الفردي نظيره غير القابل للإلغاء  .

لا يمكن أن يتشكل مجتمع مستقل ذاتيا إلا من أفراد مستقلين ذاتيا . و لا يمكن أن يوجد حقيقة أفراد مستقلون ذاتيا إلا في مجتمع مستقل ذاتيا .

لماذا هذا هكذا ؟ .. إن من السهولة بمكان فهم ذلك ؛ فالفرد المستقل ذاتيا هو فرد لا يأتي فعلا ، كلما أمكن ذلك ، إلا بعد تفكير وتداول . وإذا لم يتصرف بهذا الشكل ، فإنه لا يستطيع أن يكون فردا ديمقراطيا ينتمي إلى مجتمع ديمقراطي .

بأي معنى يعتبر الفرد المستقل ذاتيا في المجتمع الذي أتيت على وصفه فردا حرا ؟ .. وبأي معنى نحن أحرار اليــــوم ؟ ..

إن لدينا عددا معينا من الحريات تم اكتسابها كنتاجات أو نتاجات فرعية لصراعات الماضي الثورية . وليست هذه الحريات حريات صورية فقط كما قال عن خطأ كارل ماركس ؛ فأن نملك القدرة على الاجتماع وقول ما نريد ليس بأي حال من الأحوال حرية صورية . لكنها جزئية ، ودفاعية ، وحتى يستقيم القول منفعلة وليست فاعلة  .

كيف يمكنني أن أكون حرا إذا كنت أحيا في مجتمع مسير بواسطة قانون مفروض على الجميع ؟ .. إن هذا يبدو كتناقض لا يهضم ، وهذا ما قاد كثيرين كماكس اشتاينر (2) على سبيل المثال إلى القول بأن هذا لا يمكن أن يكون موجودا ، كما أن آخرين تلوه كالفوضويين سيدعون أن المجتمع الحر يعني الاختفاء المطلق لأية سلطة ولأي قانون ، مع معنى ضمني مؤداه أن هناك طبيعة إنسانية خيّرة ستبرز إذ ذاك ، وستستطيع الاستغناء عن أية قاعدة خارجية . وهذه في رأيي طوباوية متهافتة .

بمستطاعي القول إنني حر في مجتمع خاضع لقوانين إذا كانت لديّ الإمكانية الفعلية ( وليس على الورق فقط ) للمشاركة في مناقشة ومداولة وصياغة هذه القوانين ، وهذا يعني أنه يجب أن تكون السلطة التشريعية فعليا في ملك الجماعة ، أي في ملك الشــعب .

وأخيرا ، فإن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو أيضا الهدف الجوهري لتحليل نفسي مرتبط به ضرورة . وهنا نجدنا أمام إشكالية مغايرة نسبيا ؛ وذلك لأن كائنا إنسانيا ما هو كائن واع ظاهريا ، لكن هذا الكائن الإنساني يتمثل في أعين محلل نفسي في لاوعيه لا في وعيه ، لا لأنه غبي ، وإنما لأن هناك حاجزا يمنعه من معرفته (= الجانب اللاواعي ) هو حاجز الكبث .

نحن نولد مثلا كجواهرنفسية فردة تحيا في خضم الطاقة الهائلة التي لا تعرف حدودا أو لا تعترف بحدود لإشباع رغباتهـا ، والتي يتوجب أمامها على كل عائق أن ينمحي . ونحن ننتهي بأن نصبح أفرادا نقبل بوجود الآخرين أكثر مما نقبل بهذا الوجود على مضض ، غالبا ما نتمنى موتهم ( وهو ما لا يتحقق غالبا ) ، وكل هذا يحدث بفعل الكبث الذي يحيل كل هذه النزوعات النفسية العميقة على اللاوعي ، ويحتفظ منها في جزئها الأعظم بإبداعات الخيال الراديكالي .

يستلزم التحليل النفسي أن الفرد يُقاد ، عبر وسائل وآليات التحليل النفسي ، إلى اختراق حاجز اللاوعي هذا وسبر أغواره ما أمكن ، وإلى  تخفيف اندفاعاته ( نبضاته ) اللاواعية ، وإلى عدم التصرف دون تفكير أو روية . إن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو غاية سيرورات التحليل النفسي ( بمعنى الهدف أو النقطة النهائية )  .

لكننا إذا ما ربطنا ذلك بالشأن السياسي ، فمن البديهي أيضا أننا في حاجة إلى فرد مثل هذا ، لكنه بديهي أيضا أننا لا نستطيع إخضاع مجموع أفراد المجتمع للتحليل النفسي . ومن هنا الدور الأعظم للتربية وضرورة إصلاح راديكالي لها ، لنجعل منها paidai أداة حقيقية للاستقلال الذاتي ؛ تربية من أجل الاستقلال الذاتي وموجهة نحو هذا الاستقلال الذاتي الذي يقود أولئك الذين تربوا ــ وليس الأطفال وحدهم ــ نحو التساؤل باستمرار لمعرفة ما إذا كانوا يتصرفون عن معرفة أم بالأحرى منساقين وراء أهوائهم وأحكامهم المسبقة .

ليس الأطفال وحدهم [ المعنيون بالتربية ] ؛ وذلك لأن تربية فرد ما ، بالمعنى الديمقراطي ، هي مقاولة تبتدئ مع ولادة هذا الفرد و لا تنتهي إلا بموته . وكل ما يحدث خلال حياة الفرد يستمر في تشكيله وتشويهه . إن التربية الجوهرية التي يوفرها المجتمع المعاصر لأفراده في المدارس والإعداديات والثانويات والجامعات هي تربية أداتية ، مشكلة أساسا من أجل شغل منصب وظيفي . وإلى جانب هذه التربية ، هناك تربية أخرى ألا وهي الحماريات (= البلادة والغباء ) التي يبثها التلفزيون .

حول مسألة التمثيل السياسي كان جان جاك روسو يقول إن الإنجليز اعتقدوا في القرن 18 أنهم أحرار لأنهم يختارون ممثليهم كل خمسة أعوام . بالفعل هم أحرار ، لكن يوما واحدا خلال خمس سنوات . وروسو بقوله ذاك قلل دون وجه حق من قيمة هذه الحال التي عرضها ؛ لأنه من البديهي أنهم لم يكونوا أحرارا حتى خلال هذا اليوم من خمس سنوات . لماذا ؟ .. لأنه تم التصويت على مرشحين مقدمين من طرف أحزاب سياسية ، و لم يكن ممكنا التصويت على أي كان . وقد تم التصويت انطلاقا من وضعية واقعية بكاملها مصنوعة من طرف البرلمان السابق الذي طرح المشاكل باستخذام حدود بداخلها أمكن أن تكون هذه المشاكل قابلة للنقاش ، والذي فرض بنفس الوسيلة حلولا ، أو على الأقل بدائل للحلول التي لا تتطابق و لا تتلاءم تقريبا أبدا مع المشاكل الحقيقية .

عموما فإن التمثيلية تعني سلب الممثَّلين سيادتهم ومنحها للممثلين . إن البرلمان غير مراقب .إنه مراقب خلال خمس سنوات من خلال عملية انتخاب ، لكن الجزء الأعظم من الشخصيات السياسية هو عمليا غير قابل للعزل . وهذه الحال هي في فرنسا أقل نسبيا ، وفي أمكنة أخرى أكثر من ذلك ؛ فالسيناتورات في الولايات المتحدة على سبيل المثال هم بالفعل سيناتورات مدى الحياة ، وهذا ما سيحدث بفرنسا أيضا . ولكي يتم انتخابك بالولايات المتحدة تلزمك تقريبا 4 ملاييـن دولار . من ذا الذي سيمنحك هذه الملايين الأربعة ؟ .. ليس العاطلون على كل حال ، إنها الشركات . ولماذا تتبرع الشركات بهذه المبالغ الكبيرة ؟ .. لكي تضمن بعد ذلك قبول ورضا السيناتور على اللوبي الذي تشكله هذه الشركات بواشنطن ومن أجل ضمان التصويت على القوانين التي تستفيد منها ، لا التصويت على القوانين التي تعارض هذه الاستفادة . وهنا نحن أمام المسار التي ستسلكه مجبرة كل المجتمعات المعاصرة .

هذا ما نشهد تشكله بفرنسا رغم كل الإجراءات المزعومة المتخذة لمحاصرة وضبط الفساد . لقد تحول الفساد لدى المسؤولين السياسيين في المجتمعات المعاصرة إلى سمة بنيوية نسقية ، وليس مُزحة أنه مندمج ومنضو في طريقة اشتغال النسق الذي لا يمكن أن يشتغل بشكل آخر مغاير .

ما هو مستقبل مشروع الاستقلال الذاتي هذا ؟ .. إن هذا المستقبل يتوقف على نشاط الغالبية العظمى من الكائنات الإنسانية ؛ فلم يعد بالإمكان الحديث عن طبقة محظوظة هي البروليتاريا الصناعية مثلا ، والتي تحولت منذ أمد بعيد إلى أقلية صغيرة بداخل المجتمع . ويمكن القول بالمقابل ، وهو ما أقوله ، أن مجموع الساكنة ، ما عدا % 3 من المحظوظين في القمة ، ستكون لها مصلحة شخصية في التغيير الراديكالي للمجتمع الذي تعيش في كنفه .

لكن ما نلاحظه منذ خمسين سنة هو انتصار الدلالة المتخيلة الرأسمالية ، أي انتصارا لتوسع لامحدود لتحكم مزعوم عقلاني زعما ، وضمورا وتلاشيا للدلالة المتخيلة الأخرى للأزمنة المعاصرة ، ونعني بذلك غيابا للاستقلال الذاتي .

هل ستتسم هذه الوضعية بالدوام ؟ .. أم ستكون عابرة ؟ .. لا أحد يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال ؛ إذ ليس هنالك أنبياء بخصوص أمثال هذه الموضوعات . يقينا أن المجتمع الحالي ليس مجتمعا ميتا ، إننا لا نعيش في بيزنطة أو بروما القرن الخامس ( ق.م ) ، فهناك دائما حركية ، هناك أفكار تنبثق وتتداول ، هناك ردود أفعال . لكنها تظل ناذرة وعبارة عن شذرات بالعلاقة مع المهام العظمى التي تنتظرنا . لكن ما أعتبره يقينيا هو أن الإحراج أو الإشكال الذي صغناه باستخذام عبارات ليون تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وكارل ماركس أيام ” اشتراكية أو توحش ” لا زال محتفظا بمصداقيته ومشروعيته ، بشرط بديهي واضح وهو أن لا يتم خلط الاشتراكية بأشكال الرعب التوتاليتارية التي حولت روسيا إلى حقل من الأطلال ، و لا ب ” التنظيم ” فاقد المعنى للاقتصاد ، و لا بالاستغلال الجامح للناس ، و لا بالاستعباد الكلي للحياة العقلية والثقافية الذي تحقق في هذا الإطار .

التصويت من أجل شرٍّ  أقل

لماذا تعتبر الوضعية الحالية وضعية غير آكدة تماما ؟ .. لأننا نرى أكثر فأكثر في العالم الغربي تبلور شاكلة من الأفراد لم تعد أبدا على شاكلة أفراد مجتمع ديمقراطي ، أو مجتمع يمكن بداخله ممارسة الصراع من أجل مزيد من الحرية ، وإنما هم نوع من الأفراد المخوصصين المنكمشين بداخل وسطهم الشخصي الضيق ،  والذين صاروا لامبالين بالمقارنة مع ما هو سياسي .

عندما يصوت الناس ، فإنهم يصوتون بشكل يتسم باللامبالاة ، إنهم لا يؤمنون بالبرنامج المقدم لهم ، لكنهم يعتبرون أن س أو ص أدنى شرا بالمقارنة مع ما كانه ع في المدة السابقة . عديد من الأشخاص سيصوتون لا محالة لصالح ليونيل جوسبان (3) في الانتخابات القادمة ، لا لأنهم يعشقونه أو لأنه دوخهم بأفكاره ، سيكون مذهلا لو حدث ذلك ، وإنما ببساطة لأنهم ملوا الوضعية الحالية . نفس الشيء هو ما حدث سنة 1995 عندما تقزز الأفراد وبرموا من جراء 14 سنة من الاشتراكية المزعومة التي تمثل إنجازها المركزي في تبني الرأسمالية الأكثر جموحا بفرنسا ، والشروع في تقويض وهدم ما كان قائما بوصفه فتوحات اجتماعية في الفترة السابقة .

إن كل مجتمع يتمفصل دائما ، من وجهة نظر التنظيم السياسي ، ضمنيا أو صراحة انطلاقا من ثلاثة أجزاء : 1 ) ما كان يسميه الإغريق oikos ، أي ” المنزل ” ، الأسرة ، الحياة الخاصة . 2 ) ال ” أغورا Agora ” : المكان العمومي ـ الخاص ، حيث يلتقي الأفراد ويتناقشون أو يمارسون عمليات تبادل ، وحيث يكوِّنون جمعيات أو شركات ، وحيث تجرى العروض المسرحية ، الخاصة أو الممولة لا يهم . إن هذا هو ما نسميه منذ القرن 18 بلفظ مهيأ للخلط ، المجتمع المدني ، خلط تعمق في الآونة الأخيرة . 3 ) ال ecclesia ، المكان العمومي ـ العام ، السلطة ، المكان الذي تمارس فيه ، أو تتواجد به ، أو حيث السلطة موضوعة.

لا يجب أن تكون العلاقة بين هذه المكونات الثلاث قائمة بشكل ثابث وصلب ، بل يجب أن تكون مرنة متمفصلة . ومن جانب آخر ، لا تقبل هذه المكونات الثلاثة أن تكون منفصلة عن بعضها كلية .

تزعم الليبرالية الحالية أنه بالإمكان فصل المجال العمومي كلية عن المجال الخاص ، في حين أن ذلك مستحيل ، وزعم القدرة على تحقيق ذلك إنما هو كذبة ديماغوجية ؛ فليست هنالك ميزانية لا تتدخل في الحياة الخاصة العمومية ، بل حتى في الحياة الخاصة . وهذا ليس إلا مثالا من ضمن أمثلة أخرى . كما أنه ليس هنالك من سلطة غير ملزمة بسن حد أدنى من القوانين الزجرية ، تقرر على سبيل المثال أن القتل محرم ، أو أنه يتوجب في المجتمع المعاصر تمويل مجالي الصحة العمومية والتعليم . يجب أن ينوجد في هذا المجال نوع من أنواع اللعب في ما بين السلطة العمومية و L’Agora ، أي الجماعـة .

لا يمكننا محاولة إيجاد تمفصل سليم بين هذه المكونات الثلاثة إلا في إطار نظام ديمقراطي حقيقة ، تمفصل يحمي بالحد الأقصى الحرية الخاصة ، ويحمي أيضا بالحد الأقصى حرية الـ Agora ( الجماعة ) ، أي المناشط العمومية المشتركة للأفراد ، ويجعل الجميع يشارك في السلطة العمومية . في حين أن هذه السلطة العمومية هي في ملك أوليغارشية نشاطها سري بالفعل ، ما دامت الفرارات الأساسية والمصيرية تتخذ دائما وراء الكواليس .

**********************************

هـــــوامـــــش :

.1 إقرا روبير ريديكير : ” كورنيليوس كاستورياديس ضد التقاليدية المعممة ” لوموند ديبلوماتيك ، غشت 1997 .

.2 N.D.L.R : فيلسوف ألماني ( 1856 – 1806 ) مؤلف ” الأوحد وملكيته ” ( 1845 ) و ” تاريخ رد الفعل ” ( 1852 ) .

.3 N.D.L.R : هذه الكلمات مؤرخة ب 22 مارس 1997 قبل الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في ماي ـ يونيه 1997 ، والتي انتهت بفوز السيد ليونيل جوسبان الذي أصبح منذذاك وزيرا أولا .

YouTube Preview Image

أغسطس
07
في 07-08-2010
تحت تصنيف (سوسيولوجيا) بواسطة maarouf
    202 views

لقد فكك بيير بورديو ميكانيزمات الهيمنة الاجتماعية من خلال ملاحظة ميادين مختلفة ومتنوعة ( فلاحون جزائريون ـ جامعيون ـ باطرونات ـ عمال ـ صحافيون . . . ) وكذا من خلال بناء جهاز مفاهيمي غني . .

بقلم: فيليب كابان

Le Goût Des Autres de Agnès Jaoui - DVD Zone 2

في فيلم ” أذواق الآخرين ” ، وهو من إخراج أنبيس جاوي ، يلعب جان بيير باكري دور كاستيلا ، أحد باطرونات مقاولة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة PME الذي وقع في غرام كلارا ، وهي ممثلة بالمسرح ، وبذلك وجد نفسه غارقا في دائرة أصدقائها : رسامين ومهندسين وممثلين . . . وباختصار ، ” عجل ” إقليمي غارق في الوسط الغني الأنيق. الأحداث الأكثر تميزا في الفيلم وقعت في أحد المطاعم : فقد شكل كاستيلا ( بشارب وبذلة وربطة عنق ونكث بذيئة ) بدون أن يشعر أضحوكة أصدقاء كلارا ( ببذلات سوداء مهملة بحذق وفكاهة وظرف من الدرجة الخامسة ). إن ما يؤسس هنا كراهية البورجوازيين الصغار المثقفين للباطرون الصغير الوافد هو الإحساس بأنهم مختلفون ومتميزون عنه تميزا هو من العمق من حيث استبطانه إلى حد أنه يمكن أن يقرأ من خلال النظرات والأوضاع الجسمانية والحركات والصيغ الكلامية.

Ressources humaines (Affiche)في فيلم آخر هو ” موارد بشرية ” للوران كانتي ، نجد فرانك (جليل ليسبيير) طالبا شابا بمدرسة الدراسات التجارية العليا HEC يختار إجراء دورة تدريبية بإدارة المقاولة التي يعمل بها والده منذ ثلاثين سنة . . . وبرفض المشاركة في اللعبة، فإنه سيصطدم بخنوع واستكانة أبيه؛ فقد تقبل هذا الأخير مصيره من خلال استيطان نظام الأشياء.

إن هاتين الحكايتين تقصان علينا التباين القائم فيما بين أنماط العيش والحياة ، وهي تصف علاقات الهيمنة والحظوة : وبذلك فهي تقدم ضربا من التركيز لفكر بيير بورديو .

وبالفعل ، فلم يشيد بيير بورديو بناء شاسعا وطموحا إلا من خلال ملاحظة الممارسات الثقافية وأشكال منطق التمايزات الاجتماعية ، هذا البناء الذي يمكن تلخيصه بالصورة التالية : إن المجتمع فضاء للاختلاف تعتبر علاقات الهيمنة بداخله علاقات خفية ومستترة ، وذلك لأنها مستدمجة بعمق من قبل الأفراد . وسيمضي مشروع بيير بورديو بكامله إلى التشكل من خلال ملاحظة مجالات وسكان من مختلف الأشكال والأنواع (من الفلاحين الجزائريين إلى الجامعيين مرورا بالباطرونات والعمال والصحافيين . . . )، أي إلى إيضاح ميكانيزمات هذه الهيمنة والبرهنة عليها.

المال والثقافة

يطرح بورديو المصادرة القائلة بأن هناك في كل مجتمع مهيمنون ومهيمن عليهم ، وبأن المبدأ الأساس للتنظيم الاجتماعي يقيم في هذا الاختلاف ، غير أن هذه الهيمنة تتوقف على وضعية الموارد وإستراتيجية الفاعلين ( وهكذا فإن كاستيلا المهيمن في عالمه ، أي عالم المقاولة ، يتحول إلى مهيمن عليه عندما يغشى الوسط الفني ) . وتتوجب لاستيعاب وفهم هذه الظواهر معرفة ضروب منطق تأثيراتها المتعلقة بالموقع وبالموارد، وهذا هو سبب اقتراح بورديو منظورا طوبولوجيا للمجتمع ؛ فهذا الأخير ليس هرما أو سلما ، بل يبدو كـ ” فضاء للاختلافات ” والفوارق. وينتظم هذا الفضاء الاجتماعي حول بعدين اثنين : الحجم الإجمالي للموارد المحصل عليها وتوزيعها إلى رأسمال اقتصادي ( ثروة ، أجور ، مداخيل ) ، ورأسمال ثقافي ( معارف ، ديبلومات ، أساليب جيدة ) . إن هذا الفارق فيما بين المال والثقافة ، فيما بين ” التجاريين ” و ” الخلص ” هو جد تمييزي حسب بورديو، وأحد محددات هوية الفنانين يقيم في اختيار ” الفن للفن ” واللامبالاة حيال الجانب المادي : فالأعمال المنجزة تحت الطلب من قبل رسام تنعث بأنها أعمال ” غذائية ” ، وفي أصناف اجتماعية أخرى ، وعلى العكس من ذلك ، فإن المال يعتبر علامة على التميز : فكاستيلا في نهاية العشاء ينتهي بأداء فاتورته. إن الفاعل الاجتماعي لا يروم إذن حسب بورديو إلا المصلحة: وهو ساع أيضا وراء الحظوة والاعتراف به من قبل الآخرين. ويأتي الاختلاف أيضا فيما بين باطرون مقاولة من المقاولات الصغيرة والفنانين من المواجهة بين خانتين أو عالمين مختلفين من خانات أو عوالم المجتمع التي يسميها بورديو بالحقول؛ إنها ضرب من الميكروكوزم ( العوالم الصغيرة ) متجانسة نسبيا ومستقلة ذاتيا وهامة من ناحية الوظيفة الاجتماعية : الحقل الفني ـ الحقل الصحفي ـ الحقل الجامعي . . . إلخ.

إن الحقول هي بشكل أساسي مجالات للمنافسة والصراع؛ فالحقل الصحفي على سبيل المثال هو مجال متسلط عليه قبل كبريات وسائل الإعلام وبعض الصحفيين الذين ” يصنعون الحدث ” ، والمهيمن عليهم من بينهم يتكونون من صحافيي القاعدة والمأجورين على السطر.غير أن كل حقل يمتلك قواعد لعبه الخاصة : ففي العالم الأدبي يحسن استخدام الرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ـ حفلات الكوكتيل والتملق ) بدل استخدام الرأسمال الاقتصادي. و كل فرد يلج حقولا مختلفة، إلا أنه لا يحتل فيها كلها نفس المرتبة؛ فالجامعيون هم في موقع المهيمن عليهم في حقل السلطة ( بالمقارنة مع الصناعيين )، إلا أنهم مهيمنون في الحقل الثقافي بالمقارنة مع الفنانين ( أنظر كتاب الإنسان الأكاديمي Homo Académicus ).

ويستخدم بورديو مفهوم اللعب لوصف اشتغال الحقول ، وهذا الوضع يمكنه من تجاوز التعارض التقليدي في ما بين نشاط الفرد والحتمية الاجتماعية ( الذي هو منسوب في الغالب لبورديو ) . ويقبل اللعب الاجتماعي أن ينظر إليه كلعبة ورق أو لعبة شطرنج : فلكل فرد موقع إيجابي قليلا أو كثيرا ، ولديه مؤهلات وأوراق رابحة ( رأسمال اقتصادي ، ثقافي أو اجتماعي ) ملائمة قليلا أو كثيرا . . .

من قطار الحياة إلى نمط الحياة

إذا كان البعض في حاجة كليا إلى الموارد ويجري عليهم اللعب ، فإن كثيرا من الفاعلين يستطيعون استخدام استراتيجيات من أجل تحسين أوضاعهم ؛ فكاستيلا على سبيل المثال سيبذل جهودا تجعله يهتم بالفن التشكيلي المجرد ، ذلك الفن الذي لا يفقه فيه شيئا ، وذلك من خلال تقديمه طلبا للحصول على رسم جداري مائي من رسام طليعي ، وذلك من أجل تزيين واجهة معمله ، وبذلك فقد حاول أن يحول الرأسمال الاقتصادي ( مورده الأساس ) إلى رأسمال اجتماعي وثقافي.ولقد أبان بورديو من خلال تعريف وتحديد الفضاء الاجتماعي بهذا الشكل كيف أن ” كل فئة من فئات الأوضاع تقابلها فئة من أشكال التطبع Habitus أو (الأذواق) “. وقد سبق لدوركهايم في معرض برهنته على سيطرة ما هو اجتماعي على السلوك الفردي أن تناول كموضوع الفعل الأكثر حميمية وهو المتمثل في الانتحار (1)، و بورديو يتبنى في كتابه ” التمايز ” مسعى مماثلا لمسعى دوركهايم.إنه من المقبول عادة أن ” الأذواق لا تناقش ” وأن التفضيلات مسألة شخصية : بيد أن بورديو يوضح أن أحكامنا ( سواء تعلقت بالموسيقى أو بالرياضة أو بالمطبخ . . ) هي انعكاس لموقعنا داخل الفضاء الاجتماعي، وما يقيم رابطا فيما بين البنيات الاجتماعية وأذواقنا الخاصة هو التطبع Habitus. إن التطبع هو ضرب من القالب الذي من خلاله نرى العالم ويتم توجيه سلوكنا ، وهو يظهر من خلال مجموع متماسك من الأذواق والممارسات ؛ فباطرون صغير ككاستيلا مثلا يملك كلبا وتغطي جدران شقته أوراق موردة ، يعشق مسرح الشارع والمسلسلات الأمريكية ، ومن المحتمل أنه يحب كرة القدم وصلصة لحم العجل. إلا أنه ليست لتطبع أصدقاء كلارا نفس السمات والخصائص : فهم بالأحرى يتبنون قطة ويعشقون المسح الطليعي وأفلام جان لوك غودار أو وودي ألن ، يأكلون مطبوخات صينية أو مكسيكية ويكرهون كرة القدم. وإذن فما هو مناسب من أجل ملاحظة الفضاء ليس هو قطار الحياة وإنما هو أسلوب العيش أو نمط الحياة. إن كل صنف من أصناف المستخدمين والتجار الصغار والجامعيين والعمال الاجتماعيين يقابل عالما ونظاما مرجعيا ، ويمكن أن تكون هناك بطبيعة الحال استثناءات لهذه القاعدة : أي العمال الذين يقرأون كتب مارغريت دوراس أو الجامعيين الذين يحبون جوني هاليداي: ليست هناك إذن حتمية ميكانيكية ، وإنما قوانين نزوعية يتعلق الأمر بالكشف عنها بتحيينها. غير أن تجارب الارتقاء الاجتماعي هي في الغالب مؤلمة ، لقد ألحق أنطوان بأحد الليسيات الفاخرة من طرف أبويه : ” لقد وجدت نفسي هناك داخل الليسي أغرب الغرباء، وهناك وقفت بالفعل على الفارق . . .لقد كان الليسي تقريبا كصندوق للباكالوريا بالنسبة لأبناء الأغنياء الذين كانوا يحيون بالفعل حالة شبيهة بحالة الهواية ” ، ولقد شعر بالمهانة والمذلة جراء ملاحظات رفاقه ” بخصوص ملابسه الرخيصة ” ( بؤس العالم ).

إظهار الفارق

إن محرك تنميط الحياة هذا هو التمايز؛ فهل هناك ما هو أفضل من الثقافة لإظهار أننا متميزين ؟.. لقد لاحظ بيير بورديو في أبحاثه الأولى الولوج المتفاوت للثقافة حسب اختلاف الطبقات الاجتماعية ( محبة الفن ) : إن أفراد الطبقة المثقفة ( المتعلمة ) يبدون عند زيارتهم للمتاحف ألفة واستئناسا عفويين بالفن ، يتأتيان لا من استعداد أو هبة فطرية، وإنما من سنن ولغات مكتسبة من خلال عملية التطبيع الاجتماعي ، والمهيمن عليهم لا يمتلكون هذا السنن ، وبذلك فإنهم سيذهبون كنتيجة لذلك لتطبيق خطاطات إدراكهم للوجود اليومي على الفن. وهذا هو السبب الذي يجعلهم يحبون الأفلام المصورة ، أو الأفلام التي تعتبر سيناريوهاتها مماثلة لها.السيد ل رئيس عمال بالسكك الحديدية يعشق الرسوم الجدارية بكنيسة سيكستين يقول عن سبب عشقه لها : ” لأنها تعرض شيئا ما ، لكنك عندما ترى أربع خربشات بقلم الرصاص وترى أن الناس يشترونها بأسعار مجنونة ، فأنا شخصيا عندما أجد هذه الخربشات الأربع فإنني سأرميها في القمامة ” ( مذكور في التمايز ) . أما الطبقات المثقفة فهي تعطي الأولوية والحظوة للتفوق والرفاهية ثم للقراءة في الدرجة الثانية.

وبشكل أعم فإن هناك تراتبية للممارسات الثقافية ؛ فالفنون النبيلة ( رسم ـ مسرح ـ موسيقى كلاسيكية ـ نحت ) هي إقطاعة الطبقات المسيطرة . أفراد الطبقات الوسطى المتعلمة ( صغار البورجوازيين الحاصلين على ديبلومات ) يتسمون بـ ” الإرادة الثقافية الحسنة ” ؛ إنهم يمارسون أنشطة ثقافية مكثفة ، لكن ونظرا لأنهم لا يتقنون سنن الميادين الأكثر نبالة ، فإنهم ينقلبون إلى بدائل عنها : السينما ، الأفلام المصورة ، الجاز ، مجلات تبسيط العلوم ، التصوير الفوتوغرافي. أما الطبقات الشعبية فلا يفضل لها إلا الفتات والبقايا ، إذا ما صدقنا بورديو بهذا الصدد ، وهو الذي يرفض فكرة وجود ثقافة شعبية ( التمايز ـ الفقرة 7 )، إنه ينادي بأن ثقافة المهيمن عليهم يحكمها مبدأ الضرورة ؛ فليست لديهم الوسائل التي لا تجعلهم غير مبالين .

إن توزع هذه المشروعات هو أبعد عن أن يكون جامدا ؛ فهناك تنويعات شعبية للموسيقى الكلاسيكية ( AISES على سبيل المثال ) وبعض النشاطات تتدمقرط ( التنس والغولف ) ، ويحدث حتى أن بعض الأحكام ( الموقدة للنار في لحظة ما ، تتحول عن طريق لعبة للقلب إلى أحكام ” فاخرة ” في أوساط معينة ( أنظر في أيامنا هاته إلى أغاني كلود فرانسوا أو أقزام الحديقة ).

إن الثقافة ليست إلا الجزء الأكثر بروزا للتطبع ؛ فهذا الأخير يصنع بالفعل مجموع السلوكات الاجتماعية : التغذية ـ الأدوار الذكورية أو الأنثوية ـ طريقة الجلوس إلى المائدة ـ اللغة . . . إن التطبع يحدد ما هو خير و ما هو شر، ما هو جميل و ما هو قبيح، وما يبدو متميزا لشخص ما ( سيارة من نوع 4×4 بالنسبة لأحد الأغنياء الجدد على سبيل المثال ) قد يبدو فجا بالنسبة لشخص آخر ( الأرستقراطي مثلا ).

المملوكون من قبل ما هو اجتماعي

إن منطق التميز يندفن في الهيمنة، وما يشكل قوة هذا التأثير بالنسبة لبورديو هو أنه ينغرس في أعماق النفوس والأجساد ، والبنيات الاجتماعية هي نوعا ما ” مستنسخة ” من البنيات العقلية ، ونحن في الجزء الأعظم من اهتماماتنا ومشاغلنا لا نفكر : إذ نحن نتحرك على قاعدة التصور الذي لدينا عن العالم والذي تعلمناه ، إننا ” أسرى اللعبة ” الاجتماعية ، واللعبة ( أي منطق التمايز والهيمنة ) يتم نسيان أنها كذلك ، وتمكن هذه القدرة على الفعل بدون تفكير ( الحس العملي ) حسب بورديو من تجاوز الهوة الفاصلة في ما بين الموضوعية والذاتية ؛ فالبنيات الاجتماعية الموضوعية مكون من مكونات ذاتيتي ، وهذه تشارك الأخرى.

وهكذا ، فالمعايير وترميز الأدوار الأنثوية و الذكورية على سبيل المثال هو ترميز مطبوع في الأجساد ؛ ففي مجتمع القبائل يجد الرجل نفسه مضطرا للوقوف مستقيما وللأكل بطريقة فظة ، في حين أن المرأة مطالبة بأن تتحرك بتحفظ ومرونة وأن تأكل ” بأطراف شفتيها ” ( الحس العملي ) ، وبورديو يلح في كتابه ” التمايز ” على هذا التسجيل الجسدي للحركة؛ فالرياضات الشعبية مثلا ( كرة القدم ـ الكرة الطائرة ـ الملاكمة ) تعلي من شأن روح التضحية والقوة، أما رياضات الطبقات الوسطى والعليا ( الغولف ـ التني ـ الفروسية ) فتعطي الامتياز للرحابة والمسافة وغياب الاتصال المباشر. الأفضليات الغذائية لدى الطبقات الشعبية موجهة من قبل بحث لاشعوري عن القوة والمنفعة : فهذه الطبقات تحب اللحم والذهون ، أما الطبقات الوسطى فتروم بالأحرى التفنن في الأكل والطعام الخفيف : فالجسد في حاجة للرشاقة أكثر مما هو في حاجة للمتانة. إن المهيمن عليهم لا يعون هذه الميكانيزمات التي تمارس عن طريقها الهيمنة ، إلا أن المهيمنين أيضا لا يعونها : وقد ساءل بورديو الباطرونات مؤخرا خلال ملتقى باطرونات كبريات وسائل الإعلام ( فوكس ـ بيرتيلسمان ـ آوول ـ كنال بلوس . . . ) قائلا: ” هل تعرفون ماذا تفعلون ؟ ..” (2) . ومع ذلك فقد أسيء استخدام مصادرة اللاوعي هاته في كتاب لبورديو ذاته هم ” بؤس العالم ” ؛ فهذا الكتاب الجماعي المنشور سنة 1993 مشكل من سلسلة من الحوارات المونوغرافية ، بيد أن ما يفاجئ عند قراءته هو أن لدى الناس عملية انعكاسية وأنهم واعون في الجانب الأعظم بميكانيزمات الهيمنة. وهكذا فقد ساعدت البلدية العامل الاجتماعي الذي أنشأ جمعية وشركة لسيارة الإسعاف في إنشاء شركته ، ولكنه يعتقد أنها ستستفيد من هذه العملية سياسيا؛ ” إن كل بنيات السلطة تقوم على قاعدة السلط الصغيرة التي لها مع هذه السلطة علاقة ارتهان من أجل أن ترفع من قيمتها وشأنها” كما علق العامل على ذلك.

وبشكل عام فإن هذه المحاور الكبرى لنظرية بورديو ، والتي بلورها في كتابه ” تأملات باسكالية ” ، تقوم على الاقتراح التالي : ليست هناك أفكار خالصة ؛ فالإنتاجات الفكرية ( الفلسفة، الإيديولوجيات والأدب أيضا ، الخيال ، الإبداع ) هي كلها تعابير عن البنيات الاجتماعية لعصرها. إن وجه الكاتب أو الفنان المستقل ، والمبدع ( المجسد من قبل شخصيات مثل فلوبير أو ماني ) هو بناء اجتماعي ـ تاريخي لم يبرز إلا في القرن 19 ” قواعد الفن “.

العنف ( الرمزي ) بالمدرسة

قبل دخول الفاعلين في الممارسة اليومية تكون المعايير قد ترسخت في أذهانهم عبر عملية التطبيع الاجتماعي وعبر سيرورات إيديولوجية يشير إليها بورديو باسم العنف الرمزي. ومن خلال إجرائه لبحث بمعية كلود باسرون على الطلبة في الستينيات ، لاحظ بورديو اللامساواة في ولوج التعليم الأولي؛ فأبناء العمال ممثلون بشكل كبير بنسبة ضئيلة ( يمثل الطلبة 10÷ من 35 ÷ من السكان النشيطين ) إن السلوك اتجاه المؤسسة المدرسية والعلاقة معها هما أيضا غير متماثلين بكثير تبعا للأصل؛ فالطلبة البورجوازيون يعتقدون أنهم موهوبون : إذ أنهم يعلنون موقفا صريحا وكراهية للتقنيات الأكثر مدرسية ، ولديهم ” ضمان للوضعية ” هو عبارة عن تطبع الطبقة. وبالفعل، فالثقافة المرفوع من شأنها وقيمتها من قبل المؤسسة مألوفة لديهم لأنها ثقافة وسطهم الاجتماعي. أما طلبة الطبقات المتوسطة والشعبية فلديهم سلوك معوز لأنهم يعتقدون أن بإمكان المدرسة أن تمنحهم النجاح المدرسي.أما المدرسون فهم متواطئون مع هذا النظام : فهم يضفون القيمة على ” إيديولوجية الهبة ” والعمل اللامع. الثقافة الجامعية إذن إرث بالنسبة للبعض، وتعلم بالنسبة للآخرين. وفي كتابه ” نبالة الدولة ” 1989 يتابع بورديو تحليلاته ؛ حيث إن قراءة تقرير لجنة التحكيم في مباراة التبريز تؤكد يؤكد ” النبرة الطيبة ” الجامعية : فالمرشحون مطالبون بالبرهنة على رزانتهم وعلى تهذيبهم وكياستهم وموهبتهم ونباهتهم ، إنهم مطالبون بتحاشي الطبقات الكادحة والادعاء والطمع والسوقية.

إن فرض معايير الامتياز هاته يتم عن طريق خدع ومن خلال ستر وإخفاء علاقات الطبقة بالهيمنة: إنها تشتغل بالعنف الرمزي ، إنها احتجاب يستهدف المتعلمين والمعلمين أيضا : ” إن البروفيسور الذي يعزو لهذا التلميذ أو ذاك من تلامذته صفات ونعوت البورجوازية الصغيرة سيتم استنكار موقفه إن لم يتم اتهامه بإقامة أحكامه على اعتبارات طبقية ، حتى ولو كانت ضمنية”.

وليست المدرسة هي المؤسسة الوحيدة التي تنتج العنف الرمزي ؛ وهكذا فالتمثلات التي تنتجها الصحافة المتلفزة ” تُفرض أحيانا على الأكثر خصاصة كمنطوقات معدة سلفا لما يعتقدون أنها تجربتهم” ” بؤس العالم ” ، والنظام السياسي محلل في إطار منظور مماثل. إن هناك ” نزعة وهم ديمقراطي ” توهم الجميع أن لهم نفس الحق في الرأي والتعبير. و الحقيقة هي أن السياسة مجال محتكر من قبل الطبقات المهيمنة، وللمهيمن عليهم نزوع للاعتقاد بأنهم غير أكفاء في هذا المجال ، لذلك فهم يقصون أنفسهم ذاتيا من الحياة السياسية بالتخلي عن سلطة القرار لديهم ، وبذلك يكون نظامنا نظام حظر مقنع (3).

إعادة إنتاج الهيمنة

إن الهيمنة في حاجة أيضا إلى الامتداد في الزمن ، والمدرسة تبدو عبر الغربلات العديدة التي تقوم بها أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية.إن كبريات المدارس هي في قلب عملية إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية المهيمنة، وهي أيض أكثر انتقائية اجتماعيا من الجامعة؛ فهي تستقبل جزءا هاما من التلاميذ المنحدرين من الطبقات المهيمنة ( 60÷ وأكثر بالمدرسة الوطنية للإدارة ومعهد الدراسات العليا في التجارة HEC ,ENA أو مدرسة العلوم السياسية ) . وفضلا عن ذلك فتراتبية هذه المؤسسات تعيد تفصيل المواقع داخل الفضاء الاجتماعي : فنحن نجد أبناء الصناعيين بمدرسة الدراسات العليا في التجارة HEC ، في حين نجد أبناء الأساتذة بالمدرسة العليا للأساتذة. إن هذه المؤسسات متجانسة اجتماعيا ومنغلقة على ذاتها، وهي تساهم بذلك في نحت ” روح الجسد “.

وهكذا ، فلخلق أسطورة الاستحقاق ( الاستحقاقوقراطية Méritocratie ) تستخدم المدارس الكبرى كأدوات في خدمة استراتيجيات إعادة إنتاج المهيمنين ، وبورديو يشير إلى أن وجه العصامي ( الذي يصنع نفسه بنفسه ) لا يمثل إلا استثناء : فنحن لا نجد إلا 3÷ من أبناء العمال ضمن فئة كبار الباطرونات.

بيع الفتيل

لقد فرضت أعمال بورديو المتعلقة بالمدرسة ذاتها باعتبارها نموذجا حقيقيا، وذلك من خلال إعادة النظر في أسس الإيديولوجيا التربوية (4)، وهي كاشفة عن التصور كما هي كاشفة عن تصور صاحبها وعن وظيفته السوسيولوجية، فسواء تعلق الأمر بدمقرطة التعليم أو بالاستفتاء أو التفضيلات الثقافية أو العلاقات في ما بين الرجال والنساء ، فإن هدفه كان دائما واحد : وهو الكشف عن ما يكمن ويختفي خلف الأوهام والمظاهر السطحية للعبة الاجتماعية.

لقد أرادت سوسيولوجيا بيير بورديو إذن أن تكون سوسيولوجيا للكشف عن المستور : فهو حسب كلماته ذاتها ذاك الذي ” يبيع الفتيل ” ، ولهذا الوضع عواقب : فإذا كانت السوسيولوجيا تكشف وتميط اللثام ، فإنها سوف تزعج الماسكين بزمام النظام. وكما يقول لنا بورديو على سبيل المثال من خلال تبيانه أن الوسط العلمي هو أيضا مجال للمنافسة فيما بين المراكز المهنية والمختبرات ، فإن السوسيولوجي يعارض هذا العالم الصغير . وخطر منطق مثل هذا يتمثل في تجميد السوسيولوجي وتحنيطه في وضع بطولي : فالانتقادات الموجهة لبورديو تم في الغالب وقبليا إدانتها باعتبارها معبرة عن أولئك الذين يرومون الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم.

لقد قادت إرادة إرباك أولئك الذين يمارسون عملية شد الحبل بورديو مؤخرا إلى التصدي للقطاعات التي لم يكتشفها بعد منهجيا كما فعل في معظم أعماله ، وهذه بالخصوص هي حال كتابه ” حول التلفزة ” الذي تمت في الوقت الذي يؤكد فيه أنه يعرض ” مكتسبات البحث بخصوص التلفزة ” عملية محاكمته بقسوة لجهله بعديد من الأعمال التي أنجزت في إطار سوسيولوجيا وسائل الإعلام ، ولغياب المتكأ التجريبي فيها(5).

مؤاخذة لا يمكننا توجيهها إليه إلا بصعوبة بالنظر إلى العدة الهائلة من المعطيات والمناهج التي يستخدمها عموما ، فهو في كتابه ” نبالة الدولة ” على سبيل المثال ، يستغل البحوث الإحصائية وقياسات الرأي والحوارات الجيدة ونصوص الأبحاث وسجلات المؤسسات والملاحظات حول سير الحياة . . . إلخ. إن بورديو يدافع بالفعل عن تصور مطالب بسوسيولوجيا علمية ، وهو ثمرة لعمليات ذهاب وإياب في ما بين البناء النظري والتأكيد التجريبي ، تصور طوره في كتابه ” مهنة عالم الاجتماع ” المؤلف بشراكة سنة 1968 مع كلود شامبورديون و ج.ك. باسرون . لنلاحظ خلال عملية العرض هاته أن اختياراته الميتودولوجية قد استطاعت أن تتطور عبر الزمن ، وهكذا فإن كتابه ” بؤس العالم ” هو كتاب مبني على قاعدة حوارات يتوجه خلالها الباحث نحو المبحوث بحديث من نوع ” الحديث العادي ” ، وهو منهج يقوم حسب البعض على مراوغات جلية : فرض الإشكاليات وتوجيه الإجابات . . . إلخ.

يبقى أن إنجاز بيير بورديو يحتل مكانة مركزية في إطار المناظرة العلمية ، في السوسيولوجيا كما في العلوم الإنسانية عموما، وتقوم هذه السلطة على بهارات متعددة ؛ فلهذه السلطة في المقام الأول خاصية جاذبة ومستفزة ، وذلك من خلال كشفها عن كواليس ما هو مجتمعي ( الفوارق المدرسية ، محددات الذوق الثقافي . . ) ، وقد أظهر صاحبها أنه مجدد سواء عبر تعبئة التقنيات العلمية المتنوعة أو عبر ابتكاراته المفاهيمية : فلقد جددت مفاهيم التطبع والحقل والتميز والعنف الرمزي التحليل السوسيولوجي بعمق .

وبشكل أعم ، فإن قوة عمل بورديو تتمثل دون شك في كونه شيد خطاطة نظرية متفرعة وموحدة في نفس الآن على قاعدة تنوع كبير للمجالات والميادين ، ومن خلال تركيب عديد من المنابع النظرية : كارل ماركس ( علاقات الهيمنة ) ، ماكس فيبر ( أهمية المعنى الذي يعطيه الفاعلون لحركتهم ، مفهوم الشرعية ) ، إميل دوركهايم ( المنهج السوسيولوجي ) ، جاستون باشلار ( بناء الموضوع ) ، تورستن فيبلن ( الاستهلاك البذخي ) ، جون أوستين ( وظائف الكلام ) ، وأيضا نوربير إلياس ، إرفينغ جوفمان ، بازيل بيرشتاين ، إيمانويل كانط ، كلود ليفي شتراوس ، لودفيغ فتجنشتاين . . . لقد عرف بورديو كيف يمزج تأثيرات متعددة من أجل إقامة نظام متماسك يلخصه هو ذاته في كتابه ” التمايز ” من خلال المعادلة التالية: (تطبع)(رأسمال)+حقل=ممارسة.

[slideshow]

**************

هوامش:

  1. دوركهايم ” الانتحار ” 1897 ، طبعة ثانية ، 1997 م ج ف .

  2. أنظر ليبراسيون ، 13 أكتوبر 1999.

  3. هذا التحليل معمق في كتاب د. جاكسي ” المعنى المستور ، الفوارق الثقافية والميز السياسي ” 1978.

  4. أنظر ف. دوبي: السوسيولوجيا والتربية ـ ماغازين ليتيرير رقم 369 أكتوبر 1998.

  5. أنظر بخصوص هذه النقطة نصوص د. بونيو في نفس العدد السابق من ماغازين ليتيرير ـ س. لوميو في ب. لاهير ” عمل بيير بورديو السوسيولوجي ” ، لاديكوفيرت ، 1999.

  6. أنظر ف. مايير ـ الحوار حسب بيير بورديو ـ المجلة الفرنسية للسوسيولوجيا ، 35 ، 1995.

معجم بيير بورديو الصغير :

الرأسمال: ليس المال وحده هو الذي يهم في الحياة ، فالرأسمال الثقافي بالنسبة لبورديو ( الديبلومات ، المعارف ، الأساليب الجيدة ) والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ) هي في أوضاع عديدة مصادر أكبر نفعا من الرأسمال الاقتصادي.

الحقل: الحقل الجامعي، الحقل الصحافي، الحقل الأدبي. . .إن هذه ” العوالم الصغيرة ” تقابل خانات في المجتمع، إنها فضاءات للهيمنة والصراع: والحقل هو أيضا سلة عقارب ، غير أن لكل حقل استقلالا ذاتيا معينا ويمتلك قواعده الخاصة، إنها حقول للقوة يتحرك الأفراد داخلها، كما هو الحال في لعبة الشطرنج، من مواقعهم الخاصة.

التطبع: التنس ، البادية ، الجاز ، الطبخ الصيني ، سفر ثقافي ومجلات التسطيح: تتواجد هذه الممارسات خاصة لدى الطبقات الوسطى المتعلمة، وهي تحدد في مجموعها تطبعا ، أي مصفوفة محددة من قبل موقعنا الاجتماعي الذي يجعلنا نرى العالم ونتحرك داخله. ويترجم التطبع من خلال أنماط العيش ، غير أنه يترجم أيضا من خلال الأحكام ( السياسية ، الأخلاقية ، الجمالية ) ، إنه ليس مجموعا من المعايير ، فهو أيضا أداة للفعل تمكن من خلق وتطوير استراتيجيات معينة.

العنف الرمزي: إنه التطويع النافع للرؤوس ، ويتمثل العنف الرمزي في جعل مظاهر الهيمنة ( الدوكسا ) تبدو كما لو كانت “طبيعية” في أذهان الناس، وهو يتم تطويره من خلال المؤسسات ويتكئ على تأثيرات السلطة. إن نقل الثقافة المدرسية عن طريق المدرسة بالنسبة لبورديو مثلا ( وهي التي تقود وتحكم معايير الطبقات المهيمنة ) هو عنف رمزي ممارس على الطبقات الشعبية.

التمايز: أن تكون متميزا يعني أن تعمق اختلافك. إن فن التميز البورجوازي مثلا هو أن تتميز الذات بدل أن لا تكون متميزة عن لاشيء، عبر المعارضة بالتباهي والاعتراض على سوقية الغني الحديث عهد بالغنى. إن التمايز هو في قلب اللعبة الاجتماعية.

يوليو
29
في 29-07-2010
تحت تصنيف (سوسيولوجيا, نصوص بيير بوديو) بواسطة maarouf
    114 views

بقلم : بيير بورديو

عن : نقيض نار(نصوص من أجل خدمة حركة مناهضة المد النيوليبرالي)أبريل 98.

إن مجهود التفكير الجماعي الذي مورس هنا خلال يومين متتاليين هو مجهود جد أصيل ؛ وذلك لأنه جمع أناسا لم تتوفر لهم أبدا فرصة الاجتماع والاحتكاك ببعضهم البعض : مسؤولون إداريون وسياسيون ، نقابيون ، باحثون في الاقتصاد وعلم الاجتماع، عمال هم غالبا مؤقتون وعاطلون . إنني أحب أن أذكر بعض المشاكل التي نوقشت خلال هذين اليومين، وأولاها، والتي هي مقصاة ضمنيا في الاجتماعات العالمة، تتمثل في السؤال التالي: ما الذي سينتج في المحصلة عن كل هذه المناظرات ، أو بعنف أكثر ، ما هي الأغراض التي ستخدمها هذه النقاشات الفكرية؟.. وبشكل مفارق فإن الباحثين هم الذين سيقلقون أكثر من هذا السؤال، أو إن هذا السؤال هو سؤال باعث أكثر على القلق ( وأنا أعني هنا خاصة الاقتصاديين الحاضرين معنا هنا ، وإذن فأولئك الذي يقلقون من حقيقة الواقع الاجتماعي أو حتى من الحقيقة على الإطلاق لا يمثلون إلا قليلا مهنة هم بداخلها جد ناذرين ) بالنسبة لذاك الذي يرى السؤال وهو يطرح بشكل مباشر(وتلك بدون شك أحسن طريقة لطرح السؤال). إن الواقع بوصفه قاسيا وساذجا يذكر الباحثين بمسؤولياتهم التي يمكن أن تكون أكبر وأضخم على الأقل عندما يساهمون بفعل سكوتهم ومشاركتهم الفاعلة في الحفاظ على النظام الرمزي الذي هو شرط اشتغال النظام الاقتصادي.

ويبدو واضحا أن الهشاشة اليوم هي في كل مكان ، في القطاع الخاص كما في القطاع العام أيضا الذي ضاعف المناصب المؤقتة أو النيابية بداخل المقاولات الصناعية وأيضا بمؤسسات الإنتاج والنشر الثقافيين، تعليما وصحافة ووسائل إعلام . . . إلخ، حيث تحدث تأثيرات هي دائما متشابهة تقريبا ، تصبح منظورة بشكل خاص في حالة العاطلين القصوى : تحطيم بنية الوجود المحروم ، إلى جانب أشياء أخرى ، من بنياته الزمنية،وانحطاط مجموع العلاقة بالعالم ، بالزمان والمكان التي تعقب ذلك.إن الهشاشة تفعل فعلها بعمق في ذلك أو تلك التي تصاب بها، بإحالة كل المستقبل مستقبلا غير مأمون، إنها تحظر أي استباق عقلاني وبخاصة هذا الحد الأدنى من الإيمان أو الأمل في المستقبل الذي يجب امتلاكه من أجل امتلاك القدرة على الثورة أو التمرد ، جماعيا خاصة ، على الحاضر حتى أكثره عدم قابلية للتحمل.

وتنضاف لتأثيرات الهشاشة على أولئك الذين تمسهم مباشرة ، التأثيرات الممارسة على مجموع الآخرين الذين يبدو ظاهريا أنها تستثنيهم، إنها لا تمكن أحدا من نسيانها ، إنها حاضرة في أية لحظة ، في جميع الأذهان ( ما عدا بدون شك أذهان الاقتصاديين الليبراليين ، وذلك لأنهم ربما وكما لاحظ أحد خصومهم النظريين ، يستفيدون من هذا الضرب من النزعة الحمائية التي تمثلها الإقطاعة ، أي وضعية الترسيم التي تضمن لهم الأمان . . . ) إنها تخز الضمائر وتلاحق غير الواعين .إن وجود جيش هام من الاحتياطيين لم نعد نجده فحسب بفعل الإنتاج الزائد لحملة الشواهد على المستويات الأدنى من حيث الكفاءة والتأهيل التقني ، يسهم في جعل كل عامل على حدة يحس بفقدانه لما لا يمكن تعويضه ، وبأن عمله أو وظيفته امتياز نوعا ما ؛ امتياز هش ومهدد ( وذلك ما يذكره به إضافة إلى ذلك عند طيشه الأول مشغلوه والصحافيون والمعلقون من كل لون وجنس في إضرابه الأول ) . إن التهديد وانعدام الأمان الموضوعي يؤسس انعداما ذاتيا للأمن معمما يفعل فعله في يومنا هذا بقلب اقتصاد في أعلى درجات تطوره في مجموع العالم ، وحتى في أولئك الذين لم يمسسهم أو لن يمسهم مباشرة انعدام الأمان هذا. إن هذا الضرب من ” العقلية الجماعية ” ( وأنا أستعمل هذا التعبير رغم أنني لا أحبه كثيرا من أجل الإفهام فقط ) الموحدة في العصر بأكمله هي في مبدأ الحط من المعنويات وإخماد التعبئة التي يمكن ملاحظتها ( كما فعلت في الستينيات في الجزائر ) في بلدان متخلفة منكوبة جراء إصابتها بمعدلات انعدام الشغل أو التشغيل الناقص الكثيرة الارتفاع والمسكونة دوما بهاجس البطالة.

إن العاطلين والعمال المؤقتين ، نظرا لأنهم مسوا في قدرتهم على رسم مشاريع للمستقبل ، والتي هي شرط كل السلوكات المعتبرة عقلانية ابتداء بالحساب الاقتصادي ، أو في نظام مغاير تماما ، أي التنظيم السياسي ، فإنهم لم يعودوا قابلين للتعبئة أبدا. وبشكل مفارق ، كما أوضحت ذلك في العمل والعمال بالجزائر (1) ، وهو كتابي الأقدم وربما الأكثر راهنية من أجل تصور مشروع ثوري ؛ أي طموح معقول لتغيير الحاضر من خلال مرجعية مستقبل مرسوم ، فإنه يتوجب امتلاك حد أدنى من التجكم والإمساك بالحاضر. إن البروليتاري هو بخلاف البروليتاري ـ السفلي في هذا الحد من الضمانات الحاضرة والأمان الذي هو ضروري من أجل تصور طموح لتغيير الحاضر بعامل المستقبل المأمول، غير أنه وكما يقال ، هو أيضا شخص لا زال لديه شيء ما يدافع عنه ، شيء ما يفقده ، وهو عمله ولو كان مرهقا وتافه الأجر ، وعدد من سلوكاته الموسومة أحيانا بالحذر البالغ أو بالمحافظة حتى ، يهيمن عليها كمبدأ الخوف من السقوط إلى القاع والهبوط العائد نحو البروليتاريا ـ السفلى.

عندما تبلغ البطالة ، كما هو الحال اليوم في عدد من بلدان أوربا ، معدلات جد مرتفعة ، وتحيق الهشاشة بجزء هام من الساكنة : عمالا ومستخدمين في التجارة والصناعة ، وصحافيين ومدرسين وطلبة أيضا ، فإن العمل يصبح شيئا ناذرا ومرغوبا فيه بأي ثمن ، يضع العمال تحت رحمة مشغليهم ، وهؤلاء كما يمكننا أن نلحظ ذلك كل يوم ، يستخدمون ويفرطون في استخدام السلطة التي تمنح لهم جراء ذلك. إن التنافس من أجل الحصول على عمل يصبح زوجا لتنافس في العمل هو أيضا شكل من أشكال التنافس على العمل الذي يتوجب الحفاظ عليه وحمايته أحيانا بأي ثمن من ابتزاز التسريح. إن هذا التنافس الذي هو أحيانا بنفس وحشية التنافس الذي تمارسه المقاولات فيما بينها ، هو في جذر صراع حقيقي للجميع ضد الجميع مدمر لكل قيم التضامن الإنسانية ، وأحيانا ، في جذر عنف صامت بدون كلمات. إن أولئك الذين يأسفون لنزعة اللامبالاة التي تسم من وجهة نظرهم رجال ونساء عصرنا ، لا ينبغي عليهم إهمال مسألة إرجاعها للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرزها أو تشترطها .

وهكذا فإن الهشاشة تفعل فعلها في أولئك الذين تمسهم مباشرة ( وهي تجعلهم في حالة عدم القابلية للتعبئة ) وبشكل غير مباشر في كل الآخرين بفعل الخوف الذي تحدثه وتستثمره منهجيا استراتيجيات التفقير والهشاشة كإقحام ” المرونة ” الذائعة الصيت، والتي نفهم منها أنها مستلهمة من مبررات سياسية أكثر منها اقتصادية .

نشرع بذلك في التشكك في أن الهشاشة ليست نتاج قدرية اقتصادية معروفة ومشبهة  ب ” العولمة ” الشهيرة ، وإنما هي نتاج إرادة سياسية . إن المقاولة ” المرنة ” تستغل نوعا ما بشكل واع وعن سبق إصرار وضعية لاأمان تسهم في تقويتها : فهي تروم الإنقاص من تكاليفها وأيضا جعل هذا الإنقاص ممكنا بتعريض العامل لخطر دائم بفقدان عمله. إن كل عالم الإنتاج المادي منه والثقافي ، العمومي والخصوصي ، يجد ذاته مدفوعا هكذا نحو سيرورة واسعة للتفقير والهشاشة مثلا من خلال تهجير المقاولة التي ارتبطت حتى ذلك الحين بدولة / أمة أو بمكان ما ( مضيق توران بالنسبة لصناعة السيارات ) ، وهذه المقاولة تنزع أكثر فأكثر نحو التحلل والتفكك من خلال ما يدعى ” المقاولة الشبكة ” التي تتمفصل على مستوى قارة أو على مستوى البسيطة بأكملها ، بوصل أجزاء الإنتاج والمعارف التكنولوجية وشبكات الاتصال ومدارات التكوين الموزعة على أماكن جد متباعدة.

بتيسر أو تنظيم حركية الرأسمال و ” التهجير ” نحو البلدان ذات الأجور الأكثر انخفاضا ، وحيث كلفة العمل أكثر ضعفا ، تم تسهيل انتشار التنافس فيما بين العمال على مستوى العالم ؛ فالمقاولة الوطنية ( أو التي أحيلت وطنية ) والتي كانت منطقة التنافس لديها مرتبطة بشكل قوي إلى حد ما بالتراب الوطني ، والتي كانت تذهب لغزو أسواق خارجية ، تنازلت عن مكانتها للمقاولة المتعددة الجنسيات التي جعلت العمال في حال تنافس لا مع مواطنيهم وحدهم فقط ، أو حتى كما يريد الديماغوجيون أن يوهمونا بذلك ، مع الغرباء المنزرعين بالتراب الوطني والذين هم بداهة أول ضحايا تفقير الهشاشة ، وإنما مع عمال الطرف الآخر من العالم الذين هم مكرهون على قبول أجور بئيسة.

إن الهشاشة تندرج ضمن نمط هيمنة من نوع جديد مشيد على تأسيس حال معممة ودائمة من اللاأمان تستهدف إكراه العمال على الخضوع للاستغلال وتقبله. ولرسم معالم نمط الهيمنة هذا الذي هو غير مسبوق تماما ولو أنه يشبه إلى حد بعيد في تأثيراته الرأسمالية المتوحشة الأصلية ، فقد اقترح أحدهم بهذا الخصوص مفهوما هو في نفس الآن أكثر تعبيرا وأكثر إيفاء بالغرض ألا وهو مفهوم Flexploitation (= الاستغلال المرن ) . إن هذه الكلمة تعرض تماما هذا التدبير العقلاني لحالة اللاأمان التي بإقامتها عبر الفبركة المقصودة لفضاء الإنتاج خاصة ، للتنافس فيما بين عمال البلدان التي تنعم بمكتسبات اجتماعية جد هامة ومقاومة نقابية أفضل تنظيما ـ وعديد من الملامح المرتبطة بتراب وتاريخ وطنيين ـ وعمال البلدان الأقل تقدما على المستوى الاجتماعي ، فإنها تكسر بذلك أشكال المقاومة وتحقق الطاعة والخضوع وتضمنهما عن طريق ميكانيزمات تبدو طبيعية ظاهريا ، وهي كذلك في أعين مبرراتها الخاصة.إن هذه الإجراءات الطبيعية التي تنتجها الهشاشة هي شرط استغلال ” ناجح ” أكثر فأكثر مؤسس على القسمة بين أولئك الذين ، وهم أكثر عددا ، لا يعملون ، وأولئك الذين ، وهم أقل فأقل عددا ، يعملون ، لكنهم يعملون أكثر فأكثر . يبدو لي إذن أن ما هو معروض باعتباره نظاما اقتصاديا مقادا من قبل قوانين لا تقبل المرونة لنوع ما من الطبيعة الاجتماعية هو في الحقيقة نظام سياسي لا يمكن أن يتشيد إلا عبر التواطؤ الفعال أو المنفعل من قبل السلطات المحض سياسية.

ضد هذا النظام السياسي يعتبر الصراع السياسي المناهض له مسألة ممكنة، ويمكن لهذا الصراع أن يحدد لذاته كهدف أول الحركة الإحسانية ـ المناضلة وتشجيع ضحايا الاستغلال وكل الموسميين الحاليين والمفترضين على العمل معا ضد تأثيرات الهشاشة المدمرة ( بمساعدتهم على العيش وعلى ”الصمود” والتماسك ، على إنقاذ كرامتهم والصمود في وجه التدمير ، في وجه انحطاط صورة الذات وفي وجه الاستلاب ) والتعبؤ خاصة على المستوى العالمي ؛ أي على المستوى ذاته الذي تمارس فيه تأثيرات سياسة الهشاشة ، وذلك من أجل مقاومة هذه السياسة وتحييد التنافس الذي تروم إقامته في ما بين عمال مختلف البلدان. إلا أن هذا الصراع يمكن أيضا أن يحاول انتشال العمال من منطق الصراعات القديمة التي باعتبارها مؤسسة على المطالبة بالعمل أو بأجر أفضل مقابل العمل ، تنغلق بداخل العمل والاستغلال أو بداخل Flexploitation الاستغلال المرن الذي يسمح به هذا المنطق، وذلك بفعل إعادة توزيع العمل ( عبر إنقاص كبير للمدة اليومية للشغل على مستوى أوربا ) ، إعادة توزيع لا تقبل الانفصال عن إعادة تعريف وتحديد للتوزع بين الوقت المخصص للإنتاج والوقت المخصص لإعادة الإنتاج ، أي وقت الراحة وأوقات الفراغ.

ثورة يتوجب أن تبدأ من خلال التخلي عن النظرة الحسابية الضيقة والفردانية التي تحول الناس إلى حاسبات مشغولة بحل مشاكل معينة ، وهي مشاكل محض اقتصادية بالمعنى الأكثر ضيقا للفظ. وحتى يشتغل النظام الاقتصادي ، يتوجب أن يحمل له العمال شروطهم الخاصة للإنتاج وإعادة الإنتاج ، وأيضا شروط اشتغال النظام الاقتصادي ذاته ، بدءا بإيمانهم بالمقاولة وبالعمل وبضرورة العمل . . .إلخ ، وهي أشياء كثيرة أقصاها الاقتصاديون الأورثودوكس قبليا من محاسبتهم المجردة والمشوهة ، ملقين ضمنيا مسؤولية إنتاج وإعادة إنتاج كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخفية لاشتغال الاقتصاد كما يفهمونه هم على الأفراد أو ، وتلك مفارقة أخرى ، على الدولة التي ينشدون فضلا عن ذلك دمارها.

غرونوبل ، ديسمبر 1997

****************************

  • مداخلة بمناسبة لقاءات أوربية ضد الهشاشة ، غرونوبل 12 ـ 13 ديسمبر 1997.

1) بورديو : العمل والعمال في الجزائر ، باريس ـ لاهاي ـ موتون ، 1963 ( بمعية أ. داريل ، ج.ب. ريفر ، س. سيبل ) ؛ الجزائر 60 . البنيات الاقتصادية والبنيات الزمنية ، باريس ، منشورات مينوي ، 1977.

يوليو
29
في 29-07-2010
تحت تصنيف (ترحيب) بواسطة maarouf
    59 views

  مرحبا بكل زوار موقعي هذا

وإن موعدي معكم لقريب إنشاء الله تعالى

فيديو بعض من زرياب أنقر لترى الفيديو