أرشيف مايو, 2011

اقتربي

0568247914 رقم البلفون

اقتربي

اقتربي مني أكثر اليوم اعلنها أمام البشر …

اقتربي اكثر فاكثر

لا تنحني كالورد الأحمر

دعيني أقولها قبل أن أتعثر

فاليوم عيد حبك سيدتي

الورد قد أزهر

***
اقتربي اكثر فاكثر

لأقبلك قبلتي الأكبر

اقتربي مني أكثر

اليوم سأعلنها أمام البشر

إن قيدوني … وإن قتلوني

لا تسألي من أنا

فأنا الموج الأكبر

إن سألوكي

قولي لهم :-

قد مات قتيلاً بين الكلمات

قولي لهم :-

كان همسات إبداع

وقولي لهم :-

بعد الممات أصبح رثاء إبداع

هذا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح

ليس أبن زكريا

بل هذا الروح والفكر

لا بل هذا روح الإبداع والتالق

هذا الذي مات ميتة الأشقياء

هو صاحب التمني

حبيب أمنيه

روح أمنيه

فكر أمنيه

قلب أمنيه

الروح روحي

والفكر فكري

والقلب قلبي

فلم تقتلوه أيها الغرباء

فأنا سيدة قلبه

سأنال منكم أيها البؤساء

فليبقَ عشقي مخلداً تحت السماء

وعداً مني لكم

سأدفنكم تحت ركام الصمت

وإن قتلتموني

ستثور عليكم النساء

فلتكن ثورة بلا شقاء

الكاتب :- محمود عدنان

خطف وردة

Mhmoud_s_2008@hotmail.com_ محمود عدنان

خطف وردة

(صرخــة فـتـاة)

كانت الأيام مسافرة إلى حاضر بلا عنوان تحمل في طياتها أمال وأحلام كثير ، تقذف نفسها لتصل بأسرع ما يكمن لتحقق الجزء من هذه الرغبات التي ولدت معها في الحياة .

كان الجو معتدلاًً في يوم صباحه جميل تشعشع فيه النفائس ، تريد السفر بعيداً إلى حيث تقف صامته حائرة ثم تدمع إلى أن يحين القدر فتكتب بصمت لا لضجر .

فكتبت أوراقاً من الدماء يخشع لها القلب وتدمع العيون ، فكتبت عماه لماذا تقتلني ، عماه لماذا تقتلني أنا بنت أخيك شريفه ، أكل هذا لأنني حلمت أن أكون عروساً ، لماذا عماه حكمت علي رمياً بالبئر أين ظميرك عماه ، لا مغتفر موت بلا رحمة .

عماه أنت لم ترحمني لقد حكمت علي الموت ، الموت، الموت ، لا يحق لي الحياة لماذا أيتها النفس .

بقيت أوراقي صامته ، حتى قلمي إنهار وصاع ، لا أستطيع امتلاك نفسي ، اتسأل كثيراً وتكراراً .

هل يحق له فعل ذلك ؟؟؟

لماذا قتلها بهذه الطريقة ؟؟؟

لماذا حرم على النفس العيش بمأمن وسلام ؟؟؟

هل ذهبت منه الرحمة ؟؟؟

ما هو الحكم الذي يستحقة ؟؟؟

إن كنت متشاطراً وصاحب موقف أعدمه بنفس الطريقة وأجعله يتعذب أمام البشر كلهم ليكون عبرة ، ولكن المشكلة أخلاقي لا تسمح لي فعل ذلك ، وحتى قلمي وأوراقي ، ستبقى هذه الدنيا زائفة إلى أن نعود يوماً .

الكاتب :- محمود عدنان

سنبلة تسافر بعيداً

سنبلة تسافر بعيداً

كان اسمها آية براذعية ، وبعد وفتاها أصبحت ملقبة

( بصرخـة فـتـاة)…

من أزقة عزون عتمة ، ومن حارات عزون عتمة إلى مدينة الخليل نقدم تعازينا لكل النساء ، لكل الفاتنات ، لكل الشابات ، ونقدم تعازينا لأهل الشهيدة صرخة فتاة .

لم أكن يوماً متحاذقاً أو رجل فذ بل رجلٌ بتواضعه الكريم ، أستطيع ترك قلمي ينزف هنا وفي أي مكان ، طالما له الحق في ذلك .

لم تكن هي القصة الأولى بل هنالك روايات وقصص وحقائق موجودة لو تسألنا أين هو النظام الفلسطني واين القانون الفلسطيني؟؟؟ نستطيع أن نطالب بالعدالة القانونية الواضحة الحقيقية وليست الهزلة وذلك من أجل إنهاء الجرائم على المستوى المحلي والأقليمي في شتى أنحاء فلسطين .

الكاتب :- محمود عدنان

أسعد الله أوقاتكم جميعاً …

من محمود عدنان يقدم لكم مما خطه قلمة ، فهذة الرواية هي أول رواية تم كتابتها وطباعتها في دار نشر في الدولة الشقية الأردن وتم تنزيلها هنا .

لقد عملت وبجهد من أجل انجاح هذه الرواية فأمل أن تنال اعجابكم ، من يتركها دون تتبع يقع في الخطأ ، جدوا ماكنتكم فيها …

الكاتب :- محمود عدنان

الرواية

رواية

فتاة عاشقة

تقتحم أسوار مدينتي

محمود عدنان

الإهداء ..

* إلى صاحب القلب الدافىء وصاحب الكوفية الذي يقف وقفة الرجال الأشداء أبي العزيز وسيدته الروحانية أمي العزيزة …

* إلى كل من أكن لهم روح المودة والأحترام والتقدير …

محمد ، أحمد ، علاء ، عبد الكريم ، شقيقاتي الفاضلات .

* إلى من نبعت منهم روح الصداقه ، نهاد وجهات ، عمار حسين ، تيسير سالم ، منذر عوني …

* إلى من وقفوا وقفة المخلصين ، الأستاذ إبراهيم علي ( أبو علي ) ، والأستاذ قاسم يونس .

* إلى جامعة النجاح ذلك الصرح الشامخ و النجم الساطع في سماء فلسطين وإلى كل مؤسسه أو جامعة في أزقة ومدن فلسطين …

• إلى عزون عتمة وأهلها الصامدين في وجه العدو كل الأحترام مع فائق التقدير …
إليكم جميعا أهدي كتابي الثاني متمنيا أن ينال إعجابكم , والله ولي التوفيق …

مقدمة الكاتب ..

مقدمة الكاتب ..

رواية .. فتاة عاشقة تقتحم أسوار مدينتي .. هي رواية الحب .. رواية العشق .. رواية الشعب الفلسطيني .. الذي يتعرض لأبشع ألوان الظلم والقهر ..

روايتي .. رواية الفلسطيني الذي يحب وطنه .. يحب عشيقته .. يسجن .. يطارد .. ويبعد .

روايتي .. رواية الفلسطيني الذي تحدى القيود .. وتحدى الاحتلال .. وعاد إلى وطنه .!!

روايتي .. رواية الفلسطيني .. الذي عانى وعانى .. ولكنه لم يفقد الأمل وعاد إلى زوجته .. الفتاة العاشقة التي اقتحمت مدينته .. وعاد إلى ولده الذي ولد ولم يره ..

هذه هي روايتي بخطوطها العريضة ..

في روايتي هذه .. وضعت جهود متواصلة من المطالعة وجمع المعلومات .. فيها جهودي الكتابية .. أتمنى أن تصل إلى قلب كل حر .. وأن تجد صدى في نفسه ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الكاتب ..
محمود عدنان
عزون عتمة

الفصل الأول

( البوابة الحديدية و ذكريات حبيبتي )

ليله باردة معتمة ، و البوابة الحديدية مقفلة و الجنود يطلون علي من أعلى و من أسفل ، يسدون الطريق على قريتي بالحديد و النار . وقفت بين القرية و البوابة الحديدية ، و أنا أتدثر في معطفي الدافئ الذي يحتويني و يلتف حولي و أنتظر لكي أفلت منه . أذكر ذلك تماماً .

كنت متسرعاً في اتخاذ قراراتي أريد أن أتخلص من مرحلة التكوين التي تدفعني نحو الأمام ، كأنني جني نبذه بطن حوت ، ويمد يده الضعيفة المرتعشة نحو السماء .أذكر ذلك تماماً .
كنت مولعاً بالحياة ، قلبي يعشق الحرية ، لكني أعلم أن وقوعي بين براثن العدو ليس هيناً ، ورغم كل هذا مولع بوطني و بالحرية و النساء.

وأذكر أن تلك البوابة الحديدية الالكترونية المدججة بالسلاح التي تغلق على أهلنا في قريتي الصغيرة الوادعة ، وتحبسهم إلا للمرور عبر ساعات محدودة ، وبعد الفحص الدقيق من خلال عيون الذئاب ومجسات الأجهزة. بكيت حزناً عندما رأيت مصيرها بين القضبان والجنود والأبراج وغرف الأشعة التي لا يعلم إلا الله ما تدسه في أجسامنا . وزاد في حزني شباب القرية ذكوراً وإناثاً والذين كبلت حركتهم وانطفأ انطلاقهم وتاهت عيونهم . أذكر ذلك تماماً أما أنت يا سيدتي ورفيقة قلبي وتوأم روحي فإن الفؤاد يذكرك تماماً ، لأني يا سيدتي اخترت عشقك من بين جميع الحسان .

قلت لها : اقتربي

وكالوردة الغضة التي تمايلت لتنثني أمام هبة نسيم تقدمت نحو أميرها الذي امتد بأنامله لينهل من عبيرها ويلثمها ويتوجها حورية في قلعته . تمايلت منتعشة بحنو ودلال نشوى بين نسمات العشق و الهيام و شعرها يرسم أجمل وشاح على كتفيها.

فعلتْ ذلك بدقة .كانت تقف أمام المرآة و تقول : أخشى أن يغطي جسدي ، و عندما يتبعثر موجات تستريح على صدرها من كل اتجاه ، قلبي يكاد ينخلع من مكانه .

خطوت نحوها بقوة ، واحتضنت يدها ، فأشاحت بجيدها و تطاير شلال الليل الفاحم فغطى بحيرات عينيها ، وارتحلت أصابعي لتبعد سبائك الشعر فتلامس جسدي مع جسدها ليشعل حرائق الرغبة والرهبة و الجنون . كنت أحبه ، أعشق معه النجوم المتلألئة في السماء ، وخيوط القمر الفضية تسبح على جسد حبيبتي الرخامي وهي ساكنة بين يدي .
تناولت علبة السجائر و أشعلت لفافة بعد أن ألقيت بنفسي على السرير ، أتقلب في أحضان المتعة الهائلة التي ما تزال تراودني ، غير أن أميرتي نزعت مني السيجارة لتقبلني من جديد ، لا أعرف كيف انتهيت إلى ذلك .

جدتي في الغرفة المقابلة تذرع المكان ولا تبعد عنا سوى خطوات ، لم تلق لنا بالاً ، لكنها كانت تحدث جلبة ، و عندما خرجت من داخل الغرفة فوجئت بها تسمعني أقذع الشتائم والتعليقات كعادتها غير أني تجاهلت شتائمها حرصاً على تجنب مشادة طويلة وتعلو أصواتنا .

***

كنت أخاطب حبيبتي لا كواحدة من البشر ، بل كملاك من السماء تتفوق على كل النساء .

سألتها يوماً :
هل تعشقينني ؟
تبسمَت و هزت رأسها مندهشة بالإيجاب.
الاختبار الأول يحتاج إلى الدقة و المرونة و تقبل الأمور بسهولة ، كنت أنتظر التناغم و الايجابية السريعة لتريحني ، وتشجع نوازعي كي تخطو إلى الأمام ، و مهما اختلف وضعنا كان لابد أن اسمع هذه الكلمة .أُحبك .

كنت أتمنى في كل لحظة أن تبوح لي بهذه الكلمة . اقتربت منها قليلاً ، لم استطع تمالك أعصابي .بينما أسرعت هي لتجلس أمام المرآة ، ؛و قالت :
ما أروع مجالستك ، تعال إلى حضني ، فقد خلقني الله من أجلك ، خذ ما تريده ، فبعد جنونك يزيد شوقي ويجن جنوني أنا و عندما أراك شاحب الوجه أخاف منك و أخاف عليك كثيراً.
انتظر قليلاً لأعيد ترتيب شعري وملابسي وأدير التلفاز لتسمعه جدتك .
جدتي تسأل دائماً.
لماذا تغلقون الباب ؟
اتركه مفتوحاً ليدخل الهواء النقي . تدفعني هذه العجوز لانتحال الأعذار حين أرد عليها .

نغلق الباب ونجلس منفردين ونشرعُ في تسامر الحديث دون أن تزعجنا الجدة ، ويعلو صوتنا لينفجر رأس جدتي من التفكير ، ويشتد بها الفضول لتعرف ماذا يحصل بالغرفة .
كنت أتمنى دوماً أن يعود جدي من سفره ، ليملأ فراغ الجدة وتُحول أنظارها عنا بانشغالها معه ، ولكنه في بلاد بعيدة ، ولم يرجع منذ سفره .و أخيراً عندما عاد بشوق إلى وطنه وكانت الغربة قد لقنته درساً قاسياً راح يتحدث عن حب الوطن بطريقته . قال انه التقى مهندساً هندياً في احد المكاتب ، المهندس لا يعرف إلا اللغة الهندية ، وأكد هو بدوره انه لا يتحدث غير الانجليزية .
تابع جدي قال إنهما جلسا ليرتشفا فنجانين من القهوة معاً، وطاب لهما اللقاء حيث شعرا بالمودة والانسجام لكن كيف لهما أن يتبادلا الحديث ، في هذا الموقف ؟ كيف للواحد منهما أن يحكي تاريخ وطنه أو أحلامه عند العودة إلى هذا الوطن ؟
جدي هذا الرجل المهاجر إلى البرازيل يحدثنا بأن المهندس الهندي بدأ يحكي عن الفقر والجوع في الهند أيام الاستعمار البريطاني ثم ثورتهم العظيمة ضد بريطانيا ، ونجاح سياسة غاندي في انتزاع الاستقلال والحرية للهند .
أما جدي فراح يلعن الساعة التي عرف فيها هذا الهندي ، قال إنه نزل عن كرسيه صارخاً ، ثم شخص ببصره نحو السماء وهو يقول لأي أرض أعود يا رب ؟ قال قرية ، قال مدينة ، ثم قال عاصمة ، ثم قال دولة و العلم يخفق عالياً في سمائها ، وحريته رسمت على ارض الهند.
وجدي يفهم حركاته وهو يسهب في الحديث عن بلاده كأنه يولد من جديد ، ثم انتبه لوجود جدي وسأله من أي البلاد أنت ؟ قال جدي : أنا من فلسطين ، عاصمتها القدس الشريف ، قريتي عزون عتمه . فاقترب الهندي وحضنه وقال ملعون من احتل وطنك . ذلك اليهودي ليس له وطن ولا ضمير .

هذا الحديث رويته لحبيبتي ذات صباح . كانت المرة الأولى في يوم دافئ ، أرى إشراقة الشمس منذ بداية النهار، والأزهار ندية رشيقة ، والنسمات الخفيفة تداعب الوجنتين وتزيدهما نداوة وحسناً .

أمسكت يد حبيبتي فنامت بين أصابعي كعصفور يرقد في عشه ، وتجولت معها في شارع ساكن لا تسمع إلا حفيف الأشجار ورقصة الزهور البكر التي تسبق مواسمها . كنا نتجاذب الحديث عن الشعر.

سألتها : هل تتذوقين شعري .
ابتسمت و قالت : ما تكتبه هو منتهى اعجابي ، إن قررت فعدل بلا قانون ، وإن تجاوزت تتوقف لتصلح الخطأ . وان عزمت يشتد العزم فيك فتندفع كالسهم نحو الرقي والسعادة . ما أرق شعرك يخرج منساباً محلقاً في عنان السماء هي تفهم الشعر الذي اكتبه لها دوماً ، وبدأت افهم أن هذه المتّيمة لا تحتاج غير حبيبها .

ليست هي كل العالم الشعري الذي أخوض فيه ، لكنها قريبة مني من خلال قصائدها الرائعة التي تنطق بها حركاتها البديعة ، ومداعبتها الملهمة لأنها تعشقني بكل أحاسيسها ومشاعرها النقية الصادقة . كنت أهوى الشعر منذ الصغر ، لأن الحب تعبير عظيم عما يدور في خلد الإنسان من أحاسيس وانفعالات ، وتوقد الشوق الذي هو النار المقدسة والعسل المر الذي يلهم الشعراء الذين يتعلقون بالأميرات .
ذات ليلة أطل البدر مكتملاً وغمرنا بنوره الساحر وكسا التلال حلة رائقة بيضاء .قالت لي يجب أن نعود إلى البيت ، كيف لي أن ارفض طلبها وقد أشاعت في نفسي ذلك الإحساس العظيم بالفرح والزهو ، وأنا أرصع الزمن بالحكايات مع أجمل النساء ، وها هي تعود كالفراشة وهي تعبر الشارع الذي كنا نسلكه قلت لها : الليل في أوله ، تسمرت خطواتها ولم تنبس بحرف ونظرت إلى وجهي في سكون الليل وقالت : الوقت . لاشك أن الوقت قد سلبنا ، وبدا وجهها خمرياً تحت تقلب أشعة البدر كأنه وجه طفلة نائمة .

وجدت الفرصة سانحة لأضم يدها ، بحق كانت تحتاج إلى الدفء . وضممتها إلى صدري وضغطت عليها لأمنحها الدفء ملتصقاً بها وآملاً أن تظل حتى مطلع الفجر . لكنها عقدت العزم على الذهاب ، كانت عجولة قلقة من موقف الجدة وتقريعها عند العودة المتأخرة إلى البيت ، وهي بحاجة للراحة ، والاستيقاظ مبكراً في صباح اليوم التالي ، كان لا بد أن افهم ذلك . وطافت بمخيلتي الأيام التي أمضيتها معها بين سنابل القمح في قريتنا في موسم الربيع الزاحف نحو الصيف ، كانت أعيننا تومض بشيء ما ، ربما هو كلام أو سلام أو وعد قادم ثم ابتعاد يحول دون اللقاء ، ثم اجتماع في مكان آخر نقضيه في الحديث عن العشق والغرام . وها هي الآن لا تبارح صدري فماذا يمكن أن أقول لأميرة أصبحت روحي معلقة برضاها ؟ قدمت لها وعداً بأنني سأكتب لها ديوانا من الشعر وأهديه لها ، تطلعاتنا كثيرة وأحلامنا وآمالنا أكثر وأكثر ، ويجب أن نحقق قد ما نستطيع من أجل الفوز بالرضا و السعادة . ما قلته عن ديوان الشعر أذهلها ، اخترت للديوان اسماً هو (همسات من وحي القلم ) يتحدث عن حبنا الملتهب وعشقنا المتوهج الذي لا يتوقف أواره ولا تهد أناره . وأمواج العواطف الجياشة ونسائم الحب والحرية على أديم الوطن ، وقلت لها إن هذا المشروع لم ينضج بعد .

بدا لي أنها استمتعت وتاهت بما قلت ، وقد بدأتُ حقاً اعملُ بجهد لإصدار باقات العواطف هذه أقدمها يانعة لأميرتي وحبي الذي تخلد في قلبي .
سألتها جدتي ذات يوم : لماذا تعشقينه ؟ ردت قائلة هو من اختاره قلبي وهو زوجي ، أحبه كما هو وأتمنى من الله أن يبقيه لي ولا يسلبه القدر مني ، وأموت معه تحت سقف واحد . وهبته أغلى ما في قلبي من حب ، وأحمل له جنيناً بين أحشائي . رحت في غيبوبة النشوة بهذا القلب الذهبي الذي يكن لي كل هذا الحب والتفاني وتساءلت : هل ثمة فتا’ يمكن أن تغرم بحبيبها إلى هذا الحد ؟

وكل من عرفنا طرح على نفسه السؤال ذاته .
أنا شيء قليل في دنيا قريتي عزون عتمه ، وليس هذا وقت الحديث عني . إنه وقتها وحديثها تلك اللؤلؤة الجميلة الغالية الطيبة الهادئة .منحتني قلبها دون تردد ، وجعلتني أميراً وفارساً لأحلامها، قررنا أن نحتفل قبل أن يحين موعد سفرها، فهو الوقت الذي استطيع فيه أن أراها وأنعم بقربها . كان مساء يوم من أيام الأسبوع لا اذكر ْ ، وكانت ترتدي فستاناً أخاذا ً تزينه وردة حمراء ، كأنها ملكة عصرها وبيدها علبة جميلة رشيقة ، وأنا لا احمل سوى ما يكفي من الهيام والهوى ، عانقتني دون حرج أو تردد ثم قالت لماذا لا تقبلني ؟
قلت لها:
لا ستطيع يا مولاتي ، أخاف أن نستغرق في الغرام لكني كنت أتمنى أن اقبلها من أعماق قلبي .
قالت: -
هيا اقترب قبلني كما تشاء ، لو حدث ما تقول فأنت الذي سيجمع أشلائي من هذا المكان . جلسنا معاً وقالت ماذا تريد أن تأخذ ؟ قلت لقد أعطيتني كل ما أحلم به ، لا أريد من هذه الدنيا سواك . ضحكت ولفت يدها حول عنقي ثم مدت يدها لتناولني العلبة الصغيرة ، سألتها :-
هل أفتحها الآن ؟
أجابت باسمة : نعم .
أجل يجب أن ترى ما بداخلها الآن ، أمسكتُ العلبة ورحتُ أفك رباطها الجميل ، ما الذي تحويه العلبة يا ترى ؟ وما الذي سيلهمها إليه ذوقها ورقتها، ارتاحت النفس لهذا الذوق الرفيع إنه قلم ثمين قالت : أرجو أن تمسك به لتوقع على يدي وتكتب لي شعراً كلما تراني .لم أجد ما أقوله وأصبحت تائهاً أمام عينيها الأخاذتين .
قالت الآن دور شعرك وشعورك .
أدركت إنها تريد أن أغازلها تحت ستار الليل ، كتبت على يديها احبك يا حبيبتي إلى الأبد ، اعلم أن قلبك عاشق وعينيك نور حياتي وأنا ولهان بك حتى الرمق الأخير ، وأنهيت كلماتي احبك جداً . ولم تفعل سوى الترحال بنجومها في وجهي وابتسامة السعادة تغمر ملامحها شعاعاً صافياً ثم عانقتني وقالت أُحبك .
وبعد هنيهة قالت استعد الآن للفراق بعد هذا الحب ، لدي رحلة لزيارة أهلي ، وستراني بعد إتمام هذه الزيارة ، غداً سوف أغادر ، وارتحلت فعلاً إلى بيت عائلتها التي تقطن في مدينة نابلس ، فقد غابت فترة طويلة ، كنت انتظرها وأنا أتعجل عودتها أريد أن أراها أمامي ، كنت مستلقاً على الفراش فإذا بالهاتف يرن ، رفعت السماعة فإذا بصوت حبيبتي يملأ الهاتف تحدثني بشوقها الرائع وتخبرني أنها ستعود من المدينة إلى القرية ، وهي بحاجة إلى أن تراني ، لقد حددنا موعد اللقاء، وهو المكان الذي يبعد أمتاراً قليلة عن البلدة ، مكانٌ رائع يحتوي على الخضراوات والفواكه بشتى أنواعها ، ويزدهر فيه حقل للورود .
هذا المكان هو ملك خاص لجدي ، كان يقضي معظم أيامه داخل هذا البستان ، وعند سفره تركه لجدتي لترعاه وتحافظ عليه . ولكن الجدة تقدمت في السن وأخذ المرض يشتد عليها فسلمته لأخي ليعتني به .
ذهبت إلى البستان وبدأت انتظر حبيبتي لتطل عليّ على إحدى التلال المجاورة وبعد الانتظار الطويل والقلق الحاد الذي أصابني كدت أن اترك المكان وأعود ، لكن عند تحركي رأيتها تتقدم فاطمأن بالي وشكرت ربي وحمدته ، اقتربت مني و أصبحتْ داخل البستان لا تبعد عني كثيراً ، راحت قدماها تخطوان خطوات سريعة وعندما حضنتها بين يدي قدمت لها وردة جميلة قطفتها من البستان ، اخترتها لتكون أجمل وردة في داخله وقلت لها :- حبيبتي مرحباً بك.
وجلسنا وبدأنا المداعبة تشبثت بيدها أكاد امتص من عروقها . هل سنلتئم كما كنا ؟ لم تجب ، نظرت إلى عيني ثم وقفت ورفعت رأسها وخطت بضع خطوات وقالت وأنت ما رأيك ؟
خفق قلبي رهبة لعدم توقع السؤال ، دهشت حقاً مما سمعت ، وأنا افقد صوابي عندما لا أجد المرأة التي اغرق في حبها حتى الغيبوبة . قلت لها : أنا متيم بك ، ابقِ معي دائماً ولا تغيبي عن عيوني ، أثق بإحساسي ومشاعري واعلم كم تعشقيني ، أخاف ذات يوم أن أفتح عيني ولا أجدك بقربي فيجن جنوني ويقتلني الفراق والعذاب .
ردت علي جادة ، أتراني هاربة منك ؟ قلت لا ، لكن لا تتلاعبي بالكلمات . فراقك ليس سهلاً على قلبي ، ويجب أن نضحي من أجل حبنا ونكون أقوياء في وجه العواصف ، ولا نسمح لأحد بالوقوف في طريقنا أو التدخل في شؤوننا.
وردت بالسؤال. من قال غير ذلك ، أنت فارس خرجت من عالم الغيب فسلبت مني حياتي وتفكيري وقلبي .لماذا ؟ ادع الله أن نبقى تحت جناح واحد ، ولا يستطيع احد أن يفرق بيننا .
لذت بالصمت ،أمام لهفتي عليها وانتظار عناقها بفارغ الصبر ، لنصبح روحاً واحدة وجسداً واحداً وكان ذلك مناي .

***

الفصل الثاني

( اللقاء الأول ..! )

أتذكر يوم لقائي الأول بها في الجامعة.كانت مجرد زميلة في الدراسة ، وكنا طالبين بلا تجارب ، أنا قادم من القرية ، وكل شيء فيها مقيد بعادات وتقاليد ، وهي تعيش في المدينة التي لا تسمح بالتمادي في العلاقات دون خطوبة أو ارتباط. خجولة في البداية قليل اختلاطها بالشباب ، و رغم جمال العيون التي تتفرس بهما كل ما يلفت نظرها كانت فرصة سانحة لأن تتلاقى الأحداق في شوق ، وأن تعبر أحلام الشباب وإماراته عن نفسها في فتره هي تألق لريعان الشباب وتدفقه ، وحدث أن التقينا في قاعة المحاضرات سوياً على مقعد واحد ولأول مره تتلامس أجسامنا ، وتتخاطب ألسنتنا ، ونتبادل الحديث ، قالت إنها راضية عن دراستها واختيارها لهذا الاختصاص ، وقلت إني كذلك واني أطمح لمتابعة دراستي للحصول على أعلى الشهادات . فإمكانيات والدي تسمح بذلك ، الأمر الذي أشاع الثقة والارتياح في حديثنا ، تشجعتُ أن أدعوها كل يوم للجلوس معاً، وزدت على ذلك بدعوة إلى الكافتيريا لمتابعة الحديث في شؤون المستقبل . أضاءت عيونها بالرضا ، وزاد التماس الكهربائي المنبعث من دفء جسدها وامتلائه ، ونحن نصغي لما تحاضر به الدكتورة بوجودنا لا بوعينا ، خرجنا مسرعين إلى الكافتيريا ، يدي تمسك بيدها وأحياناً صدرها يلاطف ذراعي وهي تسير طيعة إلى جانبي . كان أول ما أبحتُ لها به هو إعجابي الغامر منذ أبصر تهافي الجامعة التي التحقت بها منذ بضعة أشهر ، وانفرجت أساريرها بهذا الإعجاب . قلت لها إني أتبعها بنظراتي وأتأملها من حيث لا تدري . وقالت هي إنها راضية بهذا الشعور . ويفيض هذا الإعجاب عندما تجد نفسها وحدها أو عندما تجلس للدراسة في البيت ، وأضافت إنها هي التي رتبت هذا اللقاء في القاعة جنباً إلى جنب ، ولم يكن أحد منا يعلم أن رفيقه مشغول به إلى هذا الحد . وان هذا النبع الصافي ساكن في القلب جياش ينتظر التدفق إلى السطح .

كانت مفاجأة سارة ، صرت كتلة من إشراقة الفرح ، نشوة رحت أتمايل بها وأنا على الكرسي الذي يقرب أقدامنا ويجعلها تتلامس في رسائل تكتب رحلة الأيام المقبلة . فقلت لها إذن دعينا نحتفل ، ونخلد هذا الحب الذي خرج اليوم من أكمامه كالزهور في الربيع . دعينا نقدس هذه البراعم الملائكية بجلسة غداء في مكان خارج الجامعة ، مطعم يغمرنا برومانسية مثلما سنغمره بحبنا .

أنا اليوم إنسان آخر ، نفحة من أثير وأنت اليوم مخلوقة أخرى ، نسمه من عبير ، طائران من نور ، وروحان من نقاء وصفاء ونسيم ، وامتد اللقاء في المطعم ، تبادلنا حديثاً أطول وأعمق ، وأبعد في الخصوصية والصراحة ، وكان أول ما خطر ببالي في صباح اليوم التالي أن لا أقابلها إلا ومعي هدية تليق ، قلبان متعانقان صغيران تزرعهما في بستان صدرها وتأسرهما في سلسله من ذهب ، ثم توالت جلسات القاعة والكافتيريا والمنتزهات خارج حرم الجامعة .

كانت أوتار الموسيقى الهادئة تعزف بيننا، وكل منا يعبر عن رغباته وانفعالاته دون قيد أو حرج ، وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن ، أو كأننا من شعاع نجمة واحدة . كنت دوماً أكتب لها وأدون بين السطور ، لكي لا يقع ما أكتب بين أيدي الحاسدين . وكنا نغير المقعد ونفترق دون سابق إنذار لكي لا نشد انتباه الآخرين .

أحلامنا وردية ، وآمالنا عريضة ، نريد أن نحققها مهما كلف الأمر ، ونسعى دائماً إلى المثابرة ، وتحقيق ما نتمنى من اجل الوصول إلى أهدافنا التي تسعدنا وتسعد الآخرين ، كبرت فينا العواطف والأحاسيس ، وكثيراً ما كنت استغرق في أحلام اليقظة مع حبيبتي ، أحلم بها تداعبني وتقبلني وتدور حولي كالفراشة وفي قاعة المحاضرات كانت تطغى علينا العواطف فننسى أنفسنا إلى أن تقَّرعنا الدكتورة وتقول ، من أي دنيا أتيتم ؟ تحولون المحاضرة إلى جلسة حب وهيام . وكنا أحياناً أسرى مشاعرنا فلا نلقي بالاً للتعليقات التي تقال ، بل نبقى متلاصقين كأننا فلقتي تفاحة واحدة ، ونخرج من القاعة لنتمشى سوياً بين الأزهار في حدائق الجامعة و في المكان الذي يتجمع فيه العشاق من الطلبة أمثالنا .

كان الجو رائقاً رائعاً ، والنسمات الخفيفة تداعب الوجوه بحنان وتتلاعب في الشعر وفي الملابس حيث تشاء .فتتضوع معها أنفاس الورود والأزهار ، روائح عطرية ذكية تزيد المكان رومانسية وشاعرية وبهجة. تتساقط حبات المطر أحيانا ونحن نلهو في تلك الرياض المطلة على التلال والجبال والأودية ، فينبعث الدفء من أجسادنا ليمنحنا التواصل والتشبث باللحظات السعيدة .

كانت أجمل الساعات وأروع الأيام في بداية تعارفنا أنا وحبيبتي ، بينما عيون الدكتورة تلاحقنا في كل مكان نلوذ إليه ونحتمي به . وأتت إلينا ذات مرة مسرعة وعندما اقتربت قالت : ألا يكفيكم ما يقال على ألسنة زملائكم ، ألا تستحون من فعلتكم هذه ، لماذا تواصلون انعزالكم أمام المارة وأمام الطلبة ؟ هذا ليس من قيمنا وأخلاقنا، ابتعدوا عن بعضكم البعض ، إذا أردتم الجلوس فاذهبوا إلى مكان يوفر لكم الحرية ويستركم من المارة ومن المعلقين الذين يرشقونكم بألسنه حِدادْ.

تتساءل حبيبتي ماذا تريد منا؟ لا اعلم ماذا تريد ، دعيني أُحدثها قليلاً لعلها تدرك ماذا نحن ومن نحن . يا سيدتي نحن عصفوران في عش صغير ، نعشق بعضنا البعض ونخاف على بعضنا فلا نسمح لأي احد بالتدخل بيننا وليس ذلك من حق أحد أن يحول دون هذا العشق ، هذه المشاعر التي تنسجم معنا لا نستطيع أن نصفها للآخرين ، ولا نسمح لزملاء أو لمعلمين بالوقوف في وجه حبنا ، هذه حياتنا ونحن نعيش كما نشاء . أما من نحن فأقول لك نحن قصة هوى عصف بنا ، وأغرقنا في بحر ليس له قرار وتابعت في دخيلتي .في الحقيقة أنت لا تعرفين حكاية فتاتي ولا ادري كيف اختارها قلبي ، ليس في حياتي أجمل من هذه القصة ، أحببتها بصدق وإخلاص وكشفت لها عن مشاعري دون تردد أو خوف ، لقد سحرتني بنظراتها الرائعة ، وجعلتني أميراً على قلبها .

هل تعرفين أميرتي ؟
ردت بثقة عالية ، وقالت :
نعم إنها كباقي الطالبات .وغداً ستكبرون وتنمو عقولكم وتتبدل مشاعركم ومع ذلك يجب أن تتصرفوا باتزان وتعقل .
قلت لها : نحن نعيش ما نحن فيه الآن .

و بالله عليك أتساوين بينها وبين الأخريات ، لا هذه أجمل من كل الفتيات الأخريات ، نعم هي سلطانة قلبي وغايتي ومناي . ومضت الأستاذة ، كانت شبيهة بأمي في البيت ، بدأت أمي بالمناوشة ، وأصبح صوتها يعلو ، وتوترها يزيد ، لقد جن جنونها ، كم هي طيبة حنون ، إنها تحبني كثيراً لكنها صارت تقول عن حبيبتي جّنية !
وترد أمي وهي مبتسمة ، لقد سحرتك ، وأخذتك مني وأنت ما تزال طفلاً . لكن يا ولدي لم أرك سعيداً مثل هذا اليوم . لقد تغيرت يا ولدي ، لقد جعلت منك رجلاً راشداًً ، تحمل في داخلك الحنان والحب والإخلاص لمن تحب .
وأرجو أن تظل سعيداً . ذات مرة قالت وحبيبتي تزورنا في قريتي . هل استطيع أن اجلس معكم ؟

على الرحب يا أمي ، أطمع كثيراً في ذلك . وبدأت أمي تحدثنى عن حبها لأبي وكيف تزوجا : كنا كطفلين نجلس بهدوء وإصغاء ، ونستمع لأمي ونستمتع بحديثها ، وسرحنا في أحلامنا بعيداً عن المكان ، فإذا بصوت مدو ًّيهز المنطقة . كانت حبيبتي قد أصبحت خطيبتي اقترْنت بها في صيف السنة الأولى كان لابد أن أترجم أقوالي إلى أفعال ، وأعبر عن حبي لها وتفاني في سبيلها برباط مقدس إلى الأبد ، وأن اقنع أهلها والدكتورة والزملاء بأني جاد في ارتباطي بها، ولست عابثاً أو غير قادر على تحمل المسؤولية ، ولكن لم تسمح الأحداث التي تلت بأن نؤسس بيتاً مستقلاً ، فبقي الحال ما بين بيت أهلي وبيت أهلها .

***

الفصل الثالث


( المنعطف الخطير )

مهما بلغ نعيم الحب الذي كنت أتمرغ فيه مع فتاتي فالأحتلال بكل ثقله جاثم على أنفاسي ، لا يغيب عن دائرة همي وتفكيري لحظة واحدة ، إنه القهر والعذاب والمعاناة التي كانت تترصدنا وتتربص بنا، وتشل حركتنا في كل مسار . نحن الآن في مدينة نابلس ، العدو يقتحمها من كل الأبواب ، وانتفاضة جديدة بدأت تنفث حممها ، ولم نرتب نحن أوراقنا .

وفي لمح البصر كنا نلملم كتبنا ونترك مقاعد الدراسة ونبحث عن المركبات التي ستقلنا إلى قرانا وأماكن إقامتنا ، أما حبيبتي ، فقد آثرت البقاء مع أهلها في المدينة . كانت متقدة الحماس ، تريد أن تكون في المواجهات و ترفع الرايات والشعارات . ودعتها والانتفاضة تنفجر حرائق ودماراً وقتلاً وأنا ممزق القلب مشوش الفكر ، فقد أصبحت انتفاضة الأقصى حدثاً يومياً للدفاع عن طهارة الأماكن الإسلامية المقدسة ، و كان لذلك تداعيات أخرى داخل المدن والبلدات الفلسطينية ، فقد تم نشر الحواجز على المداخل وعلى المفاصل فتقطعت أوصال الوطن وتعذر الوصول إلى المدارس والجامعات ، وتعطلت حركة التنقل والتجارة وأصيبت الحياة بالشلل التام .

وراح الوضع يشتد حرجاً بينما شوق قاتل يجتاحني ، وقلق يبدد منامي أريد أن أرى حبيبتي وفتاة أحلامي بعد أن أصبح كل منا في ناحية ، في الوقت الذي يشتد فيه الوضع سوءاً وليس غير الهاتف الخلوي يجتاز كل الحواجز ويصل بالرسائل من وإلى حبيبتي التي لم نتوقف عن المشاركة في المواجهات ، والدفاع بكل إمكانياتها للبقاء على أرضها وبين أحبتها و أهلها وأبناء شعبها .وتكون صادقة مع نفسها . ذكرت لها قصة جدي الذي كان قد عاد من المهجر منذ وقت قصير ويتنقل من بلدته إلى مركز المحافظة ، وأثناء عودته كان يحمل خبزاً وليس حجراً ، فأقدمت مستوطنة ودهسته عمداً وهو الشيخ المسن ثم فرت هاربة ، فسقط جدي على الفور مضرجاً بدمه . مضى عام بعد عام وفتاتي ما تزال على ارض نابلس تشارك في فعاليات الانتفاضة بكل شجاعة وجرأه ، وقد اتصلت بها لأراها ، وحددت موعداً معها بعد أن داهمني الشوق الكبير وعجز قلمي عن التعبير عن هذا الوضع الذي لا يطاق ، واقع مرير وأيام دامية ليس فيها سوى القصف والقمع والقتل والتنكيل والاعتقال في بياض النهار وتحت جنح الظلام . تدثرت بمعطف دافئ واتخذت لنفسي مقعداً في المركبة المتجهة إلى مدينة نابلس لألتقي مع أعز الناس عندي وأعرف عن أسرار غيابها الطويل وهي التي لم تفارق مخيلتي لحظة واحدة عندما التقيت بها كنت افقد توازني فأمسكت بي وعانقتني وقالت : أذوب شوقاً إليك والى كلامك الرائع . لم تفارق مخيلتي لحظه واحدة . جلسنا وبدأت الحديث عن مجريات الأحداث في نابلس ، وهي المدينة العتيدة الكبرى والعمود الفقري للضفة الغربية ، ولم نشعر بمرور الوقت ونسينا أنفسنا وهي تطلعني على ما دونته من أعمال المجاهدين وبسالتهم ، وذكرى الشهداء الذين عاشت معهم وقابلتهم .

كانت تمسك كتفها اليمنى أحياناً وتشد على أسنانها ، الأمر الذي روعني وأثار قلقي . ما الأمر يا حبيبتي قالت : أصبت في المواجهات داخل البلدة القديمة اطقلوا رصاصاً. وقمنا بالرد عليه ، حيث خرج المجاهدون وبداؤا بإطلاق الرصاص من كل مكان ، قتل منهم ثلاثة جنود وجرح آخران عن طريق لغم زرع في الساحة .وقد وجدت نفسي قد أصبت في كتفي من الرصاص العشوائي . فنقلني المجاهدون إلى بيتي ونزع الطبيب الرصاصة من يدي ، لكن الألم ما زال يعاودني قلت لها أنا لا اعرف النوم ، وحياتي جحيم بدونك ، و أنت لا هم لك إلا المواجهات والشعارات ، لماذا لا تأتين معي إلى بيتي والى قريتي ؟ قالت : هنا بيتي وهنا موطني ، ولا أريد الخروج من هذا المكان ، واني أريد الحرية ، سألتها باستغراب ؛ وأنا ؟

قالت : أنت ما تزال في قلبي صورة جميلة معلقة على جدرانه ، وموجات رائعة في شرايينه ، لن أنزعك أبداً ، أنت بلا وطن لا تكون ، وأنا بلا وطن أصبح وهماً ، الوطن أولاً لنكون معاً بعد إرجاع حقنا المسلوب . تحدثنا من جديد كأنها أول مره تشتاق وأول مره تحب ، سرقنا الوقت وعند انتهاء لقائنا قررنا أن يبقى كل واحد في مكانه ، هي في المدينة ترفع الرايات وتشارك في المواجهات ، وأنا اكتب وأجمع الأخبار وأدونها فيما اكتبه إلى الناس والعالم ، ودعتها وعبرات انهمرت وسالت على وجنتيها وحتى عنقها قلت لها : سأعود لأجلك إن بقينا على قيد الحياة وان سمعت رحيلي فودعيني بالدعاء والسلام .
قالت :
ودعني كما أودعك أنا …فليكن الحبل بيننا ممتداً والوصال مستمراً …
تعلقت أصابعي بيدها وخطونا نحو البوابة التي تفصل كلاً منا وعدت من المدينة إلى قريتي آملاً من الله أن يحفظها من كل مكروه ، وان يشد أزرنا بالصبر فلم يتبق إلا القليل منه ، لقد تركتها خلفي وعيوني تتعلق بالمكان وترحل في بحر الهموم والآمال ، إلى أن يعود الأمان ، وترجع الطمأنينة والهناء للأطفال والأحبة .

عند وصولي إلى القرية ، فوجئت بآليات الاحتلال وجنوده يحاصرون المنطقة ، والجرافات الإسرائيلية تعمل أنيابها في الطرف الشمالي . والذي يشكل المدخل الرئيسي للقرية كما يوحدها مع قرية توأم لها بنفس الحجم والموقع . لقد بدأوا في إقامة الجدار العنصري العازل ليفصل القرية عن الضفة الغربية ، ويسجنها في معزل تحاصره المستوطنات من كل جانب ، كما تحاصره الأسلاك الشائكة بعد المستوطنات ، وزادوا الطين بلة وضع بوابة حديدية الكترونية ، بأبراج وجنود ،ولا سبيل أمام السكان إلا العبور من هذه البوابة عقب الفحص الالكتروني والتفتيش الأمني ، ويكون ذلك لأهل القرية ، وفي ساعات محددة ، مهما اقتضت الضرورة ، ومهما اشتدا الزحام ؛ ولا سبيل لعبور غيرهم ممن لا يحملون هوية القرية ، علماً بأن أراضيها ملك لثلاث قرى أو أكثر ، ثم وقعت الطامة الكبرى التي كشفت عن وجه إسرائيل الحقيقي باقامة بوابة أخرى على المنطقة الجنوبية من القرية لتفصلها عن أراضيها الجنوبية والغربية ، وتفصل الأهالي عن بعضهم كما لو كانت برلين الشمال وبرلين الجنوب إمعاناً في الاستبداد والاستخفاف بكل ما هو إنساني. جدار مادي من البعد، يفصلني عن حبيبتي ، مثلما هناك جدار من الحواجز و الخوف يحول دون وصولي بسهولة إليها .

***

الفصل الرابع

( من المنتزه إلى المعتقل )

لم تتوقف الانتفاضة بل ظلت مستعرة في الضفة والقطاع ، ولم يرقني أن أتابع من شاشات التلفاز ، أنا وفتاتي التي هي الآن زوجتي ، فقررت الخروج من شرنقة العزلة إلى صخب المدينة وفعالياتها ، وشددت الرحال إلى نابلس وأنا أقود سيارتي الخاصة . وعند حاجز بيت إيبا الذي قد أصبح بوابة المدينة الغربية ، أوقفني الجنود وطلبوا مني الهوية .دسست يدي في جيب معطفي ، وأخرجت الهوية والتصريح ، وقدمتهما لهم وبعد أن قلبوا كل شيء ، هويتي وملابسي و حقائبي و سيارتي أتاحوا لي العبو ر إلى قلب المدينة .

كانت الإطارات المحترقة تملأ الأفق دخاناً أسود سيء الرائحة بعد أن أشعلها الأطفال في وجه آليات العدو المتجولة ، وسرت نحو منزل أهل زوجتي .أوقفت سيارتي قريباً وعند وصولي كان المكان يعج بالناس . وقفت أمام الباب وقرعت الجرس فإذا بأم فتاتي هي التي تفتح الباب ، وقد فوجئتْ فراحت تقبلني وترحب . وكأن نجدة لتشد أزرها قد وصلت فشعرت بالأمان والفرحة ، والتصقت بجانب ابنتها تلف يدها حول عنقها وتتحسس شعرها وتربت على كتفها وتقول : كنا في أشد الشوق إليك يا ولدي وفي أحلك الساعات ننتظر حضورك .

في غرفة الضيافة كان يجلس عمى والد زوجتي و أولاده . سلمت عليهم جميعاً وجلست بعدها بجوار شقيقها عبد الكريم الصغير ، كان اللقاء حاراً فلشهور عده لم آت لزيارتهم أو لم تسنح لنا الظروف ليكون هذا اللقاء المؤثر .
قال الوالد : سمعنا عنك الكثير ، لكنه قليل في نظرنا لأننا نعيش أشد ساعات القلق والهواجس ، عرفنا أنك قادم إلينا فعشنا فرحة لا توصف ، وفي ظروف كهذه لا نصدق أنك بيننا ، قد ألتم شمل الأسرة كالأيام الخوالي و ما هي إلا دقائق حتى أطلت شقيقة زوجتي التي قالت لوالدها إن العشاء جاهزٌ فقد كان مشواري صعباً ووصولي متأخراً . جلست بجانب زوجتي إلى المائدة ، ورحنا نتناول الطعام والأب يسهب في الحديث عن الانتفاضة والشباب الأشداء الأقوياء . كان الجو حميماً ورائعاً يتسم بدفء الأسرة ونسمات ناعمة زادتها حلاوة فناجين القهوة التي هلت بعد أن انتهينا من الوليمة الحافلة ، وملحقاتها من الحلويات التي تفخر وتتميز بها مدينة نابلس . وقد سألني الوالد ماذا تنوي أن تعمل خلال هذه الانتفاضة أو ما بعدها ؟

قلت في استحياء : إني مدرس تاريخ وجغرافيا وتربية وطنية ، وكلها مواد تخدم الأرض والوطن والروح المعنوية لأبناء بلدي . ابتسم مجاملاً وعاد يسأل في اتجاه أخر . كيف حال زهرتي معك . قلت كما هو الحال منذ أيام الجامعة من مقعد واحد إلى روح واحدة إلى بيت واحد و مصير واحد ، ولا سبيل للقسمة بيننا .

قال هل تخاف عليها كما نحن نفعل ؟ قلت أكثر منكم بكثير ، فهي كل حياتي ولا معنى لوجودي بدونها . إنها الكيان والمعنى والقيمة في هذه الحياة . وفي هذه اللحظة دخلت فتاتي وجلست بقربي وتفرع الحديث حتى سرقنا من عمر الزمن رشفات جميلة هانئة هادئة ، وخطر لنا أن نخرج في نزهة قصيرة لنعيش أجواء المدينة ، ولنستعيد دقائق من تلك التي كنا نحياها عاشقين في الشوارع الحافلة ، لكن الزحام والسكينة وملامح الابتهاج كانت قد اختفت من هذه الشوارع ، كنا على وشك الوصول إلى منتزه البلدية حين تقدمت مركبة داهمتنا مسرعة ووقفت بالقرب منا، كانت المركبة سوداء بدون لوحة أو أرقام أو إمكانية للتعرف على احد بداخلها .
وفي الحال خرج ثلاثة أشخاص ، مجهولون يغطون رؤوسهم بأقنعة ويحملون أسلحتهم ، أحاطوا بنا وراحوا يفتشون ملابسنا بدقة بالغة ، كانت الانتفاضة حية متواصلة ، والمجاهدون يتصدون قدر استطاعتهم وبما يملكون من قدرات وإمكانيات داخل مدينة لم تشهد تاريخاً مثل هذا الصراع القائم والواقع على كاهل شعب أعزل ، وعلى مشهد عالم منافق عاجز .

إجتياحات مستمرة ، وأمن مفقود وأزمات اقتصادية متواصلة ، وأسعار عالية ، ووضع لا يطاق مع الحرمان من دخول المدينة أو الخروج منها أو التجول بحرية داخلها.كان الخروج من المدينة إلى القرى المجاورة تسلقاً للجبال الوعرة ، وأمتعه ثقيلة وإرهاقاً بدنياً مضنياً ، ومجازفة قد تكلف المسافر حياته أو المبيت في العراء أحياناً تجنباً لدورية أو حاجز أو كمين مدجج بالسلاح . وهم يسعدون باصطياد المتنقلين الراحلين من أجل الاستمتاع في التنكيل بالأبرياء ، ويجدونها فرصة للترويع والانتقام . وقد تعرف هؤلاء الأوغاد المتربصون على تلك المسالك التي لا بد أن يتخذها المواطنون العابرون إلى قراهم أو مدنهم ، فيقبعون في منعرجاتها و المواقع الخفية بها ، وينقضون بإطلاق الرصاص لإيقاف المشاة من الناس لتبدأ عملية الضرب والقهر والإهانات والاستفزاز والابتزاز ، مع ذلك لا يكف المواطنون عن التحرك وتكرار محاولات التنقل وارتياد مسالك أخرى من اجل قضاء حوائجهم . وإذا ما تيسرت أحوال تحركهم ونجوا من المصائد والفخاخ التي ينصبها العدو لينكل بهم ، فإنهم يصلون إلى مواقعهم خائري القوى وفي أوقات متأخرة من الليل .

وضع الأشخاص المقنعون غطاء أسود عصبوا به رأسي فلا استطيع رؤية احد ، وراحت فتاتي تصرخ عالياً ، أما أنا فقد زجوا بي وبكل عنف داخل المركبة السوداء ، وقد سمعت صوت ارتطام فتاتي التي تنادي باسمي على الأرض بينما أغلق احدهم باب المركبة بجلافه وقسوة في الوقت الذي ارتميت أنا على الحديد البارد لا اعرف إلى أين سوف تذهب بي نواياهم الخبيثة . ولا في أي طريق سنمضى . وداخل هذه المركبة راحوا يضربونني ضرباً مبرحاً بأقدامهم ، ثم سمعت شيئاً يبخونه باتجاه أنفي فغبت عن الوعي داخل المركبة وفي تقديري لذلك الزمن ما بين عملية الخطف والضرب داخل المركبة ، والغياب عن الوعي كانت ساعة من الزمن ، و قد تجاوزت الحادية عشرة مساءً وعندما أفقت في الصباح وجدت نفسي على مقعد بقدمين وبيدين مكبلتين وعيون معصبة لا استطيع التحرك إلى اليمين أو إلى اليسار ، والبرد الشديد يغرز مخالبه في أطرافي وأنا تائه في شريط من الخيال المضطرب يطرح أمامي صور الوطن الجريح والفتاة التي أعيش لها في هذه الدنيا ، وقد تعرضت لخشونة الضرب ومرارة الفقد والحرمان والفراق وأنا أسلب منها أمام عينيها .

***

صرخت من لسعة برد اجتاحت جسمي وأنا أتلقى صفعة من الماء البارد انسكب شلالاً من الجليد على جسدي ، ثم ضربة موجعة من الخلف تلقيتها على غير توقع تلاها رفع العصابة عن عيني لأجد نفسي أمام عتل عملاق ذي شفتين غليظتين ورأس يشبه سلة القمامة ، ويدين تشبهان مجرفة أو بلطة عريضة ، وقامة ممتدة . ثم شاهدت ضوءاً أبيض من فوق الطاولة التي يجلس إليها هذا الزنيم مع بضعة أوراق وأقلام وعيون ترمقني بغطرسة ووعيد .

هذه المعادلة إذن ، اعتقال من أجل التعذيب وتعذيب هو من تقاليد الاعتقال الإسرائيلي ، ثم تعذيب من أجل التحقيق ، بل وتحقيق آخر من أجل التعذيب . هذه الدائرة التي يمر بها المعتقل الفلسطيني في السجون الإسرائيلية . هي من أجل التعذيب والانتقام والتشفي وإثبات الوجود والسيطرة وإشباع السادية ، وكأن الثأر الإسرائيلي من ثلاثة الاف سنة هو من رقبة الفلسطينيين الضحايا في هذا العالم الغاشم ، وعليهم أن يدفعوا الثمن .
بادر المحقق بابتسامة صفراء ونطق صديده قائلاً : حينما عرفت أنك عندنا أتيت لأراك متعجلاً ، راودني شعور غريب حينما عرفت أنك هنا، سارعت لأتعرف على صورتك الحقيقية غير الزائفة التي تختفي وراءها .
أنت عدنان . أهلاً بك . كنا نراقبك طوال الوقت ، ونحن نعرف عنك الكثير ، وما هي نشاطاتك أنت ضيف عندنا لنسمع منك ولم أتفوه بكلمة .
قال : أنا محقق هنا وأريد أن أسمع منك .
قلت له : أنا لم أتخف يوماً وليس لي إلا وجه واحد لا أهرب منه . فماذا تريد مني ؟ ولماذا أتيتم بي إلى هنا ؟
قال : حسناً أنت ستبقى عندنا إلى أن تجيب كيف أصبحت منظماً و مقاتلاً وتدلنا على الأسلحة .
- لم أتسلح يوماً ولا اعرف عم تتكلم .
وإذا بصاعقة من الضرب تنهال على راسي من الخلف من جلاد يكمن ورائي ولا أعلم بوجوده
- قال المحقق ليس لك من مفر، ولا بد من أن تحدثنا عن نشاطاتك السرية .
ليس عندي إجابة ، فإذا به يشب عن كرسيه صارخاً : اعترف وإلا سترى الويل بحق .

فكرت في الأمر وحدثت نفسي أن خروجي من هنا لن يكون سهلاً ولا قريباً بينما راح هو يطرح الأسئلة دون إجابة .وأنا أتلقى الضربات على عنقي وكافة أجزاء جسدي إلى أن ألقى بي أرضاً وراح يدوس بحذائه على بطني ولم يصدر عني سوى الصراخ المرير حتى أعادني إلى المقعد تارة أخرى وعاد بالأسئلة ثانية وأنا لا أجد ما أقول حتى جن جنونه ، وانفجر صراخه وانهالت اللكمات ، والضربات عليّ بلا رحمة وأنا مقيد لا أملك مجرد تجنب الضربة أو امتصاص ألمها .

ثم عاد يذرع الغرفة التي لا تتسع لثلاثة أشخاص ، وفضل المراوغة بأن عمد إلى تقديم سيجارة اتبعها بفنجان قهوة ، وحل وثاق يدي وبدأ حديثاً ليناً باللغة العربية الفصحى :
قال : نحن تعلمنا لغتكم ليسهل الفهم والتعامل معكم ، وأنا أريد الإجابة على أسئلتي دون تملص أو إنكار ولنكن صديقين حميمين .
قلت : وكيف لي أن أعتبرك صديقاً .
قال : أنتم تحبون العلاقات الإنسانية والصداقات .
قلت : نعم نحب ذلك كثيرا ً لكن ليس معكم ، نحن الفلسطينيين نفتخر بهويتنا ، أما أنتم فإنكم تحتلون أرضنا وتسلبون حريتنا ، فإذا بضربة ثقيلة من يد سليطة تشوي عنقي وتظاهر بتعنيف من ضربني قائلاً : لا تضربه واخرج من هنا .
وعاد قائلاً : حدثني عن حياتك قليلاً ، أريد أن أسمع منك .
قلت له : ليس عندي شي أقوله لك لكنه قدم لي قلماً وبعض الأوراق التي كانت أمامه ، وقال وقع هنا .
قل إنك منظم في خلية إرهابية وانك كنت تحتض المطلوبين ، وتتدرب داخل بيتك أنت وجماعتك .
قلت له : لم أقل شيئاً من هذا فكيف لي أن أوقع ، وبعد جدال طويل صرخ بصوت عالٍ ، ونادى على حارس وطلب منه أن يعيدني إلى الزنزانة وأن يعاملوني بطريقة حسنة تليق بأمثالي ، وأن يتم إحضاري أمامه في صباح الغد مرة أخرى .

خرجت من غرفة التحقيق مقيد اليدين والقدمين أسير بحذر مع الحارس إلى الغرفة الأخرى ، وعند الوصول إلى الباب فتحه وزج بي داخلها ، وكانت هي الجحيم المملؤ بالشياطين المارقة ، كل يحمل كرباجاً في يده يلوح به حيث تم تعليقي على عمود حديدي وقدماي تتدليان ولا تصلان إلى الأرض ، وبعد وجبة من الضرب تركوني معلقاً كما أنا عليه وغادروا الغرفة ، كانت الدماء على كل الجدران ، كلها مطلية بسواد عفن كريه الرائحة . وعلمت أن كل المعتقلين ، مروا في هذا المكان ، ومنهم من كسر أحد أطرافه أو فقد عيناً أو خرج بعاهة مستديمة من شدة التعذيب ، لم استطع التفكير من شدة الألم وأنا معلق إمعاناً في زياده الألم ، أنا في أشد الحاجة إلى النوم والراحة . رحت أتفقد الغرفة بنظري ، ولم أر إلا كوة صغيرة ينفذ منها الضوء بينما يداي تنزفان من شد القيود التي تنهش منها لحماً ودماً كما لم أشعر بقدمي ولا بجسدي ، فقد بدا كل شي ثقيلاً وملتهباً .

وقبعت أعد الدقائق ليطلع النهار طالما إني عاجز حتى عن إدراك معنى النوم والراحة ، و عند الساعة الرابعة صباحاً تم حل وثاقي دون إنزالي على الأرض . كنت أبحث عن لحظة نوم تمنحني بعض الراحة والهروب من الجحيم ، لكن كلما كنت اقترب من لحظة الإغفاء تدلق المياه الباردة علي ، فأعود إلى نقطة القهر والتداعي والسقوط . وبعد وقت ليس بقصير دلف إلى الغرفة واحد منهم وقال : أنت تريد النوم . قلت له : هذا ما أريده ولا شي غيره .
قال : ما من سبيل إلى ذلك حتى تدلي لنا بجميع ما عندك ، وعاد يركلني بقدميه . ثم غادر متوعداً وفي الصباح فتحت الحجرة الثانية ، ودخل الحارس الذي تولى نقلي من غرفة التحقيق ، أنزلني على الأرض هذه المرة ، لكنه أحكم القيود في يدي إلى الخلف ، وفي قدمي وسار بي من غرفة التعذيب إلى المحقق للتعذيب النفسي والبدني ، كان المحقق يجلس مكانه ، ولم يتحرك ، ولم يرفع نظرة ولم يلتفت إلى أية جهة ، وظل يكتب وهو يضع نظاره على عينيه ، وبعد دقائق انتهى من الكتابة و رفع بصره عن الورق وصوب عيونه بمكر نحوي وهو يقول أنت هنا؟

لم الحظ وجودك ولم أشعر بك قط ، وأراد أن يستفزني بخبث وهو يقول : هل ارتحت في نومك ؟ وكأنه لا يدبر ولا يعرف كل ما أتلقاه من تنكيل في هذا السجن. سخرت وأنا أسمع عبارته لكني لم أتلفظ بحرف كمن يقول : إنني أعرف ألاعيبكم وأي وحشية تصدر عنكم .
وبادرني بالسؤال : هل تريد الحديث والاعتراف بكل شي أم ما زلت كما أنت على عنادك ؟
قلت له : ليس عندي ما أخفيه أو أتحدث به ولن انطق حرفاً ، إفعلْ ما تشاء ، وانصبت موجات اللطمات تنهال علي كالصفيح المسخن على نار متأججة .
وتتابعت الأسئلة من جانبه وزاد الصمت من جانبي وتدافعت الكلمات واللطمات حتى سقطت على الأرض وهو يزمجر كالكلب المسعور، سأجعلك توقع غصباً ورغماً عن أنفك، وتجمعت نقمتي الوحشية في نظرات عيوني التي تمتلئ بالاحتقار والتحدي ، وفي صمت أصبح مقاومة وعناداً لي وأنا مقيد مكسور الحيلة . كمن يقول له أنت تترجم جبنك إلى قيود وتعذيب لشخص لا حول له ولا قوة . تعذبه وهو مقيد وتعذبه وهو في سجن ، ولا تعطى من حريته إلا ما يطلق يديه أو أصابعه التي تتكالب الآن عليها لتجد الأصبع الذي ستضغط به لتكون البصمة المزورة هي الشاهد عليه .

وابتدأت معركة لشد الأصابع ، هو يشد بكل قوته ، وأنا أشد بمقاومتي وبقواي الخائرة من فرط ، ومع ذلك جاء من يعينه للامساك بيدي وفتحها ، وتلطيخها بالحبر لزرع بصمتي على الورق. التفت نحو الحارس بعد أن قام بانجاز المهمة التي لا يرتاح ضميره إلا لها، وهي الظلم وقتل النفس البشرية وذلك المبدأ الأول أو هو مفتاح الدخول في الصهيونية ومنذ تاريخ ممارستها ، فالكيان الصهيوني من ألفه إلى يائه اتخذ هذا المبدأ منهجاً قهرياً لأنه متأصل في نفسه لا فكاك منه .
قال المحقق للحارس : عليك بإرجاعه الآن إلى الزنزانة وفي الصباح يتم نقله إلى المحكمة فكل شي مثبت عليه رسمياً .تم نقلي إلى الزنزانة التي يقصر سقفها عن قامتي وليس لي إلا أن أجمع ساقي إلى فخذي وكلها إلى الجزء العلوي من جسدي لأصبح كرة لا يمكن لها أن تتحرك في هذا الوكر الذي ليس به سوى بطانية عفنة برائحة كريهة . لكن النوم كالوحش إلتهمني ، وجرني إلى الغياب عن الدنيا . في صباح اليوم التالي استيقظت على ركلات من قدم احد الحراس الذي جهزني وأخرجني من الغرفة ، ووقع على استلامي ونقلني إلى مركبة نقل السجناء التي ستقلني إلى المحكمة الصهيونية . هذا ما فهمته من الحارس . سارت بنا الحافلة مسافة طويلة وأنا لا أعرف من أين وإلى أين وما هي المحطة الأخيرة . كانت الساعة الثامنة والنصف عندما وصلنا ودخلت مع الحارس المرافق مقيداً ولم تفك أصفادي إلا داخل المحكمة ، عندها وقفت في قفص حديدي أمام أعضاء هيئة المحكمة وهم يجلسون على منصة عالية بينما المحقق في زاوية مقابلة .
نظر إلي القاضي وقال أنت عدنان ؟ لقد حكم عليك بالسجن عشر سنوات ، رفعت الجلسة .

كانت جلسة سريعة ومهزلة فاضحة وحكماً غاشماً دفعني لأن أصرخ وأشتم غير عابئ بما قد يحدث لي بعد ذلك ، حتى وأنا وحدي في هذا المكان الذي لم يكن فيه أحدٌ من أهلي ولم أر فيه فتاتي لتخفف مصابي.تم وضع الأصفاد في يدي وقدمي ونقلت إلى الحافلة محمولاًً إلى سجن لا أعلمه ولا اعلم أين هو ، فقد طال الطريق وامتدت المسافة ولا أعرف أي السجون سأزج فيه ، والحافلة تنهب الطريق وتسرع نحو مستقرها الذي لم تبلغه إلا بعد انقضاء وقت ثقيل ، وربما لم يكن لدي إحساس بالزمن فقد انهار معنى الزمن لدي لأن الحافلة تمضى بي إلى العدم . أول يوم أرى فيه السجون ، وعلى كل زاوية من هذا السجن قناص مدجج بالسلاح وشباك تغطى مساحات واسعة من الأراضي ، ومستقر تحت الأرض .

بعد تسليم كل ما أحمله في جيوبي نقلت إلى غرفة ، احمل بطانية و ارتدي ملابس السجناء ومعي بعض الأدوات الخفيفة من صابون ومعجون أسنان و طبق وملعقة. أدخلني الجندي الغرفة المخصصة وأوصد الباب الحديدي الثقيل وأنا ذاهل لا أجد ما أقول كما لم أفق من هول الصدمة التي تعقد لساني وتشل تفكيري منذ قرار المحكمة حتى الوصول إلى هذا السجن المجهول .

كان أمامي في الغرفة الكثير من الأسرى غير أن الذي انتشلني بجرعة حياة ، صورة أعرفها بدت أمامي فاستفاقت ذاكرتي على وجود صديقي نهاد بين هؤلاء الأسرى. عرفني قبل أن أعرفه ، وشب واقفاً يعانقني ويربت على ظهري ويشد أزري ويهون علي ، لكني تحت تأثير الصدمة أكاد اسمعه ولا أعي ما يقول حتى ارتميت على احد الأسرة المعلقة طبقات في هذه الغرفة ، ورحت استجمع ما تبعثر من قواي العقلية والحسية ، وشعرت أن من حولي أناساً جديرين أيضاً بالاهتمام والاحترام ، وما أنا إلا سائح بالنسبة لمعاناتهم وأحكامهم وتضحياتهم الخالدة .

هذا صديق الطفولة وأنا ألقاه أمامي وجهاً لوجه وتحت سقف واحد لغرفة واحدة ، جلب لي قدحاً من الشاي وبعض الطعام في الوقت الذي كانت نفسي تعاف كل شي ثم قال لي استرح قليلاً ، وباب الحديث سيكون مفتوحاً ، والوقت كما ترى سرمدي هنا وبدون حساب . ارتشفت القليل من الشاي وكسرة خبر وراحت خلايا جسمي تمتص رائحة السرير علّني اعثر على غفوة تغرقني في بحر نوم ليس له قرار ، إذْ لم يعد أمامي الآن غير أن أجمع البقايا من بقاياي وأرمم نفسي وجسدي وأحافظ على روحي وقواي كي لا تنهار وانتهى معاقاً أو ذاهب العقل والرشد . وعندها لن أكون على قدر المسؤولية الملقاة علي تجاه طفل جنين وزوجه محطمة وأم وأب يعيشان كارثة سجني ، وكلهم يعيشون معي مرارة القهر والحرمان وحسرة الموت البطيء خلف القضبان .

في أول غاشية من النوم ، طافت بأحلامي صور حبيبتي وأهلي ، فلم أستغرق كثيراً في النوم وقد اقتحمت أوجاعهم مخيلتي وصحوي ، وأنا أتألم من أجلهم ولا أعلم عنهم شيئاً الآن مثلما هم يتألمون من أجلي ولا استطيع أن أسكن جراحهم بأية معلومة أو اتصال.في تلك اللحظات كان صديقي نهاد يجلس بجانبي ويحثني على النهوض لمشاهدة التلفاز ليخفف من أرزاء الويل الذي أنوء تحت كاهله .

تحدثنا طويلاً ، وأمضينا وقتاً هادئاً قبل الخروج لمشاهدة أول البرامج في تلفاز السجن ، وكان لسخرية القدر حلقة عن التعذيب على أيدي الصهاينة . لم يكن موضوعاً مسلياً وإن يكن مجاملاً فهو ينقلنا من غياهب السجن إلى متاهات الزنازين ، ومن متاهات الزنازين إلى غرفة التحقيق ووحشية التعذيب ، فكأنه يبعث ذكريات الألم وارتعاش الخوف من توقع البلاء الذي لا يطيقه حتى المردة من الأسرى في اللحظات المجهولة الحالكة .
فبرنامج الفضائية هذا ينقلنا من سجن إلى ما هو أشد منه ، ومن ساعة النسيان إلى تنبيه الألم والرعب والعدوان الفتاك . وما نسمعه الآن ، ليس بجديد فقد عايشناه نحن الأسرى جميعاً ، والمعايشة أشد وقعاً من حاسة السمع أو البصر .

***

الفصل الخامس

( أول زيارة )

يتميز الإنسان بالقدرة على التأقلم ولولا ذلك لم استطاع سجين أسير أن يبقى حياً بعد سنتين أو ثلاثاً فما بالك بمن يقضون حكماً بخمسة مؤبدات أو عشرة ليس عجيباً من قبل هؤلاء المحتلين فأحكامهم مثل ضمائرهم مثل أساطيرهم مثل قيام دولتهم ، على الإجحاف والتزوير والتدليس . خلو من الإنسانية والمصداقية والمنطق . لكننا تلاءمنا مع ظلام السجون وحنظلها وبدأنا نمارس حياتنا العادية دون أن نسمح لأنفسنا بالشطط في احتضان الهموم والسهر مع الأرق وحمى التفكير ، وأصبح كل يحاول الحفاظ على نفسه ليخرج حياً ، لم تتغير الأحوال كثيراً في الجانب العاطفي فمازلت احتاج إلى فتاتي وأبحث عنها . اذكرها ودائماً هي ظبية أحلامي وراعية أيامي ، وبريق أملي الذي يمدني بالعزم والوعي لأخرج إليها سليماً معافى . ولأجل ذلك انصرفت إلى مزاولة أشغال السجن وفنونه .

وها قد مضت أشهر وراء أشهر وقارب وجودي داخل السجن على السنتين ، وأكاد أنسى اسمي لأنه لم تعد له حاجة . وعندما سمعت موظف السجن ينادي به اليوم لم أُصدق نفسي ، كذّبت أُذني ، ربما هو خطأ من العاملين في الزيارات ، أو ربما تشابه أسماء ، وظل المنادي يصرخ باسمي وتجمع رفاق السجن من حولي يقولون : مبروك زيارة ، إذن صدقت الرؤية واستطاع الأحبة أن يصلوا إلي بعد هذه المدة الطويلة ، ترى من الزائر ؟ خرجت مسرعاً وخلف شباك غرفة الزيارة ، كان هناك أبي وأمي وبقدر ما بداخلي من مخزون الحب والشوق واللهفة اندفعت دون وعي دافق الدموع ، غير أنها لم تكن بقدر دموع أمي التي كادت تطلق نحيباً متواصلاً فقلت لها : هوني عليك الحمد لله بعد كل هذا المشوار الشاق العسير ما زلنا أحياء نلتقي . إن الله رفيق بعباده .
سألت أمي عن زوجتي فقالت لم يسمحوا لها بالمجيء ، ستأتي عما قريب . قلت لها السلام أمانه. انقلي سلامي وحبي لها قولي لها إنني في أحسن حال
سألت أبي ما هي أخباركم قال الحمد الله ، وبدأت ابتسامه نادرة تنبت على شفاهنا بعد أن جلسوا معي قليلاً ، ونسينا قسوة السجن بالحديث إلى أن ذكرنا السجان بالمكان وهو يصيح : انتهت الزيارة ، عدت إلى غرفة السجن وأنا مبعثر إلى شظايا من هذا الطوفان العاطفي الذي اجتاحني اليوم .
وأخيرا بدأت أعود إلى أجواء غرفة السجن حيث الرفاق وقراءة القرآن ، ومطالعة الكتب ، وحتى لعب الورق . وهكذا بدأت تتضح لحياتي معالم جديدة عقب هذه الزيارة .

***

الفصل السادس

( الهروب الصغير )

كل أسير يعشق الحرية ويحلم بها .
وكل سجين يعد الأيام التي سيخرج بعدها ، ولكن في نظر عدونا فإن الحلم محظور والعشق ممنوع . محرم علينا أن نذوق طعم الحرية خارج السجن ، أو داخله . نحن في نظرهم سجناء أمنيون أولاً ، وفلسطينيون ثانياً ، واللص يخشى مواجهة الضحية . سرقوا الوطن ولا سبيل أمام ضمائرهم إلا إلغاء الآخر وإنكار وجوده . كانت في الغرفة التي تجمعنا حركة غير عادية ، وعيون صديقي نهاد تتبادل معي حديثاً مكتوماً . لا بد أن نبذل ونجازف من أجل حريتنا ، فالحرية تنتزع ولا تُعطى ، وحرية الأسير هي أن يكسر قيوده ويخرج ، ومن فوق الأرض أو من تحت الأرض . هروب الأسرى دائماً من تحت الأرض . وقلما يخرجون من الأبواب والنوافذ . شاهدنا أفلام الهروب من السجون ، وأغلبها بالحفر تحت الأرض ، حتى يتم الوصول إلى الخلاء أو إلى الماء الذي يكون عبارة عن قنوات أو مياه تصريف أو ضفاف انهار أو بحار فيسبحون إلى مواقع أخرى . وهذا ما بدأنا نفكر فيه أنا وصديقي نهاد . الاعتقالات شاملة ، والأعداد بلا حساب ، والأحكام جائرة ، وأماكن الاحتجاز ممتدة وواسعة . ماذا لو جربنا أرضية الحمام المجهز على عجل . أرضية هذا الحمام الذي نأخذ فيه دشاتنا صباحاً أو مساءً ؟ أرضيات رخوة وليست صلبة ثابتة وتؤدي إلى نفق واسع وممتد ، يصرف مياه المغاسل والحمامات كلها ، وهذا بدوره يودي إلى خط من الأنابيب الضخمة التي تصب في مسيل ماء شتوي .

سنسلك هذا السبيل فلنجرب ولن نخسر شيئاً ، بقليل من الجهد والمجازفة سنكون في قلب الغابة القريبة من السجن ، ومياه السيل سوف تطهر أجسامنا والشمس سوف تجفف ملابسنا بسرعة فعلينا أن نجد مساراً خفياً آمنا . فما هي إلا دقائق حتى يكتشف اختفاؤنا ، وعند أول عملية عد داخل السجن بكون في عداد الهاربين . والعد لا يكون إلا في نهاية المساء أو في بداية الصباح ، ونحن في أول الصباح ليس أمامنا إلا بيوت قرية معلقة على تلال مطلة، عندما زحفنا نحوها وقعت عيوننا على راع للأغنام .قطيعهُ كبيرٌ جداً . فاستغثنا به عله يقدم لنا العون .

قال هذا البدوي : سمعت قصة فراركم في المذياع . ليس أمامكم الآن إلا أن تتخفوا بين أعداد هذا القطيع ، وتتحركوا معه كي أوصلكم إلى كهف يؤويكم . وصلنا إلى الكهف ونحن نتنقل بين الأغنام في حركة بطيئة وكأننا ضمن هذا القطيع . ثم ولجنا داخل هذا الكهف الذي يُغطى بابه عشب وشجيرات كثيفة وله فتحه ضيقه ونفق طويل ممتد وقال لنا الراعي . أنتم وحظكم ربما تكتب لكم النجاة ، وتصلون إلى دياركم وأهاليكم .سوف اختفي عنكم وأعود إليكم في اقرب فرصه سانحة ، بقليل من الطعام والشراب . غاب ساعتين وعاد إلينا بقطيعه ، وبما يحمله من مدد ، وكنا خائري القوى من الجوع والتعب وشده القلق بعد هذه المجازفة المجهولة المصير . قال لنا إن البحث جارٍ ، والسؤال يوجه لكل من في القرية ، لكن باب الكهف مغلق ونلوذ داخل النفق الممتد به عند صدور أية حركة .

بقينا داخل هذا الكهف أسبوعاً فلا حاجه للفت الأنظار ، قال صديقي أخيراً ربما انتهت الرقابة والبحث في هذا المكان سواء بالمشاة أو العيون أو الطيران أو الكلاب لكنها مكثفة الآن على أهالينا . ما رأيك في البقاء أسبوعاً ً آخر ؟ كان هذا اقتراح صديقي نهاد فقلت له . سأغادر مهما كلف الأمر ، فنحن شبه أموات وأنا في شوق مبرح إلى فتاتي ، وكل ما أقدمت عليه هو من أجلها . قال نهاد : أصبر قليلاً حتى يهدأ البحث عنا ، ومن ثم نرحل في ظروف أكثر أمانا. قلت له خير لنا أن نموت في العراء بدل الموت اختناقاً هنا.

وكنت عنيداً في التشبث بالمغادرة ، فخرجنا ومعنا الراعي الذي ساقنا إلى بيت مزارع كبير يعمل في الزراعة والتجارة معاً . وكثيراً ما ينقل شاحنات من الأغنام للضفة الغربية . استضافنا الرجل في بيته حتى موعد تصديره لشحنة من الأغنام . وقال إنه سيهربنا بين الأغنام ، ويتخلى عنا في أقرب نقطة بالضفة الغربية . عند وصولنا إلى الحاجز ، نظر الجنود في الشاحنة فلم يشاهدوا إلا أغناماً وسمحوا له بالعبور نظراً لهويته ولوحة سيارته الصفراء .

كانت حركتنا في حالة جمود وتفكيرنا في وضع شلل وضياع فلا تسمع لقلوبنا وجيباً ولا ندري حتى من نحن وإلى أين سوف ننتهي ، وليس لنا غير أن نلهج بالدعاء أن يكتب الله لنا السلامة في هذه الدقائق العصيبة . وتحقق حلمنا ، واتخذنا أول سيارة أجرة إلى نابلس ، ولكن تنكرنا في زي نسائي كان من ضمن خطة صاحب الشاحنة ، الذي زودنا حتى بقليل من الطعام والمال (فالخير في وفي أمتي إلى يوم الدين ) كما يروي الحديث الشريف .

لم أرَ فتاتي منذ سنتين ، وأنا وعلى أحر من الجمر شوقاً ً لألمحها . ما زال الزي النسائي هو وسيلة تحركنا في مدينة نابلس ، لا بد من المرور على بيت صديقي تيسير أولاً ، وهو يقطن المدينة .

قرعت جرس بابه وانتظرت قلقاً فقد يخرج إليّ شخص لا اعرفه . لم يفتح أحد فكررت محاولة الضغط وأخيراً : من أنتما؟ دفعته داخل البيت بسرعة وأنا أضع يدي على فمه . وقمنا بنزع الملابس النسائية عنده . قلت له لا تندهش ولا ينعقد لسانك ، ليس لي من أحد أعرفه غيرك .

عاد إلى الباب فأوصده بالمفتاح ، ثم أجلسنا في غرفة المضافة ، وبدأ يقدم لنا الطعام والشراب المتوفرين لديه . وهو يخفي قلقه وارتعاتهُ من هذه الورطة . قصصنا عليه حكاية مغامرتنا التي ساقتنا إليه . طلب منا أن نرتاح قليلاً ، ومن ثم نتابع حديثنا غير أنا ذهبنا في نوم عميق على مقاعدنا ، وعندما استيقظت ، هتفت بأعلى صوتي ، أين أنت يا تيسير ؟ أتى صديقي مسرعاً ، وقال ما الأمر ؟

قلت له الآن أريد زوجتي وولدي هل بإمكانك أن تحضرهما هنا بعد أن تخبرها بحقيقة الأمر ؟ ودون أن يشعر بك أحد على الإطلاق ؟ قال سأبذل جهدي . سأترككم لتتابعوا نومكم وانصرف لانجاز هذه المهمة أما نهاد فقال : آن الأوان لكي أنصرف وغاب تيسير ساعات طويلة ، ثم عاد فإذا بفتاتي تصطحبه وعندما وقع بصرها علي كاد يغمى عليها ، ثم ارتمت بين ذراعي لا ترى وجهي من فرط تأثرها وانفعالها ، راحت تتحسس سحنتي وكتفي وصدري . هل حقيقة أن الذي بين يديها لحم ودم ، وهل هو الإنسان الذي يشغل بالها ويملأ حياتها ، وينام بين ضلوعها؟ أصبحنا شلا لاً من العواطف والانفعالات والدموع ، وأنا لا أدري أهو حلم ، أم حقيقة ملموسة ، حيث راحت تمسح بأصابعها التي طبعت الكثير من القصص والحكايات على وجهي وصدري وكتفي ، وكانت فيما مضى دموع الفرح التي بخل بها القدر فتره طويلة . تركنا صديقي تيسير . وقال خذوا راحتكم ، ولكن احذروا فالوقت حرج وضيق . سأتجول حولكم لأراقب المكان ، ثم أغلق الباب بعناية وخرج . . وتركنا لنبث لواعجنا ونتبادل أحزاننا وأشجاننا ونعود إلى البسمة والأمل ، ونستعيد دلال العيون وحمره الوجنتين ولا مفر من ذلك بين زوجين التقيا بعد فراق يائس وأصبح يوحدهما طفل عمره ما يزيد على العام ، لكن لم تحضره معها من أجل سرعة الحركة .

كان لا يمكن الاستمرار في البقاء في منزل صديقي تيسير ، كما لا يمكن الذهاب إلى بيت زوجتي وأهلها . ومن الخطر العودة إلى استعمال المحمول والأرقام السابقة فجلبت لي زوجتي محمولاً جديداً على أن استعمله باسم جديد ، ولا أتصل به مع أحد آخر ، فقد عقدت العزم على أن أعود إلى الجبال ، حتى يتم إجراء ترتيب آخر ، ينقذنا من هذه الدوامة التي التفت حولنا .

***

الفصل السابع


(رحلة جبلية)

جمعنا القليل من الطعام والشراب للمضي في رحلة اختباء ليلة جبلية بعيداً عن المدينة ، لعل الأرض بجبالها وترابها وتعلقها بأبنائها تكون رؤوفة بنا رؤوماً بجراحنا وعذاباتنا أكثر من البشر . وعندما أرخى الليل سدوله اخترنا السير باتجاه الشرق في الأرض الخلاء ، حيث لا سؤال ولا رقابة ، ولا فضول ولا تطفل يعيق حركتنا ، أو يفشي سرنا . وإنَّ تسلل اثنين على مهل وبكل حذر ليس بالأمر المستحيل تحت جنح الظلام ، فليس من المعقول أن يكون للعدو جندي كامن تحت كل صخره في الجبال . وبكل أناة بدأنا نخرج من الأماكن المأهولة إلى التلال المحيطة والأراضي المعزولة ، في زمن قل فيه التنقل والتجوال بالليل . دافعُ الحياة وحب البقاء والنجاة من البطش والسجن يبطئ حركتنا ويطيل استراحاتنا ويجبرنا على توظيف كل الحواس لرصد التحركات من حولنا .

والتقاط الأصوات ، والتدقيق في الأشباح المتمايلة حتى لو كانت أغصان الشجر . وعلى قمة الجبل الذي ارتمينا فوقه لاحت ومضات الأضواء بعيدة خافتة ، كانت تطل كعيون الجنادب من سفوح الضفة الشرقية لنهر الأردن . الأمر الذي بعث في مخيلتي فكرة جنونية حمقاء ، وربما تكون هي عين الحكمة والجرأة والصواب .

إذا كان الأمر يقتضي أن نغيب عن الناس والأحبة أياماً وأسابيع تحت الصخور وداخل الأوكار ، وبين الأشجار الكثيفة فإلى متى سوف نستطيع أن نفعل ذلك أو نتحمل على الجوع والعطش والقلق ، ومغالبه الهواجس ؟ ماذا لو اختزلنا كل هذا الجحيم المطبق واخترنا عبور النفق بدل الموت على بابه خشية ظلامه ومجاهيله؟
ماذا لو واصلنا السير نحو بريق الأمل الذي يلوح من تلت التلال البعيدة في الضفة الشرقية ؟ فكرة حالكة الخوف مليئة بالمجازفات والمفاجآت والمخاطر والغموض ، لكنها سوف تنجلي خلال ليلتين أو ثلاث ليلٍ من متابعة السير على مسامير الخوف وسكاكين الحذر وتشنج الحواس .

قلت لصاحبي نهاد ، لا سبيل إلى الرجوع بل هو المضي إلى الأمام ، إن يومين من التعب والإعياء واصطحاب الموت ، خير ألف مره من موت متواصل في ظل رجوع مهدد بالقتل في كل لحظة وبلا انقطاع حتى الطامة الكبرى .
تلك هي الأنوار التي سنسعى إليها كالأفاعي تحت جنح الظلام ، نلتصق بالتراب ونختبئ في جحوره . علينا أن نسكن في النهار تحت الصخور في هذا الجبل وعندما يجن غروب الليلة القادمة نتقدم إلى أسفل هذا الجبل صوب تلك الأضواء التي لاح بها الأمل أمامنا ، طرق معبدة وأراض ممتدة ومياه جارية وأسلاك شائكة لكننا نتحدث عن ساعات سوف تنقضي وليس عن اختباء لا فكاك منه . ولم يجد صاحبي نهاد بديلاً عن ذلك فقد دخلنا في مسار اللاعودة ، ولا مفر من الزحف نحو موت قصير عاجل ، يكون أفضل من موت بعيد محتوم . فأنت تذبح فيه مائه مرة قبل أن يداهمك دفعة واحدة .

أمضينا نهارنا نائمين كالثعالب نرقب بعين ساهرة وأخرى نائمة وكُلّ صغيرة وكبيرة أسفل الجبل ، ورسمنا خط سيرنا نحو الشرق ، وبدأنا نتدحرج لنصل إلى وادٍ يؤدي لصعود جبل آخر أو تلة بينهما حتى انتهينا في ليلتنا إلى الكمون عند بداية التلال التي تقود إلى مجرى النهر . أقدامنا مجرحة ، وجروحنا مقرحة وأجسامنا دامية من مداهمة الصخور والوقوع في المنحدرات والحفر ، والسير على الأشواك ، لكنه دافع النجاة الذي يسوقنا إلى السير على القتاد ، أو يدفعنا إلى النهاية التي لا مفر منها ، وهو الموت لكن برصاصة عاجلة ، وليس بانتظار احتضار بطيء مروع .

في الليلة الثالثة وعلى أطراف غور الأردن من جهة الغرب علينا أن نزحف كالجرذان نحو الشرق غير عابئين بما قد يفاجئنا من أسلاك أو أعماق ، وكل ما نحفظه من هذه المتاهات مسار ضبابي سرابي قد ينتهي عند نهر أو ينتهي عند حتفنا ، وهي سباحة برية ومائية لا ندري عمق المخاطر فيها . وقد غاصت أقدامنا في تراب غور الأردن الرخو الذي يبتلع السيقان بدل أن يحررها لتمضي في حال سبيلها ، وفي ليلة بطيئة انقضت فيها أفظع الساعات مشقة ووجلاً ، وانتباهاً اقترب خرير تيار الماء الجاري في نهر الأردن كان ذلك في أواخر أكتوبر الذي تشح فيه المياه ويتدنى فيه اندفاع التيار . وبدأت شجيرات الضفاف تلوح أمام عيوننا حتى التهمت أشباحنا الذائبة بين منعرجاتها التي توقفت عند حافة الماء ، هناك جلسنا نلتقط أنفاسنا التي عادت تنتظم من جديد ، فقد لامست أهداب النجاة التي نحلم بها وإن كانت حتى هذه اللحظة مجرد وهم فعلى الضفة الأخرى شراك وشباك من الرقابة والمحاسبة والتحقيق لو كشف أمرنا . لكن لا بد لفرخ العصفور أن يقذف بنفسه في الهواء قبل أن يجرب حظه من الطيران ، ونحن لا بد أن نقذف بأنفسنا في أحضان ثعبان الماء الجاري كي نجرب حظنا في النجاة من الموت الذي نفر منه ، وما ندري إن كان الموت ملاقينا في مغامرتنا الحمقاء تحت الماء أم أننا سنخرج أحياء ، وحتى بعد إفلاتنا من سلاسل النهر الملتفة من حولنا والمصممة على جرفنا ، وحتى بعد امتلاكنا لليابسة الجافة شرق النهر فإن هيئاتنا وحشية وأشكالنا مبعثرة ، وأجسادنا منهارة متداعية وعلينا أن نتخلص من هذا الوضع المريب الذي يشكل دعوى مفتوحة للقبض علينا في كل آن . وحتى من قبل أحد الرعاة الذي لا يقبل أن تكون هيئة كحالتنا المزرية . ومع ذلك كل ما كنا بحاجة إلية ستبدال ملابسنا بأخرى أكثر قبولاً وتمويهاً من تلك القذرة الممزقة .

كان لا بد من الارتماء تحت شجيرات النهر الشرقية وتلمس الراحة من الجهد والعناء ومراوحة الموت الذي يتربع في كل خليه من خلايا أجسامنا مع الجوع والانحلال الذي بدأ يفسخ قوانا ويكدس الدوار والهذيان الذي يفقدنا الإحساس بالكائنات من حولنا .

لا بد من نزع فتيل كل هذا الهلاك الزاحف ، بتمضية ساعات النهار كاملة في هذا المكان للبحث عن راحة ونوم يعوضان ثلاثة أيام بلياليها من المشي بلا طعام ولا شراب ، وأعباء نفيسة من الخوف لا تطاق .
كانت أقرب ما تكون علينا مزارع شبه يابسة وفي أواخر أيامها من الطماطم والخيار أغاثتنا بعض ثمارها وحالت دون أن نسقط نافقين ، على أعتاب الغذاء والوفرة والنجاة ، بعد أن خرجنا من أعماق الخطر الذي رافقنا في كل خطوه من خطانا ، وإن كان لا يزال يتربص بنا حتى ونحن على أبواب الأمان والاطمئنان .
خاطبنا أحد المزارعين الذين يتجولون في تلك المزارع الممتدة على طول النهر ليساعدنا في شراء بعض الملابس واللوازم التي تسمح لنا أن نزحف نحو المناطق المأهولة بهيئة قريبة من هيئات البشر . ويبدو أن أحوالنا البائسة وأحوال بلادنا التي تستثير العطف والتأييد قد سهلت هذا السخاء من ذلك المزارع الذي أمدنا بكل ما يلزمنا طيلة ذلك النهار من طعام وشراب ولباس ، بل ومواصلات انطلقت بنا إلى عمان لنهاتف الأهل والأحبة غرب النهر ، إننا في أرض غير الأرض ، وفي بلاد غير البلاد وبين أناس ليسوا غرباء عنا ونحن الآن في مأمن ولو إلى حين ها قد استجبت لنصيحة والدتي التي قالت ذات مرة . يا ولدي إرحلْ إلى الأردن ، وسافر إلى بلاد بعيدة ، حتى يقضي الله أمراً يحميك ، فلا أريد أن أفجع فيك .

وأنا الآن في الأردن كما قالت ، أنتظر قدومها وقدوم والدي ومعه جواز سفري الأردني وبعض المال استعداداً لفكره الرحيل إلى بلاد بعيدة ولم يطل غياب والدي والدتي عني ، حيث لم تنقضِ بضعة أيام حتى كانوا أمام ناظري ، وأنا في حدقات عيونهم يغسلون أحزاني لتكبر أحزانهم وتبعاتهم وأنا أستعد للسفر تجاه بلاد بعيدة كما شاءت أمي حفاظاً على حياة ولدها الذي ينزرع في قلب لا مثيل له في العطف والحنان والحفاظ على ما يتوج أمومتها المفرطة . ولو بسفره إلى اسبانيا بحجة السياحة أو الدراسة إذا سارت الأمور على ما يرام .

التمزق والانسلاخ عن صدر أمي ودعاء أبي والحرمان من حنان زوجتي وقسمات طفلي الذي ارتسم على جينه زهو مستقبلي كل هذا تحالف عليّ في اللحظات الحالكة التي جردتني من كل غالٍ وعزيز على قلبي ، ويبدو أن أمي التي تفهم ولدها وتقرأ سطور حياته كانت هي التي تحس بآلامي وتضيفها إلى آلامها فكان آخر ما وقع عليه بصري وأنا ألوح لهم على سلم الطائرة انهيارها على الأرض بعد أن طفحت الآلام بها وزلزلها الفراق وطغى على كل ما يحتمل الكائن البشري العطوف مثلها .فانثنت لاسعافها شقيقتها المقيمة في مدينة الزرقاء والتي أصرّت لتودعني على الحضور وراحت ترفعها وهي تبكي وتهون عليها .

كان هذا في مطار عمان الذي صمم أهلي على مرافقتي إليه والذي سوف أشيع منه إلى عالم مجهول ، تحركت الطائرة على مدرج المطار ثم انطلقت في عنان السماء ، وأرض فلسطين وجبالها وبيوتها ومساحاتها تصغر شيئاً فشيئاً ثم تغيب عن ناظري ، مثلما أتضاءل كذلك في نظر نفسي والطائرة تمعن في شق عنان الفضاء بعيداً عن كل ما يمت إلي بصلة ، فأنا الآن في خواء غريب وعما قريب سأحط في أرضٍ غريبةٍ ليس لي فيها أهل ولا حبيب .
هذه هي المغامرة غير المحسوبة وعملية البتر التي لن يغفر لي وطني ارتكابها ولن اغفرها لنفسي مهما قدمت من أعذار ومسببات . استغرقت رحلة التلاشي والضياع ساعتين ونصف الساعة ، وكلما تذكرت أني انشطرت عن وطني وجدته أمامي ، تارة يتعلق بي وتارة يلعنني ويبصق في وجهي ، وأخرى يتعلق بأطرافي كطفل صغير يرجوني أن لا أتركه وحيداً للذئاب ، كأني المكلف بحمايته والدفاع عنه أو كأني المخلص الوفي الذي لا يثق بأحد سواه . هبطت الطائرة في مطار مدريد ، عاصمة اسبانيا ، ومن المطار إلى فندق بلازا الذي نصحني به صديقي عمار الذي سبقني قبل أشهر إلى اسبانيا ومعي عنوانه ، وأنتظر زيارته ، ودعوته للإقامة معه .
هو طالب يدرس الطب في اسبانيا، وهو الآن يفكر في لقمة العيش التي أصبحت شحيحة بعد تراجع موارد أهله بسبب الانتفاضة ، ولا بد له ولي من البحث عن عمل ، يوفر لنا موارد أهلنا ومدخراتهم . اسبانيا بلاد جميلة ، بأرضها ومياهها وعمرانها وتقدمها الصناعي والعلمي ، لكن أول ما ينبغي علي في هذا المكان الغريب ، وفي وسط هذا المجتمع المجد أن أتعلم اللغة التي تتطلب الالتحاق بمعهد من أجل اكتساب هذه الوسيلة التي تمهد الطريق لتعلم مهنة كذلك . وبدأت أتقدم في تعلم اللغة الاسبانية كما بدأت أتدرب في ورشه للنجارة لكن طيف زوجتي وأهلي لا يفارقني حتى بعد مضي أسابيع على وصولي إلى هذه البلاد ، وتجوالي مع صديقي إلى كثير من المواقع ، وانشغالي بمحاولة القراءة لا قطع شوطاً جيداً في إتقان اللغة .

بعد انقضاء شهر كان لا بد أن أهاتف حبيبتي التي أجهشت في البكاء لتمزق نياط قلبي . ونقلت إلي أخباراً طوحت بي وألقت بي في دوامة الفاجعة والوحدة واليتم الحقيقي ، لقد رحلت والدتي عن الحياة وعيونها معلقة في الفضاء خلف الطائرة التي اختطفت ولدها الذي غادر وربما بالنسبة لها بلا رجعة . دفعتني هي إلى السفر لتحميني وتبقى على حياتي بعيداً عن خطر الاغتيال والاعتقال والسؤال والعذاب ، فقالت : سافر يا ولدي لا أريد أن افجع فيك لكن أنا الذي سيتجرع الفجيعة اليوم وها أنا الآن أهرب من خطر الاغتيال أو الاعتقال لأجد نفسي محاصراً في الشارع من قبل مجهولين ليسوا إلا عملاء إسرائيليين تعج بهم أوروبا فيطاردون العرب للإيقاع بهم في الخيانة أو التنكيل بهم لأنهم عرب فقط ، حيث تم سحبي من الشارع إلى زاوية شبة خالية وتم ضربي ضرباً مبرحاً عقاباً لي على كوني عربياً حتى وهم لا يعرفون عني أي شيء .

هكذا إذن عزتك في وطنك ، وهو أحن عليك من كل نسيم تشتم عبيره في كل بلاد الدنيا ، أنا الذي جئت أبحث عن الأمن والأمان ، أتعرض لهذا الضرب والى حد التهديد بالقتل . من ذا الذي يمكن أن يمنحني الأمان غير وطني . عرفتك الآن في الغربة وأكثر مما كنت أعرفك عن قرب ، أنا عائد إليك يا وطن ، فرض علي الاصطدام بعناصر الموساد الإسرائيلي في اسبانيا ، ومتابعتهم لي لجرّي إلى مستنقع العمالة والجاسوسية والآن ليس لي من خيار غير أن الجأ للتخفي فأطلق شعري وأطلق شاربي ، وارتدي ملابس الشباب الاسباني المتميع ، لأصرف أنظارهم عني ، وتم ذلك بعد أن تعرفت بصديق جديد من وطني ممن يعملون في مصنع للبلاط ، فاستضافني وحدثني عن مشاريعه وأحلامه ، المتمثلة في السفر إلى الأرجنتين ، كان في غاية الاندفاع والحماس من وجهة نظره ، فالأرجنتين عنده كالفردوس المفقود الذي يبحث عنه لينعم فيه . وشجعني على مرافقته في رحلته ،بل وعرض علي الدعم المادي عند السفر ، والمعنوي عند الوصول لاسيما وأن له أقارب يديرون أعمالاً ناجحة وزاد في التشجيع على السفر أنه قد يمنحني فرصة اللجوء السياسي ومرة أخرى أهرب من الغربة إلى الغربة الأبعد ، لأخذل وطني ثانية ، وأزعم هذه المرة أنه تجنب لعناصر الموساد الذين يكيلون لي الترغيب والترهيب بلا رقيب ولا حسيب ، وأنا أتوجس منهم خيفة .

***

الفصل الثامن

( السفر إلى الأرجنتين )

يبدو أن شغف الشباب بالأسفار والمغامرة قد سحرني هذه المرة ، وذكرى الأهل والأحبة والتعلق بالوطن الجريح قد تم تأجيلها بدلاً من تأجيجها حين وجدت نفسي في المقعد الخلفي بالطائرة المقلعة إلى الأرجنتين . حطت بنا الطائرة في مطار بوينيس أيرس وللحصول على اقامة شرعية ، عملت بنصيحة صديقي منذر واستمعت إلى الكثير من العرب المقيمين في الأرجنتين عن الجهة المخولة ببحث موضوع اللجوء السياسي ، وقالوا إنها أحد أقسام وزارة الخارجية حيث توجهت إلى تلك الوزارة وشرحت لهم إني خرجت من بلدي ، لأني مطلوب كشاب وكناشط وإنني مهدد في جسمي ونفسي ولا أستطيع العودة إلى بلدي حيث هناك معتقلات الاحتلال التي تدمي كاهل الشباب وحصلت على وعد بدراسة أحقيتي لهذا اللجوء ، وتم منحي تسهيلاً بالإقامة لحين البت في هذا الأمر.
ولم يطل الأمر فقد أُقر لي حق اللجوء السياسي وتم إيوائي في دار للشباب لأتعلم اللغة الاسبانية التي سبق أن اجتزت دورة فبها ،كما تم تقديم العون بصرف راتب شهري ضئيل لحين التمرس في المهنة التي ستدر علي دخلاً أكون من خلاله منتجاً . ولم يكن الأمر بالعسير فانا على أية حال خريج جامعة معترف بها واستطيع أن أكون مدرساً ومترجماً وموظفاً في السلك الدبلوماسي . غير أن فتاة تعرفت عليها في بيت الشباب قدمت لي يد العون بدون تردد . كانت تعمل في مطعم راقٍ ، فهي حاذقة ماهرة في أمور إعداد الطعام ، الذي تحتاج له هذه المواقع السياحية .

وبالنسبة لي كنت صريحاً وسعيداً معها مثلما كانت هي صديقة عطوفة مخلصة . وكان خير صنيع لها حصولي على وظيفة سريعة في سوبر ماركت يملكه رجل خلوق أيضاً فتح لي قلبه وبيته ، وكان له فضل اكتساب حترام العديد من أبناء الجالية الفلسطينية في المدينة مثلما أصبح هو نعم الصديق الودود الذي كان يطلب اصطحابي في رحلاته وتنزهاته على شاطئ البحر . حيث أمواج المحيط العاتية أوفي البراري حيث غرائب الطبيعة وأنواع الحيوانات المدهشة . اذكر إني تعودت بعدها أن أخرج وحدي لاستمتع بامتداد مياه ذلك المحيط ، ومداعبة نسيمه العليل وأنا أجلس على صخرة قرب الشاطئ حتى يتسلل النعاس إلى عيوني فاغفو قليلاً وعندما افتح عيني يستبد بي الحنين إلى وطني في هذا الجو المدهش الفائق الشعرية . كنت مبرح الفؤاد على تلك الصخرة التي ترحل بي مسافات لا يخترقها إلا الخيال ، ولا يقطعها إلا الحب الذي لا يتوقف كموجات هذا المحيط الصاخب العبعابْ واحدة بعد أخرى .

ومن على هذه الصخرة وأمام هذه الزرقة المائية اللامتناهية التي لا تبيد بأغوارها السحيقة ولدت فكرة كتابة هذه القصة التي بدأت أبجدياتها وعسى أن يكون فيها ما يثير التأمل ويبعث الذكرى ، ويعيد ترتيب الخطوات التي تعزف على درب الحياة . ألحاناً حلوه وأحياناً مرة وأحياناً مأساوية حزينة . وأنا اليوم أسير بصحبة صديقي صاحب المطعم وقد عرفني على أحد المسؤولين في الدولة ، وشرح لي أن علي أن اقضي ثلاث سنوات لأحصل على الجنسية بلا سفر أو مغادرة فكيف لي أن احتمل ذلك وأنا بعيد عن جذوري وهل يستطيع إنسان أن يعيش بلا جذور .

كنت أهاتف زوجتي لأطمئن عليها وأطمئنها علي ، وأفتح لها شهية الحضور إلى هذه البلاد الجميلة الشاسعة الوافرة الخيرات . فقد كنت أريدها أن تعيش معي هنا ، ونقطف سعادتنا هنا في برها وبحرها وتحت شمسها وهوائها ، لكن ردود زوجتي كانت سلبيه لذا قررت أن أرسل لها رسالة وبهذا النص :

تحية السلام من قلبي إليك يا أميرة النساء . لا استطيع الوصول إليك الآن أيتها الحبيبة ، ولكن تذكري أني في عجلة من أمري . يا أميرتي شاب راسي وتغير لون بشرتي ، لكن لهفتي عليك لم تتغير وأُمنّي النفسَ بالوصول والارتماء بين ذراعيك كالبحار الذي أضناه السفر، علينا أن نحسم أمرنا ، إما أن أصلك وأدفع الثمن ، وأما أن تحضري إلي بأي ثمن . ونزلت عن الصخرة ، يلفني صخب البحر وامتداداته اللانهائية والذكريات التي تجرفني نحو فلسطين ، لذا قررت العودة . لم يتبق الآن غير العودة إلى وطني الذي غادرته مكرهاً أمام صمود زوجتي واقتحمني التفكير في العودة طويلاً جاحماً يتصارع فيه الوله لملاقاة الحبيبة والعودة إلى الأهل أو من بقي منهم ، فوق تراب الوطن أوالرغبة في إحضار حبيبتي لاضمها إلى نفسي في الغربة والمصير ، وأبقى بعيداً في وهم السلام والأمان . وأخيراً انتهيت إلى خيار العودة والتنازل عن مكاسب الغربة كافة إن كان ثمة في الغربة من مكاسب . كانت أول رحلة متوجهة إلى الأردن ، حطت في مطار الملكة علياء ، وأنا الآن في وطن قريب من وطني ومنه سأعبر إلى حيث الحب والطمأنينة والرضا . في الحال يممت نحو مدينة الزرقاء لأنزل عند خالتي هناك والتقى بعض الأقارب . ربما الآن بعد طول هذه الأسفار وشدة وطأة تلك الأحداث التي اكتويت في أتويها لن يتعرف علي أحد بعد أن اشتعل الرأس شيباً . قرعت الجرس واتسعت الفرجة بين مصراعي الباب لأرى ابن خالتي الأكبر يوسف الذي تفرس في وجهي وقلّب ملامحي ثم قال حضرتك مين ؟
تجاهلت سؤاله وقلت له بجرأة . أين أمك ؟
قال : من أنت أولاً .
قلت له : إني مولودٌ جديد .
قال : من أنت أيها الرجل ؟
ابتسمت في وجهه وأنا أغالب ضحكه مكتومة وقلت : ألا تعرفني ؟
زادت حيرته وقال لا .
قلت له : أنا الذي لم أفارق الحياة .
رد بحدة : لمَ الألغاز، لمَ لا تحدثني بدون مواربة وبكل صراحة ؟ فإذا بأمه تطل من الغرفة الأخرى وتسأل ما الأمر ؟
قلت لها : كما حدثتني أمي عنك وقالت انك شقيقة طيبة وقلبك مفعم بالحب والحنان ، حقاً أنت دقيقة الشبة بأمي . ترى بماذا ينبؤك قلبك يا خالتي ؟
اندفعت قائلة : ابن أختي يا مرحباً بك يا أبن الغالية .
وعاجلتها بالقول نعم أنا أبن أختك ، كيف حالك يا خالتي قالت : دعني أحضنك وأقبلك وأضمك إلى صدري يا أعز من أولادي بعد رحيل أمك تعال وأمسكت بيدي وقادتني إلى غرفة الضيافة فتجمع أولادها من حولي ، وانصرفت هي إلى المطبخ لتعد وجبة شهية بينما كنت في حالة إعياء من فرط الانشغال الفكري وطول السفر ، وأعباء التنقل وكثرة الأسئلة الأمنية في المطارات . غلبني النعاس لفترة ليست بالقصيرة ، فتركني أولاد خالتي وانصرفوا لشؤونهم حتى انتهت خالتي من إعداد الطعام وكانت الساعة السادسة والنصف مساءً تناولنا طعامنا ثم نهضت و غسلت يدي ، وكانت فرصة لإتمام الوضوء وأداء صلاة المغرب وعقب أداء الفرض عرضُت على ابن خالتي يوسف أن نخرج قليلاً لزيارة المدينة ، واسترجاع ملامحها قالت خالتي : لا تتأخرا أريد أن اشبع منك وأريد أن أسمع حكاياتك وأسفارك .

عندما جلست أروي لها ما جرى تحركت لواعجها وراحت تذرف الدموع الحرى وأنا أشجعها باني سأعود إلى الأهل والأحبة ، وان الأمور سوف تجري على خير ما يرام وسوف تعود المياه إلى مجاريها .سأعود رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء ، هذا ما دفعني إلى الحماس والأمل والتغني بهما .
قالت : لا تعد إلى فلسطين ، ابق هنا ، أنا سأذهب بدلاً منك لأن معي هوية . حزمت أمتعتها واستيقظت مبكراً وودعت أبناءها وودعتني ، واستقلت إحدى السيارات المتجه إلى الجسر كي تعبر إلى فتاتي وتنقل لها اخباري وإنني الآن في الأردن ، وقاب قوسين أو أدنى من الاجتماع بها والتئام الشمل بعد أسفار بعيدة شاقة طوحت بي بعيداً عنها .

وبينما أنا اغرق في ولع لا يحيد لأحط قدمي على ثرى وطني واستظل بسمائه واستعيد النور في لقاء حبيبتي ، والغفران والأمان في الارتماء تحت أقدام والدي الذي اشعر أني خذلته حين لم أعش بقربه لأشد أزره ، وأرفع المشاق عن كاهله ، حاولت أن أبدد الساعات وأصرف انتباهي واشغل نفسي التي تعيش حلم اللقاء وتترقبه من خلال رحله خالتي ومن خلال عد الدقائق والثواني التي ستجمعني بمن أحب فقمت بزيارة بعض المواقع الجميلة والأماكن الأثرية في الأردن علها تخفف من ظمأ هذا الشوق الذي يأسرني ويغلبني لنحو حياة رائعة أتوق إليها لتتوحد القلوب المتعبة ويعود الحب ليرفرف في سمائها ، والنبض ليخفق في جوانحها ، لكن الوقت يمر ثقيلاً مكدراً والحب تعطشاً لطيف زوجتي زهراء وطفلي براء الذي كبر الآن في غربتي ، وعسى أن يستجيب لقبلاتي ، ويطمئن لأحضاني ويتقبل وجودي وتوددي بسرعة تخفف من إحساسي العميق بالذنب ، وتنقذني من التعاسة التي تلتف حولي . وراودني شعور ثقيل بالكدر والانقباض لاسيما وأن خالتي قد تأخرت في إيابها لتبرد قلبي وتطفئ لظى الانتظار . بل واشتد وطئ هذا الإحساس بعد أن استيقظ رد الفعل بتعنيف مرير لنفسي التي قبلت بسفر خالتي كبديل عني ، وهو بالنسبة لحبيبتي لا يعني الكثير ، فأنا ما زلت عنها بعيداً كما أني أنا الذي يعشق ويتعذب ويشتاق ، ويحاول الطيران إلى دياري التي تشعل حبي ، بعيداً عن بدائل لا تسمن ولا تغني من جوع . فعقدت العزم على أن أخرج من حمىّ الانتظار ، وأشق طريق إلى وطني ولو مشياً على الأقدام .

أريد العبور بنفسي هذه المرة ، أريد أن أجتاز جسر العودة إلى فلسطين . هذا هو قراري الذي عقدت العزم عليه ، وبأي ثمن ، ومهما كان حجم المخاطر ، لا بد من الوصول إلى مسقط راسي ، ورياض حبيبتي ، وإشراقة طفلي الذي يناهز الرابعة الآن . نهضت من الفراش مبكراً ، للاستعداد للمغادرة بعد ليلة مضنية من هروب النوم لم أذق فيها إغفاءة . جمعت على عجل ما لدي من أمتعة لا تستحق كل هذا العناء، وأنا أهيء نفسي لطي صفحات من الفراق والغربة ، وبعد عده أعوام من البعاد والقتاد وقد تبددت في الإبحار والأسفار ، كنت فيها أجدف وحدي في جو من العواصف والأنواء حتى شارفت على الغرق في بلاد ليس لي فيها قلب ولا حبيب ، كنت محملاً باندفاع محموم كأني أحمل نفسي الشعور بالذنب ، أو كأني اصطلى بسقم القعود والعجز والانتظار ، صليت الفجر ، وتحركت قدماي باتجاه الباب كأنها لا تلامس الأرض ، فلا أريد أن أوقظ أحداً ، وخرجت دون أن اعلم من في الدار وتخلصت من جدران البيت مسرعاً نحو رحابة الشارع كأني أغادر سجناً غير أني تفاجأت بإبن خالتي يوسف عائداً من صلاة الفجر في المسجد .

إلى أين أنت ذاهب يا عدنان وفي هذا الفجر المبكر ؟

ارتبكت قليلاً وتلعثمت وقلت له ، أريد العودة إلى الوطن . طال انتظاري لخالتي ومضت أيام وأنا لم أسمع أيه أخبار لذا قررت أن أعبر بنفسي إلى الضفة الغربية ، فجن جنونه وهو يقول . هل أصابك مس أم أنك خرجت من كابوس ، هل تقدر مغبة تهورك ؟ تجاهلتُ سؤاله فحاول أن يشد يدي لكني ابتعدت عن طريقه وأنا أقول . قلبت الأمر وأنا مستعد لدفع الثمن .

استسلم للأمر قائلاً : ما دامت هذه رغبتك فلم لا تود عني فقد يطول غيابك عنا.

عدت واحتضنته وربت على كتفه وقد تقطرت حبات رمحت من عيوني وأنا أعدو إلى الشارع الذي أصبح يلفني بفراغ عميق ، كأنني أمضى في امتداد قاحل لا نهاية له . وقفت عند الرصيف متأملاً السماء التي تعكرها بعض الغيوم وتحلق فيها الطيور تفرش أجنحتها بحرية كأنها تستثير غيرتي التي تطمح لهذا الحرية في الإقلاع نحو وطني ، غير أني ما زلت بعيداً ، فالعبور جوازات سفر وتصاريح وأوراق وهذا يعني أن الحرية ليست في متناول يدي ، فليس معي سوى جواز سفري الذي جهزته وحصلت عليه ليوم كهذا ومبلغ ليس وفيراً .

لا بد من المرور على السفارة الإسرائيلية للحصول على تأشيرة بالدخول للمناطق المحتلة . قلت لهم إني باحث أعد كتاباً وأريد زيارة المناطق ، وحصلت على هذا الإذن . أومأت لسيارة حملتني إلى موقف سيارات الجسور ، وأنا بين جسر الرجاء وجسر اليأس أتقلب كأني قطعة من الخشب بين أمواج عاتية وهبطت بناء سيارة متجهة نحو الجسر حتى المحطة الأردنية الأخيرة التي ستدفع بنا نحو الجانب الإسرائيلي . ركبت الباص الذي سيقطع النهر ويتوقف عند الجانب الإسرائيلي والفلسطيني ، وتم فحص الأوراق ، ولم يتعرف أحد على شخصيتي كما أن اسمي الأجنبي مكتوب بحروف انجليزية في جواز ، سفر أرجنتيني كأني أحد المهاجرين العرب ، دخلت الاستراحة ، لأخرج بعدها إلى أول مدينة فلسطينية هي مدينة أريحا التي كان حرها لافحاً ونسمتها جافة ، ويجب أن ارحل بأسرع ما يكون دون حاجه للتوقف في هذه المدينة لشراء بعض الهدايا ، فمعي من الأردن ما يغنيني عن الشراء .

كان الوضع هيناً بعض الشيء فقد اجتزت الامتحان الأول بنجاح في جواز سفري الذي جعلهم ينادونني سائحاً لا غرائي بالشراء ، صعدت الحافلة إلى رام الله عند الساعة الحادية عشرة صباحاً وحللت بالمدينة في منتصف النهار ، وقررت البقاء للاستراحة يوماً أو يومين .اتجهت إلى احد الفنادق وحجزت غرفة وسددت أجرتها وحملت المفتاح ودخلت المصعد إلى الطابق الرابع ، وبدأت استعد لأخذ حمام بارد وأنعم بنوم هادئ عميق يريحني من عناء السفر لكن ذلك لا يتم إلا بعد تناول وجبه طعام مرضية وتمنيت لو أن رفيقة عمري تجلس أمامي على هذه المائدة . ورحت أتخيل وجودها ولقاءها وصورتها ولون بشرتها ورائحة شعرها في هذه اللحظات حتى غبت في نوم عميق حتى المساء ثم استيقظت وخطر ببالي أن أجوب شوارع المدينة ،لأتعرف على المدينة عن كثب .

كان الشارع مكتظاً بالناس ، وحركة السيارات خانقة والأرصفة مغطاة بالبسطات التي يعيش من ريعها الكثير من الشباب ، في صباح اليوم التالي حان وقت الإقلاع إلى قريتي عزون عتمه ، وأنا أعلم أن الطريق ليس سهلاً والأمر ليس هيناً ، لكن ما علي القيام به في لحظه وصولي هو التوجه إلى قبر أمي لقراءة الفاتحة والوقوف أمامه إجلالاً وعرفاناً ثم التوجه إلى حبيبتي ثانياً، كفاني هروباً إلى دنيا الخيال والتوغل في عالم الأوهام . يجب أن التحم بأسرتي المتمثلة في أبي وأخواني ، ولاسترد توازني وأستعيد طفولتي التي عشتها فوق تراب هذه القرية وبين أزقتها . وما إن أطلت المركبة على مدخل هذه القرية حتى شاهدت الحصار الذي تحتضر بين أنيابه ، وقد ضاق عليها الجدار الذي التهم الكثير من أراضيها ووضعها خلف بوابة وداخل سجن ، لا يتحرك الناس فيه إلا بمواعيد محدده وفق وثائق خاصة بهم ، ومعروفة لا مفر منها للصغير والكبير على السواء .

هذه هي ارضي الطيبة التي أصبحت مهيضة الجناح ادخلها متخفياً سارعت إلى ضريح أمي ، وعندما وقفت أمام الحجارة الممتدة ، أحسست أن انامها تمتد لتمسح على وجهي ، وحنانها بدأ يهدهدني كأني طفل مدلل بين ذراعيها ، وتقاطرت العبرات الحرى ، ما أشد فقدك يا أمي ، هل صحيح أني لن أراك وأكلمك وأجلس إلى جوارك ؟ كم هي قاسية هذه الحياة . جلست ورحتُ الامس الحجارة . وأنحني وأقبلها وأنتحب بحرقة وأمي لا ترد فقد كنت أدرك أنها تركتني إلى الأبد ، فما أمضّ هذا الشعور وما أشق هذا اليتم .

ابتعدت عن المكان متخفياً فلا أريد أن يتعرف علي أحد ، ومن الحكمة أن أبقى كامناً بين الشجيرات الكثيفة حتى يحل المساء .

عدت إلى القبر ثانية وأنا أخاطب أمي : والدتي العزيزة :
ها أنا أقف في حضرتك أيها الملاك الطاهر ، ولم يتبق معي الكثير من الزاد والأمل . فقد تركتني معلقاً بين اليتم وبين الرجاء .

هل يمكن أن يعود إليّ الصفاء والهناء كما كنت في نعيم وجودك المقدس .جبت كل الأجواء ، وعبرت كل المسافات وقطعت المحيطات والبحار وعدت لأرتوي من ينابيع حبك الذي لا ينضب ، حتى وأنت راقدة تحت التراب .

أذكر كل قبلة رضى ومحبة ، وكل تضحية من أجلي ، كل ضمة رشفت منها ابتسامة السعادة والفرح . كنتِ كل شيء في حياتي ولم أُخف عنك سراً ، والآن لا استطيع كبح دموع لا تتوقف ، ولا وجع لا سبيل إلى مداواته ،كم كنت أتمنى أن ألقى وجهك الودود المسامح لكن الله قدر أن أصل متأخراً ليس لي الآن إلا أن أبث لواعجي وأطلق على قبرك سلاماً لا ينتهي ، وأودعك الوداع الأخير فسامحيني يا أماه سلام عليك حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ألقيت باقة الزهور البرية التي جمعتها من حولها ونثرتها على قبرها وأنا أجهش بالبكاء وغادرتْ جثتي التي تحملني لترتمي على عتبة مسجد القرية أتأمل بيتي من بعيد ماذا علي أن أفعل الآن . وبدأت تتسابق في خيالي ذكريات الطفولة ، كم كنت شقياً وكم كنت عجولاً وصاحب مزاج سيء صعباً لإرضاء ، وأنا أجد كل طلباتي مجابة وعرفت إنني الآن على أبواب مرحلة أخرى ، لا بد من العودة إلى الواقع والتعامل مع المتاح فلم يبق لي إلا أن أقدم نفسي قربانا لوالدي الذي أصبح في أمس الحاجة إلى عوني ووقوفي إلى جانبه ، فقد تقدم به العمر ورحلت رفيقته التي كانت تملأ البيت والمكان والزمان ، فيفيض من تحت أقدامها البر والأمان .

تحركت متسللاً نحو البيت ذي الأنوار الضعيفة الخافتة كأنها مقدار الطمأنينة والحياة التي يقتات منها هذا البيت ، نظرت من النافذة فإذا بأبي يسجد لصلاة العشاء ، لم يعد قادراً على ارتياد المسجد في كل المواقيت . انتظرت حتى انتهى من صلاته ودلفت إلى البيت ، أتمرغ بين ذراعيه وأقبل كفيه وأتبادل معه اللهفة والآهات ، وبقية أشقائي في ذهول حتى توقف نزيف الشوق والبعاد وجلسنا نتهامس وهو يعرف أني مازلت مطلوباً من كثرة حملات التفتيش والرقابة والسؤال . قال يا ولدي ليس لك غير المدينة التي لا يعرفك فيها احد ، موقعك ليس هنا . أخاف عليك ولا أريد أن افجع فيك . صحيح أنهم قد أزالوا الرقابة عن البوابة الحديدية لكن أولاد الحرام ، قاتلهم الله أنا يؤفكون . قد يجلبون لك ولإخوانك الويل وأنا أخشى عليكم جميعاً . انصعت لنصيحة والدي واتخذت مقعداً في أول سيارة متجهة إلى المدينة بسائق ليس من أهل القرية لتحط بي الرحال عند حبيبتي ،كل شيء في المدينة قد تغير ، وحتى الجبال والسهول قد تغيرت فمع تسلل أشعة الشمس أصبح كل شيء واضحاً للعيان ، لكن غير الذي عهدته وعشقته وتعودت عليه ، غير أني ما زلت أذكر مسكن حبيبتي ، حملتني مركبة أخرى إلى موقع هذا البيت بينما أفكاري المتلهفة المتزاحمة تسابق سرعة السيارة المنطلقة صعوداً والتفافاً نحو البيت .

كم أنا مشتاق الآن لأقف أمام ناظريها . كيف ستتلقى المفاجأة وهل هي على عهدها عاشقة متيمة وفية ؟ قرعت الجرس وتأخر فتح الباب وكانت لحظات ثقيلة مبهمة والقلب يخفق بوجيب متأزم ودقات سريعة حتى انشق الباب وأطلت منه امرأة غريبة لا معرفة لي بها .
قلت لها أين الزهراء أليس هذا هو منزل والدها .
قالت هذا بيتنا منذ عامين لقد ابتعناه من أصحابه القدامى ، وسألتها ثانية ألا تعرفين أين يسكنون ألآن . قالت : كل ما أعلمه أنهم رحلوا إلى رام الله وكم كانت صدمتي عنيفة قاسية . تسمرت أمام هذه العجوز كالأبله لا أقدر على الحراك ولا أعي ما أسمع حتى والدي لا يعرف أين هم الآن . قال لي أذهب يا ولدي فزوجتك وطفلك في انتظارك كان يظن أن اتصالنا لم ينقطع . من أين أعرف مستقرها الآن ؟ من الواضح أنهم انقطعوا عن تبادل الزيارة لاسيما وقد تراجعت صحة والدي وانكمشت قدرته على الحركة أومن المؤكد أنها انشغلت بعمل دائم وطفل ملأ حياتها الآن . غادت المكان وأنا مبعثر الأفكار شارد الذهن أسأل نفسي وأرد عليها .

حتى مكالماتها ورسائلها توقفت منذ فترة طويلة ولا بد أنها اختارت أن تغير أرقامها لتتقي شر المداهمات والمراقبة . وتنصرف إلى عملها وتربية طفلها في أمان . وأُسقط في يدي . ماذا افعل ؟ خطواتي أصبحت ثقيلة رتيبة ، كأنها انفصلت عن مراكز السيطرة في راسي .
هل .. هل.. هل تزوجت بعد أن طال الفراق وإذا بضربة تدق وجهي ، ويتناثر الدم من أنفي ، وتغيم عيوني ، وتدور الأرض بي حتى كدت اسقط لولا احتضاني لعمود النور الذي أنغرز فيه انفي ، عندها أدركت هول الظنون التي انزلقت إليها والانفعال الذي أزاحني عن الدنيا لأجد نفسي تحت رحمة ذلك العمود الحديدي المتحجر . وهرع الناس إليّ ، وبعضهم يقول سليمة إنشاء الله . هل تعاني من ضعف البصر ، والبعض الآخر ما بالك يا أستاذ ماذا جرى لك . هل أنت مريض . ألم تشاهد عمود النور الذي دخلت فيه ؟

قلت لهم متعللاً : فعلاً أعاني من صداع شديد لأني فقدت سيارتي . لقد سرقت وأنا في عجلة من أمري لأبلغ عنها ، مضى الناس في حال سبيلهم ، إلا فتاة سمعتها تقول عدنان . ألست أنت عدنان ألا تعرفني أنا زميلتك في الدراسة .
وإذا بحبل ينشلني من قعر المحيط ، لقد كانت هي طوق النجاة ، وفرجه الأمل . لم أصدق ما سمعت ، ورحت أدقق النظر ، أنت فداء ؟
نعم أنا فداء .
لقد ظهرت في الوقت المناسب لأسألك عن صديقتك الزهراء . لقد انقطعت أخبارها ، وتغير عنوانها ، فهل لديك ما تسعفين به ؟ إنني أبحث عن زوجتي وطفلي وقد عمى بصري كما تشاهدين قالت نعم إنها تعمل مدرسة أما أين تسكن أوفي أيه مدرسة فلا علم لي . لقد التقينا ذات مرة وقالت إنها حصلت على وظيفة مدرسة ووعدت أن تتصل بي لكنها لم تفعل .

إذهب إلى أقرب صيدلية وأسعف نفسك الإسعاف الثاني بعد أن قدمت لك الإسعاف الأول شكرتها بحرارة وامتنان وقلت لها الحمد لله الذي بعثك لي لأسمع منك ، لقد بردت قلبي ونورت دربي سوف لا أنسى لك هذا ، وسرت غير عابئ بأنفي النازف ولا بقميصي المبلل بالدم .في أقرب محل للملابس الرجالي كنت استبدل قميصي بآخر جديد أنيق ، وفي أقل من ساعة كنت في مبنى وزارة التربية والتعليم في رام الله أسأل عن مكان عمل هذه المدرسة زهراء علي أحمد علي . هدأ الموظف من روعي ، وبنقرات على الحاسوب استخرج اسم المدرسة .وبأسرع من السيارة التي حملتني وحدي إلى رام الله ، حملتني سيارة أخرى إلى القرية التي بها مدرسة البنات التي تعمل فيها رفيقة دربي ، وتحت شجرة قرب باب هذه المدرسة تقابل جدارها نصبتُ خيامي و تواريتُ في الظل وافترشتُ التراب ورحتُ انتظر قرع الجرس ايذاناً بانتهاء الحصص .

***

الفصل التاسع

( موعد قد أزف )

لم يطل انتظاري تحت الشجرة على قارعة الطريق ، فقد كان الوقت متأخراً ودقت ساعة انتهاء اليوم الدراسي ، وقرع الجرس فإذا الأطفال يتدفقون كسيل عرم وكأن خرطوماً لعربة إطفاء راح ينفث مخزونه بغزارة في الشارع وبدون توقف حتى غدى الشارع مشتلاً للمراييل الزرقاء والياقات البيضاء ، وتباطأت حركة السير وبعض المدرسات بدأن يغادرن بينما عيوني معلقة على البوابة لا تغفل عن أية حركة ، وترصد كل شبح يلوح في هذا المدخل ، كأنها تلح أن تطل حبيبتي . وتوقف خرطوم الماء عن ضخ زخات الأطفال المتعجلين ، وندر خروج المدرسات فشعرت بخيبة الأمل ثانية ونفذ صبري فاندفعت نحو البوابة لأسأل أية مخلوقة تتسرب إلى الشارع فواجهتني إحدى العاملات قائلة : انتظر حتى أدخل وأسأل مديرة المدرسة . قلت لها أريد إذناً بالدخول كي أتحقق بنفسي ، وعادت لتقول لي حجرة المديرة في الممر على يدك اليمنى . بادرتني المديرة بمجموعة أسئلة عن هويتي وغايتي من الحضور وعلاقتي بالمدرسة المذكورة ، فشرحت لها أني عائد من سفر بعيد وبعد غياب طويل ، ولذا فأنني أجهل عنوان زوجتي بعد أن غادرت مدينة نابلس فإذا بها تقول أيا ما تكون فإن المدرسة المذكورة قد طلبت إجازة منذ الأمس كي تزور أهل زوجها في قرية لا تذكر اسمها ، وحصلتْ على إجازة يومين بعد الجمعة فقلت لها . عزون عتمه ؟
قالت أظن ذلك ، وأثلج صدري جوابها فالقلوب إذن عند بعضها كما يقول المثل . وكأن إيحاءً فاض عليها الآن أو كأن هاتفاً دعاها الآن لتزور بيت زوجها الذي يبحث عنها ، فلبت نداء هذا الهاتف ، إذن فزوجتي في قريتي وعند والدي الآن .

شكرت المديرة على حسن تعاونها ، وغادرت مسرعاً فإذا بنفسي تستيقظ على شهية مفتوحة للأكل وشعرت بالجوع الشديد ، فاتجهت لمطعم مرموق وتناولت وجبة دسمة وأنا أقول لنفسي الآن لا حاجة لاستئجار سيارة ثالثة ، وخير أن أترك المقادير تمضي في أعنتها، وتفصح عن نفسها في أناة وتوأدة . ومشيت بطيئاً نحو موقف سيارات المحافظة ، واتخذت مقعداً سوف يبلغني لأقرب نقطة من قريتي ، وبعدها سمحت لنفسي في هذا الوقت الذي تنقطع فيه وسائل النقل الجماعي أن استأجر سيارة خاصة تنقلني إلى عزون عتمه لاسيما وأن الشمس باتت تميل نحو المغيب .

***

الصفحة التالية «