مشاهدات من “غرفة الترحيل”

بواسطة , يوليو 8, 2012 12:05 م

أن تمضي ليلة كاملة في مكان جديد ومع أناس غرباء هو امر اعتيادي، لكن أن تقضي ليلة في مكان يعج بالمجرمين والخطيرين أمنيا على الدولة فهذا امر مختلف تماماً، خاصة إذا كنت مثلي لم تزر السجن من قبل.

لقد عشت ليلة واحدة في “غرفة الترحيل” في مطار القاهرة وهي مشابهة تماما للسجن – حسب ما أخبرني به بعد ذلك من زاروا السجون-، سجلت خلالها مشاهداتي هنا:

فضاء ضيق

غرفة الترحيل عبارة عن مساحة بطول 7 أمتار وبعرض 6 أمتار تقريبا ملحق بها حمام يتسع لعدد من الأشخاص لها شباكان صغيران يطلان على الجزء الخلفي من مطار القاهرة الدولي “المبنى الجديد”، تحتوي على عدد من الكراسي وطاولتين ومجموعة من البطانيات والوسائد، تضم هذه الغرفة عددا يتغير كل ساعة ولكنها لا تفرغ أبدا فتحتوي على الأقل 8 أشخاص ويصل العدد خاصة في الصباح إلى ما يزيد عن 40 شخصاً.

“عقيد” الغرفة

على طريقة مسلسل باب الحارة السوري يوجد لغرفة الترحيل “عقيد”، يكون عادة هو الأطول إقامة بين الموجودين، وفي حالتي وربما من باب المصادفة كان “عقيد” غرفتنا شاب أبيض يبلغ 28 عاما تقريبا سوري الجنسية، بمجرد دخولنا بادر إلى الترحيب بنا وتعريفنا على نظام الغرفة وأرشدنا إلى كيفية الحصول على ما نريد وتطوع ليقدم لنا النصائح حول سبل جعل إقامتنا أكثر راحة خلال الساعات القادمة، وعرض علينا بعضا من طعامه والماء الذي بحوزته، ترددنا في الاستجابة في البداية ولكنا تجاوبنا معه لاحقا.

تبديد الوهم

تعرفت على صديق مصري من الاسكندرية أثناء رحلتي ونشأت بيينا صداقة سريعة عرض بعدها استضافتي في بيته، ابتسمت حينها ابتسامة عريضة – متأكد أنها كانت بلهاء – وأخبرته بموافقتي وأوزضحت له أن السلطات المصرية هي من تقرر إذا كانت الزيارة ستتم أم لا وحسب خبرتي فانهم لن يسمحوا.

أكد لي أن الوضع تغير وأكدت له أن الوضع لم يتغير، ضابط الجوازات وغرفة الترحيل أثبتوا صدق كلامي وبددوا أوهامه.

زملاء الزنزانة

مطلوبون للعدالة، مزورون، محتالون، لصوص، هذه هي وظائف الجنسيات غير الفلسطينية الذين يقيمون في غرفة الترحيل وهم من كل بقاع الأرض تقريبا، أما نحن الفلسطينيون المقيمون في الغرفة فكنا خمسة مهندسين وأستاذ دكتور في إحدى الجامعات في قطاع غزة وأربعة تجار وعدد من الإعلاميين والصحفيين إلى جانب عدد كبير من طلاب الهندسة والطب والعلاقات الدولية والدراسات العليا في جامعات متفرقة حول العالم.

كرم الضيافة

لا ينسى مضيفنا في غرفة الترحيل أن يوفر لنا سبل الراحة وأن يؤمن لنا ضيافة كريمة ففي كرتونة صغيرة وضع لنا عدد من أرغفة الخبز وعددا من قطع الحلاوة الطحينية بالإضافة إلى علبتين من الجبنة المالحة، وهكذا أصبح بيينا وبين مضيفنا “عيش وحلاوة”، وهو ما ذكرني بالأفلام المصرية التي طالما أكدت لنا أن طعام السجناء هو “عيش وحلاوة”، لا وجود للماء هناك فهو رفاهية تستحق الدفع مقابلها !!!.

بالمقابل والحق يقال وحتى لا نظلم صاحب الغرفة ففي الغرفة عدة مميزات قد لا أجدها في وطني وهي:

  • بامكانك استخدام شبكة الانترنت اللاسلكي الخاصة بالمطار والتمتع بخدمات الانترنت طوال فترة الترحيل مجاناً.
  • يوجد وصلات كهرباء داخل الغرفة بامكانك أن تشحن عبرها كمبيوترك أو موبايلك.
  • تعمل الغرفة على تعزيز التعارف بين الشعوب فالكل هنا يتشارك ذات البلاط وذات البطانيات.

صدقة جارية

قرر نزلاء غرفة الترحيل السابقين ترك نوع من الصدقة الجارية داخل الغرفة لعلمهم بأن كثيرين سيزورنها قريبا فقام أحدهم بتحديد قبلة الصلاة برسم سهم في سقف الغرفة ليرشد المصلين إلى اتجاه القبلة، فيما ترك آخرون عددا من سجادات الصلاة ليشكلوا ما يشبه “مصلى”، آخرون تركوا بطانياتهم التي يأخذونها – كما أفعل عادة- من على الطائرة لكي يتدفأ بها المقيمون بالغرفة فتجد بطانيات جميع الخطوط الجوية تقريبا (الألمانية، الفرنسية، مصر للطيران، الإمارتية ……..).

جدارية

أينما أطلقت ناظريك في جنبات غرفة الترحيل ستجد نقوشا ورسومات وكتابات تزين جدرانها، فقد اتخذ زائروا هذه الغرفة الجدران وسيلة ليعبروا عن حنقهم وغضبهم تجاه تواجدهم في هذه الزنزانة، بعضهم حاول تسلية نفسه واشغال وقته برسم خريطة لفلسطين أو كتابة بيت شعر أو حتى ارسال رسائل لصاحب الغرفة، ربما اعتقدوا أن ذلك سيغير من طريقة تعامله مع من سيأتون لاحقا ولكنهم لم يكونوا على حق فرسائلهم لم تغير من الأمر شيئا.

البسكويت سيد الموقف

ما يحمله المسافرون عادة هو كمية محدودة من “البسكويت” وملحقاته بهدف تسلية انفسهم واشغال أطفالهم أثناء السفر، في غرفة الترحيل يتحول “البسكويت” إلى الوجبة الغذائية الرئيسية لجميع النزلاء فلا سبيل للحصول على اي شيء آخر سوى بطريقتين:

الأولى أن يكون الضابط “ابن حلال” ويسمح بارسال أحد الجنود ليجلب حاجيات النزلاء مع حفظ حقه في “الإكرامية” وهذه تعود لكرم النزلاء.

الثانية أن تضطر للاستعانة بعمال النظافة لجلب الحاجيات في مقابل مضاعفة اسعارها ثلاثة أو أربع مرات وهو ما يحدث غالباً.

سمفونية “شخير التعب”

بعد التعب الرهيب الذي يصيب المسافر نتيجة رحلته وبعد الارهاق العصبي الناتج عن عملية الترحيل وقلقه على حقائبه التي لا يسمح له بالوصول إليها إلا بعد ساعات ينام أغلب نزلاء غرفة الترحيل وتبدأ اصوات شخيرهم في العلو والانخفاض لتشكل سمفونية “شخير التعب”.

“علي” سيد المكان

“علي” طفل تركي عمره ثلاثة أعوام مرحل برفقة والديه يرتدي شورت وبلوزة حمراوين وينتعل “شبشباً” بلاستيكيا له صوت مزعج، يضع رضعته المليئة بالحليب في فمه ويدفع باب غرفة ترحيل الرجال بقدمه لينتقل إلى غرفة ترحيل النساء التي تضم أمه دون اكتراث للضباط ونظراتهم وكلماتهم واستهزائهم أو ربما اعجابهم به لا أدري.

“علي” قضى الليل يتنقل بين غرفتي ترحيل ابيه أمه ونحن نرقبه، نشعر برغبة عارمة في أن نخرج مثله وأن يكون لنا جرأته وامتيازاته فللطفولة امتيازات لا نقدرها إلا عندما نكبر.

Be Sociable, Share!

3 ردود على “مشاهدات من “غرفة الترحيل””

  1. هلا وليد قال:

    أكثر من رائع دمت متألقا في كتاباتك أتمنى في المرة المقبلة أن تكتب عن اقفال غرفة الترحيل!!! لايزال ذلك ممكنا سيدي (الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين)

  2. kalam قال:

    أتمنى أن أكتب عن اقفالها فعلا ولكن لا يبدو ذلك في القريب ممكنا …. لا يكون التألق الا بوجودكم :)

  3. أجمل ما يعبر عن غرفة الترحيل هي الصورة التي وضعتها ، هذه إحدى وصمات العار في جبين الحكومة المصرية ، شكرا لك ولهذا الوصف بشمهندس خالد

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash