يوليو
06
في 06-07-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة khalil shaheen
   

kh-shaheen

يوليو
06
في 06-07-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة khalil shaheen
   

موقع منظمة التحرير والسلطة

 

في الإستراتيجية الفلسطينية

 

ورقة مقدمة إلى مؤتمر مركز بدائل السنوي

 

خليل شاهين

 

 

يفترض عنوان هذه الجلسة “موقع منظمة التحرير والسلطة في الإستراتيجية الفلسطينية” أن هناك إستراتيجية وطنية محددة من حيث الإطار العام والغاية والأهداف ووسائل وأدوات تحقيقها، كما تحظى بتوافق وطني. فلا يبدو من الممكن التوافق على موقع كل من المنظمة والسلطة في إستراتيجية غير قائمة أصلا، أو وصلت إلى طريق مسدودة، أو في واقع تتضارب فيه الرؤى الإستراتيجية لمستقبل القضية الفلسطينية.

 

ولذلك، فإن عنوانا كهذا لا بد أن يدفع نحو نقاش يستحيل معه تجاهل واقع غياب الإستراتيجية الوطنية الشاملة، وأن يفرض تناول موقع المنظمة والسلطة في سياق سيناريوهات لرؤى إستراتيجية متباينة لمستقبل القضية الفلسطينية، وبالتالي لدور وموقع كل من المنظمة والسلطة في حل المسألة الوطنية.

 

أكثر من ذلك، لم يعد ممكنا الحديث عن نظام سياسي فلسطيني واحد، لاسيما في ظل حالة انقسام ما بين سلطتين، لا مجرد حكومتين، في الضفة الغربية وقطاع غزة، واحتمالات وصول الحوار إلى حالة من التعايش مع الانقسام بدلا من إنهائه. وفي أحسن الأحوال، يمكن الحديث عن مجتمع سياسي فلسطيني، يتشكل من قوى وطنية دخل معظمها في مرحلة انهيار بنيته التقليدية التي شكلت ما كان يعرف بحركة التحرر الوطني ما قبل قيام السلطة الفلسطينية، ومن قوى إسلامية تبدو في حالة صعود لكن باتجاه ذروة الأزمة، في ظل غياب المجتمع المدني أصلا في المجتمعات الفلسطينية في الضفة والقطاع والشتات.

 

كان المجتمع السياسي يلعب دور البديل في ملء الفراع الناجم عن غياب المجتمع المدني، لكن انهيار بنية حركة التحرر الوطني التقليدية، وعجز مكوناتها عن إعادة تجديد هياكلها التنظيمية وبرامجها السياسية وأشكال كفاحها، فضلا عن الافتراق إلى حد التناقض أحيانا بين برامجها وبرامج التيار الإسلامي، خلق حالة من القطع باتجاهين: الأول قطع في ديناميكية التأثير المتبادل ما بين رأس السلطة السياسية ممثلة بالمنظمة والسلطة من جهة والمجتمع السياسي من جهة أخرى، والثاني قطع في ديناميكية التأثير المتبادل أيضا ما بين الجمهور (عامة الشعب) من جهة والمجتمع السياسي من جهة أخرى، يعبر عنها بمقولات من نوع “فقدان الثقة” ما بين المواطن والفصائل السياسية وقياداتها.

 

ثمة من يشكك أيضا في مدى صحة الحديث عن مجتمع سياسي ما في ظل تشظي الواقع الفلسطيني إلى مجتمعات في الوطن والشتات، بل وسعيها للتكيف في كيانات جيوسياسية، منذ إبرام اتفاق أوسلو، وصولا إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وفرض كيان سياسي يهيمن على إدارة شؤونه حزب واحد، ويرسخ في إطاره بنية اقتصادية واجتماعية وقانونية تفترق أكثر فأكثر مع تلك القائمة في الكيان السياسي الثاني في الضفة الغربية.

 

سلطة تفرخ سلطات

 

وفي النظر إلى واقع السلطتين القائمتين في الضفة والقطاع، يمكن تمييز مسارين مختلفين في علاقة كل منهما مع المجتمع السياسي. ففي حين يترسخ في القطاع نظام هيمنة الحزب الواحد مع إقصاء جميع الفصائل الوطنية والإسلامية الأخرى، والحد من تأثيرها على أو تهديدها لتفرد “حماس” في إدارة القطاع، ولو باستخدام وسائل القمع السياسي، يبدو المسار المتشكل في الضفة مغايرا بالجنوح نحو إقصاء جميع الفصائل عن المشاركة في صنع القرار السياسي، أي ترسيخ حالة من القطع بين رأس السلطة السياسية ومجمل مكونات المجتمع السياسي، وتحييد تأثيرها في عملية صنع القرار، لاسيما حركة فتح التي كانت تهيمن على قيادة منظمة التحرير والسلطة معا حتى الانتخابات التشريعية الثانية ومن ثم سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.

 

الملفت في هذا السياق أن حركة فتح فيما كانت تعتقد أنها تكافح طيلة العامين الماضيين من أجل استعادة دورها القيادي في إدارة قطاع غزة، كانت في المقابل تفقد دورها في قيادة السلطة في الضفة ذاتها، مع إقصائها من حكومة تسيير الأعمال التي شكلت عقب سيطرة “حماس” على القطاع، من ثم تزايد الميل نحو “شخصنة” رأس “الحكم” في سلطة الضفة بتركيز مزيد من الصلاحيات في يد الرئيس بصفاته المتعددة كرئيس للمنظمة والسلطة وكقائد عام ورئيس لحركة فتح.   


كان هذا المسار يشابه إلى حد ما نموذج بناء الحكم في العراق، حيث رئيس وزراء دعمته بعض القوى للوصول إلى منصبه دون أن تمارس هي الحكم، مع سعى الاحتلال الأميركي لبناء أجهزة أمنية تدين بالولاء للسلطة السياسية، بل وتكون قادرة على استخدام القوة لإخضاع أية قوة سياسية مسلحة، بما فيها تلك التي دعمت وصول رئيس الوزراء إلى منصبه.

 

وفيما كان هذا النموذج يهدف إلى تعزيز بنية الدولة العراقية لضبط الأوضاع الداخلية، حتى ولو تحولت إلى مجرد محمية أميركية، فإن استنساخ هذا النموذج بالضفة الغربية في غياب الدولة لم يكن يعني سوى تعزيز سلطة الكيان السياسي في ضبط الأوضاع الداخلية بطريقة تعني في نهاية المطاف الحفاظ على الوضع القائم وإضعاف الحركة الوطنية، دون وجود أفق يمكن من انتقال سلطة الحكم الذاتي إلى دولة.

 

والمفارقة الأخرى بين النموذجين أن النموذج العراقي يبنى بشكل علني، فيما يكتنف التكتم الشديد نموذج سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية: عمليات تجنيد وتدريب وموازنات ومنهجية تعبوية تنفذ في الضفة والخارج من وراء الشعب ولكن بمعرفة ومصادقة دولة الاحتلال، كتائب وألوية تشكل دون أن تطرح بشفافية أمام الجمهور ماهية العقيدة الأمنية الناظمة لرسالتها ووظيفتها ومهماتها، ومشرفون ومدربون وخبراء تثقيف تعبوي أجانب يسمع الفلسطينيون عنهم من وسائل الإعلام الإسرائيلية.

 

يترافق هذا المسار المفضي إلى بناء نموذج سلطوي قمعي في الضفة، مع ضغوط خارجية و”اشتراطات دولية” تستهدف تصفية دور الحركة الوطنية بما هي حركة تحرر وطني، ودفعها للتحول إلى أحزاب سياسية تتكيف في بنيتها ووسائل عملها السياسي مع واقع الكانتونات المفروضة بقوة الاستيطان والتهويد والجدار والحواجز وآلة الحرب الإسرائيلية.  

 

وفي الواقع، كان هذا المسار من التكيف في نطاق الكانتونات يعكس مستوى تفتيت المجتمع الفلسطيني على مقاس التقسيمات الأولى لمناطق (أ وب وج) وفق تصنيفات اتفاق أوسلو وما تلاها من تعديلات فرضتها دبابات الاحتلال منذ اجتياحها المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية في عملية “السور الواقي” في نيسان 2002، ومن ثم سحب جيش الاحتلال والمستوطنين من كانتون غزة. ولم تأت خطوة حركة حماس بالسيطرة على القطاع إلا كتعبير غير واع عن الاستجابة لمخطط الاحتلال في تهشيم المشهد الفلسطيني، والإمعان في تفكيك المفكك أصلا.

 

أما السلطة، فكانت في ظل استعصاء تحولها إلى دولة مستقلة مع النهاية الدراماتيكية لمفاوضات كامب ديفيد، تتفتت إلى مشاريع سلطات، بدءا بما عرف خلال الانتفاضة الثانية بتعدد المرجعيات والسلطات ومصادر اتخاذ القرار، مرورا بتفريخ سلطة ثانية ذات حكومة وأجهزة أمنية خاصة بها في قطاع غزة، وربما وصولا إلى تفريخ سلطات في الضفة على إيقاع التقدم الإسرائيلي في فرض مشروع كانتونات الحكم الذاتي في ما تبقي من أرض خارج نطاق المستوطنات والجدار في الضفة.

 

خيارات بشأن مستقبل السلطة

 

يسهم الاستعراض السابق في تسليط الضوء على بعض جوانب مسار إعادة التشكيل الذي فرض على مشروع السلطة المركزية الفلسطينية الذي أفرزه اتفاق أوسلو وملحقاته كسلطة للحكم الذاتي المحدود، ومن ثم الصراع الذي قاده الرئيس الراحل ياسر عرفات لتوسيع صلاحيات ووظائف السلطة في مواجهة الاحتلال، أملا بالانتقال إلى الدولة عبر المفاوضات أو الكفاح الشعبي والمسلح إن لزم الأمر، قبل أن تصطدم هذه العملية بجدار مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون الذي أعاد مشروع السلطة للتكيف في نطاق مسار أوسلو، وصولا إلى بروز سلطة “حماس” على مقاس كانتون غزة، وتقلص سلطة “فتح” على مقاس مناطق (أ)، وجزئيا مناطق (ب)، في الضفة، قبل إعادة تشكيل هذه السلطة على قاعدة اقصاء “فتح” ذاتها عن الحكم، والاكتفاء بدعمها لحكومة تسيير الأعمال وفق مسار إعادة تشكيل دورها ووظائف أجهزتها الأمنية على قاعدة التنسيق الأمني مع الاحتلال.

 

وبالرغم من هذا المسار من إعادة تشكيل السلطة على قاعدة التفكيك إلى سلطات بضغط من تقدم المشروع الإسرائيلي ذاته أولا وقبل كل شيء، فإن هناك من يستهجن الدعوات لنقاش سيناريوهات تتباين بين حل السلطة أو إعادة تشكيلها بما يعزز القدرة على مواجهة مشروع التفكيك والتهشيم الذي تنفذه إسرائيل.

 

ويحاجج أصحاب مثل هذه الدعوات بأن تفتت السلطة المركزية إلى سلطتين، حتى الآن على الأقل، يعكس تكيفا مع نتائج المشروع الإسرائيلي بدلا من البحث عن أكثر السبل فعالية للتمرد على هذه النتائج ورفض التسليم بها، خصوصا أن تفتت السلطة المركزية، وانفصالها عن المجتمع السياسي، بات يبعد الفلسطينيين أكثر عن الدولة المستقلة بدلا من أن يقربهم من تحقيق هذا الهدف. بمعنى آخر، بات وجود سلطتين تنفتحان على مزيد من التدهور وإعادة التشكل باتجاه تفريخ سلطات محلية أخرى، عبئا على مشروع التحرر الوطني، وعلى النهوض بالدور الكفاحي للحركة الوطنية والإسلامية في مواجهة الاحتلال، وقبل ذلك على استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وقائدة كفاحه الوطني في مختلف المجتمعات الفلسطينية.

 

وفي البحث عن السيناريوهات المطلوبة للتخلص من، أو تخفيف عبء، السلطتين القائمتين حاليا، تبرز وجهات نظر تتراوح بين ما يلي:

 

أولا: الحفاظ على الوضع الراهن بدون انتقال السلطة إلى موقع الدولة، وهو ما يستدعي التعامل مع بقاء السلطة كهدف بحد ذاته، حتى في ظل الانقسام، الأمر الذي يعني استمرار السلطة كبلدية كبيرة تقدم الخدمات للمواطنين، من خلال تشكيل الحكومة تلو الأخرى بعيدا عن أي رقابة أو مساءلة في ظل تغييب السلطة التشريعية. وتعد كلفة هذا الخيار باهظة لأن بقاء الوضع الراهن يعظم المكاسب الإسرائيلية من خلال تقدم مشروع الاستيطان والتهويد وفرض الحكم الذاتي وسلطته كأمر واقع.

 

ثانيا: حل السلطة بشكل كامل والعودة إلى وضع مشابه لذلك الذي كان قائما قبل توقيع اتفاق أوسلو، انطلاقا من فرضية تحميل إسرائيل عبء الاحتلال كاملا وتوقف السلطة عن تمثيل دور “الدولة” ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. لكن هذا الخيار قد ينطوي على مخاطر تفوق ما يحمله الخيار الأول، لأن حل السلطة بشكل كامل قد يخلق في المقابل ظروفا مواتية لإسرائيل للاندفاع نحو فرض سيناريوهات أحادية الجانب، كضم الأراضي التي تريدها وإخلاء ما يتبقى من الضفة وإلقاء عبء إدارته في وجه الأردن، لاسيما أن حل السلطة في الظروف الراهنة يبدو بمثابة دعوة للقيادة للانسحاب والتحلل من دورها في قيادة شعبها وإدارة وتنظيم شؤونه حتى تحت الاحتلال، وفي ظل انهيار بنية مكونات حركة التحرر الوطني وضعف دورها، فضلا عن استمرار إضعاف وتغييب دور منظمة التحرير. بكلمات أخرى، الدعوة إلى حل السلطة بالكامل في ظل الظروف الراهنة تتجاهل حقيقة أن العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل اتفاق أوسلو أمر مستحيل، وأن التخلص من عبء السلطة قبل إعادة بناء حركة التحرر الوطني قد يتحول إلى فرصة ذهبية لدولة الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية ولو إلى حين.

 

ثالثا: إعادة تشكيل السلطة، وهو خيار يستهدف البحث عن وسائل لا تجعل السلطة بتركيبتها ووظائفها الحالية عبئا على مشروع التحرر الوطني، أي أنه يفحص كيفية عدم تحول هدف بقاء السلطة القائمة في الضفة، وكذلك سلطة “حماس” في القطاع، إلى أحد مقومات إطالة عمر الاحتلال، بدلا من تقصيره. لكن الدعوات إلى إعادة تشكيل السلطة تتباين في نظرتها إلى عملية إعادة التشكيل، بين مطالبة بتصويب الوضع القائم من خلال مراجعة دور ووظائف السلطة وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير كمرجعية وطنية عليا، أي إعادة تشكيل الدور والوظائف والعلاقة بين السلطة والمنظمة، وما بين مطالبة بأن تشمل عملية إعادة التشكيل هيكل السلطة ذاتها وليس وظائفها فقط.

 

وتنطلق الدعوة إلى إعادة تشكيل السلطة من حيث الهيكل والدور والوظائف من حقيقة أن جميع الخيارات المتاحة ينطوي على مخاطر، ولكن أقلها كلفة في الظروف الراهنة هو إعادة تشكيل السلطة كمرحلة انتقالية تتيح إمكانية إنهاء الانقسام الداخلي وإعادة بناء حركة التحرر ذاتها في ظل انسداد أفق “حل الدولتين” وفق برنامج منظمة التحرير، واستمرار الحصار والاستيطان والضغوط الإسرائيلية والأميركية، ومحاولات إطالة أمد الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي. لذلك، يبدو الخيار الأقل كلفة هو شراء “وقت مستقطع” لتقييم الإستراتيجية الفلسطينية وآليات فعلها، عبر حوار وطني شامل، وصولا إلى التوافق على تشكيل “حكومة وطنية مؤقتة”، تكون تمثيلية وتحظى بتأييد الرأي العام الفلسطيني.

 

مرة أخرى.. “خاتمة الحكومات”

 

تنطلق فكرة “الحكومة المؤقتة” من ضرورة الخروج من دائرة تشكيل الحكومة تلو الحكومة في مجتمع ما قبل الدولة، سواء في الضفة أو القطاع، وانسداد أفق تحقيق برنامج “حل الدولتين” في المدى المنظور، وهي دائرة تعكس أحد تجليات مأزق الإخفاق في تحويل مشروع الحكم الذاتي المحدود إلى دولة، أو الانتقال من السلطة إلى الدولة.

 

ولعل المخرج المتاح من هذا المأزق يتمثل بتصويب الإطار العام للحوار الشامل بالتركيز على السعي لتحقيق توافق بين القوى الوطنية والإسلامية وممثلي مختلف المؤسسات والأطر على تشكيل “حكومة وطنية مؤقتة”، بحيث تكون “خاتمة الحكومات” في مرحلة أوسلو المتواصلة حتى اليوم من طرف واحد هو الفلسطيني، وتتحدد مهماتها بالعمل لفترة مؤقتة لا تزيد عن العام، تمهيدا لإجراء انتخابات تشريعية جديدة “إن أمكن”، وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير “حيث أمكن”، كما يتم خلال هذه الفترة التحقق للمرة الأخيرة من مدى انفتاح أفق المسار السياسي في ضوء تطورات الموقف الإسرائيلي، والسياسة التي يمكن أن تعتمدها الإدارة الأميركية والأطراف الدولية ذات العلاقة، بما يفضي إلى تحويل مشروع الحكم الذاتي إلى دولة وفق ما يعرف بـ “برنامج الإجماع الوطني”.

 

بمعنى آخر، يختبر في هذه المرحلة مدى استعداد حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو للانخراط في تسوية سياسية تفضي إلى حل يقوم على أساس “رؤية الدولتين” وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وكذلك مدى جدية إدارة أوباما والمجتمع الدولي، في الانخراط الفعلي في عملية سياسية تؤدي إلى حل الصراع الدائر في المنطقة، وفي جوهره القضية الفلسطينية وفق الرؤية السابقة، التي تكفل تحقيق برنامج الحد الأدنى المقبول فلسطينيا للتسوية المتوازنة والمستقرة، وفق ما ينص عليه برنامج منظمة التحرير.

 

وفي ضوء ما يتحقق خلال هذه الفترة المؤقتة، تتحدد الرؤية الفلسطينية للمستقبل؛ فإذا انفتح أفق المسار السياسي على إمكانية تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى دولة، وهو أمر تكتنفه شكوك كبيرة، تكون حكومة الوحدة المؤقتة آخر حكومات ما قبل الدولة، بحيث تليها حكومة الدولة المستقلة، وإذا سدت آفاق المسار السياسي نحو الدولة، وهو السيناريو المرجح، يصل “حل الدولتين” إلى نهايته المأساوية، على الأقل إلى زمن بعيد، ولا يعود الفلسطينيون بحاجة إلى استمرار اجترار مرحلة لم تعد “انتقالية” وفق “منطق أوسلو”، وبالتأكيد فهم لن يكونوا بحاجة إلى استمرار الغرق في مستنقع وهم تشكيل الحكومة تلو الأخرى، وتمثيل دور “الدولة”، أو مواصلة الصراع على السلطة المنقسمة بين الضفة والقطاع.

 

وسوف يترتب على الإخفاق في الانتقال إلى الدولة المستقلة، استنتاج ينطوي على انعطافة تاريخية ينبغي على الفلسطينيين أن يضعوا العالم في صورتها منذ لحظة تشكيل الحكومة المؤقتة، وهي انكشاف مأزق تحقيق “المشروع الوطني” القائم على برنامج الأضلاع الثلاثي: إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، عودة اللاجئين إلى ديارهم، وممارسة حق تقرير المصير. ولن يكون أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، في ضوء ذلك، سوى إعادة بلورة المشروع الوطني على قاعدة خيارين: إما حل “الحكومة المؤقتة” وإعادة تعريف هذا المشروع كمشروع تحرر وطني يستلزم المزيد من الكفاح والزمن للوصول إلى الاستقلال الوطني في دولة، أو التمسك بالبقاء على أرض الوطن والنضال في سبيل الدولة الواحدة، وهو خيار يتطلب، أيضا، حل الحكومة.

 

ويختلف هذا الخيار عن “حل السلطة”، في كونه يتمسك بإحياء دور منظمة التحرير والحركة الوطنية في قيادة الشعب الفلسطيني وإدارة شؤونه، من خلال تفكيك بعض أجزاء السلطة التي تشكل عبئا على مسيرة التحرر الوطني، عبر إلغاء الحكومة ومناصبها “الوزارية” القائمة حاليا، مع الحفاظ على الهيكل الأدنى وتحويله إلى دوائر أو مؤسسات تابعة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة بنائها، وكذلك التمسك بمكتسبات المرحلة الماضية، لاسيما التجربة الانتخابية، ما يعني الحفاظ على المجلس التشريعي تمهيدا للدمج بين النواب المنتخبين وأعضاء المجلس الوطني الذين سيتم انتخابهم حيث أمكن في مناطق التواجد الفلسطيني.

 

وفي نهاية المطاف، فإن حل الحكومة، أو تفكيك هذا المستوى ضمن النظام السياسي الفلسطيني، وتحويل وظائفها إلى منظمة التحرير يوجه رسالة واضحة إلى العالم مفادها تغيير قواعد اللعبة القائمة على التعامل مع السلطة بوصفها “دولة” وهمية تترتب عليها التزامات تفوق الطاقة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على “أمن” إسرائيل، والتعامل مع المجتمع الدولي. وبهذا المعني، يعيد الفلسطينيون تعريف أنفسهم أولا بوصفهم شعبا خاضعا للاحتلال، تترتب على المجتمع الدولي، ومن قبله السلطة المحتلة، التزامات محددة تجاهه بموجب القانون الدولي ومواثيق وقرارات الأمم المتحدة، فيما لا تترتب على هذا الشعب أي التزامات تتجاوز تلك الالتزامات ذات الأولوية لأية حركة تحرر عرفها العالم، وأولها النضال في سبيل التحرر من الاحتلال. 

 

كما يعني “بتر” مستوى “التشكيلة الحكومية”، وضع حد لمفهوم “الذراع السياسية” الذي يعتبر السلطة الفلسطينية “ذراعا” لمنظمة التحرير، وهو مفهوم محظور أباحته ضرورات اتفاق “أوسلو”. فخلف “فلسفة الذراع”، وبسببها أحيانا، تآكل دور المنظمة ـ الجسد لصالح دور السلطة ـ الذراع، ونشأ ذلك التعارض في المرجعيات والصلاحيات بينهما، وما ترتب على ذلك من صراعات.

 

إن من شأن تفكيك الحكومة، في حالة انسداد أفق الانتقال إلى الدولة، أن ينهي كذلك تنازع الصلاحيات والوظائف بين المنظمة و”ذراعها”، وأن يحيل مهمات “الذراع” إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة التي تشكل بدورها هيكلا قياديا (قيادة وطنية موحدة مثلا) تكون مهمته تولي شؤون إدارة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، من خلال مؤسسات أو دوائر (التخطيط، الاقتصاد، العمل، التعليم، الصحة، شؤون الأسرى، الشباب والرياضة، الثقافة، وغير ذلك من مجالات تتولاها حاليا الوزارات). كما أن من شأن ذلك، أن ينهي معه ذلك التنازع حول صلاحيات مؤسستي الرئاسة ورئاسة الوزراء، مع إلغاء المنصبين عند “بتر” الحكومة من النظام السياسي القائم، وهو أمر يعني العودة للاكتفاء بمنصب القائد لحركة التحرر الوطني (رئيس اللجنة التنفيذية)، وشطب منصب “الرئيس الوهمي”. وبذلك، فإن التنافس، وفق عملية انتخابية، لممثلي الشعب الفلسطيني في المجلس الوطني، يكون على قيادة حركة التحرر الوطني في إطار منظمة التحرير، وليس على الحكومة الوهمية.

 

ولا شك بأن التمسك بالتجربة الانتخابية من خلال الحفاظ على المجلس التشريعي قبل دمجه خلال فترة انتقالية بالمجلس الوطني، سيمكن الفلسطينيين من إدخال التعديلات القانونية اللازمة على القانون الأساسي، وباقي القوانين سارية المفعول، لتتماشى البيئة القانونية المنظمة لحياة المجتمع الفلسطيني مع متطلبات مثل هذه الانعطافة في بنية ودور النظام السياسي الفلسطيني.

 

وقبل الوصول إلى كل ذلك، سيكون أمام الفلسطينيين فترة من الوقت خلال عمل الحكومة المؤقتة للانخراط في حوار جدي لإعادة تشكيل منظمة التحرير على قاعدة مشاركة جميع الفصائل في أطرها، لاسيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وفق برنامج وطني يأخذ بعين الاعتبار الخيارات المطلوبة في حالة وصول حل الدولتين إلى طريق مسدود، ويتم التوافق عليه بين مختلف الفصائل وممثلي المنظمات الأهلية والنقابات والأطر النسوية والقطاع الخاص. كما ستتيح هذه الفترة فرصة لوضع برنامج واقعي لحل مشكلة عشرات الآلاف من الموظفين في القطاع العام والأجهزة الأمنية، عن طريق تخفيف هذا العبء بالتعاون مع القطاع الخاص، وبدعم عربي، وبحيث يضم الجهاز الوظيفي في مرحلة ما بعد حل الحكومة ما تحتاجه منظمة التحرير فعلا لإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني والزج بطاقاته في الكفاح ضد الاحتلال.

 

 

 

   

 

   

يوليو
06
في 06-07-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة khalil shaheen
   

مرحبا بك في مدونـــــات أميـــــن. هذه هي المقاله الأولى. تستطيع تعديلها أو حذفها, بعد ذلك تستطيع البدء بالتدوين!