حملة “كرامة”.. معاناة الجسور

59 مشاهده

د. أحمد جميل عزم

لا أعتقد أنّ هناك شخصا زار الضفة الغربية أو خرج منها، إلا شعر بحالة عميقة من الإهانة والضيق. وشخصيا لدي ما أحتاج صفحات كثيرة لتدوينه بدءا من ذكريات زيارات زمن الطفولة عندما كانت الرحلة تستغرق أحيانا 24 ساعة أو أكثر حيث النوم على الجسر (محطة العبور)، ومحطات التعري الكامل التي كنا نخضع لها من دون استثناء أثناء التفتيش. ثم جاء زمن “السلطة” والتحسن النسبي في الأمر، ولكنه تحسن مؤقت ومنقوص، وانتهى بانقلاب إسرائيل على الاتفاقيات. بل إنّي الآن وأنا أذكر سنوات التسعينيات، أشعر بقهر أكبر مما استقر في نفسي من زيارات الطفولة. فالقهر الذي كنت أشعر به عندما أرى أبناء وبنات مسؤولي السلطة الفلسطينية، وأقرباءهم و”محاسيبهم”، وهم يلقون معاملة خاصة تبدأ لحظة دخولهم الجانب الفلسطيني من الحدود، (الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية)، أي بعد اجتياز النهر، حيث تأتي سيارات خاصة لاصطحابهم، بينما نحن حملة البطاقات الصفراء والخضراء الآخرين، في الباصات، ننتظر ساعات طوال من الإهانة. آنذاك كنت أشعر بأن قضية فلسطين ليست بخير وليست بأيد أمينة، وأن أحدا لن يتوقف عند المعاناة طالما أن من يفترض أن يتوقف ويدافع لا يعاني لا هو ولا أقاربه ولا محاسيبه.

المعاناة بالدرجة الأولى هي بسبب الإجراءات الإسرائيلية، لعمليات لا تنتهي من التفتيش وتغيير الباصات والمواصلات والطوابير وإلقاء الحقائب في العراء لتدخل في معارك حقيقية للحصول على متعلقاتك، والرسوم والجمارك التي فيها من التعسف والإهانة ما يضاعف حجمها ومعناها، فضلا عن أنها تأتي من عدو يفترض أن لا يكون أصلا موجودا في هذا المكان.

بعد أربعة أشهر من بدء عملها بدت “الحملة الدولية لحرية حركة الفلسطينيين – حملة كرامة” التي انطلقت في الضفة الغربية احتجاجا على كل ما مضى، وقد بدأت تكسب زخما. الحملة التقت في الأيام الفائتة مسؤولين في الرئاسة الفلسطينية، والسفير الأردني في رام الله يحيى القرالة، وتم تغطية نشاطها وقضيتها في قناتي “العربية” و”فلسطين” التلفزيونيتين.

هناك شقان تسعى الحملة لهما، الأول والأهم أن تضغط الحكومتان الأردنية والفلسطينية على إسرائيل لمراجعة شاملة لكل إجراءات السفر، والثاني تعديلات على الإجراءات في الجانبين الأردني والفلسطيني.

الحملة تتعلق بقضية بالغة الحساسية، تشكل مصدر معاناة نفسية ومادية تدخل في صلب تكوين شخصيات مئات الآلاف من البشر، وتتعلق بجانب من القضية الفلسطينية التي يعد البعد الإنساني فيها ذا انعكاسات أمنية وسياسية وإعلامية تمس مجمل الاستقرار في العالم. ورغم أن هناك أوجها ربما أشد للمعاناة، من مثل مشكلة معبر “رفح” في غزة مع الجانب المصري، ولكن للحملة معنى مهما آخر أيضا يجدر الالفتات إليه، فمع تراجع آليات العمل الفلسطيني التقليدية، من فصائل وما إلى ذلك، وجد المجتمع المدني نفسه معنيا بتطوير نفسه وآلياته، وأن يتولى قضاياه بنفسه، فكثيرا ما بدت إجراءات الجسور تمضي بكل مراراتها من دون أن يرفع طرف ما صوته ويعلق الجرس، ما كان يعد سببا إضافيا للمرارة. لذلك يبدو مهما أولا، دعم حملة مثل “كرامة”، وأن تبادر هيئات المجتمع المدني العربية، خاصة في مصر والأردن للتآزر مع الحملة وفق آليات ديمقراطية ومدنية معروفة. وثانيا، أن تعمم الفكرة لتتعامل مع طيف واسع من القضايا والهموم، وفي سياق تطوير ومأسسة أدوات المجتمع المدني العربي عموما في التعامل مع تفاصيل الموضوع الفلسطيني، بدءا من حصار غزة وصولا لما يجري في الضفة الغربية والشتات، وأن يكون ذلك جزءا من جهد شامل ضد الاحتلال ووجوده.

 

 

 

 

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash