آية من آيات الله تنير بيت عائلة مسعود

221 مشاهده

آية من آيات الله تنير بيت عائلة مسعود

الطفلة مسعود استبدلت قدميها بيديها التي ولدت بدونهما كي تمارس حياتها اليومية

غزة/ أمينة زيارة

آية من آيات الله منحها الله لعائلة مسعود، فقد خلقت طفلتهم “آية” بدون أيدي، حيث شكلت هذه الطفلة معجزة ربانية في قطاع غزة، فرغم أنها خُلقت بدون أيدي إلا أنها تمارس حياتها كإنسانة عادية تأكل وتشرب وتلعب وتذهب للمدرسة وتحفظ القرآن الكريم في المسجد وتستخدم الكمبيوتر وتقوم بأداء واجباتها اليومية بقدميها تارة وبفمها تارة أخرى دون مساعدة أحد، زارنا بيت الطفلة آية وعاشنا يوماً في حياة هذه المعجزة.

راضية بقدرها

الطفلة البريئة آية مسعود “9سنوات” تخرج يومياً إلى مدرستها مع رفيقتها وابنه عمها “أمل” اللواتي يسكن شارع الجلاء، حاملة على أكتافها شنطتها التي تحمل بداخلها عدد من كتبها وكراساتها وتبتسم لمن يمر عليها حتى تزيل نظرات الشفقة التي صنعها ما ألم بها من إعاقة في عيون من ينظرون إليها في ذهابها وعودتها من المدرسة، رغم ما تعيشه هذه الطفلة إلا أن الابتسامة الخجولة لا تفارق شفتيها، وقد ولدت بدون يدين لكنها رفضت الاستسلام لهذا الواقع ولا تنتظر نظرة الشفقة من هذا أو ذاك بل هي راضية بقدرها مصممة على أن تكون مثل أي طفلة في عمرها من حيث مواظبتها على التوجه لمدرستها والاجتهاد وأداء الواجبات على أكمل وجه واللعب مع صديقاتها وحفظ القرآن ومساعدة والدتها في أعمال البيت.

حياتها كأي إنسانة طبيعية كاملة الجسد، لا تختلف عنهم بشيء، فهي طفلة عادية تمارس حياتها بصورة طبيعية، تستيقظ في الصباح الباكر فتقوم وتعتلي حوض المياه، فتتوضأ وتستخدم فرشاة الأسنان بقدميها ومن ثم تصلي الفجر، ومن ثم تصنع مع أمها طعام الإفطار فهي بارعة في صناعة السلطات حتى أنها تستخدم السكين بقدميها، ومن ثم تبدأ رحلة الذهاب إلى المدرسة فتلبس ملابسها دون مساعدة من أحد وتحضر الكتب والكراسات وتضعهم في الشنطة وتحملها بفمها وتضعها على كتفها، فهي تخرج من منزلها إلى مدرستها متحدية إعاقتها بالمثابرة على الدراسة والتحصيل العلمي المتميز على طريق صنع المستحيل والتمرد على الإعاقة.

صنعت الحياة

ولم تتوقف حياتها عند هذا الحد بل تجهز نسفها للذهاب لحلقات التحفيظ في المسجد المجاور فتلبس ملابس الصلاة وتذهب إلى المسجد وتحفظ بعض صور القرآن الكريم فهي تملك صوتاً ندياً في قراءة القرآن حتى أن محفظتها وزميلاتها يحبونها كثيراً فهي فتاة ذكية وتحفظ سريعاً.

ولأنها فتاة ذكية في دراستها فهي التي صنعت الحياة من وسط العجز والمعاناة حيث كرمتها مدرسة أسماء بنت أبي بكر التي تدرس فيها كطالبة مثالية لحسن أدائها وأخلاقها وتصميمها على المضي قدماً في مسيرتها التعليمية وفي ممارسة الأنشطة اللامنهجية.

آية ومعجزة

والدها الذي بدأ حديثه بالحمد والثناء لله على ما إكرامه بهذه الطفلة البريئة التي وُلدت دون أطراف فقد قال: هي آية من كتاب الله ومعجزة في البيت برغم ولادتها بدون إطراف إلا أنها تعيش معنا كفتاة عادية لا تطلب مساعدة من أحد، فهي تقوم باحتياجاتها بنفسها “تكتب وتلعب وتأكل وتتوضأ دون مساعدة”، وعن كيفية ولادتها كذلك تشاركنا الحديث والدتها قائلة: كنت في كل مرة أذهب للطبيب وتؤخذ صورة للجنين ولا يظهر أي تشوه أو عيب خلقي في الطفل وهذا ما طمأننا على أن صحة الجنين جيدة، وعند ولادتها تم نقلتها بصورة سريعة إلى الحضانة وعندما طلبت أن أراها قالوا بعد ساعة حتى تخرج من الحصانة ومرت الساعات ولكنها لم تأتي فسارع والدها للاطمئنان عليها رغم رفض الأطباء والممرضات حتى كانت المفاجأة لنا حيث قال الطبيب “إن الطفلة ولدت بدون أيدي”، ولقد رضينا بما كتبه الله  لنا وحمدناه على منته وعطائه ولم ننكرها، وتنظر إلى تلك الوجه الملائكي المبتسم كعادته قائلة: إنها منة جميلة من الله لعائلتي ونحمد الله على أنه رزقنا بهذه الطفلة البريئة فهي أجمل شيء في البيت رغم إعاقتها فهي تلهو وتلعب من حولنا، وحركاتها في البيت لا تتوقف، فإخوتها يحبونها كثيراً ويحاولون مساعدتها إلا أنها ترفض وتستخدم قدميها في كل عمل تقوم به ولا تطلب حتى مساعدة والدتها.

الإرادة والتحدي

وينظر إلى آية التي بدورها بادرته بابتسامتها الطفولية وكأنه يشد من عزيمتها ويثني على ما تقوم به قائلاً: أنا أحب فيها صفة الإرادة والتحدي وتخطي الصعاب وتجربة كل أمر تقوم به، فهذه صفة لا تجدها في الكبار الذين فقدوا أطرافهم، فمنهم من فقد يد واحد ويشعر أن الحياة هزمته وأخذت منه أجمل أيام حياته ويجلس وحيداً بعيداً عن الناس يبكي أيامه السابقة عندما كان صحيحاً، لكن آية طفلة صابرة وتحدت كل الصعاب فلم تقف جامدة حتى يهزمها الزمن بل هي من هزمته وقاومت ونجحت بشهادة مدرساتها ومن عرفها، وتعاود والدتها الحديث عن الأعمال التي تقوم بها آية في البيت قائلة: تعيش كإنسانة عادية تشاركني في المطبخ ولا تضايقني في طلباتها فهي تلبس لمدرستها وتحضر كتبها وتأكل دون مساعدة، كما أنها محبوبة بين رفيقاتها في المسجد والمدرسة فمعلماتها يحبونها ليس من باب شفقة عليها -على حد قولهن- بل لأنها طفلة ذكية في المدرسة وحسنة في التعامل معهن، ورغم إعاقتها فإنها تفهم الدرس بسرعة وتسابق زميلاتها في الكتابة والحفظ وكذلك يحدث في المسجد فهي سريعة الحفظ وما أن عندما تعود من المسجد تدخل إلى غرفتها وتحفظ ما أخذته في المسجد وتبدأ بتلاوة بعض الآيات بصوتها الجميل الحنون رغم صغر سنها.

أمل في الحياة

ويعاود والدها حديثه عن هذه الطفلة فيقول: آية تحب بنات عمها فهن رفيقاتها إلى المدرسة وفي اللعب، فإنها تمارس جميع العاب الأطفال ولا تجد صعوبة في ممارسة أي منها لأنها في قرارة نفسها فهي تريد أن تعيش بكل حرية وبشكل طبيعي حتى أنها لا تشعرنا بعجزها في البيت بل هي إنسانة طبيعية ولديها أمل كبير في الحياة، حيث تستخدم الحاسوب بشكل طبيعي وكأنها تستخدم يدها، رغم أنها ولدت بدون أيدي ألا أن الله لم يحرمها نعمة الحياة، وعندما الأطراف العلوية صارت تمارس حياتها بأطرافها السفلية، “الحمد لله على هذه النعمة الجميلة التي منّ الله بها علينا” فهي بركة في بيتنا ووجودها يزيدنا سروراً لأنني لم ارفضها يوماً أو أنكر نعمة الله بل دائماً اشكره على هذه النعمة.

 

ضمن تصنيف Uncategorized | تعليق واحد »

أطفالنا بين خفة الدم وقلة الأدب

د. المطوع: يجب أن نتعامل مع أخطاء الطفل بالطرق الإيجابية دائماً

غزة / أمينة زيارة

يفاجأ الوالدان بتصرفات أطفالهم ما دون ثلاث سنوات السيئة بإطلاق ألفاظ بذيئة على مسمع منه، فبعضهم يصفق طرباً لطفله الذي لتوه خرج عن صمته بإطلاق هذه الألفاظ، وآخرين يعقد الاستغراب والمفاجأة لسانهم ويتساءلون هل ابني من قال ذلك؟ وتفوه بهذه الكلمة السيئة، إلا أن الطفل يبقى صفحة بيضاء لا يشوبها شائب إلا إذا تعرضت لمن يعلم عليها بقلمه، وهو يستقى ألفاظه وعلاقاته من البيئة المحبطة به سواء أخوته أو والديه، فهل هناك علاقة بين قلة الأدب وخفة الدم لدى الأطفال، “الرسالة” طرقت البيوت الغزية واستمعت إلى تجاربهم.

**خفة دم أم قلة أدب

الطفل “محمد” البالغ عامين شدد عليه والده في المزاح حتى صرخ في وجه وكال عليه بكلمات بذيئة حفظها من شقيقه الكبير الذي اعتاد أن يلقيها على مسامعه، ومن ثم بدأ بالبصق ووالده يصفق فرحاً لطفله الصغير الذي يعرف الشتائم، ويصرح: ما يقوله هذا الطفل ليس قلة أدب كما يعتقد البعض فهذا الطفل برئ لا يعرف معناً لهذه الكلمة، مضيفاً: اعتبرها خفة دم تنطبق على جميع الأطفال في سنه، ويستدرك: لكن الكلمة الأولى لها فرحتها والثانية تمر بصورة طبيعية لكن في المرة الثالثة يجب أن يكون للوالدين دور فعال في توقيف الطفل عن هذه السلوكيات والأفعال السيئة والتركيز على التربية الإسلامية الصحيحة. 

أما “نادية، فهي طالبة جامعية معلوم عنها أنها تحب ملاطفة الأطفال في جميع الاعمار فتحدثنا عم تجربتها مع شتائم الأطفال قائلة: زرت مرة صديقة لي وكان لها أخ صغير لا يتجاوز السادسة من عمره، فأشرت إليه فأبتسم لي ابتسامة الأطفال البريئة فناديته وقبلته وسألته عن اسمه كحالنا جميعاً مع الأطفال، ثم قدمت له حلوى ممن كنت احملها في حقيبتي، وتواصل مبتسمة: ندمت على ذلك فقد تحول ذلك الطفل البريء فجأة إلى قط مفترس، فأصبح يجري من حولي ويرمي علي ما يأتي تحت يديه مما خف حمله وأوجع ألمه، مضيفة: المصيبة أن شقيقته التي هي صديقتي تضحك وتقول ما قدرها الله عليه (عيب حبيبي) وهي مبتسمة (عيب يا عمتو) دون أي إحساس بموقفي، متسائلة: بدت لا ادري هل أفعال هذه الطفل هي من باب خفة دم التي قد يُعجب بها بعض الآباء والأمهات ويصفقوا لها ولا يلقوا لها بالاً، أم تدخل في خانة قلة الأدب.

**خفة دم وبراءة أطفال

فيما تشاركنا الحاجة الخمسينية “أم زكريا” وهي مدرسة الحديث مؤكدة أن ما يقوم بها الأطفال من سلوكيات وألفاظ غير مفهومة من الطفل ما دون ثلاث سنوات، أنها من باب خفة الدم وبراءة أطفال خاصة أن هذا الطفل لم يبدأ الكلام في سنه، فتخرج منه بعض الألفاظ غير المفهومة كناية عن شتائم وسباب أو الإشارة بالفم ليس من باب قلة الأدب وعدم احترام الكبير كما يقول البعض، مشيرة إلى أن ما يقوم به الطفل دون وعي وعن غير عمد فقط للتعبير عن تذمره من سلوك أو إذا شعر بمضايقة أحد.

وتنوه: هذا الطفل يكتسب هذه الألفاظ من خلال أشقائه أو أبناء الجيران وقد يُتهم الأجداد بأنهم من يعلمون الأطفال هذه الألفاظ لأنهم يكيلون عليهم بالدلال الزائد والمحبة الكبيرة، والأجداد من هذه السلوكيات والأفعال براء، وهي شكوى اغلب الأمهات بأن الجدة بالذات هي من تربي الطفل على تلك الأمور وتصفق له على التلفظ بها.

**تربية نبوية

ويقول د. جاسم المطوع الأخصائي التربوي من خلال الاتصال به عبر الانترنت عن تربية الطفل في الإسلام قائلاً: لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الطفل على الأسس الصحيحة التي تكفل نشأته في بيئة مهيأة تحضيراً لانطلاقته كعنصر فعال في المجتمع المسلم، فنجد النبي عليه السلام يؤسس لتلك البيئة حتى قبل وجود الأطفال من خلال تأكيده على ضرورة اتخاذ قرار اختيار الزوجة الصالحة {فاظفر بذات الدين تربت يداك} فهو قرار تربوي في الأساس، لأن صلاح المرأة سينعكس على تربية الأبناء بشكل مباشر، ثم بعد ذلك عندما سترزق هذه الأسرة بمولود أمرهم النبي صلوات الله وسلامه عليه بتنشئته على التوحيد والإيمان بالله فقد قال عليه الصلاة والسلام: {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه} وكذلك نصيحته عليه السلام للوالدين بالتزام القدوة الوالدية أمام الأبناء لما له من كبير الأثر في نشأة الأبناء نشأةً صالحة فقد قال: {رحم الله امرأً أعان ولده على بره}

**أسس التربية الإسلامية

وعن أسس التربية الإسلامية الخالصة يؤكد د. المطوع: يجب أن يُحسن الوالدان اختيار اسم الولد ذكراً كان أو أنثى فكما قيل لكل امرئٍ من اسمه نصيب، أن تتم عملية رضاعة الطفل بشكل طبيعي قدر الإمكان فإن للرضاعة الطبيعية أكبر الأثر في حسن التربية والتنشئة، غرس معاني الإيمان في الطفل وتغذيته بالقيم والأخلاق الفاضلة منذ نعومة أظفاره، نتعامل مع أخطاء الطفل بالطرق الإيجابية دائماً، فإذا ما أخطأ الطفل لا نقطع علاقتنا به ولا نضربه وإنما ينبغي أن نحرص على معالجة المشكلة بالحوار أولاً وثانياً وثالثاً ولابد في نهاية المطاف أن نصل إلى نتيجة إيجابية.

**متابعة الطفل

وعن تدخل الأجداد في تربية الأبناء يقول: لا يستطيع الوالدان أن يمنعا أي تدفق للمعلومات من خارج إطار الأسرة، لأن الطفل لابد وأنه سيتأثر بمن حوله سواءً كانوا أصدقاء مدرسة أو أقارب أو وسائل إعلام، ومهمة الوالدين هنا هي متابعة الطفل وتوجيهه وحسن تربيته، مضيفاً: أما من ناحية تدخل الأجداد بشكل خاص فقد لا يكون سلبياً دائماً فقد تكون هناك تدخلات إيجابية مثل التدخل لزيادة خبرة الطفل وتعليمه وتدريبه فهذه خطوة إيجابية ينبغي على الوالدين تشجيعها، أما إن كان التدخل سلبيا لجهة الإفساد أو التشجيع على الانحراف، فعلى الوالدين أن يمنعا هذا التدخل بحكمة وذكاء . 

وينصح الوالدان قائلاً: إن التربية عملية شاقة وطويلة وبالتالي العملية لن تتوقف عند التذمر أو إعلان الاستسلام، فإن كل لحظة يقضيها الوالدان مع أولادهما تشكِّل استثماراً ناجحاً في الدنيا والآخرة وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم {من كان له ثلاث بنات يؤدبهن، ويرحمهن، ويكفلهن، ويزوجهن، وجبت له الجنة البتة} قيل: يا رسول الله ، فان كانتا اثنتين ؟قال: {وان كانتا اثنتين} قال – أي الراوي – : فرأى بعض القوم أن لو قالوا: واحدة، لقال: واحدة.

ضمن تصنيف Uncategorized | تعليق واحد »

“هذا ما جناه عليّ أبي”

“هذا ما جناه عليّ أبي”

لا عمل ولا مصاهرة ولا تعليم .. أبناء العملاء الحلقة الأضعف في المجتمع الفلسطيني

غزة/ أمينة زيارة

لا تزوجوهم فالعرق دساس، ابتعدوا عنهم ولا تصادقوهم فلا عهد لهم مثل أبيهم، لا عمل لهم فلا مجال لاستيعابهم لأنهم اقترنوا بوالد “عميل”، تلك هي الوصمة التي لصقت بأبناء لا ذنب لهم سوى أن أبيهم “تعاون مع الاحتلال ضد أبناء شعبه”، فإنهم يعتبروا الحلقة الأضعف في المجتمع الفلسطيني حيث لا عمل ولا تعليم ولا صداقة ولا حتى مصاهرة، استمعتنا لهؤلاء الضعفاء وأسمعت شكواهم للمجتمع عله يرحمهم من نظرته القاسية.

**ما ذنبي؟!

“ما ذنبي إذا كان أبي عميل؟” بهذه الجملة التي كسرت القلوب المتحجرة اتجاه هذا الإنسان صرخ الشاب “م.و”: وعيت على الدنيا فوجدت أبي يغدق عليّ بالأموال التي لا أعرف مصدرها وأم تلومه يومياً، حتى استيقظت في الصباح على صرخات أمي وأبي ملقى على باب البيت جثة هامدة والدماء تغطي جسده، ويضيف بانكسار: سألت والدتي من قتله فقد أخفت عني سبب القتل حتى فوجئت بأحد الطلاب في الفصل وأنا في الصف السادس يهمس في أذن من يشاركني الطاولة “هذا ابن العميل الفلاني” فقد قام الطالب وابتعد عني وكانت البداية، فقد كنت وحيداً في المدرسة لا صديق ولا زميل حتى نظرة الأساتذة اختلفت اتجاهي، مع أنني من المتفوقين، ويتابع: بسبب هذه النظرة كرهت الدنيا وتدني مستواي التحصيلي، لكن تشجيع والدتي وأخوالي لي كان دافعاً للاستمرار للوصول إلى الجامعة.

ويصمت قليلاً وتسبقه دمعه حرقت وجنتيه: لم تستمر حياتي كما تمنيت فقد لاحقتني الوصمة حتى الجامعة فقد لاقيت اهانات ونظرات خوف من قبل زملاء الدراسة “هذا ابن عميل والعرق دساس وبكره بيمشي على خطى والده” ولازلت أعاني من هذه النظرة حتى بعد تخرجي فلم أحظى بأي وظيفة بسبب هذه الوصمة حتى بدت اعمل خارج إطار دراستي الجامعية كعامل بسيط.

**”هذا ما جناه عليّ أبي”

وتفاجئنا الفتاة “ف.ع” 28عاماً بصرختها “هذا ما جناه عليّ أبي” فقد قالت: لم أعيش طفولتي كغيري من الأطفال فقد كنت وحيدة لا صديق ولا قريب الكل يهرب مني لأني “ابنه عميل” وهذا كان دافع لعدم إتمامي دراستي في المدرسة، فقد انسحبت من المرحلة الإعدادية وتذكر لنا الموقف الذي دفعها للانسحاب قائلة: عندما قالت لي إحدى زميلات الفصل “يا ابنة العميل” فهجمت عليها وضربتها فجاءت المعلمة وبدأت تفرق بيننا وقالت المعلمة “شو بدنا نقول بنت عميل والعرق دساس”، وعن الخطبة والزواج تقول: لم يتقدم أي شاب لخطبتي بسبب الوصمة التي وصمها أبي للعائلة، فلي ثلاث أربعة مثلي لم تتزوج أي واحدة منهن حتى أخي واجه صعوبة في اختيار العروس حيث رفضته كثير من العائلات لأنه “ابن عميل” فقد اضطر للزواج من ابنه خالي، موضحة: هناك بعض العائلات تنظر لنا نظرة ايجابية فقد تزوجت أختي البالغة 20 عاماً من رجل متزوج يكبرها بعشرين عاماً، وأنا زوجي لا يحمل الجنسية الفلسطينية وأختي الأخرى تزوجت خارج فلسطين.

**الالتزام الديني

أما الشاب “أ.ح” والبالغ 22عاماً فقد تحدث بصراحة: لقد حاولت الانتحار أكثر من مرة ولكن تنقذني أمي في النهاية بقولها “من يحمي أخواتك فأنت سندهم” مضيفاً: واجهت أصعب أيام في حياتي مرت وكأنها دهور حيث قُتل والدي وأنا كنت في السنة السادسة ولم أعي أين ذهب فقد كانت تقول لي جدتي وأمي إنه “استشهد من اليهود” إلى أن عرفت بأنه قُتل لأنه تعاون مع الاحتلال ضد أبناء شعبه، ويتساءل بألم يعصر قلبه: ما ذنبي إذا كان هو عميل؟ لماذا يأخذوني بذنبه؟، ويصمت ليعاود القول بعزيمة قوية: عندما ألم بي ضعف شديد بسبب ما أواجهه لجأت إلى الله ودخلت المسجد وبدأت أحفظ القرآن حتى تذهب فكرة الانتحار عن رأسي، والحمد لله التزمت كثيراً وهذا كان الباب الذي دخلت فيه إلى المجتمع بأكثر إرادة وعزيمة فقد نسي البعض سمعة والدي بالتعامل معي.

**ضحية والدهم

ويعقب د. وليد شبير رئيس قسم الخدمة الاجتماعية في الجامعة الإسلامية على الوصمة بحق أبناء العملاء فيقول: هؤلاء الأبناء هم ضحية لوالدهم وينظر لهم المجتمع نظرة سلبية باعتبارهم أبناء العملاء ويوصمون بهذه العبارة طيلة الوقت، ويضيف: هناك نظرة ايجابية من بعض الأفراد من المجتمع الفلسطيني بأن هؤلاء الأبناء لا ذنب لهم في العمالة التي ارتكبها والدهم وينظرون إليهم بمنظار آخر فيتقربون لهم ويصادقونهم أو قد يصاهرونهم وتعاملون معهم ولكن بصفة عامة تبقى النظرة السائدة هي نظرة سلبية بأنهم أبناء عملاء.

وعن تأثير وصمة “أبناء العملاء” عليهم يشير د. شبير إن هذا الوصمة تدفع الأبناء خاصة إذا كانوا في سن الشباب إلى العزلة الاجتماعية عن المجتمع وأن يفقدوا الثقة بأنفسهم وقدراتهم وبمن حولهم، ويصيبهم القلق والتوتر النفسي الذي يدفعهم للتفكير بالانتحار خاصة إن لم يكن لديهم الوازع الديني وعدم الثقة بالذات، منوهاً: يمكن أن تدفع هذه النظرة الأبناء إلى التعامل مع العدو والسير على درب والدهم إذا كان المجتمع مهمشهم، وانتمائهم للوطن ضعيف.

ويواصل حديثه: علاقاتهم تصبح محصورة ومنغلقة على أنفسهم خجلاً من السمعة السيئة ونظرات العار التي تلاحقهم فينعكس على نفسيتهم وتتحطم معنوياتهم ويشعرون بالخجل ويكرهون العالم ويكرهون أسرهم “.

**العرق دساس

ويشير رئيس قسم الخدمة الاجتماعية إلى أن الإناث هن أكثر ما يواجهن هذا النظرة السيئة في المجتمع، فقد المجتمع يرفض الزواج منهن لأن البعض يعتقد بأن “العرق دساس” فالمجتمع ينظر نظرة قاسية لهن، وحتى لو كانت الفتاة متزوجة سوف تبقى مكسورة الخاطر وستتعرض للمعايرة والشتم مما يؤدي إلى ضعف شخصيتها وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها.

ويرى د. شبير أن من أبناء العملاء قد يسلكون أحد المسلكين الاجتماعيين وهما إما السلوك الإنحرافي لعدم قدرته على مواجهة هذا الواقع الذي ظلمه والده والمجتمع، أو سلوك ايجابي للذين يدركون خطورة ما ارتكبه آباءهم فيعملون على تغيير الصورة السيئة واستبدالها بصورة حسنة وذلك من خلال التزامهم الديني وانخراطهم في العمل الوطني وتقديم أرواحهم فداء للوطن ومحو العار عنهم وآخرين ينجزون في تطورهم العلمي وتحسين أوضاعهم الاجتماعية.

**توعية المجتمع

مؤكداً على أن هذه النظرة السلبية يمكن علاجها بتوعية المجتمع بكافة الوسائل من خلال البرامج المتلفزة ووعاظ المساجد وتوعية الشباب في الجامعات بأن هؤلاء الأبناء لا ذنب لهم وعلينا أن نحترمهم ونفتح أمامهم المجالات الاجتماعية من حيث التعليم والزواج والعمل والتعامل مع الآخرين لأنهم مسئولون عن أنفسهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم في المجتمع وهذا كفيل بإبعادهم عن التفكير في المشي على خطى والدهم، موصياً بضرورة الكف عن النظرة السلبية لهم ومعاملتهم السيئة وتوفير لهم ملاذا آمنا لنقيهم من الانحراف.

فإلى متى سنبقى ننظر لهؤلاء الأبناء الذين لا ذنب لهم بنظرة الخوف العار لأنهم أبناء العملاء؟

ضمن تصنيف Uncategorized | تعليق واحد »

لغز بشري أبدع الخالق تصويره في أجمل وأحسن تقويم

لغز بشري أبدع الخالق تصويره في أجمل وأحسن تقويم

التوائم: بيئة واحدة .. صور متطابقة .. وأرواح متماثلة

غزة/ أمينة رجب زيارة

رقيقة وشفافة.. ابتسامتها لا تفارق شفاها.. كانت فاكهة مجلسنا، وكم كنت سعيدة بالتعرف إليها والتقارب الأخوي بيننا، وهي كذلك كانت سعيدة، وتواعدنا على استمرار التواصل الأخوي، ومرت الأيام والشهور.. ولم يتم التواصل، إلى أن جاءت الصدفة التي جمعتني بها أو بالأحرى بمرآتها على أرض الجامعة، وما أن شاهدتها حتى أسرعت الخطى نحوها وهممت بتقبيلها واحتضانها، وما كان منها إلا أن استغربت لهذه الفعلة، وبدأت ألقي عليها كماً من اللوم والعتاب وعدم الوفاء بالوعد، إلا أنها فاجأتني بإجابتها : “مين حضرتك؟؟” أصابتني دهشة عقدت لساني عن مواصلة الحديث، ومن ثم تداركت الأمر وقالت: ” آه ..آه ..إنت بتفكريني “هداية”، لا أنا “نور” توأمها” خجلت كثيراً وأحمر وجهي من هذا الموقف، واعتذرت لها على ما بدر مني، تلك القصة التي مررت بها هي ما دفعتني إلى كتابة هذه السطور لإلقاء الضوء على اللغز البشري العجيب ألا وهو “التوائم” ، فكيف تعيشون حياتهم؟ وكيف يتعامل الآخرين معهم؟ للإجابة على هذه الأسئلة التقينا بكثير من التوائم وجمعنا لكم مواقفهم فتعالوا منا لنستمتع بحل هذا اللغز العجيب..!  

صعوبة في التمييز

عالم التوائم عالم عجيب تتجلى فيه عظمة الخالق جل وعلا ، وأحيانـًا تحدث بعض المفارقات الطريفة بسبب الشبه الشديد بين التوأمين.. تراهما في الشارع بملابسهم الرياضية عائدين من التمرين المتعب كل يتكأ على الآخر، لأول وهلة تشعر بأنك أمام خيال أو مرآه، ولكنه الواقع الملموس فهما التوءم محمد وأحمد نعيم السويركي (10 أعوام) في الصف الخامس الابتدائي حيث كان الشبه بينهما كبير جدا حتى أننا لم نستطع التفريق بينهما إلا عندما ضحكا، واستقبلنا أحمد بابتسامته الطفولية قائلاً: إن أساتذتي لا يستطيعون التفريق بيننا حيث إننا نتشارك في الصف والملامح والمقعد والملابس، مجيباً بابتسامه التي لا تفارق شفاه ” إن أستاذي قال لي عندما أنادي عليك افتح تمك علشان اعرف أميزكم” ويشاركنا محمد المواقف المضحكة عندما قال:” طلب مني أستاذ الحساب أن يضع لي والدي لاصق على وجهي ويكتب عليه اسمي، وأستاذ اللغة العربي قال سوف آتي بسكين وأعلم وجه أحدكما كي أعرفه” وتتدخل الوالدة ” أم حربي في الحديث قائلة:” كانت تربيتهم صعبة جداً خصوصا عندما يمرضان فعندما اذهب بهما إلى الدكتور مرتين يفاجئني قائلا: “حرام عليكي تعطي الولد جرعة كبيرة أو إبرتين، فإنه سيموت”، وعندما يعلم بأنهما توائم يطأطئ رأسه خجلاً مني وتنتابه موجة من الضحك، مضيفة : عندما شاهدت أختي وهي”سلفتي” معاناتي في تربيتهم شاركتني في الاهتمام والرعاية جزاها الله خيراً.

إنت مين فيهم؟!

يمرون في حياتهم بالمئات من المواقف الطريفة، وغير الطريفة أيضا، يشعرون دائما أنهم مثار الأحاديث والتعليقات والتساؤلات، هذا ما حدث فعلاً مع التوأمين سجود وابتهال بزهات الشاعر(14عام) في الصف التاسع حيث فاجأتنا ابتهال قائلة بعصبية: أنا صرت اكره اخرج للشارع أو مقابلة الأقارب لأننا أصبحنا محط أنظار الناس، مضيفة: “لقد كرهت السؤال الذي يلقونه علي( إنت مين فيهم؟!)، وحتى نخرج من حدة الموضوع خرجت علينا سجود بابتسامتها الجميلة قائلة: إنني أتعرض للضرب والإهانة واللوم من المعلمات وزميلات الدراسة بدلاً منها، حتى أن هناك بعض المدرسات بدأن يكرهنني جراء ما تفعله ابتهال فيهن.

وتشاركنا الحديث والدتهما (أم أمير) قائلة: كم كنت فرحة جداً بقدوم توءم إلى البيت وكذلك زوجي، ورغم أنهما بنات إلا أن سعادتي بهما كبيرة رغم الحزن الذي ألم بالعائلة لاعتقادهم الخطأ بالفتيات، مضيفة: كم كانت ولادتهما صعبة حيث ولدت الأولى في مستوصف الرحمة بالشجاعية والثانية بعدها بساعتين في مستشفى الشفاء، والحمد لله لم أعاني في تربيتهما حيث شاركنني بناتي الكبار في الاهتمام والعناية بهما.  

ارتباط وثيق

«لا نعلم لماذا يتساءل الناس، وتبدو على محياهم علامات التعجب عندما يروننا» بهذه الكلمات بدأت إحدى التوأمين (نور وهداية تيسير الفيومي20عام) قائلة: تربينا في بيت واحد وتزوجنا في بيت واحد وافترقنا في يوم واحد، عشنا أحلى سنوات عمرنا، ومن ثم دخلنا جامعة القدس المفتوحة وكلاً منا دخلت تخصص يختلف عن الأخرى بسبب ميلونا العلمية والدراسية، كانت تسرح بخيالها بين الفينة والأخرى، وعندما استعلمنا الأمر أجابت هداية: إن نور مريضة بسبب آلام في أسنانها، فأنا اشعر بأنني وحيدة في البيت رغم وجود أخوات لي غيرها، وتعود إلى ابتسامتها وتسرد لنا مواقف مضحكة مرت بها قائلة: ونحن صغار ذهبنا إلى الأردن لزيارة خالي وهناك طلب مني خالي أن آتي بأختي التوائم كي تسلم عليه، فبحثت عنها كثيراً ولم أجدها فما كان مني إلا أن رجعت وسلمت عليه للمرة الثانية، فهو لا يستطيع التفريق بيننا، مضيفة: إن أذواقنا ومشاعرنا واحدة، فعندما تغضب نور من أحد أخوتي فإنني اغضب لغضبها وأتجنب الحديث معه، فهي كاتمة أسراري ورفيقة عمري وأدعو الله لا يفارقنا، وتقول والدتهما “أم ياسر”: كم كانت ولادة التوائم صعبة وتربيتهما أيضا، حيث واجهت مشاكل كثيرة في الاهتمام بهما ورعايتهما إلا أن الله بعث لي بنات رقيقات القلب وحنونات شاركنني في تربية أخواتهن دون التذمر، لقد كن أمهات حنونات ودودات ولم يفرقن يوماً في المعاملة والحب بين أخواتهما.

توم وجيري

فعندما تسير في الطريق وترى توأمين متطابقين، سوف يغمرك اندهاش وتعجب لقدرة الخالق سبحانه وتعالى، وتقول: ” سبحان من يخلق من الشبه ما يشاء وكيف يشاء ” وهذا ما حصل مع “السعادة” في بيت التوائم (أماني وآمال مصطفى غباين 18 عام) حيث خرجتا علينا مبتسمات بنفس الملامح والملابس رغم كبر سنهما إلا أنهما مازالتا ذوقهما وألوانها المحببة واحدة، حيث تحدثت لنا آمال عن مراحل حياتهما قائلة: كنا ندرس في مدرسة واحدة وفي صف واحد ومقعد واحد ونفس الفرع “الأدبي”، والجدير ذكره أننا تخرجنا من الثانوية العامة بنفس المجموع ألا وهو (92.4%) إلا أننا افترقنا في الجامعة حيث درست كل واحدة منهما التخصص الذي تهواه، ففي جامعة الأزهر الكل يعلم بأن هناك تواءم هما (آمال وأماني) كما وأنهم يطلقون علينا مسمى” توم وجيري” وتدخلت والدتهما (أم حسين) قائلة: كانتا أول بنات تدخل العائلة مما زاد غضب “عمي وعمتي” ولم يقتربوا منهم إلا عندما كبروا وأصبحوا في سن 3 سنوات، مضيفة : لقد شاركتني أختي في تربيتهما والعناية بهما، ولم استطيع التمييز بينهما إلا في سن عامان حيث كنت أضع لكل واحدة “قرط” يختلف لونه عن الأخرى. 

عبء ومسؤولية

وعن وجود التوائم في الحياة الزوجية وتأثيره على الوالدين يشير أ. منير أبو الجديان أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى: إن وجود التوائم في بداية الحياة الزوجية فيها سعادة غامرة جداً، أما إذا كان التوائم بعد عدة أطفال فإن تأثير قدومهم يتعلق عدة جوانب اجتماعية واقتصادية فإن كانت الأسرة من الطبقة الاجتماعية المتوسطة أو العليا، فهذا يشعرهم بأن التوائم يشكلون عبء ومسؤولية كبيرة بحيث يكون الوالدين متضايقين منهم لأنهما منهمكان في العمل ولا يجدون فرصة للجلوس معهم مما يدفعهم إلى السعي لتنظيم الحمل، رغم أن وضعهم الاقتصادي جيد، بينما الأسر الفقيرة والتي تقع ضمن العائلة الممتدة فيكون فيها فرح وسعادة لأن هذه العائلات تحب الأولاد لأنهم يشكلون “عزوة” وكثرتهم جزء من تعزيز امتداد العائلة، لذلك نجد الجد والجدة والأعمام يهتمون بهؤلاء التوائم، ويكونوا حريصين على تربيتهم والاهتمام بهم، وحتى لو كانوا في بيئة اجتماعية فقيرة، مضيفاً: عندما يكون التوائم في العائلة ذكور تكون الفرحة كبيرة والسعادة غامرة، أما إذا كانوا بنات فإنهم ينظرون لهم نظرة سلبية على المستوى الاجتماعي والنفسي، ويتابع حديثه قائلاً: هناك نظرة سلبية في المجتمع للأنثى، والأم حيث يطلقون عليها مسمى” أم البنات” لأنهم يعتقدون بأن البنات يجلبون العار للقبيلة، فهناك استفادة من الذكر من الناحية المادية أما الأنثى فهي تشكل عبء مادي واجتماعي ونفسي على الأسرة.

ويعلق برأيه: إن ضغط العمل على المرأة العاملة يدفعها لعدم الاهتمام بالتوءم، لذلك نجد بأن الطفل الهادي والذي لا يبكي تفضله الأم عن أخيه، أما المشاكس والبكّاء فهو يشكل عبء ويؤثر بشكل سلبي على الأسرة، وعن سبب انطواء بعض التوائم في البيوت والانزواء عن العالم يؤكد أبو الجديان: لكل فرد في التوائم شخصية مستقلة، حيث أنهما يكونان في بداية تكوين الهوية من ناحية نفسية، ومن ثم تبدأ مرحلة التمرد الذاتية، فهو يشعر أنه متفرد وله شخصيته الخاصة، فهنا يواجه مشاكل مع أهله ومجتمعه، لأن المجتمع يعامل فلان على أنه أخيه، وليس بشخصيته الاستقلالية، فهنا تستاء الأمور ويلجا للانطواء عن العالم الخارجي فلا يريد أحد التوائم بأن تُلصق به سمات الشخصية الأخرى بالخطأ.

تفكير متطابق

ويؤكد أ. أبو الجديان: يبالغ كثير من الناس عند وصف التوأمين من ناحية نفسية، حيث يصفونهم بالتفكير المتطابق ولو تباعدت الأجسام، وأن كلاً منهما يعرف خواطر الآخر، وهذا الكلام غير صحيح، فإن التوأمين يكون بينهما من التقارب الشيء الكثير، وعادة ما تنطبق رغباتهما في الأكل واللباس وغيرها، معرجاً على أن هناك فرق بين توأم متطابق بحيث وضع أحدهما في فصل والآخر في فصل آخر في المدرسة فإذا ضرب أحدهما في فصل بكى الآخر في الفصل الثاني، وعندما يذهب أحدهما إلى خياط والآخر إلى خياط آخر يختار كل واحد منهما قماشًا لبذلة من نفس اللون والقماش، يقسّمان كل شيء بينهما بالتساوي، ويفهمان بعضهما بعمق ويجيدان التحدث بالعيون حيث يفهمان بعضهما بدون كلام، إذا مرض أحد التوأمين يصاب الآخر بالاكتئاب حتى يشفى توأمه.

ويوضح أ. أبو الجديان قائلاً: أكدت دراسات التوائم -اللذان يخرجان من نفس البويضة- بأن التأثير من الناحية الوراثية على التوائم يجعل سلوكهما متشابهاً لأنهما يعشان بيئة واحدة، في حين أثبتت دراسات أخرى بأن الكثير من التوائم المتماثلة يختلف سلوكهم ولهم أطباع وذكاء مختلف، فإن التأثير البيئي الذي يعيشه التوائم يجعلهم يشعرون ببعضهم البعض، فإذا شعر أحدهم بالاكتئاب ينعكس على أخيه ويكتئب مثله أو يأخذ موقف ممن اغضب شقيقه، فهذا يدلل على أنهم يتأثرون بنفس البيئة الاجتماعية ونفس الخصائص الوراثية.

ووجه أبو الجديان نصيحة للأمهات أكد فيها على “أن  تنادي كل واحد منهما باسمه فهذا يمهد للتعرف على شخصيتهما منذ الطفولة، من الأفضل أن لا تكون ملابسهم متشابه منذ الطفولة وقد يحلو للأم أن تلبس طفليها ثياب متشابه ولكن يجب أن تعرف أن الطفل ليس دمية، بحيث تكون ألوان الثياب وتسريحة الشعر مختلفة، يجب أن يكون لكل منهما سريره منذ البداية وهذا له أثر نفسي مهم، فبكاء الطفل في سريره يجر إلى بكاء الأخر إذا كانا سوية أما إذا كانا منفصلين فأن الحالة تخف، أعطيهما ألعاباً مختلفة منذ الصغر، امنحيهما أوقاتاً مختلفة معكِ كي تساعدي طفلك على التعبير عن ذاته، تجنبي أن يكون كل اهتمامك بطفل والأب بالطفل الثاني فكلا التوأمين بحاجة إلى الوالدين معاً، وعوّدي توأمك منذ البداية أن تكون لهما رغبات مختلفة وطموحات متباينة.

تغيير روتين الحياة

أما الأخصائية الاجتماعية سهيلة سرحان فقد أوضحت تأثير وجود توائم في الأسرة على الوالدين من الناحية الاجتماعية قائلة: إن استقبال طفل جديد في البيت يعني تغيير روتين حياة الوالدين، أما استقبال توءم فانه يمثل تحديا مضاعفا فهذا معناه مضاعفة مسؤولية الوالدين بسبب وجود ضرورة حتمية للعمل المزدوج التربوي، فكل شيء تقوم به الأسرة لابد أن تقوم به لطفلين، فالتغذية لطفلين، والعناية بالنظافة لطفلين، وتحتاج الأم في كثير من الحالات إلى من يعينها على تخطّي السنة الأولى التي تكاد تكون أحرج الأوقات ويبدو الأمر أكثر صعوبة إذا كان التوأم بكراً، وخاصة في الأيام الأولى حيث يسيطر الإرباك على الأم وعدم الاستعداد الأولي للفكرة مضافاً إلى نقص الخبرة ولكن مع مرور الأيام تستطيع الأم أن توجد نظاماً خاصاً في التعامل مع الصغار الجدد.

وتضيف سرحان: الطفل له حياته النفسية التي تتأثر بالبيئة وبسلوك مخالطيه وينعكس هذا التأثير على حياته المستقبلية، وعلى الوالدين أن يهيئوا البيئة الهادئة الصالحة التي ينمو فيها مستقيما سويا، فان وجود تواءم في العائلة فان الفرحة تكزن ممزوجة بشيء من الخوف من المستقبل، وترى سرحان: “إذا كان التوائم بكراً يؤثر على علاقة الوالدين بالخارج” فإن الأم التي تربي تواءم تحتاج إلى 196 ساعة أسبوعيا لرعايتهم، في حين أن عدد ساعات الأسبوع هي 168 ساعة فقط، وهذا يعني بأن الأم تحتاج إلى أوقات مضاعفة للنوم، ومع ذلك فلا ترعاهم الرعاية الكاملة وكذلك هما لن يجدوا الرعاية الصحية والاجتماعية الكاملة من جانب الأم، وخاصة إذا كانت الأسرة من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة مما يهدد حياتهم ومستقبلهم، لذلك تحتاج الأم إلى طرف مساعد في البيت، مشيرة بقولها: في تربية التوأم يجب أن تتذكر الأسرة أن التوأم ليس وحيداً فهو مع أخ فهو يرى أنه طوال الوقت مع أخر، فإذا نادينا واحداً جاء الاثنان سوية لشعورهما بالتضامن القوي، وهذه الثنائية تجعل الطفل في غنى عن العلاقات الخارجية التي قد تكون محوراً حياتياً بالنسبة للطفل الأوحد، “لكن الصعوبات تظهر في المستقبل حيث يفكر كل واحد في الاستقلال عن الآخر، ويرفض أن يرتدي الاثنان زياً واحداً كما تعودا لأن كل واحد منهما يرغب أن يشعر بقيمته الذاتية ولذا يبدأن بالتمرد”.

عدم التمييز

ونوهت الأخصائية سرحان إلى أن علاقة الأم بالمجتمع الخارجي تتأثر لوجود التوائم بحيث يعرضها للضغط النفسي، ويشعر الزوج بالبعد لانشغال المرأة عنه، ازدياد العبء على المرأة لعدم مساعدة الزوج لها في الرعاية والاهتمام مما يزيد حدة التوتر والمشاكل الاجتماعية بين الأزواج، معلقة برأيها: أثناء التعامل مع التوائم لا يجوز التمييز بين التوائم لأن هذا يؤثر على نفسية الطفل ويشعره بالغيرة والحقد والكره وقد يدفعه للانطواء وعدم اختلاطه بالآخرين، كما أن تَبني أحد أفراد الأسرة الممتدة لأحد التوائم قد يؤدي إلى وجود خلل في التربية والتنشئة الاجتماعية، مما يؤدي إلى ازدواجية في التربية وهذا يؤثر على العلاقة بين الوالدين والأهل  وبالتالي يؤدي إلى وجود فجوة بين الأخوة.

كما ودعت الأخصائية سرحان الأمهات إلى عدم القلق والتوتر والتمييز بين التوائم قائلة ” لا تقلقي وكوني منظمة فقد تبدو الحياة فوضى في الأيام الأولى، اهتمي بنفسك أثناء انشغالك بالتوائم، لا تقارني بين التوائم فلكل شخص منهما سماته الشخصية وفروق فردية، كما ويجب أن تحددي أولوياتك ووضع الخطط المسبقة مع تدوين كل الأشياء التي تحتاج إلى تعديل في أسلوب حياتك حتى تتلاءم مع الضيفين الجديدين.

 

ضمن تصنيف Uncategorized | 3 عدد التعليقات »

أول فنان ينحت بالطين على الجدران

أول فنان ينحت بالطين على الجدران

الحجار: لوحاتي ذاكرة طفولتي وشبابي وسأورثها لأحفادي من بعدي

السعادة/ أمينة زيارة

هو الفنان الأول في فلسطين الذي يستطيع أن ينحت بالطين ويرسم الزيت ويشكل الوجوه والآيات القرآنية على قطع الفخار فقد استقبلنا الفنان التشكيلي بسام الحجار في مرسمه المتواضع الذي عج بالكثير من اللوحات التي تعبر عن جمال الفن ويده القادرة على رسم المعارك والوجوه والشخصيات على الطين وهي تعبر عن أصالة وعراقة المجتمع الفلسطيني فقد خطت يداه أجمل اللوحات الفنية المعبرة عن التاريخ الإسلامي، “السعادة” نزلت مرسم الفنان الحجار والتقطت بعض ملامح الصور الجميلة التي خطتها يداه.

النحت بالطين والرسم بالزيت

في معرض ذكرى النكبة وقف الفنان بسام الحجار بين رسوماته يتحدث بفخر لزوار المعرض عما خطته يداه من رسومات على الفخاريات بالطين، ويذكر ملامح وأسماء الشخصيات التاريخية التي حفر ملامحها على الفخاريات وقد أبدى الزوار مدى إعجابهم بهذا الفن التراثي النادر ويتحدث الفنان الحجار عن بدايته في الرسم بالطين على الفخار قائلاً: لقد امتهنت الحفر على الفخار والجداريات “رليف” حيث بدأت يدي تخط الألوان والأشكال والوجه باستعمال الطين والصلصال وأنا عمري 5 سنوات وعندما أصبح عمري 9 سنوات بدأت ارسم بالقلم وفي عمر الشباب بدأت ارسم بالزيت على اللوحة مباشرة وفي العشرينات من عمري تمكنت من رسم الجداريات والحفر على الفخار حيث شجعني أبي وكان يجلب لي ألوان الزيت والصلصال لمواصلة مشواري حتى ابتدعت في لوحاتي وجدارياتي التي زينت البيوت والمعارض الفلسطينية.

لوحات علاها الغبار

ويكمل الفنان الحجار: رسمت جداريات على الانتفاضة في مراحلها الأولى والاستشهاد ولازالت بعضها في أرشيف مرسمي وقد علاها الغبار بسبب قدمها وأحيانا استخرجها في المعارض التراثية ولكن لثقلها وخوفا على هذا التراث الفني الذي يعتبر ارثي في الحياة وساخلده ابنائي واحفادي من بعدي، مضيفاً: لقد سبقت أبناء عصري في هذه الرسومات ثم انتقلت إلى رسم المعارك كمعركة” حطين، اليرموك” على جداريات وحفرت وجوه القادة والرموز المناضلة منذ القدم على قطع الفخار، وبدأ يعدد اسماء الشخصيات الموجودة على الفخاريات، ومن الملفت لنظر المشاهد هذه الوجوه يرى كيف تفنن الفنان الحجار في رسم ادق التفاصيل في الوجه وكانك امام هذه الشخصية تتفحصها.

ذاكرة طفولتي وشبابي

وتابع الفنان الحجار حديثه الممزوج بالألوان والأشكال الفنية الرائعة قائلاً: اقضي يومي في مرسمي المتواضع اخطط الصور والأشكال والوجه وقد أحظى في الأسبوع ببيع قطعة ما كي أوفر مصروف البيت ولكنني أفضل أن احتفظ بهذه الجداريات والأعمال الفخارية في معرضي لأنها ذاكرة طفولتي وشبابي ساورثها لابنائي واحفادي من بعدي فانا اشتغل هذه الجداريات والفخاريات والجنزاريات فقط للعرض وليس للبيت، وأكمل: لقد عملت على رسم جداريات في البيوت حيث يأتي مواطن يريد لوحة تراثية نادرة في بيته من الطين ومن ثم أقوم برسمها على الحائط بالطين “كالقدس، قبة الصخرة، أشكال هندسية، حياة الريف، النكبة” ولكنه عمل لا يحدث إلا مرة في الشهر أو أكثر.

فقط في ذكرى النكبة

ويشير الفنان الحجار إلى انه يرسم لوحات بالزيت منذ فترة الشباب عن حياة الريف وحياة أجدادنا قبل النكبة خاصة وكأنه عايشها فهو يجمع في ألوانه البساطة والإبداع، ويعلق الحجار بتشاؤم: إن معروضاتنا هذه تظهر فقط في ذكرى النكبة حيث تتم دعوتنا للمشاركة بمعروضاتنا في معارض بمناسبة هذه الذكرى فما أن تمر هذه النكبة ويرتحل المعرض فإننا نرحل بأشغالنا إلى السنة القادمة في نفس الموعد ونفس المكان، ويطمح الفنان النجار أن يقيم مرسما خاصا يدرب فيه الجيل الجديد على هذه الحرفة حتى لا ينساها الأفراد ولا الزمن ويخرّج كل يوم جيلا فنيا مبدعا ومتميزا في عطائه بحيث تبقى هذه الحرفة حاضرة في الأذهان والقلوب والعيون.

 

 

ضمن تصنيف Uncategorized | 3 عدد التعليقات »

في غزة .. زواج فصائلي بشروط أبوية..

أبي : أريد زوجاً وليس حزباً

غزة/ أمينة زيارة

في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه” ولقد سار على سنته الكثيرون وطبقوا هذا الحديث في زواج أبنائهم، ولكن في غزة الأمر اختلف حيث انقلب الحديث الشريف إلى المقولة ((إذا أتاكم من ترضون حزبه فزوجوه))، حيث دخلت الأحزاب السياسية في بنية الحياة الأسرية، وأضحى الأب يختار لابنته زوجاً من فصيله، طرقنا الأبواب المغلقة وسمعنا لصرخات وتوسلات الفتيات “أبي أريد زوجاً وليس حزباً.

حمساوي درجة ثالثة

 كان الحوار معه عقيماً وقدمنا له الأدلة والبراهين على فرض الجهاد والرباط في سبيل الله وأن الأعمار بيد الله، وقد يعيش الزوج أكثر من عمر زوجته بإرادة الله لكن السيد فرج عبد الوهاب كان رأيه مغايراً حيث قسّم الشباب الحمساوي لثلاث درجات: الدرجة الأولى وهو المطارد المطلوب لليهود وهذا من المستحيل أن أزوجه ابنتي حتى لا تعود لي أرملة في الأسبوع الثاني، أما الدرجة الثانية فهو المرابط المقاوم الذي يتصدى للاجتياح وهذا أيضاً لن أقبل به لأن مصيره كسابقه، أما الدرجة الثالثة وهو المنتمي لحركة حماس ويعمل في “التنفيذية” فهذا سأقبله، مؤكداً: أنا لا انتمي لحزب معين بل ابن فلسطين ولا اكره هذا ولا أميل لذاك بل أريد مصلحة ابنتي وأن تستمر حياتها الأسرية بانسجام وراحة طول العمر.

 فتحاوي مستحيل

أما الحاج أبو زين فكانت نظرته قاتمة لمستقبل الشباب الفلسطيني في غزة حيث أكد: لن أقبل أن أزوج ابنتي لفتحاوي لما سمعت عنهم بأنهم غير ملتزمون ولكن صححنا حديثه بأن فتح فيها شباب محترمين وطنيون وملتزمون إلا أنه بقى مصراً على رأيه قائلاً: ابنتي تحفظ عشرة أجزاء من القرآن فلن أزوجها إلا شاباً ملتزماً وهذا ما أراه في ابن حماس، أما السيد ناجي سليم أب لست فتيات مقبلات على الزواج فقد أشار من جانبه: أطبق حديث رسولنا الكريم “إذا آتاكم من تروضون دينه وخلقه فزوجوه” فأي شاب صاحب دين وخلق يعامل ابنتي معاملة طيبة ويحترمها كزوجة وأم أزوجه إياها وأنا مرتاح ومطمئن لمستقبلها الأسري فلا أفرق بين ابن حماس أو ابن فتح، منوهاً بحديثه: إلا أن إخوتي الشباب الذين يعملون جميعهم في الأجهزة الأمنية السابقة يرفضون أي عريس يأتي لبناتي من حماس لأنهم لا يتقبلون ابن حماس في الشارع فكيف يكون صهرهم.

عريس وليس حزب

 أما ابنته “انتصار” والتي بدأت الدموع تتلألأ في عينها فقد أوضحت: تقدم لي شاب ملتزم لا ينتمي لفصيل بعينه بل محترم ” وابن ناس” لكن كان عيبه الوحيد أنه يعمل في قوات التنفيذية كوظيفة وهذا ما جعل أعمامي يقفون في طريق زواجي قائلين “إلا ابن حماس لو على قطع رقبتنا” وحدثتهم بالأمر لكنهم أصروا على رفضهم متعللين بأننا سوف نزوجك بشاب من فصيلنا نفهمه ويفهمها، أما الفتاة “رشا سرور” فقد أكدت من جانبها” أبي يريد أن يزوجني حزب وليس عريس” فأنا في السنة الأخيرة بالجامعة وقد تقدم لي زميلي وهو على خلق ويحمل شهادة ويحضر للماجستير ويحمل كل المواصفات الجميلة، مضيفة: عندما تقدم لخطبتي وعلم أبي أنه شاب ملتزم وأهله وأبناء عمومته من حماس قال له: “ابنتي مخطوبة لابن عمها” وبعد أن بكيت لساعات طوال دخل على غرفتي وقال لقد طلب يدك مني صديقي لابنه وهو قائد في إحدى الأجهزة الأمنية ولكنه لا يحمل شهادات.

انقسام اجتماعي ونفسي

ومن جانبه يؤكد د. فضل أبو هين مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات قائلاً: إن ما يجري على أرض الواقع من حالة الانقسام السياسي أدت لانقسام اجتماعي ونفسي مما أدى لانقسام في مشاعر الناس اتجاه بعضهم البعض فأصبح ابن فتح لا يطيق ابن حماس في كل مجالات الحياة، ففي الأسرة أصبح هناك تناحر وعدم قبول بين الأخوة في البيت الواحد بل انقسام مطلق في كل مناحي الحياة وهذا الانقسام هو الأرضية التي مهدت لكل الأعراض التي أتت بعد ذلك، مضيفاً: وكان أكبر تطبيق عملي لهذا الانقسام هو عدم قبول أبناء الفصائل وامتداداتها لبعضهم البعض بحيث يكون هناك قطيعة في كل مظاهر الحياة، ويكمل: ومن المستحيل أن يزوج الفتحاوي حمساوي والعكس صحيح فبدلا من أن نسأل الإنسان عن مؤهلاته ودينه وخلقه أصبحنا نسأله عن تنظيمه السياسي فقد دخلت السياسة في بناء الأسرة وتحديد مستقبلها وتربية الأبناء.

ويعلق د. أبو هين قائلاً: هذا الزواج يعد إجباراً على الفتاة وستكون الحياة الزوجية تعيسة بعد ذلك لأن التنظيم السياسي حكمها منذ البداية وقرر مصير الأسرة، وكلنا يعلم بأن الارتباط والزواج ليس من حق إنسان أن يتدخل به إلا أن دخول التنظيمات السياسية الطارئ أصبح جزء من الحياة الاجتماعية في فلسطين التي تدفع بالاستقرار الزوجي إلى الهاوية والانهيار، فإذا دخلت السياسة بنية الأسرة فإنها ستقلب معايير الحياة وتتحكم في المشاعر الإنسانية وحب الإنسان ومشاعره وأحاسيسه مما يؤدي إلى تعقيد نفسي وتصبح العلاقة بين الأزواج والأبناء مليئة بالتوتر والإحباط وتدخل الأمراض النفسية للعائلة ويصبح هناك عدم انسجام أسري لذا سنجد الصورة قاتمة لمستقبل الحياة الأسرية الجديدة.

انقطاع العلاقات الاجتماعية

وعن تفشي هذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني يؤكد د. أبو هين: مجرد ظهور حالة واحدة بين أفراد المجتمع فهي بمثابة ظاهرة سيئة تجتاح المجتمع وتتفاقم في ظل الوضع الذي نعيشه بحيث يرفض الفتحاوي أن يزوج ابنته لحمساوي ويتدخل التنظيم السياسي في اختيار الأب زوج ابنته، مؤكداًً: قد تتعثر حياة الزوجين في البداية بسبب هذا الاختيار الخاطئ دون رغبة الفتاة وذلك لإرضاء فصيله بحيث يكون هناك نفور بين الزوجين من البداية إضافة للنكد الزوجي.

ويستطرد في حديثه قائلاً: أدى انفصال الحزبين لانفصال وانقطاع في العلاقات الاجتماعية حيث لا يذهب الفتحاوي لمشاركة جاره الحمساوي فرحه ولا حزنه إلى أن ظهر عنصر التفشي من فصيل لآخر وأن يتمنى له الموت أو الاستهداف أو الزوال حتى يرتاح منه، مشيراً: لا يجوز لأحد أن يتدخل في مشاعر الفتاة وإرغامها على أمر لا تريده فديننا الحنيف يطلب مشورة الفتاة ورضاها بقبول العريس أم لا، ومنع الإجبار والقهر حتى لا نبني مجتمع غير منسجم وتظهر مشاكل تجعل الأسرة على حافة الانهيار ومن ثم تزيد من عوامل الطلاق والفراق الاجتماعي.

الزواج الفصائلي

 منوهاً إلى أن هناك عائلة ترفض أن تزوج البنت من خارج العائلة حتى أنهم يفضلون للفتاة أن تبقى عانس على أن تتزوج من غير العائلة وكذلك تجبر الفتاة على الزواج من رجل يكبرها بعشرين عاماً تبعا لتقاليد العائلة وهذا يعد انتهاك صارخ لحق الفتاة في اختيار الزوج ولا يبعد هذا التفكير الجاهلي عن الزواج الفصائلي حيث يقول صلى الله عليه وسلم: “إذا آتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه” ولم يقل من ترضون حزبه أو فصيله أو عائلته.

وعن آليات التصدي لهذه الظاهرة يؤكد أبو هين: هذا الواقع الذي نعيشه عمل على تفاقم الظاهرة يحتاج لمدة طويلة من العمل الشاق لتنقية المجتمع الفلسطيني الذي يسير بخطوات سريعة نحو التعصب الفصائلي وكذلك نحتاج لجهد كبير في التوعية والإقناع والإعلام والتسامح الاجتماعي لبناء جيل واعي، ونأمل أن تعود الأوضاع لسابق عهدها بحيث يفرح الجار لجاره ويحزن لحزنه ولا نغلق قلوبنا وأبوابنا في وجوه بعضنا البعض بل ندعو للتسامح والحوار حتى لا نسير للكارثة الاجتماعية في العلاقات والسلوكيات والتربية بحيث نحتاج إلى المساجد والمدرسة والإعلام لتصحيح هذا المفهوم الخاطئ، فنحن نحتاج إلى تربية فلسطينية ونقوي دور الوالدين في متابعة أبنائهم والجلوس معهم لغرس روح التربية الإسلامية السمحة بعيداً عن التعصب الحزبي.

ضمن تصنيف Uncategorized | 2 عدد التعليقات »

العقار السحري ينتشر في قطاع غزة

العقار السحري ينتشر في قطاع غزة

“الترمال” مسكن أوجاع الغزيين وقت الحرب وما بعدها

غزة/ أمينة زيارة

في الحرب الأخيرة على قطاع غزة ذهب الغزيون للبحث عن مُسكن أو مخدر يُنسيـهم الليل الطويل الذي كان يبدأ في السادسة مساءاً، وساعات النهار التي لا تخلو من غارة صهيونية أو استهداف مباشر للمواطنين، أو حتى خوف وقلق الجيران والأهل الذي يعود عليهم بآثار نفسية سيئة، إنه مُسكن “الترمال” الذي انتشر كالنار في الهشيم بين أوساط الشعب الفلسطيني ظناً منهم بأنه العقار السحري الذي يأخذهم بعيداً عن معاناتهم وأوجاعهم، مواطنون غزيون صرحوا “للرسالة” بتعاطيهم لهذا العقار لنسيان الآلام والمعاناة اليومية التي تعصف بقطاع غزة.

وصفة طبيب.. إدمان

المريض “ياسر.س” الذي بترت ساقه جراء الإصابة بصاروخ صهيوني غادر، أُجريت له ثلاث عمليات اثنتان في غزة وثالثة في مصر، وقد وصف له الأطباء حبوب “الترمال” لتخفيف آلام أوجاع البتر، ويحدثنا المصاب ياسر: كنت لا اعرف للنوم طعماً وأصرخ من شدة الآلام حتى اضطر الأطباء إلى وصف الترمال لتخفيف الآلام الخلود للنوم، مصرحاً: عندما كنت أتناولها كنت أنام ولا أشعر بأي ألم جسدي أو نفسي، وكنت طوال الوقت هادئاً وفي أحيان كثيرة نائماً خاصة في مستشفى ناصر في جمهورية مصر العربية حيث تم بتر قدمي هناك، ويواصل حديثه: لقد أدمنت على تناول هذا العقار فعندما أشعر بأي ألم أتناول قرصاً منه وأشعر بارتخاء ونوم وخاصة في فترة الحرب على غزة.

أنسى همومي وأوجاعي

أما “أبو نادر .ع” فقد أكد بدوره: عشت الأيام الأولى في الحرب متماسكاً أمام أطفالي ألعب معهم كرة القدم ونرسم سوياً، أحاول أن أخفف عنهم وطأة الحرب، ولكن في يوم الاجتياح البري للقطاع انتابني الخوف الشديد والقلق وبرودة في أطرافي واستمر هذا الحال أكثر من أسبوع، وكانت زوجتي تشد من أزري لكن دون جدوى فقد خفت أن تؤثر حالتي على أطفالي وينتابهم الخوف والرعب، وفي نهاية المطاف اتصلت على صديقي وجاري والذي بدوره أرشدني إلى حبوب “الترمال” وأكد بأنها ستشعرني بالارتخاء والنوم ونسيان الدنيا وهمومها خاصة إنني لم أعرف للنوم طعما خلال أسبوع مضى، وبالفعل تناولتها وقد شعرت بهدوء وفي أغلب الأحيان تنتابني حالات النوم طوال اليوم، ويصرح: لازالت أتناول هذا العقار حتى أنسى همومي وأوجاعي بعد الحرب التي خلفت قلق نفسي وجسدي على جميع أفراد المجتمع الفلسطيني.

فيما “ر. ص” فقد تحدث بخجل شديد بعدما أقنعناه بعدم وضع اسمه في الموضوع لأنه يؤمن بأن ما يقوم به خطأ ويشكل ضرراً على نفسه وحياته، فقد أشار: أنا أعرف عقار الترمال قبل الحرب حيث كان صديقي مصاب أثناء الحسم العسكري وسافر غالى مصر كي تُجرى له عملية زراعة عصب في قدمه ويده، وهناك وصف له الأطباء عقار الترمال حيث كان ينام ولا يشعر بأي آلام، وأتى بهذا العقار إلى غزة، وعندما أخبرني صديقي بفعالية هذا العقار أخذته إلى أقرب صيدلية وأكد الصيدلي بأنه عقار ممنوع لأنه عبارة عن مخدر ومُسكن للآلام الشديدة ويعتقد الكثيرون أنه منشط جنسي وجسدي، ويشير: احتفظت بالعقار ولم أتناول أي حبة منه، ولكن مع بداية الحرب رأيت كم الشهداء وإطلاق الرصاص والصواريخ وخوف الناس وهلع الأطفال، وضعف الرجال والشباب فأخذت حبة منه وكنت أشعر بأنني نشيط جداً وفي عالم آخر، وعندما تشتد الحملة الصهيونية وتكثر القذائف أتناول حبة منه فأنام اليوم الطويل ولا أشعر بمن حولي، مؤكداً: لا أنكر أنني لازالت أتناول هذه الحبوب حتى بعد انتهاء الحرب.

مسكن غير مخدر

ويعرف د. محمد البردويل أخصائي جراحة الأوعية الدموية في مستشفى الشفاء عقار الترمال قائلاً: الترمال هو عبارة عن مسكن ينتمي لفصيلة المسكنات غير المخدرة والتي لها تأثير لتسكين الآلام كبير للمرضى الذين يعانون من آلام بعد العمليات الجراحية وآلام ناتجة عن التهابات الأعصاب، وعن الجرعة التي يجب أخذها يوضح: الجرعة المطلوبة في هذا العلاج تؤخذ حسب إرشادات الطبيب وهي تعتمد على شدة الآلام، فهناك أصبحت مشكلة اجتماعية في التعامل مع هذا العلاج حيث أن له مضاعفات خطيرة على جسم الإنسان إذا تم استخدامه دون حاجة لهذا الاستخدام فهو يؤثر تأثير سلبي على الكبد والكلى خاصة إذا استخدم بكمية كبيرة وقد تفقده تأثيره العلاجي إذا أُخذ بدون سبب مما يؤدي إلى الإدمان على مثل هذه العقاقير دون فائدة خاصة إذا استخدم هذا العلاج كمخدر ومسكن للآلام أو في بعض الأحيان يعتقد البعض أنه “مقوٍ جنسي” وهذا اعتقاد خاطئ.

ويؤكد: كثير من الشباب اليوم أصبح لديهم الاعتقاد بأنه إذا تناول مثل هذه العقاقير يرتاح نفسياً وتسكن له جميع الآلام الموجودة لديه وهذا الاعتقاد خاطئ وبعيد عن الواقع حيث أن استخدام مثل هذه العقاقير الخطيرة دون الحاجة لاستخدامها قد يؤدي إلى أمراض كالفشل الكلوي وقد يؤدي إلى التسمم وارتفاع أنزيمات الكبد وهو لا يعتبر منشط للجسم أو يعمل على الراحة النفسية والعيش في عالم آخر -كما يرى البعض-.

استشارة الطبيب

ويوضح: بعض الطلاب يلجأ لتناول هذه العقاقير والمنبهات اعتقاد منهم بأنها تساعد على إحكام الذاكرة وتقويتها لديهم، مع أنه في الواقع “الترمال” قد يؤدي إلى النوم والهدوء عند الإنسان بحيث لا يقوى الطالب على المذاكرة بشكل مستمر إذا تناول مثل هذه العقاقير.

وأردف قائلاً: تشكلت أثناء الحرب تناول مثل هذه العقاقير ينسي الآلام النفسية لدى تناولها كنوع من الحالة النفسية التي كان يحياها الإنسان وقت الحرب لكن هذا الاعتقاد خاطئ لأن الترمال هو عبارة عن مسكن للآلام العضوية والتي تنجم عن الإصابات بجروح وشظايا الحرب وللمرضى بعد العمليات الجراحية.

وينوه د. البردويل: في كثير من الدول أصبح الترمال يعامل معاملة المسكنات المخدرة ولا يُصرف إلا للضرورة وبعد استشارة الطبيب، ففي جمهورية مصر العربية أصبح الترمال لا يباع إلا بوصفة طبية ومن يخالف القانون يعاقب على ذلك، وهذا الأمر كان بشهادة الأطباء المصريين لأنه في الفترات الأخيرة أصبح لدى المواطنين رغبة في تناوله دون المعرفة بأخطاره وما يسببه للإنسان من مشاكل صحية إذا تم تناوله دون استشارة، كما أن وزارة الصحة الفلسطينية أصدرت قانون معاقبة مهربي مثل هذه العقاقير ومحاسبة التجار الذين يقومون يبيعونها دون أن تقتضي الحاجة لذلك وإلزام الصيدليات بوصفة طبية لبيعها، فأصبحت هناك رقابة إلا أنه لا يوجد ضابط للسوق السوداء والمهربين لذا أدعو وزارة الداخلية بأن تضرب بيد من حديد على هؤلاء المهربين حتى لا يلحقوا الضرر بالشعب الفلسطيني.

جهل ولامبالاة

ويرى أخصائي الأوعية الدموية د. البردويل أن هناك جهل ولا مبالاة سائدة بين أوساط الشباب في تناول هذه العقاقير وكأنه ليس لها تأثير سلبي على الصحة باعتقادهم أنها تنشط الجسم والعقل وتسكن جميع الآلام النفسية وتؤدي إلى نسيان الألم ولكن مخاطرها كبيرة على صحة الإنسان فهي تؤدي إلى الإدمان على العقاقير المخدرة، وإلى أمراض الفشل الكلوي وأمراض الجهاز الهضمي وتؤدي إلى التقيؤ واضطرابات الجهاز الهضمي والعصبي إذا تم تناولها بجرعة زائدة، كما أنها وتؤدي إلى الكسل والخمول والنوم أحياناً، فهي ليست من الأدوية المنشطة.

متمنياً على الأطباء والصيادلة توخي الحذر عند كتابة أو بيع مثل هذه العقاقير خاصة إذا كان المريض ليس بحاجة إليها، كما يجب توعية أفراد المجتمع إلى خطورة تناولها على أبنائهم وأنفسهم، راجياً المسئولين في وزارة الداخلية ملاحقة المهربين وخاصة للأدوية الخطيرة التي تقع في أيدي الناس ظناً منهم أنه لا ضرر لها، فإن هدف هؤلاء التجار هو الكسب أو البيع دون النظر إلى الصحة المجتمعية والذهنية للمواطن.

ضمن تصنيف Uncategorized | 7 عدد التعليقات »

عائلة المعمر أحمد بدر اليمنية تتأكد من بقائه على قيد الحياة في غزة

بعد انقطاع ما يزيد عن مائة عام

عائلة المعمر أحمد بدر اليمنية تتأكد من بقائه على قيد الحياة في غزة

غزة/ أمينة زيارة

ترك قريته “بارق” اليمينية وهو طفلاً، فحزم حقائبه وهام على وجهه في الدنيا لأنه لم يجد أم أو أب يحتويه، فأتى إلى فلسطين مشياً على الأقدام فحمل البندقية وشارك إخوانه الفلسطينيين في محاربة اليهود والبريطانيين وهاجر مع اللاجئين وتوطن مثلهم، وواكب القضية بانتصاراتها وهزائمها حتى أصبح فيها معمراً، فها هو اليوم يحتفل بعامه العشرون بعد المائة بحضور أبنائه وأحفاده، “الرسالة” تشاركه الاحتفال بعيد ميلاده وتستمع إلى رحلة عمره حيث استسلمت لحديثه الشيق العقول والأقلام.

دخل فلسطين 1936

زارت “الرسالة” بيت المعمر أحمد بدر المعروف “بأبي بدر اليمني” في المنطقة حيث كان ذاهباً لاستلام المساعدة من مكتب وكالة الغوث الذي اعتاد كل شهر أن يذهب لجلبها بنفسه مع كبر سنه، وبانتظاره الذي لم يطل وصل المعمر بدر محملاً مؤنته على “عربة كارو” وما أن ترجل حتى بدأت علامات الشيخوخة تهاجمه فاتكأ على عكازه ليحمى نفسه من الوقوع، وما أن جلس يلتقط أنفاسه حتى بادرته “الرسالة” كم الآن عمرك بالضبط؟ فأجاب ضاحكاً: ” يا بنتي العمر بيجري وهو المخ شو بده يتذكر ليتذكر” ثم عاود ويبدأ بحساب عمره: لقد عاشرت تأسيس المملكة العربية السعودية وكان عمري حينها عشر سنوات والمملكة الآن تحتفل بالـ 110 عام، فإن عمري الآن ما يقارب 120 عاما أو أكثر بقليل.

وبدأ يحدثنا بلهجته اليمنية غير المفهوم بعض جملها لأي فلسطيني مع أن فترة لتركه لدولة اليمن طويلة جداً ولكنه متمسكاً بها وبأصالتها فيقول: “تركت اليمن عام 1934 وكان عمري حينها أحد عشرة عاماً، وقد تزوج أبي بعد وفاة أمي وتركتنا، فخرجت من قرية بارق التي كنت اسكن فيها وذهبت إلى السعودية مع من كان يسافر إلى موسم الحج مشياً على الأقدام حيث وقتها لم يكن هناك لا طائرات ولا سفن، فقد أديت مناسك الحج ومن ثم توجهت من الحجاج إلى المدينة مشياً على الأقدام متتبعين السفر الليلي، فقد كانا نستريح في النهار ونبدأ المشي بعد العصر حتى ساعات الصباح حتى وصلنا إلى مدينة القدس ودخلت فلسطين عام 1936.

قرية بارق

ويحدثنا عن قرية بارق بحب شديد وانتماء أكبر فيقول: “هي قرية جميلة وفيها أشجار معمرة منها برتقال وليمون وجوافة وموز، فيصمت لينتظر تجمع أفراد عائلة معاوداً حديثه بتنهيدة خرجت من أعماق قلبه: يا ريت أرجع إلها لكن الآن لا أعلم شي عنها”، هي قرية خضراء من كثرة الزرع بها ترتاح النفس والخاطر لذلك تجد أهلها كرماء وودودين بين بعضهم البعض، فهي تقع في محافظة “حجة” إحدى محافظات دولة اليمن وسكان القرية هم قبيلتين (قبيلة بدر وقبيلة السلامي) وكنا عائلة واحدة ورغم هذا الحب وجدت نفسي وحيداً حيث لا أب ولا أم فخربت إلى السعودية ومنها إلى فلسطين.

التشريد .. الجهاد من أجل فلسطين

وحتى لا تخونه الذاكرة كان يرتب أفكاره ككاتب قصة نضال وكفاح فأخذ يرسم ملامح الشخصية البطولية والذي كان هو أهم أبطالها فقال: وصلت إلى فلسطين عام 1936 وسكنت في القدس ما يقارب الستة شهور، ومن هناك انتقلت إلى قرية يافا في منطقة أبو كبير وتزوجت إحدى بنات المنطقة، وعشت هناك مدة عامين فعملت كحارس في بلدية يافا وعاشرت الفلسطينيين لأول مرة ووجدت فيهم المحبة والكرم، فلا يوجد تفرقة فإنهم اعتبروني ابنهم.

مقاوم يمني في فلسطين

ويتذكر تلك الأيام والسنوات التي مرت عليه وكأنه عايشها قبل عام مضى فيتحدث بتلك اللهجة المحببة إلى قلبه: في عام 1948 بدأت اليهود تدخل فلسطين بحراسة من البريطانيين وكنت آنذاك في عملي فدخلت اليهود إلى يافا وهجرت أهلها وهدمت البيوت على رؤوس أصحابها وكان من ضمن من نسفت بيوتهم على أصحابها كان بيت أهل زوجتي التي كنا نعيش فيه فماتت زوجتي تحت الهدم وهي حامل في الشهر الثالث، ويواصل رسم ملامح قصته قائلاً: بعد استشهاد زوجتي آثرت الجهاد وتطوعت مع مجموعات المقاومة الفلسطينية وحملت السلاح، فكنت حينها أشعر بفخر كبير بأنني ابن فلسطين وأحمل الهوية الفلسطينية مع كوني يمني الأصل، وبدأنا بحفر الخنادق في منطقة “تل الريش” بيافا، وشردتنا اليهود إلى “باب الواد” في القدس، ولم ينتابني يوماً اليأس والخنوع لذا عدت إلى حلحلول ومنها إلى قرية “خراس” وبقينا نحارب حتى استشهد العديد من أفراد المجموعة الفدائية التي انضممت في صفوفها وظل الاحتلال يطاردنا إلى أن وصلنا إلى قرية “المسمية” وجلسنا نرتاح بمسجد المدنية، فقد استقبلنا أهل القرية مرحبين بالمقاومين وسكنا هناك مدة ست شهور حتى وصل جنود الاحتلال بأسلحتهم ومدفعياتهم إلى هذه القرية وبدأوا بتهجير أبناءها ونسف البيوت والمساجد على رؤوس مصليها.

هجرة وتشريد

ويتذكر هذه الملاحم التي شاهدها بأم عينيه قائلا بحسرة: لقد عشنا أياماً عصيبة لم يرحم اليهود فيها لا صغير ولا كبير ولا حتى النساء قتلوهم بشراسة، ومن ثم شُردنا وهاجر من تبقى من أهل قرية المسمية إلى “أسدود” ووصلت حينها أخبار إلينا بتوقيع الهدنة وإرسال الحماية المصرية والتي التقينا بها في أسدود وجلسنا معهم فشعرنا بالأمل في العيش والعودة إلى قرانا، ويضحك والتجاعيد تظهر واضحة على وجهه: ” هي قرانا بالفعل مع أني يمني الأصل لكني ابن فلسطين، ودماء فلسطين تمشي في عروقي، ويتابع: شعاع النور انطفأ فجأة عندما خالفت اليهود الهدنة وبدأت بقصف المجدل واسدود من الجو بالطائرات والمدفعيات من البحر واستمر القصف مدة ثلاث أيام متواصلة، ويضيف: شكلنا مجموعة مقاومة جديدة مكونة من ستة عشر فلسطينياً وسبعة مصرين وخمسة من الحجاز (اليمن والسعودية)، وجهزنا أنفسنا بالسلاح وحاربنا اليهود في أسدود وفي طريق العودة إلى المجدل وجدنا الدبابات اليهودية تنتظرنا في مدخل المدينة، ووقعنا أسرى وصادر الجنود الذين كانوا بالدبابة أسحلتنا والتي حفرنا عليها أسماءنا بدمائنا الزكية.

بلوك 12

ويشير المعمر بدر: تم حبسنا في سجون الاحتلال وخرجنا في صفقة تبادل للأسرى مع اليهود ورُحلنا من جسر بيت حانون إلى قطار العريش في مصر، وهناك أخذ المصرين أسراهم، وتركونا مدة أربعة أيام على المعبر ومن ثم أرسل الحجازيين إلى بلادهم والفلسطينيين أرجعتهم إلى فلسطين وأنا كنت من ضمنهم لأنني أحمل الهوية الفلسطينية مع أن لهجتي يمنية واضحة لهم واستقر بنا الحال في بلوك (12) في مخيم البريج للاجئين.

ويختلس النظر إلى زوجته الجالسة إلى جانبه “أم بدر” الضريرة والتي ظهرت عليها الشيخوخة أكثر من زوجها الذي يكبرها ب40عاماً موضحاً: تزوجت من أم بدر وأنجبت أبنائي جميعهم، وعن سؤالنا له عن معرفته للقراءة أو الكتابة أجاب مبتسماً والتجاعيد ظهرت على ملامح وجهه جلية: “تعلمت في مخيم البريج في مدراس لمحو الأمية التي أقامتها وكالة الغوث لمدة شهر وعلمونا القراءة والكتابة وكنت شاطر مع إنني كنت كبيراً في السن” مضيفا بابتسامة الشيخ الوقور: الحمد لله أنني حتى اللحظة أتذكر الكتابة والقراءة مع مرور تلك السنوات الطويلة، فانا أقرأ القرآن جيداً وأراجع مع أحفادي السور القصار وبعض الحسابات.     

معمر في غزة وميت في اليمن

ويكمل الحاج أحمد قصة حياته الشيقة والتي تجمع لسماعها أحفاده وأبنائه وزوجاتهم حيث بدأ الضجيج والفوضى من الأحفاد حتى هاجمهم ” اصمتوا يا صغار لقد ضيعتوا الذاكرة” وبدأ يستعيد ذاكرته المفعمة بالأحداث: في عام 1979وعندما أنهت ابنتي المرحلة الثانوية أرادت أن تكمل دراستها في الخارج بسبب تفوقها فأرسلت بها إلى اليمن عند أعمامها وعماتها بعد غربة عنهم دامت سبعون عاماً وهناك استقبلوها إخواني وأبناء قبيلتي بالترحاب لكن فرحتها بهم وفرحتهم بها لم تكتمل، فعندما أرادت أن تستقر في بيت والدها وتحصل على حقوقه وممتلكاته فاجأتها الحكومة اليمنية قائلة: “احمد بدر حسن بدر قد مات منذ ما يقارب السبعين عاماً، ولا ندري عنه شيئاً وأكدت ابنتي للحكومة أنني على قيد الحياة لكنها وجدت الرفض وعدم إدراج اسمي في سجلات المواطنين اليمنيين الذين هم على قيد الحياة، مؤكداً: قبل عام مضى تقليت اتصلاً من ابن أختي وأخي ليطمئنوا بأنني على قيد الحياة، ومازالت الاتصالات بيننا، وهذا لا أقوى دليل وشهادة للحكومة اليمنية على وجودي على قيد الحياة.

قال عليه الصلاة والسلام: ” أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين” والحاج أحمد بدر رغم بلوغه العشرين عاماً بعد المائة فقد اعتبرته الحكومة الفلسطينية معمر فلسطيني وذاكرة موثقة بالحقائق والتواريخ ويشهد له من جلس معه وتحدث إليه عن تاريخه النضالي في محاربة ومقارعة اليهود وسنوات التشريد والهجرة الطويلة.

ضمن تصنيف Uncategorized | لا تعليقات »

الجريح قريقع يعود إلى ميدان العمل الصحفي على كرسي متحرك

إرادته قهرت إعاقته

الجريح قريقع يعود إلى ميدان العمل الصحفي على كرسي متحرك ويبهر الجماهير

 

غزة/ أمينة زيارة

تراه بين الجماهير المحتشدة ينتقل بكرسيه المتحرك بمهارة وخفة، تارة يدفع كرسيه بين الجماهير ليلتقط صورة لطفل يحمل راية وأخرى لسيدة تحمل مصحفاً، وأخرى تقوم زوجته بمساعدته لالتقاط الصور، كرسيه لم يحُل بينه وبين ممارسه عمله وتحقيق أحلامه الصحفية، فقد قهر إعاقته بإدارة وعزيمة قوية ونزل الميدان وأثبت جدارته، هو الصحفي الجريح “مؤمن قريقع” الذي فقد قدميه في استهدافه من قبل طائرة صهيونية، “الرسالة” زارت بيت المصور الصحفي ونقلت أجمل صورة التحدي والإرادة الفلسطينية.

قاهر الإعاقة

وعن إصابته يقول الصحفي مؤمن قريقع الذي عاد قبل وقت ليس ببعيد من المملكة العربية السعودية بعد رحلة علاج لم تفلح في إعادة قدميه: كانت إصابتي أثناء إعداد تقرير صحفي لإحدى المؤسسات الصحفية التي كنت أعمل معها حيث تم استهدافي من قبل طائرات الاحتلال أدت إلى بتر قدمي حيث تنقلت في عدد من البلاد العربية لإجراء عمليات لإعادة قدمي أو تركيب أطراف صناعية ولكن دون جدوى حتى استقر بي الحال في السعودية وتزوجت الصحفية الفلسطينية “ديمة عيدية” التي اعتبرها زميلتي ورفيقة دربي والتي تدفعني للاستمرار في العمل الصحفي، ويكمل صاحب الإرادة والعزيمة القوية: الإعاقة ليست ضعف أو نقص لدى الإنسان بل الإنسان القوي هو من يقهرها ويثبت نفسه في الميدان من خلال عمله الذي يحمل رسالة هادفة، قائلاً” “المعاق ليس معاق الجسد بل معاق الإرادة العقل والتفكير”.

ويشير إلى بعض الصعوبة التي يواجهها في التنقل بين الجماهير أو اعتلاء منصة لالتقاط بعض الصور، فيقول: زوجتي تقف إلى جانبي وتدفعني إلى الأماكن التي استطيع التقاط صور منها وكذلك هي تقوم بالتصوير بدلاً مني في بعض الأحيان من أماكن لا استطيع الوصول لها، مضيفاً: خلال عودتي إلى العمل الميداني لم أجد صعوبة في التعامل مع الصحفيين خاصة المصورين الذين يتدافعون لخدمتي وإفساح المجال لي، فقد وجدت ترحيب واسع من قبل الصحفيين في عودتي للعمل بإرادة وعزيمة قويتين، وخاصة في استقبال الأسيرة المحررة فاطمة الزق حيث ذهبت للتصوير فأصعدوني على المنصة واستطعت التقاط عدد من الصور.

عودة للعمل الصحفي

ويجيب قريقع وابتسامة المنتصر لا تفارق محياه: عندما استيقظت من العميلة ولم أجد قدمي أول ما جال في خاطري، كيف سأعود لممارسة عملي بلا قدمين أو على كرسي متحرك؟؟، وشعرت بضعف الدنيا ينهال على جسدي إلا أن إيماني بالله وإرادتي القوية صنعت مني إنساناً آخر أكثر قوة، فعدت إلى أرض غزة أمارس عملي المحبب إليّ وامتشق “ابنتي” الكاميرا وأنزل إلى الميدان رغم الصعوبة في التحرك.

ويتابع المصور قريقع حديث التحدي فيقول: لم أجعل أحلامي تقف عند حدود إعاقتي بل وضعت خططاً ورسمت أحلاماً وأنا في السعودية كي أحققها بعد عودتي إلى غزة، لكنني فوجئت بالواقع المرير، فقد فقدت عملي مع بعض المؤسسات بسبب إعاقتي ولكنني لم أيأس بل استمريت في العمل الصحفي وها أنا لازلت في الميدان كغيري من الصحفيين لكن بحركة محدودة.

صحفي حر

ويصمت قريقع قليلاً ويعود بذاكرته إلى شهور مضت فيقول: تمنيت أن التقط صور لحرب غزة وأنقل صور ما يحدث لأهلنا في القطاع للعالم الخارجي ليرى وحشية الاحتلال ضد شعب أعزل، واستخدامه للسلاح المحرم بحق الأطفال والنساء والشيوخ، لكن الإصابة حالت دون أن أحقق هذا الهدف وأشارك في نقل الحقيقة للعالم، معلقاً: لكنني لم أنكر جهد زملائي الإعلاميين الذين أدوا الرسالة على أكمل وجه وأوصلوا للعالم الصورة القاتمة التي فرضها الاحتلال على القطاع بقتله الأطفال والكبار، ويضيف: فقدت أصدقاء وصحفيين أحباء إلى قلبي وكم تمنيت أن أودع الصحفي الشهيد باسل فرج رفيق الدرب والعمل الصحفي الذين استشهد في مصر ولم أعلم باستشهاده إلا بعد شهور.

ويؤكد قريقع: بعد فقداني عملي مع المؤسسات بدأت العمل كمصور وحر وفُتحت أمام الأفق للعمل حيث بدأت بعض المؤسسات تقبل عملي وتشجعني على الاستمرار في العطاء فهم معجبون بالعزيمة القوية والإدارة التي تدفعني للاستمرار في العمل الصحفي، وكلي ثقة بالله أن يمنحني الشجاعة والقوة كي أعود للعمل، موضحاً رسالته للاحتلال الصهيوني الذي أفقده قدميه فيقول: أثناء التفكير في العودة للعمل الصحفي كان السبب الأول هو إرسال رسالة للاحتلال بأن الشعب الفلسطيني يمتلك عزيمة وإرادة قوية ولن يهزم مهما أصابوا أو قتّلوا، فنحن شعب كطير العنقاء يخرج من تحت الرماد يفرد جناحيه ويعود يحلق في السماء دون الشعور بالضعف أو الهزيمة، وأنا اكتسبت هذه العزيمة من أبناء شعبي المقاوم الذي انتصر على العدو بعزيمته وإيمانه العميق بالله وثقته بنصره.

وفي ختام حديثه قدم قريقع شكره إلى زوجته الصحفية “ديمة” التي وقفت إلى جانبه في محنته أثناء الإصابة والآن في العودة إلى عمله ومساعدته في التقاط الصور الصحفية، فيقول: “وراء كل رجل عظيم امرأة قوية صاحبة إرادة وعزيمة لا تلين”.   

 

ضمن تصنيف Uncategorized | لا تعليقات »

Hello world!

مرحبا بك في مدونـــــات أميـــــن. هذه هي المقاله الأولى. تستطيع تعديلها أو حذفها, بعد ذلك تستطيع البدء بالتدوين!

ضمن تصنيف Uncategorized | تعليق واحد »